Indexed OCR Text

Pages 361-380

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً،
٠٠
ويطلق على الوقت الحاضر أيضاً، قاله العيني، وبسط ابن القيم في ((الهدي))
الكلام على ذلك أشد البسط، فارجع إليه إن شئت، ورجح قول من قال: إن
الساعات من أول النهار.
(فكأنما قرب بدنة) بفتحتين، يعني كأنه تصدق بالبدنة متقرباً إلى الله تبارك
وتعالى، وقيل: المراد أن للمبادر في أول ساعة نظير ما لصاحب البدنة من
الثواب ممن شرع له القربان؛ لأن القربان لم يشرع لهذه الأمة على الكيفية التي
كانت للأمم السابقة، وفي رواية: ((فله من الأجر مثل الجزور))، وظاهره أن
الثواب لو تجسد لكان قدر الجزور.
وقيل: ليس المراد في الحديث إلا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة،
وأن نسبة الثاني من الأول نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلاً؛ ويدل عليه
مرسل طاووس عند عبد الرزاق بلفظ: ((كفضل صاحب الجزور على صاحب
البقرة))، وفي رواية الزهري عند البخاري: ((كمثل الذي يُهْدِي بدنةً))، فكأن
المراد بالقربان في رواية الباب: هو الإهداء إلى الكعبة، فيكون المبادر إلى
الجمعة كمن ساق الهدي إلى الكعبة، قاله الزرقاني(١).
ثم اختلف الأئمة ههنا في مسألة أخرى: وهي أن البدنة تختص بالإبل
أو تشمل البقر أيضاً؟ قال الحافظ (٢): قال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم
الشرع قد يقيم مقامها البقرة وسبعة من الغنم، وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما إذا
قال: ((لِلَّهِ عَلَيَّ بدنةٌ))، وفيه خلاف، الأصح تعيين الإبل إن وجدت، وإلا
فالبقرة أو سَبْعٌ من الغنم، وقيل: تتعين الإبل مطلقاً، وقيل: يتخير مطلقاً، اهـ.
قال الشوكاني: حكي في ((البحر)) عن الهادي والشافعي والمؤيد بالله: أن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٧/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٤٧/٢). وانظر: ((عمدة القاري)) (٢٠/٥).
٣٦١

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
البدنة تختص بالإبل، وعن أبي حنيفة وأصحابه والناصر: أنها تطلق على
البقرة، وعن بعض أصحاب الشافعي: أنها تطلق على الشاة أيضاً، قال: ولا
وجه له، اهـ.
قال العيني (١): البدنة تطلق على البقر، واستُدِلَ بهذا على أن البدنة
تختص بالإبل لتقابله في الحديث بالبقرة. ورُدَّ بأن اقتصار العام على بعض
أفراده لقرينة لا يكون حجة على نفي العموم، فإنه لا شك في أن المراد ههنا
هو الإبل خاصة؛ لكنه لا ينفي عموم الإطلاق، كيف، وههنا قرينة صارفة عن
العموم الحقيقي؛ على أن ألفاظ الرواية مختلفة، فقد وقع في (مسند أحمد))
برواية أبي هريرة بلفظ: ((فرجل قدم جزوراً، ورجل قدم بقرة)) الحديث. وفي
رواية النسائي من حديث أبي هريرة بلفظ: ((كالمهدي يعني بدنة)»، وزيادة لفظ:
(يعني)) يشير إلى السهو في ألفاظ الرواية، فيحتمل أن يكون لفظ الباب من قبيل
الرواية معنى .
واستدل من قال: إن البدنة تعم البقرة أيضاً برواية جابر، قال: ((أمرنا
رسول الله وَّ أن نشترك في الإبل والبقر، كلُّ سبعةٍ منا في بدنة))، متفق عليه.
وفي لفظ: قال لنا رسول الله وَّر: ((اشتركوا في الإبل والبقر كل سبعة في
بدنة))، رواه البرقاني على شرط الشيخين، وفي رواية قال: ((اشتركنا مع
النبي ◌َّ في الحج والعمرة، كل سبعة منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أيشترك
في البقر ما يشترك في الجزور، فقال: ما هي إلا من البدن)) رواه مسلم.
وبوّب ابن تيمية في ((المنتقى)) على هذه الروايات: ((باب إن البدنة من
الإبل والبقر عن سبع شياه وبالعكس)) ويؤيدهم أقوال جمهور أهل اللغة، قال
العيني: قال الداودي: قيل: إن البدنة تكون من البقر، ونقل ذلك عن الخليل.
(١) ((عمدة القاري)) (١٧٢/٦/٣).
٣٦٢
:

