Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣ - كتاب الصلاة
(١٨) باب
(٢١٤) حديث
مَّارَ الْيُ، قَنَافِقَ بَثْنَهُ بَأْنَسْ مَخْرَباً، فَأَعْجَبَهُ ذُنِكَ، فَجَعَلَ يُتْبِعُهُ
بصرَهُ سَاعَةٌ ثَمَّ تَجَعَ إِلَى صَارِهِ فَإِذَ هْوَ لا يَذْرِي ثَمْ صَلَّى !! فَقَالَ :
الا انهإلى فِي مَالِي عُذا فِتْنَهُ ...
(دينار) الطيران محركة: حركة ذي الجناح في الهواء بجناحيه، كذا في
((القاموس))، (دبسي) بضم الدال المهملة وإسكان الموحدة وسين مهملة قيل:
طائر يشبه اليمامة، وقيل: هو اليمامة بنفسها، قال الدميري: منسوب إلى دبس
الرطب، لأنهم يغيرون في النسب، وقال المجد في ((القاموس)): الدبس بالكسر
وبكسرتين: عسل التمر، وعسل النحل، وبالفتح: الأسود من كل شيء،
وبالضم: جمع أدبس من الطير الذي لونه بين السواد والحمرة، ومنه الدبسي
لطائر أدكن يقرقر، انتهى.
وقال في ((المجمع)): وفي الحديث: طار دبسي، هو طائر صغير، قيل:
هو ذكر اليمامة، منسوب إلى طير دبس، والدبسة لون بين السواد والحمرة، أو
إلى دبس الرطب، وفي لغات ((الصراح)): دبس دورات كارس(١)، ودبسي:
طائر يقال له في الفارسية: ((موريجة))، وفي الهندية: ((كهندُريچة)).
(لطفق) بكسر الفاء: جعل (٢) (يتردد) أي من هنا إلى هنا (يلتمس مخرجا)
يعني اتساق النخل واتصال جرائدها كانت تمنعه من الخروج، فجعل يتردد في
طلب المفرّ (فأعجبه) أي أبا طلحة (ذلك) أي طيرانه (فجعل) يلتفت إليه و(يتبعه
... ، ساعة) وشغله ذلك عما هو فيه من صلاته ثم رجع إلى صلاته).
أي بالإقبال عليها، وفرغ نفسه لإتمامها، (فإذا هو) قد نسي الركعات
ولذا باري ثم صلى،ً من الركعات، ولما أنه نسيها بالالتفات إلى الدبسي
فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فقط .
(١) باللسان الهندي. اهـ. (ش)).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٩٥/٤).
٣٤١

٣ - كتاب الصلاة
(١٨) باب
(٢١٥) حديث
فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَّهِ، فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي حَائِطِهِ مِنَ
الْفِتْنَة. وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ. فَضَعْهُ حَيْثُ شِئْتَ.
٧٠/٢١٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛
أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ
قال الباجي(١): أصل الفتنة الاختبار، قال تعالى: ﴿وَفَتَّكَ فُونَ﴾ والله
أعلم، اختبرناك اختباراً، إلا أن لفظ الفتنة إذا أطلق فيستعمل غالباً فيمن
أخرجه الاختبار عن الحق، يعني اختبرت بهذا المال، فشغلني عن الصلاة،
وقد تكون بمعنى الميل عن الحق، فيكون المعنى: أصابني من هذا المال
الميل عن الصلاة، وقد تكون بمعنى الإحراق، قال تعالى: و﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ
يُفْتَنُونَ ﴾ ثم اللغة المشهورة فيه: فتنت الرجل، وأهل نجد يقولون: أفتنت
الرجل، انتهى مختصراً.
ولما أصابه الحزن بذلك، (فجاء إلى رسول الله ◌َ ﴿ فذكر له) وَّ ذلك (الذي
أصابه) - رضي الله عنه - (في حائطه من الفتنة) والشغل في الصلاة (وقال: يا
رسول الله هو) الحائط في تكفير اشتغالي عن الصلاة أو لما أصابني فيه من الغفلة
(صدقة لله) قال الغزالي: كانوا يفعلونه قطعاً لمادة الفكر، وكفارة لما جرى من
نقصان الصلاة، وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة، ولا يغني عنه غيره.
وقال الباجي(٢): هذا يدل على أن مثل هذا كان يقلُّ منهم ويعظم في
نفوسهم، فكيف ممن يكثر ذلك منه - تغمد الله زللنا بفضله - والجملة أن
الإقبال على الصلاة وترك الالتفات فيها مأمور به، اهـ.
(فضعه حيث شئت) أي اصرف ذلك في موضع تختاره ، وحول إلى
اختياره مَّلة لعلمه بأفضل ما تصرف إليه الصدقات.
٧٠/٢١٥ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) المذكور (أن رجلاً من الأنصار
(١) ((المنتقى)) (١٨١/١).
(٢) ((المنتقى)) (١٨١/١).
٣٤٢
----
--
-----

