Indexed OCR Text

Pages 261-280

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
(٢٠٢) حديث
لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَه﴾ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَّمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا
حَلَيْهِ»، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الَّذِي بَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الإِمَامِ، إِنّما
نَاصِبَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ .
حديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه)) رواه أبو هريرة.
فأخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٧٤ - باب إقامة الصف من تمام الصلاة.
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٩ - باب ائتمام المأموم بالإمام، حديث ٨٦.
قلت: وذكر ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(١) الاختلاف فيما بينهم
في ذلك، فقال: لا خلاف أن الاقتداء بالإمام بعد الإحرام معه فرض، وأن
مخالفته لا تجوز.
فإن ركع قبل إمامه، وأقام حتى أدركه فقد أخطأ، وأثم، ولم تفسد صلاته
عند أصحابنا، فإن رفع من الركوع قبل إمامه، وقد ركع معه، فإن أشهب وابن
حبيب عن مالك يروون أنه لا يرجع، وقال سحنون: يرجع إلى إمامه، ويبقى بعد
الامام. وذلك (لأن رسول الله ﴿وقال: إنما جعل الإمام) إماماً (ليؤتم به) أي
ليقتدى به، ((فإذا كبر فكبروا ... )) الحديث. سيأتي عند المصنف في ((صلاة
الإمام وهو جالس))، بطريق أنس وعائشة، وتقدم بعض طرقه في بحث القراءة
خلف الإمام لما في بعض طرقها زيادة: ((وإذا قرأ فأنصتوا)).
(فلا تختلفوا عليه) أي الإمام، بأن ترفعوا قبله أو تخفضوا قبله مثلاً، ويندرج
فيه عندنا - الحنفية - الاختلاف في النية أيضاً، فلا يجوز الاختلاف على الإمام فيها .
(وقال أبو هريرة) كما تقدم آنفاً: (الذى يرفع رأسه) من الركوع أو السجود
(ويخفضه) أي الرأس فيهما (قبل الإمام فإنما ناصيته) أي شعر مقدم رأسه (بيد
الشيطان) يجره إلى حيث شاء.
قال الحافظ(٢): ظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، ومع القول
(١) (٦٤/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٢٦/٢).
٢٦١

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
(٢٠٢) حدیث
بالتحريم، فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر: تبطل،
وبه قال أحمد في رواية، وكذا أهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد، اهـ.
قال الباجي(١): هذا في الأفعال، أما الأقوال فعلى ضربين: فرائض
وفضائل؛ أما الفرائض فتكبيرة التحريمة والسلام، أما الأول فلو تقدم ساهياً أو
عامداً بطلت صلاته؛ لأنه إذا دخل فيها قبل إمامه لم يصح أن يتبعه فيها؛ لأنه
عقدها غير مؤتم، وأما السلام فإن سلّم قبل إمامه عامداً بطلت صلاته، وإن
سلّم ساهياً لم تبطل، وحمل عنه الإمام سهوه، اهـ.
قلت: وتوضيح الفقه في ذلك أن ههنا ثلاثة مسائل: التحريمة، والسلام،
وبقية الأركان.
أما الأول: يعني تقدم المؤتم على إمامه في التحريمة، فقال في ((بداية
المجتهد)): إن مالكاً استحسن أن يكبر بعد فراغ الإمام من تكبيرة الإحرام، وإن
كبر معه أجزأه، وقيل: لا يجزئه.
وقال أبو حنيفة وغيره: يكبر مع تكبيرة الإحرام، فإن فرغ قبله لا يجزئه.
وأما الشافعي - رضي الله عنه - فعنه في ذلك روايتان، الأشهر مع قول
مالك. والثانية: أن المأموم إن كبر قبل الإمام أجزأه، انتهى.
وكذا قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(٢): إن عند مالك إن فعل
معه تكبيرة الإحرام ففيه قولان، اهـ. لكن في متون المالكية اختار قول
المتابعة، قال في ((مختصر الخليل)): وشرط الاقتداء متابعته في إحرام وسلام ،
فالمساواة مبطلة لا المساوقة، كغيرهما، لكن سبقه ممنوع، اهـ.
وكذا في حاشية ((الإقناع)) (٣) من فقه الشافعية، إذ قال: والسادس من
(١) ((المنتقى)) (١/ ١٧٢).
(٢) (٦٤/٣).
(٣) (١٥٣/٢).
٢٦٢
-
---

