Indexed OCR Text

Pages 141-160

٣ - كتاب الصلاة
(٦) باب
(١٧٥) حديث
فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ إِذَا افْتَنَحَ الصَّلاةَ.
أخرجه مسلم فى: ٤ - كتاب الصلاة، ١٣ - باب حجة من قال لا يجهر
بالبسملة، حديث ٥٠.
قلت: وسيأتي عن البخاري مرفوعاً بلفظ آخر، وأخرجه أحمد والنسائي
عن أنس قال: صليت خلف النبي ◌َّ وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله
عنهم - فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال في ((إعلاء السنن)):
إسناده على شرط الصحيح.
(فكلهم كان لا يقرأ) أحد منهم (بسم الله الرحمن الرحيم) أصلاً عند
المالكية وجهراً عند الحنفية كما سيجيء، وهو الأوجه جمعاً بين الروايات.
(إذا افتتح) بصيغة المفرد في نسخة الزرقاني وغيره، وفي أكثر النسخ
الهندية بلفظ الجمع، والأوجه الأول لمناسبة لا يقرأ.
(الصلاة) اعلم أن الأئمة اختلفوا فيما بينهم في قراءة التسمية في الصلاة،
فأنكرها مالك، وقال الشافعي: يقرأ ويجهر بها، وقال الحنفية وأحمد: يقرأ
ويسر بها، كما في ((المغني)) وغيره.
قال الحافظ في ((الدراية)): اختلفوا في قراءتها في الصلاة فعن الشافعي
تجب، وعن مالك يكره، وعن أبي حنيفة تستحب وهو المشهور عن أحمد، ثم
اختلفوا، فعن الشافعي يسن الجهر، وعن أبي حنيفة لا يسن، اهـ.
وحديث الباب يؤيد المالكية، لكن قال ابن عبد البر(١): اختلفت ألفاظها
اختلافاً كثيراً مضطرباً، منهم من قال: كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم،
ومنهم من قال: كانوا لا يجهرون بها، وبعضهم قال: كانوا يجهرون بها، وبعضهم
قال: كانوا لا يتركونها، ومنهم من قال: كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب
العالمين، وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء، انتهى.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٦٦/٤).
١٤١

٣ - كتاب الصلاة
(٦) باب
(١٧٥) حديث
والحاصل أن العلماء بسطوا الكلام في إثبات الاضطراب ونفيه في
حديث أنس - رضي الله عنه - وهذا المختصر لا يسعه، بسطه السيوطي في
(التنوير)) و((التدريب)) والزرقاني))، والحافظ، وجماعة من المشايخ، وقول
الحنفية يجمع أكثر طرق الحديث، فإنهم قالوا: يقرأ بها سراً فيصح نفي القراءة
أيضاً باعتبار الجهر، وإثباتها أيضاً باعتبار القراءة، والحديث أخرجه
البخاري(١) بلفظ: ((أن النبي ◌َلّ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد
لله رب العالمين))، قال الحافظ (٢): وقيل: المعنى: كانوا يفتتحون بالفاتحة،
وهذا قول من أثبت البسملة، وقيل: يفتتحون بهذا اللفظ تمسكاً بظاهر
الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة، قلت: وهو الأوجه، ولا يلزم منه
نفي قراءة البسملة كما ترى، فإنه يشمل نفي الجهر أيضاً وهو المتعين جمعاً بين
الروايات، وإلا فيلزم الاضطراب فيها .
ثم اختلف الأئمة ها هنا في مسألة أخرى، وقيل: الخلاف الأول مبني
على هذا الخلاف، وهي أن البسملة جزء من كل سورة أم لا؟ فذهب الشافعي
إلى الأول، والجمهور إلى الثاني وهما قولان لأحمد، والمنصور عند أصحابه
هو الثاني، كما في ((المغني))(٣).
وقال الحافظ في ((الدراية)): الذي يتحصل من البسملة أقوال. أحدها:
أنها ليست من القرآن أصلاً إلا في سورة النمل، وهذا قول مالك، وطائفة من
الحنفية، ورواية عن أحمد. والثاني: أنها آية من كل سورة أو بعض آية، كما
هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه، وعن الشافعي أنها آية من الفاتحة دون
غيرها وهو رواية عن أحمد. الثالث: أنها آية من القرآن مستقلة برأسها وليست
(١) أخرجه البخاري (الحديث: ٧٤٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٧٨/٢).
(٣) (١٥١/٢).
١٤٢