٣ - كتاب الصلاة
(١٨) باب
(٢١٥) حديث
كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطِ لَهُ بِالْقُبِّ، وَإِدٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ، فِي زَمَانِ
الثّقَر، والنَّخْلُ قَدْ ذُّلْلَتْ، فَهِيَ مْعَلَوَّقَةٌ بَثَمَرِها، ..
كان يصلي في حائط) بستان (له بالقف) بضم القاف وشدة الفاء، قال
الباجي(١): القف ما صلُب من الأرض واجتمع، وأصل القفوف الاجتماع، اهـ.
والمراد هناك (وأد من أودية المدينة؛ قال في ((المجمع)): أصل القف ما غلظ
من الأرض وارتفع، وهو أيضاً وادٍ في المدينة، اهـ. وقال ياقوت الحموي في
(المعجم)): وَعَلَمٌ لوادٍ من أودية المدينة، عليه مال لأهلها، اهـ (في زمان التمر)
بالمثناة الفوقية في أكثر النسخ، وفي بعضها بالمثلثة.
(والنخل) بالرفع على الابتداء (قد ذللت) أي مالت، قال تعالى: ﴿وَذُلِلَتْ
قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا﴾(٢)، سيأتي تفسيرها هي مطوقة) أي مستديرة، فطوق كل شيء ما
استدار به (بشمرها) بفتح المثلثة والميم مفرد ثمار، وضم الميم جمع ثمار،
ككتب وكتاب، والثمر: الحمل الذي تخرجه الشجرة، أعم من أن يؤكل أم
لا، فكما يقال: ثمر النخل والعنب، كذلك يقال: ثمر الأراك، قيل: معنى
تذليلها أي مالت الثمرة بعراجينها، فبرزت وصارت كالطوق للنخلة، وقيل: إن
النخل تجمع عراجينها بحبل، أو شيء فتبرز الثمرة فتبين للخرص وغير ذلك،
وقيل: إن الثمرة تفتل عراجينها لتثمر.
قال أبو الوليد: والأظهر عندي في ذلك أن الثمرة إذا عظُمَتْ، وبلغت
حد النضج ثقلت، فمالت بعراجينها، فهو معنى تذليلها، كذا في الباجي.
قلت: هذا الأخير هو الأظهر عندي في معناه، فإن النخل يكون قطوفها
حولها، فإذا نضجت وطابت، وثقلت، ومالت، فتكون بمنزلة الطوق.
(١) ((المنتقى)) (١٨١/١).
(٢) سورة الإنسان: الآية ١٤.
٣٤٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٨) باب
(٢١٥) حديث
فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَأَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ ثَمَرِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَلاتِهِ فَإِذَا هُوَ
لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هُذا فِتْنَةٌ، فَجَاءَ
عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَذَكَرَ لَهُ ذُلِكَ، وَقَالَ: هُوَ
صَدَقَةٌ، فَاجْعَلْهُ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ، فَبَاعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِخَمْسِينَ
أَلْفَاَ، فَسُمِّيَ ذُلِكَ الْمَالُ: الْخَمْسِينَ.
(فنظر (١) إليها) أي النخل (فأعجبه ما رأى من ثمرها) وتذليلها (ثم رجع
إلى صلاته) بالإقبال عليها (فإذا هو) قد نسي و (لا يدري كم صلى) من
الركعات (فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة) أي ميل عن الحق من الغفلة في
الصلاة (فجاء) الرجل (عثمان) بالنصب (ابن عفان وهو يومئذ) كان (خليفة) على
المؤمنين (فذكر له) أي لأمير المؤمنين (ذلك) الذي أصابه في حائطه (وقال)
تكفيراً لما أصابه من الغفلة (هو) الحائط (صدقة) لله تعالى (فاجعله في سبل)
بضمتين جمع سبيل، وفي نسخة على الإفراد (الخير) حيثما شئت (فباعه
عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (بخمسين ألفاً).
قال أبو عمر: لأنه فهم مراد الأنصاري، فباعه وتصدق بثمنه، ولم يجعله
وقفاً، لمصلحة دعت إليه.
(فسمي) بعد هذا (ذلك المال: الخمسين) لبلوغ ثمنه خمسين ألفاً.
وأفاد مسند الهند الشاه ولي الله الدهلوي: أن هذه القصة من آثار النسبة
التي تؤثر في القلب إيثار الطاعة على جميع ما سواها، والغيرة عليه.
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣٩٦/٤): وفي أحاديث هذا الباب ما يوجب القول
في موضع نظر المصلي إلى أين يكون؟ فأما مالك فقال: يكون نظر المصلي أمام قبلته،
وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي: يستحب أن يكون نظر المصلي إلى
موضع سجوده .
------ -
٣٤٤
.---

٤ - كتاب السهو
(١) باب
(٢١٦) حديث
وداعابل هو
أجاب العمل فى المهد
فى عَنْ قالسفن ابْن وهَابِ، ت:
١
0
٢٧/
وقَوْقَو قَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنْ
٢
١
١
.!
(إن أحدكم إذا قَامَ لَمْلَى جَاءَة الشَّيْطَان
كُول اللَّهِ
أبر على على لا إليهم صَار ◌َإِنَا وَبَدَ ذلكَ.
المل في الجو
يعني ما يفعل من وقع له السهو في الصلاة أعم من الفريضة والنافلة،
كما سيأتي.
١/٢١٦ - فقه
إن شهاب الزهري (مراد
محمد بن مسلم
أخرجه البخاري بعدة طرق في
(صحيحه)) مطولاً ومختصراً اأن رسول الد والغرا الجز إن أ منكم إذا قربجار:
فريضة أو نافلة إجابة الشيطان، قال ابن رسلان: هذا يدل على أن شيطان
الصلاة غير شيطان الآدمي، وأما شيطان الصلاة فيسمى خنزب، كما رواه
مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص، اهـ.
تقيس منه بخفة الموحدة المفتوحة، وضبطه بعضهم بالتشديد،
والتخفيف أفصح، قاله ابن رسلان، أي خلط عليه أمر صلاته، قال تعالى:
﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾(١)، وأما اللباس فمن باب سمع، قال في
((النهاية)): اللبس: الخلط، يقال: لبست الأمر بالفتح إذا خلطت بعضه ببعض
( لا ياس) أي نسي () ، ف) أي قدر ما صلى (فإذا وجد ذلك) السهو
(١) سورة الأنعام: الآية ٩.
٣٤٥