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
(٢٠٢) حديث
شروط الاقتداء تبعية إمامه بأن يتأخر تحرمه عن تحرم إمامه، فلو قارنه في
حرف من التكبير لم تنعقد، ومحل هذا الشرط فيما إذا نوى المأموم الاقتداء
مع تحرمه، أما لو نواه في أثناء الصلاة فلا يشترط تأخر تحرمه، اهـ مختصراً.
وكذلك عند الحنابلة، قال في ((الروض المربع)): إن كبَّر معه لإحرام لم
تنعقد، وإن سلّم معه كره وصحَّ، وقبله عمداً بلا عذر بطلت، وسهواً يعيده
بعده ، اهـ.
وقال في ((نيل المآرب)): ومن أحرم مع إمام أو قبل إتمامه لتكبيرة
الإحرام لم تنعقد صلاته، قال في ((الإنصاف)): أما تكبيرة الإحرام فإنه يشترط
أن يأتي بعد إمامه، انتهى.
وقال في ((البرهان شرح مواهب الرحمن)): وإحرامه أي المأموم مقارناً
للإحرام، أي لإحرامه جائز منعقد عند أبي حنيفة، ونفياه، إلا أن يكبر بعده،
وقيل: القِران هو الأفضل عند أبي حنيفة، والتعقيب عندهما، ولا خلاف بينهم
في جوازه مع القران، انتهى مختصراً.
فعُلِم بهذه الأقوال كلها أن تقدم المقتدي في التحريمة مبطل عند الأئمة
الأربعة إجماعاً، إلا في قول الشافعي - رضي الله عنه - غير مختار في متونه،
نعم، اختلفوا فيما بينهم في المقارنة.
وأما الثاني: يعني تقدم المؤتم على إمامه في السلام، فتقدم عن كتب
المالكية أنه مبطل للصلاة عندهم بشرط العمد(١)، كما في ((الباجي))، قال
الحافظان ابن حجر والعيني: ثم مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطاً في
صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام، واختلف في السلام، والمشهور عند المالكية
اشتراطه مع الإحرام، انتهى. فالمقارنة مبطل عندهم، فالتقدم بالطريق الأولى.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٦/٤)، و((لا مع الدراري)) (١٧٨/٣).
٢٦٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
(٢٠٢) حديث
وأما عند الشافعية ففي ((روضة المحتاجين)) السابع: تبعيته الإمامه بأن
يتأخر يقيناً ابتداء تحرمه عن انتهاء تحرم إمامه، فإن قارن جزء من تكبيره جزءاً
من تكبير إمامه لم تنعقد، وكذا تبطل الصلاة بتقدمه بالسلام، أي بالميم من
آخر التسليمة الأولى، أما المقارنة في غير التحرم فإنها لا تضر، إلا أنها في
الأفعال مكروهة مُفَوَّتَةٌ لفضيلة الجماعة فيما قارن فيه فقط، لا ينافي جميع
الصلاة، وقيل: خلاف الأولى، انتهى.
وقال الأردبيلي في ((الأنوار)): ولا يشترط التخلف في السلام ولا في
سائر الأركان، لكن المساوقة تبطل فضيلة الجماعة، انتهى.
قلت: وكذلك مذهب الحنابلة بعينه، قال في ((نيل المآرب)): فإن وافقه
فيها، أي في أفعال الصلاة أو وافقه في السلام كره وصحت، لأنه اجتمع معه
في الركن، اهـ، وتقدم عن ((الروض المربع)): أنه إن سَلَّم معه كره وصح، وقبله
عمداً بلا عذر بطلت، وسهواً يعيده بعده، وإلا بطلت، اهـ. ومذهب الحنفية
في ذلك ما في ((البرهان)): قال: وكره سلامه بعد تشهد الإمام، أو قعوده قدر
التشهد قبل سلامه لفوت متابعته له، ولا تفسد لانتهائها، اهـ.
وأما الثالث: يعني تقدم المؤتم على إمامه في بقية الأركان، فتقدم في
كلام الحافظ أن الجمهور على إجزاء الصلاة مع تحريمه إلا في رواية لأحمد،
وبه قال أهل الظاهر، واختاره الشوكاني في ((النيل))، وقال: لا فرق بين
التحريمة وغيرها، قلت: وفي كتب الفروع للأئمة فيها تفاصيل، لا يسعها هذا
المختصر، إلا أن بعض المالكية شرطوا التأخر في القيام من الاثنتين أيضاً.
قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(١): قال مالك: وله أن يفعل ذلك
معه إلا في الإحرام والقيام من اثنتين والسلام، فلا يكون إلا بعد الإمام، وقال
(١) (٧٨/٢، ٧٩).
٢٦٤
--

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(١٥) باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهياً
ابن وهب: عن مالك في الأعمى يخالف إمامه، فيركع قبله، ويسجد قبله، أنه
يستأنف الصلاة، وهذا صحيح لأن القدوة فرض، اهـ، وتقدم كلام ابن العربي.
وقال العيني (١): الوعيد المذكور لمن رفع رأسه قبل الإمام، ونظر ابن
مسعود - رضي الله عنه - إلى من سبق إمامه، فقال: لا وحدك صليتَ، ولا
بإمامك اقتديتَ !! وعن ابن عمر - رضي الله عنه - نحوه، وأمره بالإعادة،
والجمهور على عدم الإعادة، وقال القرطبي: من خالف الإمام فقد خالف سنة
المأموم، وأجزأته صلاته عند جميع العلماء.
وفي ((المغني))(٢) لابن قدامة: وإن سبق إمامه فعليه أن يرفع ليأتي بذلك
مؤتماً بالإمام؛ فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهواً، أو جهلاً فلا شيء عليه، فإن
سبقه عالماً بتحريمه؛ فقال أحمد في ((رسالته)): (ليس لمن سبق الإمام صلاة))، اهـ.
قلت: هذا كله إذا لحقه الإمام في الركوع مثلاً، أما إذا لم يلحق، حتى
فرغ المؤتم من الركوع، ففيه اختلاف آخر بين الأئمة.
(١٥) ما يفعل من سلم من ركعتين ساهياً
قال القاري(٣): السهو لغةً: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره،
وقضيته أن السهو والنسيان مترادفان، اهـ. قال الراغب (٤): النسيان ترك الإنسان
ضبط ما استودع، إما عن غفلة، وإما عن ضعف قلبه، وإما عن قصد حتى
ينحذف عن القلب ذكره. وحكى عياض أن بعضهم فرقوا بين السهو والنسيان،
فإن السهو جائز على الأنبياء في الصلاة بخلاف النسيان، لأن النسيان غفلة
وآفة، والسهو إنما هو شغل.
(١) ((عمدة القاري)) (٢٢٤/٥).
(٢) (٢١٠/٢).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢١/٣).
(٤) ((مفردات القرآن)) (ص ٨٠٣).
٢٦٥