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي
السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً،
وفي (تفسير الخازن)): والبدن جمع بدنة، سميت لعظمها وضخامتها، يريد
الإبل الصحاح الأجسام والبقر، ولا تسمى الغنم بدنة لصغرها، اهـ. وقال
البغوي في ((معالم التنزيل)): قال عطاء والسُّدِّي: البدن الإبل والبقر، أما الغنم
فلا تسمى بدنة، اهـ. وفي ((الجمل)) عن ((المصباح)): البدن ناقة أو بقرة تُنْحَرُ
بمكة، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يُسَمِّنونها، اهـ.
(ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة) ذكراً أو أنثى فالتاء للوحدة
لا للتأنيث (ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً) قال المجد: الكبش
الحمل إذا أثنى، أو إذا خرجت رباعيته، اهـ. وقال في ((المجمع)): هو الفحل
الذي یناطح، اهـ.
قلت: وفي التشبيه بالكبش، وهو الذكر إشارة إلى أنه أفضل من الأنثى،
فإن لحمه أطيب منها .
(أقرن) قال النووي: وصفه به؛ لأنه أكمل وأحسن صورة، ولأن قرنه
ينتفع به، واستدل بذاك الترتيب على أن الأفضل في الضحايا الإبل، ثم البقر،
ثم الغنم، وسيأتي الكلام على ذلك في آخر الحديث، ووقع في رواية للنسائي
ههنا زيادة: (بطة)) بين ذكر الشاة والدجاجة، وهي زيادة شاذة كما سيجيء.
(ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب؛ استشكل فيها، وفي ذكر البيضة
إطلاق التقرب، كما سيأتي الكلام عليه (دجاجة) بفتح الدال ويجوز الكسر
والضم، وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من الناس،
قال العيني: الدجاجة تقع على الذكر والأنثى، كسر الدال وفتحها لغتان
مشهورتان، وحكي الضم أيضاً. وفي ((المنتهى)) لأبي المعالي: فتح الدال
أفصح من كسره، ودخلت الهاء في الدجاجة، لأنه واحد من جنسها مثل حمامة
٣٦٣

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً،
وبطة ونحوهما، وكما جاءت الدال مثلثة في المفرد، فكذلك يقال في الجمع
أيضاً، انتهى. ووقع في رواية أخرى للنسائي ههنا بين الدجاجة والبيضة ((ذكر
العصفور))، وهي أيضاً زيادة شاذة.
(ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) وهي واحدة من البيض،
استشكل التعبير فيها (١)، وفي الدجاجة بلفظ: ((تقرب))، ويزيد الإشكال ما في
رواية الزهري بلفظ: ((كالذي يهدي)) لأن الهدي لا يكون من الدجاجة أو
البيضة أصلاً، وأجاب عياض تبعاً لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه
حكمه في اللفظ، فهو من الاتّباع، كقوله: ((متقلداً سيفاً ورمحاً)) وتُعُقِّب بأن
شرط الاتّباع أن لا يصرح باللفظ في الثاني، فلا يسوغ أن يقال: متقلداً سيفاً
ومتقلداً رمحاً، فالظاهر في الجواب أن يقال: إنه من المشاكلة.
قال العيني (٢): المراد من التقرب التصدق، ويجوز التصدق بالدجاجة
والبيضة ونحوهما، انتهى. وقال ابن العربي: هو من تسمية الشيء باسم
قرينه، اهـ. قال القاري(٣): وفي قبول إهدائهما في الجمعة دون الحج إشارة
إلى سعة الفضل والكرم، وإيماء إلى أن الحج مفروض على الأغنياء، والجمعة
عامة أهلها الفقراء، اهـ.
ولا يذهب عليك أن حديث الباب بلفظ: ((قرب)) وأوضح منه ما في محله
في بعض الروايات لفظ: ((الهدي)) يدل على أن من التزم على نفسه هدياً يكفي
له هدي البيضة، لكن الصحيح من مذاهب الأئمة الأربعة أنه لا يصح، كما
قاله الزرقاني وغيره.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٧/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٩/٥).
(٣) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥١/٣).
٣٦٤
--

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ،
ثم ما وقع في رواية النسائي زيادة: (بطة)) و((عصفور)) زيادة شاذة عند
المحدثين كما ذكرناه مبسوطاً فيما علقناه على النسائي، قال الزرقاني: وللنسائي
زيادة ((العصفور والبطة)) لكن خالفه عبد الرزاق فلم يذكر وهو أثبت، قال
النووي في ((الخلاصة)): هاتان الروايتان وإن صح إسنادهما فهما شاذتان
لمخالفتهما الروايات المشهورة، انتهى.
(فإذا خرج الإمام) عما كان مستوراً فيه من منزل أو غيره، قاله الباجي (١).
واستنبط منه الماوردي من أن الإمام لا يستحب له المبادرة، ويستحب له
التأخير إلى وقت الخطبة، وتعقبه الحافظ بأن ما قاله غير ظاهر، لإمكان الجمع
بأن يبكر ولا يخرج من المكان المعد له في الجامع، أو يحمل على من ليس
له مكان معه، انتهى .
قلت: والظاهر عندي أن المراد من الخروج من الصفوف إلى المنبر، قال
القاري (٢): أراد بالإمام نفسه الشريفة عليه الصلاة والسلام، فالمراد الخروج
الحقيقي من الحجرة الشريفة، أو المعنى إذا ظهر الإمام بدخوله إلى المسجد أو
بطلوعه على المنبر، والأخير أنسب، انتهى.
قلت: بل هو المتعين، ويؤيده رواية البيهقي (٣) بسنده عن أبي هريرة، بعد
ذكر الدجاجة والبيضة: ((فإذا جلس الإمام طووا الصحف)) الحديث، وفي رواية
أخرى: ((يكتبون الناس على مثالهم(٤): الأول، فالأول، فإذا جلس الإمام
طووا الصحف)) وأخرجهما مسلم أيضاً، ويؤيده أيضاً ما في الروايات الأخر
(١) ((المنتقى)) (١٨٤/١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٢/٣).
(٣) انظر: ((السنن الكبرى)) (٢٢٦/٣).
(٤) كذا في الأصل، والصواب: ((منازلهم)) كما في ((السنن الكبرى)) (٢٢٦/٣).
٣٦٥