٤ - كتاب السهو
(١) باب
(٢١٦) حديث
أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٢٢ - كتاب السهو، ٧ - باب السهو في الفرض
والتطوّع.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١٩ - باب السهو في
الصلاة والسجود له، حديث ٨٢.
(أحدكم) في صلاته (فليسجد سجدتين) للسهو ترغيماً للشيطان للبسه عليه،
وليس شيء أثقل على الشيطان من السجود؛ لما لحقه ما لحقه من الامتناع عن
السجود لآدم.
قال في ((الفتح الرحماني)): قال العيني: وهما واجبتان بمقتضى الأمر،
والصحيح من المذهب الوجوب، ذكره في ((المحيط)) و(المبسوط)) و((الذخيرة))
و ((البدائع)» وبه قال مالك، انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح))(١): واختلف في حكمه، فقال الشافعية: المسنون
كله. وعن المالكية: السجود للنقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة:
التفصيل بين الواجبات غير الأركان، فيجب لتركها سهواً، وبين السنن القولية
فلا يجب، وكذا إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده. وعن الحنفية واجب
كلها، وحجتهم حديث ابن مسعود المذكور في أبواب القبلة من البخاري بلفظ:
((ثم ليسجد سجدتين))، ومثله من حديث أبي سعيد لمسلم وغيره، والأمر
للوجوب، وقد ثبت من فعله وَليو، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان،
وبيان الواجب واجب، لا سيما مع قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))،
انتھی .
(وهو جالس)، قال الزرقاني(٢): بعد السلام، كما في حديث عبد الله بن
(١) ((فتح الباري)) (١١٥/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٠٤/١، ١٠٥).
٣٤٦

٤ - كتاب السهو
(١) باب
(٢١٦) حديث
٠٠٠٥٠
جعفر مرفوعاً: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)) رواه أحمد
وأبو داود والنسائي، وزاد ابن إسحاق وابن أخي الزهري كلاهما عن الزهري
في حديث الباب لفظ: ((قبل أن يسلم)) لكن أعَلَّه أبو داود وغيره بأن الحفاظ
من أصحاب الزهري - ابن عيينة، ومعمراً، والليث، ومالكاً - لم يقولوا: ((قبل
أن يسلم))، وإنما ذكره هذان، وليسا بحجة على من لم يذكروه، قاله الزرقاني.
قلت: حديث أبي هريرة أخرجه الجماعة، وكلهم رووه بدون ذكر المحل
للسجود، إلا في بعض طرق أبي داود، وابن ماجه، وذِكْرُه معلول كما قاله
الزرقاني، ولذا قال الأبّي في ((الإكمال))(١): الثابت من أحاديث سجود السهو
خمسة، منها حديث أبي هريرة أنه يسجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما،
وحديث عبد الله بن جعفر أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بعدة طرق بلفظ:
((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)) فتأمل.
ثم قال الزرقاني: قال أبو عمر: هذا الحديث محمول عند مالك والليث
وابن وهب وجماعة على المستنكح الذي لا يكاد ينفك عنه، ويكثر عليه
السهو، ويغلب على ظنه أنه أتم، لكن الشيطان يوسوس له، وأما من غلب
على ظنه أنه لم يكمل صلاته فيبني على يقينه، والدليل على أن حديث أبي
هريرة هذا غير حديث البناء على اليقين: أن أبا سعيد راوي حديث البناء على
اليقين روى حديث: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين
وهو قاعد)) رواه أبو داود، ومحال أن يكون معناهما واحداً؛ لاختلاف
ألفاظهما، بل لكل واحد منهما موضعاً كما ذكرنا، انتهى مختصراً.
قلت: وهذا قريب من الذي قاله الحنفية كما ترى، والباجي(٢) من
(١) (٢٦٤/٢) .
(٢) ((المنتقى)) (١٨٢/١).
٣٤٧