٣ - كتاب الصلاة
(١٤) باب
قال العلائي: هذا القول ضعيف من جهة الحديث، ومن جهة اللغة. أما
من جهة الحديث، فلِمَا في ((الصحيحين)) من قوله وَله: ((إنما أنا بشر أنسى كما
تنسون)) الحديث، وأما لغةً فلما في ((المحكم))، إذ قال: إن السهو هو نسيان
الشيء والغفلة عنه، وقال ابن الأثير في ((النهاية)): السهو في الشيء تركه من
غير علم، والسهو عن الشيء تركه مع علم، وهذا فرق حسن دقيق، وبه يظهر
الفرق بين السهو الذي وقع عن النبي ◌َّو غير مرة في الصلاة، وبين السهو عن
الصلاة الذي ذمه الله تعالى، اهـ.
قلت: المراد به قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾، وفي
((المنطوق بين الفروق)): إن النسيان زوال الشيء عن الحافظة والمدركة،
والسهو زواله عن الحافظة فقط، اهـ.
ثم لا يخفى عليك ما قال الأبِّي في ((إكمال الإكمال)) (١): إن أحاديث
السهو كثيرة، والثابت منها خمسة، حديث أبي هريرة وأبي سعيد، وهما في مَنْ
شك كم صلَّى؟ ففي حديث أبي هريرة أنه يسجد سجدتين، ولم يذكر
موضعهما، وفي حديث أبي سعيد أنه سجدهما قبل السلام، والثالث حديث
ابن مسعود أنه قام إلى خامسة، والرابع حديث ذي اليدين، والخامس حديث
ابن بحينة أنه قام من ثنتين، اهـ مختصراً، وسيأتي كلامه مفصلاً.
وذكر في ((المغني)) و((الشرح الكبير)): قال الإمام أحمد: يحفظ عن
النبي ◌َّ خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد، سلم من ثلاث فسجد، وفي
الزيادة والنقصان، وإذا قام من اثنتين ولم يتشهد. وقال الخطابي: المعتمد عند
أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة، يعني حديثي ابن مسعود وأبي سعيد وأبي
هريرة وابن بحينة، اهـ.
(١) (٢٦٤/٢).
٢٦٦

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حدیث
٥٨/٢٠٣ - حَدّثني يَحْبَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أُيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ
السَّخْنِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ،
قال ابن العربي(١): أحاديث السهو ثلاثة، وأحاديث الشك ثلاثة أصول
سواء سائر التوابع، وقد رأيت بعض العلماء بَلَّغَ حديث ذي اليدين مائة
وخمسين مسألة بالإسكندرية، وقرأتها ووقفت عليها، اهـ.
٥٨/٢٠٣ - (مالك عن أيوب بن أبي نميمة) بفوقية مفتوحة فميمين بينهما
تحتية ساكنة ثم هاء، واسمه كيسان (السختياني) بفتح السين المهملة على
الأصح، وحكي ضمها وكسرها، فإسكان الخاء المعجمة، ففوقية مفتوحة،
فتحتية خفيفة، فألف فنون، نسبة إلى السختيان، وهو الجلد. وفي
(الممجد))(٢): جلود الضأن، لأنه كان يبيعه بالبصرة كما قاله أبو عمر، وقال
غيره: لبيع أو عمل، قاله الزرقاني(٣)، وجزم السمعاني في ((الأنساب)) - وتبعه
الجزري في ((اللباب))، والسيوطي في (لب اللباب)) - بالأول، أبو بكر
البصري، ثقة حجة، من رواة الستة، قال علي بن المديني: له نحو ثمانمائة
حديث، رأى أنساً - رضي الله عنه -، قال شعبة: ما رأيت مثله، مات سنة
١٣١ هـ، وله خمس وستون سنة، كما في ((التقريب))(٤)، وولد سنة ست
وستين، كذا في ((الخلاصة)).
(عن محمد بن سيرين) بكسر السين والراء، ابن أبي عمرة الأنصاري
مولاهم البصري، قال النووي: إن أباه سيرين كان مولى أنس بن مالك
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١٨٦/٢).
(٢) ((التعليق الممجد)) (٣٩١/٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١/ ١٩١).
(٤) (تقريب التهذيب)) (رقم الترجمة: ٦٠٥).
٢٦٧

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَيْنِ،
- رضي الله عنه -. قال ابن سعد: كان محمد ثقة مأموناً عالماً فقيهاً إماماً كثير
العلم، وكان به صمم، قال في ((التقريب)) (١): لا يرى الرواية بالمعنى، وفي
((الخلاصة))(٢): كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، قلت: والمراد بابن سيرين على
الإطلاق هو محمد، وإلا فلسيرين ستة أولاد. هذا، ومعبد، وأنس، ويحيى،
وحفصة، وكريمة، وكلهم ثقات، كذا في ((الممجد)) (٣)، مات لتسع مضين من
شوال سنة ١١٠، وله ٧٧ سنة، وولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان - رضي الله
عنه - كما في ((البذل)) و((التهذيب))، ورجال ((جامع الأصول)) وغير ذلك.
(عن أبي هريرة أن رسول الله(وسير انصرف) أي سلم (من اثنتين) أي
ركعتين، وسيأتي في الحديث الآتي ما يتعلق بتعيين الصلاة، وهل كان أبو
هريرة - رضي الله عنه - بنفسه حاضراً في هذه الصلاة؟ فحديث الباب ساكت
عنه، والأئمة مختلفة فيه .
ولفظ بعض الروايات: ((صلى بنا))، وفي بعض آخر: ((صلى لنا
رسول الله وَ ل9))، يؤيد حضور أبي هريرة - رضي الله عنه -، وحمله آخرون على
المجاز، بأن يراد بلفظ: ((بنا)) جماعة الصحابة - رضي الله عنهم -، كما هو
متعارف عند من له نظر على ألفاظ الروايات، إلا أن رواية مسلم عن أبي سلمة
عن أبي هريرة: ((بينما أنا أصلي مع رسول الله (وَّ صلاة الظهر)) صريحة في أن
أبا هريرة كان حاضراً في الصلاة، وتأبى المجاز لو صحت.
لكن أثبت الشيخ النيموي، ونقل عنه الشيخ في ((البذل)) (٤) أن لفظ:
(١) (رقم الترجمة: ٥٩٤٧).
(٢) ((خلاصة تهذيب الكمال)) (٤١٢/٢).
(٣) ((التعليق الممجد)) (٣٩٢/٢).
(٤) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٦١/٥).
٢٦٨
-