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)).
أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة، ٤ - باب فضل الجمعة.
ومسلم في: ٧ - كتاب الجمعة، ١ - باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ
من الرجال، حديث ١٠.
عند البيهقي وغيره في أحاديث الإنصات بلفظ: ((فإذا خرج الإمام أنصت كان
كفارة)) والإنصات مجمع عليه أنه بعد طلوع الإمام على المنبر.
وأيضاً في رواية البخاري في ذكر الملائكة، ومسلم في الجمعة عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد
ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف)) الحديث.
(حضرت) فتح الضاد أفصح من كسرها (الملائكة) إلى المنبر بعد أن
طووا الصحف كما في رواية الشيخين (يستمعون) مع الناس (الذكر) والمواعظ
وغير ذلك، مما في الخطبة امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وسميت
الخطبة ذكراً لاشتمالها عليه، بل هو المقصود منها .
والمراد بالملائكة غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حُضَّارٍ الجمعة، يجلسون
على أبواب المسجد، وفي رواية لابن خزيمة: ((يقول بعض الملائكة لبعض:
ما حبس فلاناً؟ فتقول: اللَّهم إن كان ضَالّاً فاهده، وإن كان فقيراً فأغنه، وإن
كان مريضاً فعافه)).
وفي الحديث فوائد كثيرة تظهر بالتأمل، ذكر بعضها العيني (١) وغيره،
تركنا ذكرها خوفاً من الإطالة.
واستدل بالحديث على أن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر، وهو
متفق عليه في الهدي، ومختلف فيه في الضحايا، فالجمهور على ذلك، قال
مالك: الأفضل في الضحايا الغنم، لأنه وَلّ ضحَّى بكبشين، وأكثر ما ضحى
ولو كان غيره أعظم منه
٢٠٧
به الكباش، وقال تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٧٣/٦/٣)، و((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٣/٣).
٣٦٦

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
الفدى به، وأنه أول قربان تقرب به إلى الله عز وجل في الدنيا، وأنه فدى به
نبي كريم، قال الزين بن المنير: فرق مالك بين التقرُّبين لاختلاف المقصود،
فإن أصل مشروعية الأضحية التذكير بقضية الذبيح، وهو فدي بالغنم،
والمقصود بالهدي التوسعة على المساكين، فناسب الْبُدُنَ، اهـ
واحتج الجمهور بأن البدنة تجزئ عن سبعة، أو عشرة على الخلاف فيما
بينهم، والبقرة عن سبعة، والشاة عن واحد، حتى حكى النووي الاتفاق على
أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، وظاهر أن ما كان يجزئ عن الجماعة إذا
ضحى به الواحد كان أفضل مما يجزئ عن الواحد فقط، قاله الشوكاني.
قلت: واستدل الجمهور بما نقله الحافظ عن البيهقي (١) من حديث ابن
عمر: ((كان النبي وَلّ يضحي بالمدينة بالجزور أحياناً وبالكبش إذا لم يجد
جزوراً))، قال: فلو كان ثابتاً لكان نصاً في موضع النزاع، لكن في سنده
عبد الله بن نافع، وفيه مقال، اهـ.
قلت: لكنه مؤيد بحديث الباب؛ فإن حديث الباب أيضاً بمنزلة النص.
على أن التقرب مطلقاً بالجزور أولى من البقر، وهما من الغنم.
وما قيل في قوله تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ (®)﴾(٢) لا يكون حجة على
الجمهور؛ لأن إبراهيم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - كان نذر القربان،
وأنت خبير بأن من نذر عليه الذبح لله تعالى يقع على الشاة، فكان تعيين الكبش
هناك لأجله، وإلا فظاهر القرآن أوفق بالجمهور، قال تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ
وَأَنْحَرْ ﴾﴾ على أحد الأقوال فيه، والنحر يكون في الإبل، وقال عز اسمه:
﴿ وَاُلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَكِرِ اللَّهِ﴾ والبدن اسم للبقر والإبل معاً عندنا،
والإبل خاصة عندهم، فتأمل، فإنه من العبد الضعيف لم ينقل من المشايخ.
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٧٢/٩).
(٢) سورة الصافات: الآية ١٠٧.
٣٦٧