٤ - كتاب السهو
(١) باب
(٢١٦) حديث
المالكية لم يرتض بهذا التوجيه الذي نقله الزرقاني، ورده، فارجع إليه إن
شئت .
والحاصل أن فقهاء الأمصار اختلفوا في المراد بحديث الباب والعمل
به، فذهب الحسن البصري وطائفة من السلف إلى ظاهره، فقالوا: ليس على
من شَكّ في صلاته إلا السجدتان، وخالفهم الجمهور والأئمة الأربعة، فقالوا:
هذا مجمل، والروايات المفسرة قاضية عليها، فمنهم من فسره بالبناء على
اليقين، ومنهم من حمله على التحري، كما تقدم من مسالكهم في اختلاف
الأئمة، ثم عموم الأحاديث يدل على ما ذهب إليه الجمهور من أن السهو في
النافلة كالسهو في الفريضة، إلا في مسائل، وقال ابن سيرين وقتادة وعطاء: لا
سجود في النافلة، وهو قول غريب ضعيف للشافعي، قاله العيني(١).
وبسطه ابن رسلان وقال: بَوَّب عليه البخاري ((باب السهو في الفرض
والتطوع))(٢)، قال العلائي: والذي ذهب إليه جمهور العلماء قديماً، وحديثاً أنه
لا فرق بين الفرض، والنفل في الجبر بسجود السهو؛ لأن الذي يحتاج إليه
الفرض من ذلك يحتاج إليه النفل، وذهب ابن سيرين، وقتادة من التابعين إلى
أن التطوع لا يسجد فيه للسهو، واختلف النقل فيه عن عطاء بن أبي رباح،
ونقل هذا جماعة قولاً قديماً للشافعي، ونقل الشيخ أبو حامد خلافه، فيكون
للشافعي في القديم قولان، وأما الجديد فلم يختلف قوله في أنه يسجد فيه،
كما ذهب إليه الجمهور، انتهى مختصراً .
وهل إطلاق الصلاة عليهما من الاشتراك اللفظي، كما مال إليه الفخر
الرازي، أو المعنوي، كما قاله جمهور الأصوليين؟ هذا بحث أصولي لا يسعه
(١) ((عمدة القاري)) (٦٣٦/٥).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٤/٣).
٣٤٨
--
---
۔
-----

٤ - كتاب السھو
(١) باب
(٢١٧) حديث
٢/٢١٧ - معتقلى عَن مَالِكٍ، أنه بَلَعَدُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَالَة
وستر
هذا المختصر، ذكره ابن رسلان مختصراً، والبسط في الأصول، وقالوا:
الاختلاف الأول مبني على ذلك، فمن قال: ((إنه مشترك معنوي))؛ قال
بمشروعية السجود في صلاة التطوع، ومن قال: ((إنه مشترك لفظي))؛ فلا عموم
له، قاله الشوكاني(١).
٢/٢١٧ - (مالك أه بلعه: تقدم الكلام على بلاغات الإمام (أ).
رسول الله ( قال) قال ابن عبد البر (٢): لا أعلم هذا الحديث روي عن
رسول الله ◌َّ مسنداً، ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث
الأربعة التي في ((الموطأ)) التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، ومعناه
صحيح في الأصول، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): هذا الحديث لا أصل له، فإنه من بلاغات
مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، انتهى، قال الزرقاني (٤):
معناه: أي يحتج به؛ لأن البلاغ من أقسام الضعيف عند المحدثين، وليس
المعنى أنه موضوع، كيف! والبلاغ ليس بموضوع عند أهل الفن؟ لا سيما من
إمام دار الهجرة، وقد قال سفيان: إذا قال مالك ((بلغني))، فهو إسناد
صحيح، اهـ. وقال العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)): ذكره مالك بلاغاً بغير
إسناد، وقال ابن عبد البر: لا يوجد إلا في ((الموطأ)) مرسلاً لا إسناد له، وكذا
قال حمزة الكناني: إنه لم يرد من غير طريق مالك، وقال أبو طاهر الأنماطي:
وقد طال بحثي عنه وسؤالي عنه للأئمة والحفاظ، فلم أظفر به ولا سمعت عن
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) (١٤٢/٣).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٤٠٢/٤)، و((التمهيد)) (٣٧٥/٢٤)، و((شرح الزرقاني)) (٢٠٥/١).
(٣) ((فتح الباري)) (١٢٦/٣).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٥/١).
٣٤٩

٤ - كتاب السهو
(١) باب
(٢١٧) حديث
((إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَّسُنَّ)).
أحد أنه ظفر به، قال: وادّعى بعض طلبة الحديث أنه وقع له مسنداً، انتهى.
(إني لأنسى) بلام التأكيد (أو أنسى لأسن) هكذا ألفاظ الرواية في نسخ
((الموطأ)) الموجودة عندنا من رواية يحيى بن يحيى، فالأول معروف من
المجرد والثاني مجهول من المزيد، قال في الحاشية عن ((المحلى)): بضم
الهمزة وسكون النون، أو بضم الهمزة وفتح النون وشد السين، اهـ، يعني
يحتمل أن يكون من الإفعال أو التفعيل، ولفظ رواية محمد في ((موطئه)) (١):
((إني أنسى لأسن)) يعني بدون الشك، وضبط القاري في شرحه بتشديد السين
بناء على المفعول، وقال القاري في ((شرح الشفاء)): قال عليه الصلاة والسلام
كما في ((الموطأ)) بلاغاً: ((إني لأنسى)) بفتح اللام والهمزة والسين، ((أو أنسى))
بصيغة المجهول مشدداً، ويجوز مخففاً، وقد روي: ((إني لا أنسى، ولكن
أنسى لأسن))، انتهى.
قال الباجي(٢): ذهب بعض المفسرين إلى أن لفظ ((أو)) للشك من
الراوي، وقال عيسى بن دينار وابن نافع: ليست للشك، بل للتنويع، ومعنى
ذلك: أنسى أنا أو ينسيني الله تعالى، وأضاف أحد النسيانين إليه، والثاني
إلى الله تعالى. ومن المعلوم أنه إذا نسي بنفسه، فإنه عز وجل هو الذي أنساه،
فيحتمل أن يراد أُنسى في اليقظة أو أنسى في النوم، فأضاف نسيان اليقظة إلى
نفسه؛ لأنها حالة التحرز في غالب الأحوال بخلاف النوم، فأضافه
إلى الله تعالى. أو يقال: إني أنسى على حسب ما جرت به العادة من النسيان
مع السهو والذهول عن الأمر، أو أنسى بصيغة المجهول مع تذكر الأمر
والإقبال عليه، فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه إذ كان له بعض السبب،
وأضاف الآخر إلى غيره لما كان فيه كالمضطر، انتهى مختصراً.
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٠٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٢/١).
٣٥٠
..---
-- -------
.. . m