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
((بينما أنا أصلي)) ليس بمحفوظ في هذه الرواية، ولعل بعض الرواة رووا قول
أبي هريرة: ((صلى بنا)) بالمعنى فعبَّروه بلفظ: ((بينما أنا أصلي))، ويؤيده ما
أخرجه الطحاوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال الطحاوي: مع أن أبا
هريرة لم يحضر تلك الصلاة مع رسول الله وَ# أصلاً، لأن ذا اليدين قُتل يوم
بدر مع رسول الله صل، وهو أحد الشهداء، قد ذكر ذلك محمد بن إسحاق
وغيره، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ما يوافق ذلك.
ثم أخرج بسنده إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه ذكر له حديث
ذي اليدين فقال: كان إسلام أبي هريرة بعدما قتل ذو اليدين، وإنما قول أبي
هريرة: ((صلى بنا رسول الله (َّ)) أي بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، ثم ذكر
النظائر في ذلك من الأحاديث.
وقال العيني(١): حديث مسلم هذا روي بخمس طرق، فلفظه من
طريقين: ((صلى بنا))، وفي طريق: ((صلى لنا))، وفي طريق: ((إن رسول الله وَل
صلى ركعتين))، وفي طريق: ((بينما أنا أصلي)) .. إلخ.
قلت: وحاصل هذا الجواب: أن لفظ: ((بينما أنا أصلي)) يخالف جميع
الروايات الواردة في ذلك، قال النيموي: تفرد بذاك اللفظ يحيى بن أبي كثير،
وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة فكيف يقبل أن أبا هريرة
قال: بينما أنا أصلي، اهـ. ولو سُلِّم فيحتمل أن يكون المتكلم في تلك القصة
التي شاهدها أبو هريرة غير ذي اليدين، وليس في هذا الحديث ذكر تكلمه وقلة
كما بسطه في ((البذل)).
قال النيموي (٢): لا يخفى أن حديث أبي هريرة هذا من مراسيل
(١) ((عمدة القاري)) (٦٤٢/٥).
(٢) انظر: ((حاشية آثار السنن)) (١٤٣/١، ١٤٤).
٢٦٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ:
الصحابة، واستدل على ذلك بثلاثة وجوهٍ؛ أحدها: بحديث ابن عمر المتقدم
عند الطحاوي أن ابن عمر - رضي الله عنهما - ذكر له حديث ذي اليدين،
فقال: كان إسلام أبي هريرة بعدما قُتِل ذو اليدين، وبسط النيموي الكلام على
تصحيحه. والثاني: بأقوال أهل الرجال: إن ذا اليدين وذا الشمالين واحد،
وسيأتي البحث في ذلك. وثالثها: أن الزهري - وهو أحد أركان الحديث وأعلم
الناس بالمغازي - نص على أن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر، اهـ.
(فقال له) أي لرسول الله وَ ل ◌ّر (ذو اليدين) اسمه الخرباق - بكسر الخاء
المعجمة، وسكون الراء المهملة بعدها موحدة فألف فقاف - ابن عمرو بن
نضلة، سُمِّي به لطول في يديه، ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل
وبالبذل، وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعاً، وبه جزم السمعاني في
((الأنساب)).
وهل هو وذو الشمالين واحد أم رجلان؟ مختلف عند العلماء، وذهب
الحنفية إلى الأول، يعني إلى اتحادهما، قال العيني - كما نقله عنه في
((البذل)) -: إن ذا اليدين وذا الشمالين كلاهما لقب على الخرباق، اهـ. وقال
النيموي(١): الذي تكلم في السهو يقال له: الخرباق، وعمير، وذو اليدين،
وذو الشمالين جميعاً. وقيل: عبد الله، اهـ.
قلت: قد روي في الروايات الكثيرة سيما عند النسائي ما يدل على
اتحادهما، فإن النسائي أخرج من طريق عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن
أبي هريرة: أن رسول الله وَ ﴿ل صلى يوماً فسلم في ركعتين، ثم انصرف فأدركه
ذو الشمالين، فقال له، فقال ◌َّلّ: ((أصدق ذو اليدين؟)) الحديث. وأخرج من
طريق الزهري عن أبي سلمة ولفظه: فقال له ذو الشمالين، وقال ◌َله: ((أصدق
(١) انظر: ((حاشية آثار السنن)) (١٤٧/١).
٢٧٠
----
٠٠٠