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢٠) حديث
٢٢٠/ ٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ
الْمَقْبُّرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمَعَةِ وَاجِبٌ
عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ.
٢/٢٢٠ - (مالك عن سعيد بن أبي سعيد) اسمه كيسان (المقبري) بضم
الموحدة وفتحها كان مجاوراً للمقبرة، فنسب إليها، قال في ((الفتح الرحماني)):
كان مجاوراً لها، وقيل: كان منزله عند المقابر، وهو بمعنى واحد، وقيل:
جعله عمر على حفر القبور، ويحتمل كله، فكان على حفرها ونازلاً عندها،
وكان مكاتباً لامرأة من بني ليث بن كثير، انتهى.
وقال السمعاني في ((الأنساب)): بفتح الميم وسكون القاف وضم الموحدة
في آخرها راء مهملة، قال ابن أبي حاتم: نسب إلى مقبرة كان يسكن بالقرب
منها، اهـ. مدني تابعي ثقة، روى له الستة، وثّقه جماعة، إلا أنه كبر، واختلط
قبل موته بأربع سنين، مات سنة ١٢٣هـ، وقيل: سنة ١٢٦ هـ قاله السمعاني. قال
الزرقاني: كان سماع مالك ونحوه منه قبل الاختلاط، وفي الرواة مَن اسمه
سعيد بن أبي سعيد أربعة عشر رجلاً، كما قاله الحافظ في المقبري، فلا تغفل.
(عن أبي هريرة) روى عنه سعيد وأبوه معاً (أنه كان يقول) رواه مالك
موقوفاً، قال في ((التمهيد)): رفعه رجلٌ لا يحتج به، عن عبيد الله بن عمر عن
سعيد، عن أبي هريرة عن النبي ◌ّ (غسل يوم الجمعة) سيأتي الكلام على أن
الغسل لليوم أو للصلاة، قال الباجي(١): إضافة الغسل إلى يوم الجمعة بمعنى
أنه لا يخلو اليوم من إتيان الجمعة.
(واجب على كل محتلم) قال الباجي: إضافة وجوبه إلى المحتلم لجريان
الأحكام عليه، وتوجه الأوامر إليه (كغسل الجنابة) في الوجوب عند أبي
هريرة، لأن مذهبه وجوب الغسل حقيقة، نقل ابن المنذر عنه وعن عمار بن
(١) ((المنتقى)) (١٨٤/١).
٣٦٨
.-

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢٠) حديث
٠٠.
ياسر، فلا حاجة إلى توجيه الرواية على مذهبه، وهو قول الظاهرية، ورواية
عن الإمام أحمد، قاله الزرقاني (١)، وكذا نقله في ((السعاية))(٢) عن ((إرشاد
الساري))، ونسب صاحب ((الهداية)) هذا إلى مالك، وكذا ذكره النووي في
((شرح مسلم)): أن ابن المنذر حكى الوجوب عن مالك.
قلت: لكن كتب المالكية صريحة في ذكر الاستحباب.
قال في ((الاستذكار))(٣): لا أعلم أحداً أوجب الغسل للجمعة، إلا أهل
الظاهر. وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن غسل يوم الجمعة أواجب هو؟
قال: سنة، قيل له: في الحديث إنه واجب، قال: ليس كل ما جاء في
الحديث يكون كذلك. وروى ابن أشهب عن مالك أنه سئل عن غسل الجمعة،
أواجب هو؟ قال: حسنٌ، وليس بواجب، كذا في ((السعاية)) (٤). وقال في
((مختصر خليل)): ((وسُنَّ غسل متصل بالرواح)). فعلم أن الصواب أن الغسل
عند المالكية ليس بواجب، وهو نص الإمام مالك كما تقدم.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٥): وحكاه ــ أي الوجوب - ابن المنذر والخطابي
عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه، قال ابن
دقيق العيد: قد نص مالك على وجوبه، فحمله من لم يمارس مذهبه على
ظاهره، وأبى ذلك أصحابه، والرواية عن مالك بذلك في ((التمهيد)) (٦)، اهـ.
وكذلك ما في كتب الحنابلة هو غير الوجوب.
(١) (٢٠٩/١) .
(٢) (١٠/ ٣٢٢).
(٣) (١٧/٥).
(٤) (٣٢٢/١).
(٥) ((فتح الباري)) (٢/ ٣٦١).
(٦) (١٦/ ٢١٣ - ٢١٤).
٣٦٩

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢٠) حديث
قال في ((نيل المآرب))(١): الأغسال المستحبة ستة عشر غسلاً، آكدها
الغسل لصلاة جمعة في يومها، وفي ((الروض المربع)) (٢): ويسن أن يغتسل في
يومها لخبر عائشة: ((لو أنكم تطهّرتم ليومكم هذا)). إلا أن الشيخ ابن القيم قال
في ((زاد المعاد)): للناس في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي، والإثبات، والتفصيل
بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغنٍ عنه فيستحب
له، والثلاثة لأصحاب أحمد، اهـ.
فعلم أن المسألة فيما بينهم خلافية، لكن المشهور في متونهم عدم
الوجوب كما تقدم، وإليه ذهب الجمهور، قال الشوكاني: وذهب جمهور
العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنه مستحب، قال القاضي
عياض: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه، انتهى.
قلت: لكنهم اختلفوا فيما بينهم في أنه مستحب وسنة مؤكدة بعد اتفاقهم
على عدم وجوبه في المشهور الصحيح عنهم، قال الشعراني في ((ميزانه)): قول
جميع الفقهاء بسنية الغسل للجمعة مع قول داود والحسن بعدم السنية، اهـ
فيحمل عندهم حديث الباب وأمثال هذا اللفظ على أن التشبيه في صفة الغسل
واستيعابه الجسد، وكذلك ما ورد من الأوامر وألفاظ الوجوب إما محمول على
التأكد أو محمول على النسخ، كما هو صريح رواية أبي داود(٣) بسنده إلى
عكرمة: ((أن ناساً من أهل العراق جاءوا إلى ابن عباس فقالوا: أترى الغسل
يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل
فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل، كان الناس مجهودين،
يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف،
(١) (٧٧/١) .
(٢) (٢٩٩/١).
(٣) أخرجه أبو داود ح (٣٥٣) كتاب الطهارة، باب ((الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة)).
٣٧٠
-----
--
--
---- --