٤ - كتاب السهو
(١) باب
(٢١٨) حديث
٣/٢١٨٠ - وحدثني عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
الْتَاهِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، ....
قال الزرقاني(١): وفي ((الشفاء)) للقاضي عياض: قيل: هذا اللفظ شك
من الراوي، وقد روي: ((إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن)) يعني بلام النفي
عوض لام التأكيد، ويؤيده رواية: (لست أنسى ولكن أنسى لأسن)) ولا تعارض
بين الروايتين، لأن النسبة إليه في حديث ((الموطأ)) باعتبار حقيقة اللغة، والنفي
في رواية ((الشفاء)) باعتبار أنه ليس موجداً له، انتهى.
ومعنى قوله: لأسن بفتح ألف، وضم سين، وتشديد نون، أي أبين لكم،
يعني لأرسم لكم النسيان، والسهو، وما يتلقى به من فساد الصلاة، وإيجاب
السجدة .
قلت: وفيه إشارة إلى أن أفعاله وَالر تبليغية للأمة. فأمثال هذه الأمور
تصدر منه ◌َ﴾ بضرورة التعليم، وهذا أصل وجيه.
وعندي يكون لسهوه ◌َّر في الظاهر أيضاً أسباب تشير إليها الروايات،
فقد نقل الجصاص في ((أحكام القرآن)) عن ابن مسعود(٢): «قلنا: يا رسول الله،
إنك تهم. قال: وما لي لا أهم، ورفع(٣) أحدكم بين أظفاره وأنامله))، وفي
(المشكاة)) عن رجل من الصحابة: أن رسول الله وَل صلى صلاة الصبح فقرأ
الروم فالتبس عليه، فلما صلى قال: ((ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون
الطهور، وإنما يلبس علينا القرآن أولئك))، رواه النسائي، وله مؤيدات عندي
كثيرة .
٣/٢١٨ - (مالك أنه بلغه: أن رجلاً سأل القاسم بن محمد) بن أبي بكر
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٥/١).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٤٥/١٠)، و((كنز العمال)) ح (١٧٢٦٢، ١٧٢٦٣).
(٣) الرفع: بضم الراء وبفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة، وأراد بالرفع ههنا وسخ
الظفر كأنه قال: ووسخ رفغ أحدكم، والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكّون بها
أرفاغكم، فيعلق بها ما فيها من الوسغ. ((النهاية)) (٢٤٤/٢).
٣٥١

٤ - كتاب السهو
(١) باب
(٢١٨) حديث
فَقَالَ: إِنِّي أَهِمُ فِي صَلاتِي، فَيَكْثُرُّ ذُلِكَ عَلَيَّ. فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ
مُحَمَّدٍ: امْضِ فِي صَلاتِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ عَنْكَ، حَتَّى تَنْصَرِفَ
وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلاتِي.
الصديق (فقال) السائل وهذا بيان السؤال (إني أهم في صلاتي) يعني أتوهم أني
نقصتها مثلاً (فيكثر) بالمثلثة معلوماً ومجهولاً، وروي بالموحدة، كذا في
الحاشية عن ((المحلى)) (ذلك) الوهم (علي) بتشديد الياء (فقال القاسم بن
محمد) في جوابه (امض في صلاتك) ولا تقطعها ولا تعمل على هذا الوهم
(فيإنه) أي الوهم (لن يذهب عنك حتى تنصرف) عن الصلاة (وأنت تقول)
للوسواس نعم (ما أتممت) بصيغة المتكلم (صلاتي).
وهذا دواءٌ للوسواس، بأنه لا يلتفت إليه أصلاً.
قال الباجي(١): هذا القول من القاسم للذي يستنكحه الوهم والسهو، فلا
يكاد يثبت له يقين، اهـ. وقال ابن عبد البر: أردف مالك حديث أبي هريرة
بقول القاسم إشارة إلى أنه محمول عنده على المستنكح الذي لا ينفك عنه
الوهم.
(١) ((المنتقى)) (١٨٣/١).
٣٥٢

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٥) كتاب الجمعة
(١) باب العمل في غسل يوم الجمعة
(١) العمل في غسل يوم الجمعة
تقدم ضبطها مختصراً في المواقيت، قال العيني(١): هي بضم الميم على
المشهور، وحكى الواحدي إسكان الميم وفتحها، وقُرئ بها في الشواذِّ، قاله
الزمخشري. وقال الزجاج: قُرِئ بكسرها أيضاً وبسكون الميم بمعنى المفعول
أي المجموع فيه، وبالفتح بمعنى الفاعل أي الجامع، ثم اختلفوا في تسمية هذا
اليوم بالجمعة، فروي عن ابن عباس أنه قال: سُمِّي بها؛ لأنه تعالى جمع فيه
خلق آدم، وروي عن سلمان مرفوعاً: ((به جمع أبوكم))، وفي ((الأمالي)) الثعلب:
إنما سُمِّي بها؛ لأن قريشاً كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة، وقيل: لأن
كعب بن لؤي كان يجمع فيه قومه، فيُذَكِّرُهم ويأمرهم بتعظيم الحرم.
وقال الزجاج والفراء: أول من نقل العروبة إلى الجمعة هو كعب بن
لؤي، وقال ابن حزم: هو اسم إسلامي، ولم يكن في الجاهلية، إنما كانت
تسمى في الجاهلية العروبة، فسميت في الإسلام الجمعة للاجتماع إلى الصلاة،
وفي تفسير عبد بن حميد عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم
رسول الله ( المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم سموها الجمعة، انتهى
ملخصاً .
قال الحافظ: قيل: سُمِّي به، لأن كمال الخلائق جُمِعَ فيه، وقيل: لأن
خلق آدم جمع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان، وهذا أصح الأقوال، ويليه ما
(١) ((عمدة القاري)) (٣/٥).
٣٥٣