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
+
ذو اليدين؟)). ومن طريق الزهري عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان عن أبي
هريرة بلفظ: فقال له ذو الشمالين بن عمرو، فقال النبي ◌َّر: ((ما يقول ذو
اليدين؟)). ومن طريق آخر بلفظ: فقال له ذو الشمالين نحوه، وهكذا أخرجه
جماعة من المحدثين، كالبزار والطبراني وغيرهم، ذكرتْ رواياتهم في
المطولات، تركناها للاختصار، كلهم أخرجوا الروايات عن أبي هريرة وابن
عباس من ذكر ذي اليدين في حديث ذي الشمالين، وكذا العكس، وهذه
الروايات صريحة في أن ذا اليدين وذا الشمالين رجل واحد(١).
هذا وقد صرَّح جماعة من أهل الحديث، والرجال بأنهما واحد، قال ابن
سعد في ((طبقاته)): ذو اليدين، ويقال: ذو الشمالين اسمه عمير بن عمرو بن
نضلة، وقال العدني في ((مسنده)): قال أبو محمد الخزاعي: ذو اليدين أحد
أجدادنا، وهو ذو الشمالين، وقال المبرد في ((الكامل)): ذو اليدين هو ذو
الشمالين، كان يسمى بهما جميعاً، وقال ابن حبان في ((ثقاته)): ذو اليدين،
ويقال له: ذو الشمالين أيضاً، ابن عبد بن عمرو بن نضلة، كذا في ((البذل))،
و((آثار السنن))، وذكرا غير ذلك من المؤيدات.
وقال السمعاني في ((الأنساب)) كما في ((الفتح الرحماني)): ذو اليدين،
ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعاً، قال ابن رسلان في
((شرح أبي داود)): وللناس خلاف فيما يتعلق بذي اليدين في موضعين: الأول:
أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان، ولا خلاف بين أهل السير أن ذا
الشمالين قتل ببدر، فالجمهور على أن ذا اليدين غيره لروايات أبي هريرة في
شهوده القصة. قال العلائي: هذا هو الصحيح الراجح، وقال أبو بكر الأثرم:
الذي قتل ببدر إنما هو ذو الشمالين بن عبد عمرو حليف لبني زهرة.
(١) انظر: ((فتح الملهم)) (١٢٩/٢)، و((حاشية آثار السنن)) (١٤٣/١)، طبع ملتان.
٢٧١

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
أَقَصُّرَتِ الصَّلاةُ
واختار القاضي عياض في ((الإكمال)) بأنهما واقعتان: إحداهما كانت قبل
بدر والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة بل أرسل روايتها،
والثانية كانت بعد إسلامه وحضرها أبو هريرة والمتكلم ذو اليدين
والثاني: أن ذا اليدين هو الخرباق المتكلم في حديث عمران، أو غيره،
فالذي اختاره عياض وابن الأثير والنووي في غير موضع: أنهما واحد، وأما
ابن حبان فجعلهما اثنين، فقال في ((معجم الصحابة)): الخرباق صلى مع
رسول الله ◌َّ حيث سها، وهو غير ذي اليدين، وقال ابن عبد البر: يحتمل
ويحتمل، وقال ابن الجوزي في ((الألقاب)) قولان: أحدهما عمير بن عبد
عمرو بن نضلة السلمي، ذكره الأكثرون، والثاني ذكره أبو بكر الخطيب، قال
العلائي: وعمير بن عبد عمرو بن نضلة هو ذو الشمالين، لا ذو اليدين، وابن
الجوزي وهم في هذه التسمية، اهـ (١).
وقال العلامة العيني(٢): إن ذا اليدين وذا الشمالين كلاهما لقب على
الخرباق، وقع ذلك في كتاب النسائي، ثم ذكر الرواية المذكورة عن الزهري
عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان عن أبي هريرة، ثم قال: وهذا سند صحيح
متصل، صرح فيه بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك
عمران بن أبي أنس، ثم ذكر حديثه، وقال: هذا سند صحيح على شرط
مسلم، فثبت بذلك أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد.
(أقصرت الصلاة) بضم القاف وكسر الصاد المهملة على بناء المجهول أي
قصرها الله. ويفتح القاف، وضمِّ الصاد على بناء الفاعل، أي صارت قصيرة،
قال النووي: هذا أكثر وأرجح، قال ابن رسلان: الفعل لازم ومتعد، فاللازم
مضموم الصاد؛ لأنه من الأمور الخلقية كحسن وقبح، والمتعدي بفتح الصاد،
(١) انظر: هامش ((البذل)) (٣٥٩/٥).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٦٤١/٥).
٢٧٢
- --

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
أُمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَ
منه: قصر الصلاة، وقصرها بالتخفيف والتشديد، وأقصرها على السواء،
حكاهن الأزهري.
(أم نسيت) ببناء الخطاب، قال ابن رسلان: الاستفهام ههنا على بابه لم
يخرج عن موضوعه، والاستفهام تارة يراد به التصور، وتارة يطلب به
التصديق، فالأول: كقول ذي اليدين هذا، ومثله: أعَسَلٌ في الدَّنِّ أم دِبسٌ؟،
والثاني: كقوله: أحق ما يقول ذو اليدين؟ ومثله: أقام زيد؟ ثم الذي يلي
الهمزة هو المسؤول، اهـ، كما سيأتي.
(يا رسول الله) فاستفهم؛ لأن الزمان زمان نسخ.
قال النووي(١): في الحديث دليل على جواز النسيان عليه وّليل في أحكام
الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر القرآن والحديث، واتفقوا على
أنه وَّ لا يقر عليه، بل يعلمه الله تعالى به. ثم قال الأكثرون: شرطه التنبيه
على الفور، وجَوَّزَ طائفة تأخيره مدة حياته وَِّ. (بذل))(٢).
قال العيني: فيه جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في
الأفعال، وقال ابن دقيق العيد: هو قول عامة العلماء، وشذت طائفة فقالوا:
لا يجوز على النبي ﴿ السهو، وهذا الحديث يرد عليهم، وقال القاضي
عياض: اختلفوا في جواز السهو عليه وَّر في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ،
وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته، فجَوَّزه الجمهور، وأما السهو في
الأقوال البلاغية، فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمده، انتهى.
(فقال رسول الله وآله): ((لم أنسَ ولم تقصر))، قال النووي: أي في ظني،
واختصر الراوي هذه الرواية، وفي الروايات بعدها زيادة قال: ((بل نسيت يا
(١) انظر: ((شرح النووي)) (٧١/٥) باب السهو في الصلاة، رقم (١٠١).
(٢) (بذل المجهود)) (٣٥٦/٥).
٢٧٣