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢٠) حديث
٠٠٠٠
إنما هو عريش، فخرج رسول الله وَلّ في يوم حارِّ، وعرق الناس في ذلك الصوف
حتى ثارت منهم رياح، آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله و ◌َل# تلك
الرياح، قال: ((يا أيها الناس، إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمسّ أحدكم أفضل
ما يجد من دهنه وطيبه)). قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ((ثم جاء الله تعالى
ذكره بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل ووسع مسجدهم، وذهب بعض
الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق)). وأخرجه البيهقي أيضاً.
فهذا الحديث كأنه نصٌّ على أن الغسل كان أولاً للرياح ولبس الصوف
وغير ذلك، ثم نسخ، ويؤيد النسخ أيضاً ما رواه ابن عدي في ((الكامل)) من
حديث أنس قال: قال رسول الله وَالر: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)) فلما
كان الشتاء قلنا: يا رسول الله أمرتنا بالغسل للجمعة وقد جاء الشتاء ونحن نجد
البرد، فقال: ((من اغتسل فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج)). وتُكُلِّم في
سنده إلا أنه يُشدُّ بغيره، وكذا في ((السعاية))(١) .
قلت: وأخرجه البيهقي أيضاً، وحديث ابن عباس أخرجه الحاكم في
((مستدركه)) وقال: صحيح على شرط البخاري، وسكت عنه الذهبي، ويؤيده
أيضاً أن بعض من روى الأمر بالغسل يوم الجمعة كابن عباس وعائشة - رضي الله
عنهم - قد أفتوا بخلافه كما بسط الطحاوي.
واستدل الجمهور أيضاً بأحاديث تدل على عدم الوجوب، منها: حديث
سمرة مرفوعاً: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل))
أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد في ((مسنده)) والبيهقي في ((سننه))
وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) والدارمي وابن خزيمة والطحاوي، وقال الترمذي:
حسن صحيح كما في «السعاية))(٢)، وصححه أبو حاتم، وهو حديث مشهور
(١) (٣٢٥/١).
(٢) (٣٢٤/١، ٣٢٥).
٣٧١

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢٠) حديث
أخرجه جماعة من المحدثين من عِدّة صحابةٍ مع الكلام في بعض طرقه دون
بعض .
قال العيني: روي من سبعة أنفس من الصحابة وهم: سمرة، وتقدم
ذكره، وأنس عند ابن ماجه والطحاوي والبزار والطبراني، وأبو سعيد الخدري
عند البزار والبيهقي، وأبو هريرة عند البزار وابن عدي، وجابر عند ابن عدي،
وعبد الرحمن بن سمرة عند الطبراني، وابن عباس عند البيهقي، اهـ.
ومنها: حديث أبي هريرة: «من توضأ وأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا
واستمع)) الحديث. أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، كما في ((السعاية)).
قال الحافظ في ((التلخيص)): من أقوى ما يُستَدلّ به على عدم فرضية
الغسل يوم الجمعة ما رواه مسلم عقب أحاديث الأمر بالغسل عن أبي هريرة
مرفوعاً: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة)) الحديث، اهـ.
واستدلوا أيضاً بقصة عثمان إذ دخل فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ أخرجها
الشيخان وجماعة، قال العيني: قال الإمام الشافعي: ومما يدل على أن أمر
النبي وَلّ بالغسل يوم الجمعة فضيلة على الاختيار لا على الوجوب، حديث
عمر حيث قال لعثمان: الوضوء أيضاً؟ وقد علمتَ أن رسول الله وَل أمر
بالغسل يوم الجمعة ؟ فلو علما أن أمره على الوجوب لم يترك عمر عثمان
حتى يرده، ويقول له: ارجع فاغتسل، اهـ. قال النووي: ووجه الدلالة أن
الرجل فعله وأقره عمر ومن حضر ذلك الجمع ، وهم أهل الحل والعقد، ولو
کان واجباً لما تركه ولألزموه به، اهـ.
قلت: وما توهم الشوكاني من أن قول عمر هذا كافٍ للنكير، ردَّه الشيخ
في ((البذل))(١)، إن شئت فارجع إليه. ولو رأى الشوكاني إلى ألفاظ الحديث
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣/ ٧٣).
٣٧٢

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢١) حديث
٢٢١/ ٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ:
لما توهم به إذ قال عمر: أو ما علمت؟، وفي رواية: وقد علمت؟، فإنها
صريحة في أن هذه الأوامر كانت معلومة عندهما معاً ومع العلم بذلك ما فعله
عثمان؛ لأنه لم يكن للوجوب عنده.
واستدلوا أيضاً بحديث عائشة عند الشيخين وغيرهما، قالت: كان الناس
ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في العباء، فيصيبهم الغبار
والعرق، فتخرج منهم الريح، فقال ◌َ له: ((لو أنكم تَطَهَّرتم ليومكم هذا)) وغير
ذلك من الروايات، وأنت خبير بأن لا حاجة إلى مزيد الكلام في المسألة بعد
أن أجمعت عليها الأئمة السنة - شكر الله سعيهم، ورضي عنهم، وأرضاهم -.
٣/٢٢١ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله) بن
عمر (أنه قال) كذا رواه الأكثر عن مالك مرسلاً، لم يقولوا: عن أبيه، ورواه
البخاري عن جويرية بن أسماء عن مالك، ومسلم من طريق يونس، كلاهما عن
الزهري عن سالم عن ابن عمر، وأخرجه الترمذي في ((جامعه)) موصولاً، ثم
قال: وروى مالك هذا الحديث عن الزهري عن سالم قال: ((بينما عمر يخطب))
فذكر الحديث. قال أبو عيسى: سألت محمداً عن هذا فقال: الصحيح حديث
الزهري عن سالم عن ابن عمر، اهـ.
قال الحافظ (١): أورده البخاري من رواية جويرية عن مالك، وهو عند
رواة ((الموطأ)) عن مالك، ليس فيه ذكر ابن عمر، فحكى الإسماعيلي عن
البغوي بعد أن أخرجه من طريق رَوْح عن مالك، لم يذكر فيه أحد - عن مالك -
ابنَ عمر غير روح وجويرية، اهـ.
وقال الدارقطني في ((الموطأ)): رواه جماعة من أصحاب مالك الثقات
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٩/٢).
٣٧٣