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
١/٢١٩ - حَدَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى
أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ لَ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ
أخرجه عبد بن حميد في قصة تجميع الأنصار، وسيأتي الحكمة في شرعية
الجمعة في فضل الجماعة (١).
١/٢١٩ - (مالك، عن سمي) بضم المهملة وفتح الميم وشد التحتانية
(مولى أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث (عن أبي صالح) ذكوان بن صالح
(السمان) بائع السمن (عن أبي هريرة أن رسول الله ﴿قل). قال: من اغتسل) يدخل
فيه كل من يصح التقرب(٢) منه من ذكر أو أنثى، حر أو عبد، قاله الزرقاني.
وهل يختص هذا الغسل بمن يحضر صلاة الجمعة أو أعم؟ فالظاهر أنه
مختلف عندهم، لأن من جعل الغسل لشرافة اليوم لا يجعله مخصوصاً بمن
يحضر الجمعة، لأن الشرافة لا تختص بمن يحضر، ومن جعله لصلاة الجمعة
يخصه بمن يحضر، كما سيأتي الاختلاف في ذلك مبسوطاً .
قال الشعراني في ((ميزانه)): ومن ذلك في تخصيص الأئمة الأربعة مطلوبية
الغسل بمن يحضر الجمعة مع قول أبي ثور: إنه مستحب لكل أحد، حضر
الجمعة أو لم يحضر، اهـ. قلت: وبوّب البخاري(٣) في ((صحيحه)) هل على من
لم يشهد الجمعة غُسْلٌ من النساء والصبيان؟ اهـ. ثم ذكر فيه الروايات
المختلفة، بعضها يدل على عموم الغسل لكل مسلم، وبعضها يخصه بمن
يحضر الجمعة، ولعله لأجل هذا ذكره بلفظ السؤال.
(١) ((فتح الباري)) (٣٥١/٢)، وذكر ابن القيم ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصية في
((الهدي)) ولخصها الحافظ في ((الفتح)).
(٢) في الأصلين ((التقريب)) والصواب ((التقرب)). انظر: ((الزرقاني)) (٢٠٦/١).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٣٥٧/٢).
٣٥٤
1

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
يَوْمَ الْجُمْعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ،
وذكر في ((السعاية))(١) بعد ذكر الاختلاف في أن الغسل لليوم أو الصلاة،
فقال: وثمرة هذا الاختلاف تظهر في مسائل، منها ما في ((البناية)) وغيره، أن
من لا تجب عليه الجمعة كالمرأة والعبد والمسافر، يسن لهم الغسل على قول
الحسن لا أبي يوسف، إلخ.
والأوجه عندي أن هناك عدة اغتسالات كما سيأتي مفصلاً، وغسل يوم
الجمعة أيضاً يتضمن اغتسالين، الغسل لليوم، وهذا لا يختص بمن يحضر
الجمعة، والغسل للصلاة وهذا مخصوص بمن يحضرها، والأول مندوب،
والثاني سنة مؤكدة، حتى قيل: واجب. وهذا التفصيل مما منح الله عز وجل
بلطفه الخفي على أضعف عباده الفقير إلى رحمته. فالمراد في حديث الباب هو
غسل الصلاة لا غسل اليوم، لاتصاله بالرواح إلى الجمعة، وأما غسل اليوم
فيندب لكل مسلم يحضر الجمعة أو لا، كما يدل عليه عموم روايات الحديث
وأقوال الفقهاء.
(يوم الجمعة) أي لصلاتها؛ لما تقدم أن المراد في حديث الباب، هو
غسل الصلاة لا غسل اليوم (غسل الجنابة) بالنصب نعت لمحذوف، أي غسلاً
كغسل الجنابة .
والظاهر أن التشبيه في الكيفية لا الحكم، يعني يتعاهد، ويكثر الدلك
لإزالة النجس والقذر، ويؤيده رواية: (فاغتسل أحدكم كما يغتسل للجنابة))،
قال الحافظان ابن حجر والعيني: وبه قال الأكثرون.
وقيل: إشارة إلى الجماع يوم الجمعة، ليغتسل فيه من الجنابة، فليس
المراد التشبيه، بل حقيقة غسل الجنابة، والحكمة فيه تسكين النفس في الرواح
إلى الجمعة فيكون أغض لبصره وأسكن لقلبه، ويُستأنس ذلك المعنى من
(١) (٣٣٠/١).
٣٥٥