--
٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حدیث
((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟))، فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ،
رسول الله، فأقبل رسول الله ◌َّ﴾ إلى القوم))، كما زاده في رواية أبي داود،
وسيجيء في الرواية الآتية عند ((الموطأ)» أيضاً بعد ذلك.
فقال ◌َله: (أصدق ذو اليدين؟) فيما قاله من النسيان في الصلاة قال ابن
رسلان: الذي يلي همزة الاستفهام هو يكون المسؤول عنه لا غيره، فإذا قلت:
أأنت فعلت كذا؟ كان الشك في الفاعل من هو؟ مع العلم بوقوع الفعل، وإذا
قلتَ أفعلت كذا؟ كان الشك في الفعل نفسه، وكان الغرض من الاستفهام أن
يعلم وجوده، هل وقع أم لا؟ اهـ.
قال الباجي(١): يحتمل أنه وَّر كان على يقين من تمام صلاته، وكان هذا
السؤال ليستشهد على رد قول ذي اليدين، ويحتمل أنه وقع له الشك بقول
ذي اليدين، فأراد أن يتيقن أحد الأمرين بقوله، انتهى مختصراً.
(فقال الناس) أي الصحابة الذين صلوا معه بَلّ: (نعم) صدق. وفي
الصحيحين عن أبي هريرة: ((فقالوا: نعم))، ولفظ أبي داود(٢): ((فأومأوا، أي
نعم))، وفي مسلم: ((قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين))، وهذا نص في الكلام،
ويقتضيه المقام، لأنه وّلّ لم يكتف بقول ذي اليدين، فاستثبتهم، فكان حق العبارة
التوكيد، لكن هذا الكلام مفسد عند الشافعية، فأوَّله جماعة منهم من الشراح بحمل
هذا على الإشارة، فقالوا: يمكن أن يجمع بينهما بأنهم أومأوا؛ لأن رواية أبي داود
مفسرة. ومن قال: ((نعم)) أو قال: ((صدق)) عبر الإشارة بالقول مجازاً، نظراً إلى
المقصود، ويحتمل أن يقال: إن بعضهم أومأوا وبعضهم قالوا: نعم، وغير ذلك.
وقال الحافظ بحثاً: إنهم لم ينطقوا وإنما أومأوا، كما عند أبي داود،
وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حمل القول على الإشارة مجاز سائغ بخلاف
عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه، وهو قوي،
(١) انظر: ((المنتقى)) (١٧٢/١).
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب السهو في السجدتين (١٠٠٩).
٢٧٤

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ
وهو أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم
بالإشارة، انتهى (١).
وأنت خبير بأن هذه التأويلات اضطر إليها من يقول: إن هذا النوع كان
مفسداً للصلاة، وأما الذي أباحه للإصلاح أو أباحه مطلقاً في هذا الوقت،
كالحنفية، إذ قالوا بالنسخ بعده، لم يحتاجوا إلى التوجيه، والعجب من مشايخ
الشافعية أنهم أوَّلوا الروايات الصحيحة الصريحة في التكلم إلى الإيماء لرواية
أبي داود، مع أن أبا داود بنفسه تكلم على لفظ ((فأومأوا))، وقال: تفرد به
حماد، ولو قال مثل ذلك أحد غيرهم لصاحوا به كلهم.
(فقام رسول الله (18) أي في محل الصلاة، ولفظ أبي داود بهذا السند:
((فرجع رسول الله ◌َّل إلى مقامه))، قال الحافظ(٢): لم يقع في غير هذه الرواية
لفظ القيام، واستشكل، لأنه ◌َ ل#له كان قائماً، وأجيب بأن المراد اعتدل، وقيل:
القيام كناية عن الدخول في الصلاة، قال ابن المنير: فيه إيماء إلى أنه أحرم ثم
جلس ثم قام، قال الحافظ: وهو بعيد جداً. قال الزرقاني(٣): لا بعد فيه،
فضلاً عن قوته، اهـ.
وهل فهمت هذه المنازعة أو نوضح لك، وحقيقة الكلام أن العلماء
اختلفوا هاهنا في مسألة أخرى، وهي أن الباني هل يرجع إلى الجلوس ليأتي
بالنهضة إلى القيام في الصلاة، أم لا يحتاج إلى ذلك؟ فمن اختار الأول جعله
ظاهراً بل أظهر، ومنهم المالكية، ومن اختار الثاني جعله بعيداً، ومنهم
الشافعية، ولا تثريب على أحد منهم، فإنه من تحقق عنده شيء يرجع إليه
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٥٧/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٩٨/٣) رقم الحديث (١٢٢٨).
(٣) (١/ ١٩٢).
٢٧٥