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢١) حديث
دَخَلَ رَجُلٌ، مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّهِ﴿، الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَيَّهُ سَاعَةٍ هُذِهِ؟
عنه خارج ((الموطأ)) موصولاً، ثم ذكر أسماءهم، قلت: بسط أسماءهم
السيوطي في ((التنوير)) أشد البسط.
(دخل رجل من أصحاب رسول الله (وَل#) ولفظ البخاري: ((إذ دخل رجل
من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله عَ ليه)) هو عثمان بن عفان كما
سماه ابن وهب وابن القاسم عن مالك في روايتهما ((للموطأ))، وكذا سماه
جماعة، وسماه أيضاً أبو هريرة عند مسلم في هذه القصة، قال ابن عبد البر(١):
لا أعلم خلافاً في ذلك (المسجد) بالنصب (يوم الجمعة وعمر بن الخطاب) -
رضي الله عنه - (يخطب) على المنبر.
(فقال عمر) منادياً له: (أية) بشد التحتانية تأنيث أي، وأنث لمناسبة
الساعة، وإن جاز فيه التذكير لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُونَ﴾(٢)،
وهي كلمة يستفهم بها لشيء، والاستفهام للتوبيخ كما سيأتي، (ساعة هذه؟)
الساعة اسم لجزء من الزمان مقدر، ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءاً،
هي مجموع اليوم والليلة، كما تقدم الأقوال فيه، وقد يطلق على الوقت
الحاضر وهو المراد ههنا، وهذا استفهام توبيخ وإنكار، يعني: لِمَ تأخرتَ إلى
هذه الساعة، وإشارة إلى أن هذه الساعة ليست من ساعات الرواح إلى
الجمعة، ولفظ رواية أبي هريرة: ((فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟))،
ولمسلم: ((فَعَرَّضَ به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟)).
قال الحافظ(٣): والظاهر أن عمر - رضي الله عنه - قال ذلك كله، وبعض
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥/٥)، و((التمهيد)) (٦٨/١٠).
(٢) سورة لقمان: الآية ٣٤.
(٣) ((فتح الباري)) (٣٥٩/٢).
٣٧٤
=

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢١) حديث
وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،
٠٠٠٠٠
الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر. قال العيني: فإن قلت: ما كان مراد عمر
- رضي الله عنه - من هذه المقالة؟ قلت: التنبيه إلى ساعات التبكير التي وقع
فيها الترغيب، لأنها إذا انقضَتْ طوت الملائكة الصحف، ولذا بادر عثمان
- رضي الله عنه - إلى الاعتذار بقوله: فإني شُغِلْتُ، اهـ مختصراً.
(فقال) عثمان - رضي الله عنه - اعتذاراً (يا أمير المؤمنين). وفيه دليل على أن
للإمام أن يأمر في خطبته بالمعروف وينهى عن المنكر، وأيضاً أن من خاطبه الإمام
له أن يجاوبه عما سأله عنه، ولا يكون في ذلك لاغياً، قاله الباجي.
قلت: وكذلك عندنا الحنفية يجوز للإمام التكلم في الخطبة بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، قال في ((الدر المختار)): ويكره تكلمه فيها إلا
لأمر بمعروف، لأنه منها، اهـ. قال العيني(١): وفيه تفقد الإمام رعيته وأمره
لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على من أدخل بالفضل، وفيه أن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة لا يفسدها، وفيه الاعتذار إلى ولاة
الأمور، اهـ. وقال القاري (٢): عندنا كلام الخطيب في أثناء الخطبة مكروه إذا
لم يكن أمراً بالمعروف، اهـ.
ولكن قال الشعراني في ((ميزانه)): ومن ذلك قول أبي حنيفة ومالك
والشافعي في القديم: إنه يحرم الكلام لمن يسمع الخطبة حتى الخطيب، إلا
أن مالكاً أجاز الكلام للخطيب خاصة بما فيه مصلحة للصلاة، كنحو زجر
الداخلين عن تخطي الرقاب، وإن خاطب إنساناً بعينه جاز له أن يجيبه، كفعل
عثمان مع عمر - رضي الله عنهما -، وقال الشافعي في ((الأم)): لا يحرم عليهما
الكلام، بل يكره فقط، والمشهور عن أحمد: أنه يحرم على المستمع دون
الخطيب، اهـ. وظاهره يوهم إطلاق الحرمة للخطيب أيضاً عندنا الحنفية.
(١) ((عمدة القاري)) (١٦٦/٦/٣).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٣/٣).
٣٧٥