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
حديث: ((من اغتسل وغسّل)) بالتشديد، أخرجه أصحاب السنن من حديث
أوس، قال الترمذي بعد تخريجه: قال وكيع: اغتسل هو وغَسَّل امرأته، انتهى.
وقال العيني (١): ويشهد لذلك المعنى حديث أوس أخرجه أبو داود
وغيره، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال: معنى قوله غسّل: وطئ امرأته
قبل الخروج إلى الصلاة، يقال: غسل الرجل امرأته، وغسّلها مشدداً أو مخففاً
إذا جامعها، وفحل غسلة: إذا كان كثير الضراب، اهـ
وما قال النووي: هذا المعنى ضعيف أو باطل، رده الحافظ بأنه حكاه
ابن قدامة عن أحمد، وروي عن جماعة من التابعين، قال القاري: وبه قال
عبد الرحمن بن الأسود، وهلال، وهما من التابعين، انتهى.
وقال ابن القيم في ((الهدي)): رواه أحمد في ((مسنده))، وقال: غسل،
بالتشديد: جامع أهله، وكذلك فسره وكيع، اهـ. وقال القرطبي: هو أنسب
الأقوال، وقال السيوطي: يؤيده حديث: ((أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل
يوم جمعة، فإن له أجرين اثنين أجر غسله وأجر امرأته))، أخرجه البيهقي في
((شعب الإيمان)) عن أبي هريرة.
قلت: ويؤيده أيضاً أن الجمعة يوم عيدنا أهل الإسلام كما ورد مرفوعاً،
وقد قال عليه الصلاة والسلام في أيام العيد: ((إنها أيام أكل وشرب وبعال)).
قلت: ثم لا يذهب عليك أن هذه الروايات كلها حجة للجمهور في
مسألة فقهية اختلافية أخرى، وهي ما قاله الشعراني في ((ميزانه)): ومن ذلك
قول الأئمة الثلاثة: إنه لو اغتسل الجنب بنية غسل الجنابة والجمعة معاً أجزأه،
مع قول مالك: إنه لا يجزئه عن واحد منهما، انتهى. لكن ما في ((المدونة))(٢)
(١) ((عمدة القاري)) (١٨/٥).
(٢) ((المدونة الكبرى)) (١٣٦/١).
٣٥٦
.... ---
.....
---
i
------ - I

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأَولى،
صريح في أن الإمام مالكاً ذهب إلى اكتفاء الغسل عنهما، فقال: قال مالك:
لا بأس بأن يغتسل غسلاً واحداً للجمعة وللجنابة ينويهما جميعاً، انتهى.
قلت: والظاهر من هذه الأقوال: أن الشرط عند الإمام مالك كون النية
لغسل الجمعة، فمن اغتسل لمجرد الجنابة لا يكفي عنده، وبهذا أخذ من نقل
أنه لا يكفي عنده.
وقال العيني في ((شرح البخاري)): الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجوز
عن الجمعة، سواء نواه للجمعة أو لا، وقال ابن المنذر: أكثر من يحفظ فيه
من أهل العلم يقولون: تجزئ غسلة واحدة لهما، قال ابن بطال: رويناه عن
ابن عمر ومجاهد ومكحول والثوري والأوزاعي وأبي ثور، وقال أحمد: أرجو
أن يجزئه، وهو قول أشهب وغيره، وبه قال المزني. وعن أحمد: لا يجزئه
عن غسل الجنابة حتى ينويها. وهو قول مالك في ((المدونة))، انتهى.
(ثم راح) إلى المسجد (في الساعة الأولى) اختلف المشايخ في أن ابتداء
الساعات يعتبر من الزوال أو من قبل ذلك؟ قال الباجي(١): ذهب مالك إلى أن
هذا كله في ساعة واحدة، وأن هذه أجزاء من الساعة السادسة، ولم ير التبكير
لها من أول النهار، وذهب ابن حبيب من المالكية والشافعي إلى أن ذلك في
الساعات المعلومات من أول النهار، وأن أفضل الأوقات في ذلك أول ساعات
النهار(٢)، انتهى.
قال العيني (٣): قال مالك: المراد بالساعات ههنا لحظات لطيفة بعد
زوال الشمس، وبه قال القاضي حسين وإمام الحرمين، وقال جماهير العلماء:
(١) ((المنتقى)) (١٨٣/١).
(٢) ولكن رجح ابن عبد البر قول الإمام مالك، وقال: ((والذي قاله مالك تشهد له الآثار
الصحاح والعمل بالمدينة))، انظر: ((الاستذكار)) (١٢/٥).
(٣) ((عمدة القاري)) (١٨/٥).
٣٥٧