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَبَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ،
المحتمل، ويكون عنده ظاهراً فحاشاك أن تطيل لسانك على أحد من مشايخ
الحديث والفقه وتأكل لحومَهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.
(فصلّى ركعتين أخريين) بضم الهمزة تثنية أخرى، أي الباقيتين، قال ابن
رسلان: فيه دليل على أن من سلّم ساهياً، وقد بقي عليه شيء من صلاته، فإنه
يأتي مما بقي، وهذا ما لا خلاف فيه، انتهى. (ثم سلم) للسجود، قال
العلائي(١): وجميع طرقه ورواياته لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد
السلام، اهـ. كذا في ابن رسلان قلت: وسيأتي تمام الكلام في ذلك.
(ثم كبر) للسجود عند الجمهور، واختلف الأئمة(٢): هل يشترط لسجود
السهو بعد السلام تكبيرة إحرام، أو يكتفي بتكبير السجود؟ فالجمهور على
الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. ومذهب الإمام مالك وجوب التكبير،
لكن لا تبطل بتركه، قاله الحافظ والزرقاني، وقال ابن رسلان: أشار القرطبي
إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كان بعد السلام، قال: لأن قول
مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة
الإحرام كسائر الصلاة، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن يتشهد بعد سجدتي
السهو، ثم يسلّم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة، اهـ.
والعجب كل العجب من العلامة الزرقاني(٣) إذ قال: قال القرطبي: في
الحديث دلالة على أن التكبير للإحرام لإتيانه بتُمَّ المقتضية للتراخي، فلو كان
التكبير للسجود لكان معه، انتهى. وهذا وهم منه؛ لأن كلام القرطبي هذا الذي
نقله العلامة من ((الفتح)) لا يتعلق بهذا الحديث، ولا ينطبق عليه، بل هو متعلق
بحدیث آخر .
(١) انظر: هامش ((بذل المجهود)) (٣٥٧/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٩٩/٣).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٩٢/١).
٢٧٦

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
فَسَخَذَ مِثْلَ سُجُودِهِ
قال الحافظ: قال القرطبي: قوله في رواية مالك الماضية: ((فصلّى
ركعتين ثم سلَّم، ثم كَبَّر ثم سجد))، يدل على أن التكبيرة للإحرام لإتيانه بثُمَّ
إلخ، ففي هذه الرواية يمكن أن ينطبق ما قاله القرطبي، وإن ردّه الحافظ بقوله:
وتُعقّب بأن ذلك من تصرف الرواة، فقد تقدم بطريق ابن عون عن ابن سيرين
بلفظ: ((ثم كبر وسجد)) فأتى بواو المصاحبة التي تقتضي المعية، انتهى.
قلت: وأما حديث الباب ففيه دلالة على خلاف ما قاله القرطبي، لأنه
قال: ثم كبر فسجد إذ ذكر التكبير بلفظ ثم، والسجود بالفاء، وأيضاً ذكر
السجدة الثانية بهذا الصنيع بلفظ: ثم كبر فسجد مثل سجوده، وهذا التكبير
للسجدة الثانية لا للتحريمة عند أحد، فكيف يكون التكبير الأول - وهو أيضاً
على هذا المنوال ـ دليلاً على تكبير التحريمة؟ ولو استدل به على تكبير
التحريمة وجب التكبيرتان.
وليت شعري لِمَ لَمْ ينبه الحافظ ومثله على هذا التعقب؛ لأنهم كلهم
يذكرون كلام القرطبي، والتعقب عليه بأنواع أُخر، وهذا التعقب أولى عندي،
نعم يمكن أن يستدل لتكبير التحريمة برواية أبي داود بلفظ: ((كبر ثم كبر»، لكنه
متكلم فيه عند المحدثين، قال العلائي(١): لم يأت ذكر تكبيرة الإحرام صريحاً
إلا فيما رواه حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين في حديث
ذي اليدين، اهـ، وذكر أبو داود جماعة من المحدثين، وبسطهم ابن رسلان
وغيره فلم يذكروا هذه الزيادة، فكأنهم أشاروا إلى تضعيفه للشذوذ.
(فسجد) للسهو (مثل سجوده) المعتاد للصلاة، قال الجوهري وغيره: مثل
كلمة تسوية، يقال: هذا مثله، أي شبهه، وكذا قال الأزهري وغيرهم، إلا أن
الراغب زاد كلاماً حسناً، فقال: المثل، عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من
(١) انظر: هامش ((البذل)) (٣٧٤/٥).
٢٧٧