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢١) حدیث
انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ، فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ
وقد دريتَ أن الحنفية أباحوا له الأمر بالمعروف، قال في ((البدائع))(١)
وتبعه صاحب ((البحر الرائق)): ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة، ولو
فعل لا تفسد الخطبة، لأنها ليست بصلاة، فلا يفسدها كلام الناس، لكنه يكره
لأنها شرعت منظومة كالأذان، والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام أمراً
بالمعروف، فلا يكره؛ لما روي: عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يخطب،
فدخل عليه عثمان، الحديث. وهذا لأن الأمر بالمعروف يلتحق بالخطبة، لأن
الخطبة فيها وعظ، فلم يبق مكروهاً، انتهى.
(انقلبت) أي رجعت (من السوق)، فيه جواز الاشتغال بالبيع وغيره يوم
الجمعة إلى الأذان قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ﴾ الآية(٢)،
ففيها أمر الله سبحانه وتقدس بالسعي إليها بعد النداء، وروى أشهب عن مالك:
أن الصحابة كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود
السبت والنصارى الأحد، اهـ، فهذا مؤيد لمن قال: إن المراد في روايات
التبكير هو ما يكون قريب الزوال.
(فسمعت) بصيغة المتكلم (النداء) أي الأذان، وما كان الأذان إذ ذاك إلا
الذي بين يدي الخطيب؛ لأن الأذان الأول زاده عثمان - رضي الله عنه - في
زمان خلافته (فما زدت) على بناء المتكلم (على أن) كلمة ((أن)) زيدت لتأكيد
النفي (توضأت) يعني بعدما سمعت الأذان ما اشتغلت بشيء غير الوضوء (فقال
عمر) - رضي الله عنه -، وهذا إنكار ثان منه على ترك الغسل، وهو المقصود
بذكر الحديث في هذه الترجمة (الوضوء) بالنصب، أي: أتفعل الوضوء مقتصراً
عليه؟ وروي بالرفع أيضاً.
(١) (٥٩٥/١).
(٢) سورة الجمعة: الآية ٩.
٣٧٦

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢١) حديث
أَيْضاً؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴾﴿ كَانَ يَأْمُرُ بِالْعُسْلِ.
أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة، ٢ - باب فضل الغسل يوم
الجمعة .
ومسلم في: ٧ - كتاب الجمعة، حديث ٣.
قال العيني (١): قوله: والوضوء، جاءت الرواية فيه بالواو، وحذفها
وبنصب الوضوء ورفعها، أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف على
الإنكار الأول، يعني: ألم يكفك أن أَخَّرتَ الوقت، وفَوَّتَّ فضيلةَ السبق حتى
أتبعته بترك الغسل؟!، وقال القرطبي: الواو بدل من همزة الاستفهام، أما وجه
حذف الواو فظاهر، لكن يكون لفظ الوضوء بالرفع والنصب، أما وجه الرفع
فعلى أنه مبتدأ حذف خبره، تقديره: الوضوء أيضاً يقتصر عليه؟ ويجوز أن
يكون خبراً محذوف المبتدأ، وأما وجه النصب فعلى تقدير الفعل، اهـ.
قال الزرقاني(٢): قال ابن السيد: الصواب أنه ((الوضوء)) بالمد، على لفظ
الاستفهام، وأغرب السهيلي فقال: اتفق الرواة على الرفع؛ لأن النصب يخرجه
إلى معنى الإنكار، اهـ
(أيضاً) منصوب على أنه مصدر من آض يئيض، أي عاد ورجع، قال ابن
السكيت: تقول: فعلته أيضاً إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك أفدت
بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور، اهـ، يعني: أما اكتفيت بتأخير الوقت
وتفويت فضل المبادرة إلى الجمعة حتى أضفت إليه ترك الغسل أيضاً؟ (و)
الحال أنك (قد علمت) بصيغة الخطاب، (أن رسول الله له كان يأمر بالغسل)
لم يذكر في الرواية المأمورين من هم.
قال الحافظ(٣): كذا في جميع الروايات لم يذكر المأمور إلا أن في
(١) ((عمدة القاري)) (١٦٧/٦/٣).
(٢) (٢١٠/١).
(٣) (فتح الباري)) (٢/ ٣٦٠).
٣٧٧

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢١) حديث
رواية جويرية عن نافع بلفظ: ((كنا نؤمر))، وفي حديث ابن عباس عند الطحاوي
أخرجه بسنده إلى ابن سيرين عن ابن عباس: ((أن عمر بينما هو يخطب يوم
الجمعة إذ أقبل رجل فدخل المسجد))، الحديث. وفي آخره فقال: ((أما إنه قد
علم أنا أمرنا بغير ذلك، قلت: وما هو؟ قال: الغسل، قلت: أنتم أيها
المهاجرون الأولون أم الناس جميعاً؟ قال: لا أدري))، قال الحافظ: رواته
ثقات إلا أنه معلول، وفي رواية أبي هريرة في هذه القصة: أن عمر قال: ألم
تسمعوا أن رسول الله وسلم قال: ((إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل))؟ كذا هو
في (الصحيحين)) وغيرهما، وهو ظاهر في عدم التخصيص بالمهاجرين
الأولين، اهـ. قلت: هو المؤيد بالروايات الكثيرة.
ثم قال الحافظ: لم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان عن
ذلك، والظاهر أنه سكت عنه اكتفاءً بالاعتذار الأول، لأنه قد أشار إلى أنه
كان ذاهلاً عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل؛ لأنه
تعارض إذاً إدراك الخطبة والاشتغال بالغسل، وكان الوضوء خلفاً له، ولم يكن
للخطبة خلف، قال الحافظ: ولعله كان يرى فرضيته، فلذلك آثره. قلت:
وكذلك عمر لم ير الاغتسال آكد من استماع الخطبة، ولذا لم يرده.
قال الباجي(١): إن عمر رأى اشتغاله بعدُ باستماع الخطبة، والصلاة أولى من
خروجه إلى فضيلة الغسل، فلم يأمر به ولا أنكر عليه [تعوده وإنما أنكر عليه] ما مضى
من تركه الغسل، ليكون ذلك تنبيهاً له على ما ينبغي أن يفعل في مثل ذلك اليوم،
ويقتضي ذلك إجماع الصحابة على أن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب وجوباً يعصي
تاركه، ولو كان فيهم من يعتقد وجوبه لسارع إلى الإنكار على عثمان، وهذا مذهب
مالك وجماعة أهل العلم غير داود، فإنه يقول: إن الغسل واجب يوم الجمعة وجوب
الفرائض والدليل على صحته ذاك الخبر، فإنه إجماع يجب التزامه والعمل به، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٨٥/١).
٣٧٨