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
باستحباب التبكير إليها؛ وبه قال الشافعي وابن حبيب، اهـ. قال القاري: إن
الملائكة يستمرون من الصبح أو من طلوع الشمس أو من حين الزوال، وهو
أقرب، انتهى.
وقال شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في ((المسؤَّىُ)) (١): الأصح أن
هذه الساعات ساعات لطيفة بعد الزوال، لا الساعة التي يدور عليها
الحساب، اهـ. وبه جزم شيخي ومولاي والدي المرحوم - نوّر الله مرقده - عند
تدریسنا .
قال العيني (٢): والحاصل أن الجمهور حملوا الساعات على الساعات
الزمانية كما في سائر الأيام، وقد روى النسائي(٣): ((يوم الجمعة ثنتا عشرة
ساعة))، وأهل الميقات يجعلون الساعات من طلوع الشمس، وهو وجه
للشافعية، وقال الروياني: ظاهر كلام الشافعي أن التبكير يكون من طلوع
الفجر، وصحّحه الرافعي والنووي وغيرهما، ولهم وجه ثالث كقول مالك،
وفيه وجه رابع، حكاه الصيدلاني: أنه من ارتفاع النهار، انتهى.
قلت: وهو المرجح عندي كما سيأتي، وهو مختار ابن رشد في
((البداية)) (٤) إذ قال: إن الشافعي وجماعة اعتقدوا أنها ساعات النهار، فندبوا
الرواح من أول النهار، وذهب مالك إلى أنها أجزاء ساعة واحدة، وقال قوم:
هي أجزاء ساعة قبل الزوال، وهو الأظهر، انتهى.
ثم استدل الباجي على مختارهم بلفظ الرواح، فإنه يكون بعد نصف
(١) (١٩٦/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٨/٥).
(٣) (بداية المجتهد)) (١٦٥/١).
(٤) أخرجه النسائي (٩٩/٣).
٣٥٨
------
--------- -
-.

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
.....
٫٠٠٠٠٠٠
٠٠ . .
٠٠٠٠٠٠٠٠
النهار أو ما قرب ذلك، وذكر عن مالك أنه كره الذهاب إلى الجمعة عند صلاة
الصبح، وقال الإمام أحمد: كراهة مالك التبكير خلاف الحديث، اهـ.
وتعقبه الزرقاني مبسوطاً، ويؤيده الحديث المتفق عليه برواية أبي هريرة
((مثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة))، الحديث. فإنه
بدأ في هذا الحديث بالتهجير، وذكر البواقي بلفظ: ((ثم)) بدون ذكر الساعات،
ويؤيدهم أيضاً حديث الباب بلفظ الرواح.
ونقل السيوطي عن الحافظ: إني لم أر التعبير بالرواح إلا في رواية
مالك، ورواه ابن جريج عن سُمَيّ بلفظ: ((غدا))، ورواه أبو سلمة عن أبي
هريرة بلفظ: ((المتعجل إلى الجمعة))، صححه ابن خزيمة. وفي حديث
سمرة عند ابن ماجه: ((مثل الجمعة في التبكير كناحر البدنة))، وفي حديث
علي عند أبي داود: ((إذا كانت الجمعة غدت الشياطين براياتها)) الحديث،
فعلم بهذا أن الرواح هو مطلق الذهاب، انتهى مختصراً، وأطال الزرقاني
البحث فيه(١) .
والأوجه عندي أن الراجح قول من اختار ارتفاع النهار، هذا ولعل الله
يحدث بعد ذلك أمراً، وبيانه أنه اختلفت الروايات في ذلك جداً، واختلفت
الأقوال عن الأئمة أيضاً، كما اطّلعتَ عليه، وفي ارتفاع النهار خروج من
خلاف الإمام مالك، وخروج من الإشكالات التي وردت على اختيار القول
بالزوال؛ من أنه وَلو كان يجلس على المنبر عقبه قريباً وغير ذلك، وفيه جمع
بين الروايات الواردة في الباب.
فإن الروايات الواردة في ذلك على نوعين: إحداهما ساكتة عن الإشارة
إلى الوقت، كروايات التعجيل، وثانيتهما مشيرة إلى تحديد الوقت، والعمدة
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٨/١).
٣٥٩

٥ - كتاب الجمعة
(١) باب
(٢١٩) حديث
فيها أربعة روايات بلفظ: الرواح، والغدوة، والتبكير، والتهجير، فإن شدة
الحر تبدأ من ربع النهار غالباً، فعليه تصدق الروايات الأربعة تجوزاً، ولا
إشكال فيه فتدبر، فلا تجد هذا العجيب في غير هذا الوجيز، والله الموفق لما
يرضى .
ويترتب على هذا الاختلاف اختلاف آخر، وهو في المراد بالساعات في
تلك الأحاديث فقيل: ما يتبادر الذهن إليه من العرْف؛ وفيه نظر؛ لاختلافه في
اليوم الشاتي والصائف؛ لأن النهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات، وفي
الطول إلى أربع عشرة، وقيل: المراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول
والقصر، فالنهار اثنتا عشرة ساعة، يزيد وينقص كل منها، والليل كذلك وتسمى
هذه الساعات بالساعات الآفاقية عند أهل الميقات؛ وتلك التعديلة.
وقد روى أبو داود والنسائي وصححه الحاكم: يوم الجمعة اثنتا عشرة
ساعة؛ الحديث(١)، وهذا وإن لم يرد في حديث التبكير لكنه يُسْتأنس منه
المراد، وقيل: المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلى
الزوال، وأنها تنقسم إلى خمس، وتجاسر الغزالي فقسمها برأيه، فقال: الأولى
من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى
انبساطها، والرابعة إلى أن ترمض الأقدام، والخامسة إلى الزوال. وقال
المالكية ومن وافقهم: إنها لحظات لطيفة أولها زوال الشمس، كذا في
((الفتح))(٢) مختصراً.
وأصل الساعة جزء مخصوص من الزمان، وقد يطلق على جزء من أربعة
وعشرين جزءاً، هي مجموع اليوم والليلة، ويطلق على جزء ما غير مقدر،
(١) أخرجه أبو داود الحديث (١٠٤٨)، والنسائي (٩٩/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) وقال:
صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، انظر: ((المستدرك مع التلخيص)) (٢٧٩/١).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٦٨/٢).
٣٦٠
- --
----