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٢ - كتاب السهو، ٤ - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١٩ - باب السهو في
الصلاة والسجود له، حديث ٩٧.
المعاني، أي معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة المشابهة، وذلك؛ لأن
الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه فيما يشاركه في الكيفية فقط،
والمساوي فيما يشاركه في الكمية فقط، والمثل عام في جميع ذلك، ولذا قال
تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾، وأما نحو هذا فيقتضي المشابهة مع التقرب،
انتھی، كذا في ابن رسلان.
(أو أطول) منه (ثم رفع) رأسه من السجود (ثم كبر) للسجود الثاني
(فسجد) ثانياً (مثل سجوده) الأول أو مثل سجوده للصلاة، والأول أقرب لفظاً،
والثاني معنىَ (أو أطول ثم رفع) رأسه من السجدة الثانية ولم يذكر في هذا
الحديث أنه تشهد بعد سجدتي السهو، وقد زاد أبو داود برواية حماد بن زيد
عن أيوب بهذا الحديث: قال - أي أيوب -: فقيل لمحمد - أي ابن سيرين -:
أسَلَّم في السهو؟ فقال: لم أحفظه من أبي هريرة، ولكن نُبِّثْتُ أن عمران بن
حصين قال: ثم سلّم. ونحوه عند مسلم، وسيأتي ذكر حديث عمران في كلام
الحافظ، ولم يذكر الإمام مالك حديث عمران.
ولا يلتبس عليك أن هناك ثلاثة أحاديث: لعمران، وأبي هريرة، ومعاوية.
واختلف المحدثون في أن قصة حديث عمران، هل هي قصة حديث أبي
هريرة، أو غيره؟ ولفظه على ما في أبي داود: ((وعن عمران قال: سلّم
رسول الله وَّل في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل الحجر، فقام إليه رجل
يقال له: الخرباق، وكان طويل اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟
فخرج مغضباً يجر رداءه، فقال: أصدق؟ قالوا: نعم، فصلى تلك الركعة ثم
سجد سجدتيها ثم سلّم))، وفي رواية مسلم كما نقله عنه ابن رسلان: ((فصلى
الركعة التي كان ترك، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلّم))، اهـ.
٢٧٨
--
---

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
١ ٠ ٠٠ ٠٠
قال ابن رسلان (١): قال العلائي: رأيت بعض مشايخنا من أهل الحديث
يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله: ((في ثلاث
ركعات))، أي في ابتداء ثلاث ركعات، ثم قال: وفي ذلك نظر، بل الظاهر
الذي لا يخفى أنهما قضيتان كما قاله الجمهور، اهـ. وقال ابن رسلان في شرح
حديث معاوية بن خديج عند أبي داود بلفظ: ((أن رسول الله وم ليل صلى يوماً فسلّم
وقد بقيت من الصلاة ركعة)) الحديث. هذه الصلاة صلاة المغرب لرواية ابن
حبان بلفظ: ((عن معاوية بن خديج قال: صليت مع النبي ◌َّ- المغرب فسها
فسلَّم)) الحديث، وقال ابن خزيمة في (صحيحه)) بعد سياقه حديث معاوية بن
خديج: هذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المخبر ههنا طلحة بن عبيد الله،
وفي تلك القصة ذو اليدين، والسهو ههنا في المغرب، وفي تلك القصة في الظهر
أو العصر، وقصة عمران والخرباق ثالثة؛ لأن التسليم في قصة عمران من الركعة
الثالثة، وفي قصة ذي اليدين ((صلى الركعتين))، وأيضاً في خبر عمران: ((دخل
حجرته))، وفي تلك القصة قام إلى خشبة معروضة، وفي كل هذه دلالة على أن
القصص ثلاث، وتابعه على أن القصص ثلاث تلميذه أبو حاتم، وابن حبان،
لكنه زاد شيئاً آخر فجعل حديث أبي هريرة أيضاً واقعتين، انتهى.
وقد أخرج البخاري(٢) حديث مالك المذكور في ((باب من لم يتشهد في
سجدتي السهو))، ثم قال بعده: عن سلمة بن علقمة قال: قلت لمحمد: في
سجدتي السهو تشهدٌ؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. قال الحافظ(٣):
ومفهومه أنه روي في حديث غيره، وقد روى أبو داود، والترمذي، وابن
حبان، والحاكم من طريق أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد، عن أبي قلابة،
(١) انظر: هامش ((البذل)) (٣٨٣/٥).
(٢) (٧١٤ و ١٢٢٨).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٩٢/١).
٢٧٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حدیث
عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: ((أن النبي وَلّ صلّى بهم فسها،
فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم)) صححه الحاكم على شرطهما، وقال
الترمذي(١): حسن غريب، وضعَّفه البيهقي وغيره، بَسَطَها الزرقاني نقلاً عن
الحافظ .
فَعُلِم بذلك أن ذكر التشهد ليس في حديث ذي اليدين، نعم يوجد في
حديث عمران، فإن كان حديثاً واحداً يحمل على الاختصار في حديث أبي
هريرة، وإلا فيحمل على اختلاف الوقائع.
ومذاهب الأئمة في ذلك ما في ((المغني))(٢): أنه يكبر للسجود والرفع منه
سواء كان قبل السلام أو بعده، فإن كان قبل السلام سلم عقبه، وإن كان بعده
تشهد وسلم، سواء كان محله بعد السلام أو كان قبل السلام فنسيه إلى ما
بعده، وهذا مذهب الحنابلة، وبهذا قال الإمام الشافعي والحنفية في التشهد
والسلام، وقال الحسن وغيره: ليس فيهما تشهد ولا تسليم، وقال ابن سيرين
وغيره: فيهما تسليم بغير تشهد، وعن عطاء: إن شاء تشهد وسلم، وإن شاء لم
يفعل، انتھی.
قال ابن رسلان: روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحب إليّ
أن يتشهد فيهما، وحكى ابن عبد البر عن يزيد بن قسيط: أنه يتشهد بعدهما
ولا يسلم، ورواه أيضاً عن النخعي وغيره، وروى ابن أبي شيبة عن
أبي(٣) مسعود أنه يتشهد فيهما ويسلم، ورواه عبد الرزاق عن قتادة، قال
عياض: ومذهب مالك أنه إذا كانتا - يعني السجدتين - بعد السلام، فيتشهد
(١) انظر: ((جامع الترمذي)) (٢٤١/٢).
(٢) (٤٣١/٢).
(٣) كذا في الأصل. والظاهر عن ابن مسعود، كما في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٨٣/١).
٢٨٠
---
.--