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢١) حديث
٠٠.
قال الحافظ في ((الفتح))(١): وعلى هذا الجواب عَوَّل أكثر المصنفين في
هذه المسألة كابن خزيمة والطبري والطحاوي وابن حبان وابن عبد البر وهلمّ
جراً، وزاد بعضهم فيه: أن من حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان
إجماعاً منهم على أن الغسل ليس شرطاً في صحة الصلاة، وهو استدلال
قوي، وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل
مجزئة، اهـ.
وما استدل به على وجوب الغسل لقطع عمر الخطبة، وإنكاره على عثمان
متعقَّب بأنه قطع الخطبة لترك السنة، وهي التبكير إلى الجمعة، فالغسل كذلك
سنة. قال أبو عمر بن عبد البر (٢): وقد روي هذا الحديث مرفوعاً من حديث
عكرمة عن ابن عباس بلفظ: ((جاء رجل والنبي ◌َّ يخطب يوم الجمعة))، فقال
له النبي ◌َ﴾: ((يلهو أحدكم حتى إذا كادت الجمعة تفوت جاء يتخطَّى رقاب
الناس يُؤذيهم))، فقال: ما فعلت يا رسول الله، ولكن كنت راقداً، ثم استيقظت
وقمت فتوضأت، ثم أقبلت. فقال النبي ◌َّ﴾: ((أَوَ يوم وضوء هذا؟)).
قال ابن عبد البر: هكذا حَدَّثَ مرفوعاً، وهو عندي وهم، لا أدري ممن
الوهم، وإنما القصة محفوظة لعمر لا للنبي بَ ل، انتهى.
قلت: لكنه يخالف قصة عثمان بوجهين، الأول: أنه لم يكن في قصته
التخطي، والثاني: أنه لم يكن عذره النوم، وقد ثبت ذكر التخطي في الرواية
المرفوعة عند أبي داود من حديث عبد الله بن بسر، فيحتمل أن يكون حديث
ابن عباس تفصيلاً لقصة حديث عبد الله بن بسر فلا يحتاج إذاً إلى التضعيف،
فتأمل .
(١) (فتح الباري)) (٣٦١/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢١١/١).
٣٧٩

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢٢٢) حديث
٤/٢٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ قَالَ:
((غُسْلُ يَوْمِ الْجُمْعَةِ
٤/٢٢٢ - (مالك، عن صفوان بن سليم) بمهملة مصغراً (عن عطاء بن
يسار) بتحتية وخفة مهملة، وفيه رواية تابعي عن تابعي، فإن صفوان وعطاء
تابعيان (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري أن رسول الله مَليل قال) ذكر
السيوطي لهذا الحديث طرقاً كثيرة مختلفة في الوقف والإرسال، وذكر ((أبي
هريرة)) بدل ((أبي سعيد)) في بعض، والوقف على أبي سعيد في بعض آخر، ثم
رجح طريق مالك هذه، ونقل عن الدارقطني في ذكر الموقوف أحسبه سقط ذكر
النبي ◌َّ﴾ على أحد من الرواة، ونقل عن الحافظ ابن حجر لم يختلف رواة
((الموطأ)) في إسناده عن مالك، وكذا قال العيني: إن رواة ((الموطأ)) لم يختلفوا
عن مالك.
(غسل يوم الجمعة) قال الزرقاني(١): ظاهر إضافته لليوم حجة لكون
الغسل لليوم لا للجمعة كما قال به جماعة، قلت: ستأتي المذاهب فيه، وتقدم
ما قال الباجي في إضافة الغسل إلى اليوم، بمعنى أنه لا يخلو اليوم عن إتيان
الجمعة، هذا، وقد اشتهر بين الناس أن الإضافة بأدنى تلبس تصح، فلا
إشكال .
قال الحافظ(٢): استنبط منه أن ليوم الجمعة غسلاً مخصوصاً حتى لو
وجدت صورة الغسل لم يجز عن غسل الجمعة إلا بالنية، وقد أخذ بذلك أبو
قتادة فقال لابنه وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: إن كان غسلك عن جنابة، فأعد
غسلاً آخر للجمعة، أخرجه الطحاوي وابن المنذر وغيرهما. ووقع في رواية
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١١/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٢/ ٣٦١).
٣٨٠
..--