٣ - كتاب الصلاة
(٦) باب
(١٧٦) حديث
١٧٦/ ٣١ - وحدثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ
مَالِكٍ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَسْمَعُ قِرَاءَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عِنْدَ
ذَارِ أبِي جَهْم،
٩
من السور، بل كتبت في أول كل سورة للفصل، وهو قول ابن المبارك وداود
وهو المنصوص عن أحمد، وبه قال جماعة من الحنفية، وقال أبو بكر الرازي:
وهو مقتضى المذهب، اهـ.
وجعل السيوطي(١) هذا الاختلاف بمنزلة اختلاف القراء السبعة في بعض
الحروف، مثل ﴿مالك يوم الدين﴾ و﴿ملك يوم الدين﴾، فالتسمية بمنزلة الألف
في مالك ثابتة في قراءة بعضهم، وغير ثابتة في قراءة آخرين.
٣١/١٧٦ - (مالك، عن عمه أبي سهيل) اسمه نافع (بن مالك، عن أبيه)
مالك بن أبي عامر (أنه قال: كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب) الظاهر في
صلاته ولفظ (عند) ظرف لنسمع (دار أبي جهيم) اختلفت نسخ ((الموطأ)) في ذكر
هذا الاسم، ففي النسخ المصرية أبو جهم مكبراً، وفي النسخ الهندية أبو جهيم
بزيادة الياء، وهما صحابيان وكلاهما محتملان، أما أبو جهيم(٢) المصغر فهو
ابن الحارث بن الصمة على الاختلاف فيه كما سيأتي بيانه في حديث المرور،
وأما أبو الجهم المكبر فهو ابن حذيفة، وبهذا جزم العلامة الزرقاني في
(شرحه))، ولجلالته نتبعه فيه، فهو أبو جهم بفتح الجيم وإسكان الهاء، قال
الزرقاني في حديث الخميصة: ويقال فيها: أبو جهيم، اهـ. قلت: ولي فيه
تأمل كما سيجيء هناك.
قال البخاري وجماعة: اسمه عامر، وقال ابن سعد وغيره: اسمه عُبيد
بالضم، وهو ابن حذيفة صحابي قرشي عدوي من مسلمة الفتح من مشيخة
(١) انظر: (تنوير الحوالك)) (ص١٠٢).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٦١/١٢)، ((أسد الغابة)) (٥٩/٦)، و((الإصابة)) (٧٣/٧).
١٤٣

٣ - كتاب الصلاة
(٦) باب
(١٧٦) حديث
بِالْبَلَاطِ .
قريش ومعمريهم، حضر بناء قريش للكعبة في الجاهلية وبناء ابن الزبير لها،
وهو أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان، وأحد من ترك الخمر في الجاهلية
خوفاً على عقله، وهو المذكور في حديث أعلام الخميصة، وفي حديث: ((أما
أبو جهم فلا يضع عصاه من عاتقه)) قاله الزرقاني، قال العيني: وبفتح الجيم
وسكون الهاء عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي، قيل: اسمه
عبيد، أسلم يوم الفتح وهو غير أبي جهيم المصغر المذكور في حديث المرور،
انتھی .
قلت: وأما أبو جهم هذا فهو المذكور في حديث: ((أما أبو جهم فلا
يضع عصاه من يده)) وهو المذكور في باب الديات من أبي داود وغيره. وله
قصة شجّه رجلاً، قال ابن سعد على ما نقله عنه الحافظ في (الإصابة))(١): إنه
مات في آخر خلافة معاوية، ويقال: تأخر موته إلى أوائل خلافة ابن
الزبير، اهـ. لكن يشكل على هذا أن ابن سعد عد أبا جهم بن حذيفة بن غانم
في طبقاته فيمن نزل بمكة من الصحابة، وقال: مات بعد قتل عمر، فكيف
يصح ما تقدم، وأنت خبير بأن باب التوجيه والجمع بين مختلف الأقوال أوسع
من هذا .
(بالبلاط) بفتح الباء الموحدة على وزن سحاب، موضع بالمدينة بين
المسجد والسوق، والمقصود أن عمر كان جهوريَّ الصوت(٢) فيسمع صوته في
هذا المحل لجهره بالقراءة.
ويشكل على الحديث أن مالكاً الراوي لم يكن في الصلاة مع عمر،
فقيل: يحتمل أن يكون فاته بعض الصلاة فسمع قراءته، أو يكون في حال
(١) انظر: ((الإصابة)) (٣٤/٧).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٧١/٤).
١٤٤

٣ - كتاب الصلاة
(٦) باب
(١٧٧) حديث
١٧٧/ ٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ إِذَا فَاتَهُ شَيءٌ مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ، فِيَمَا جَهَرَ فِيهِ الإِمَامُ
بِالْفِرَاءَةِ؛ أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ، قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَرَأَ لِنَفْسِهِ فِيمَا
يَقْضِي، وَجَهَرَ .
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ
أُصَلِّي
مرضه المانع عن إتيان المسجد، أو أخبر به طائفة من أهله، ويحتمل أن يكون
عمر - رضي الله عنه - كان يفعل ذلك في نافلته في التهجد وغيره، قاله
الباجي(١)، قلت: ويحتمل خارج الصلاة أيضاً، ولا بعد في أن مالكاً قد كان
يصلي في مسجد آخر.
٣٢/١٧٧ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (كان
إذا فاته شيء من الصلاة) أي بعضها (مع الإمام) لحدوث عذر اتفاقاً (فيما جهر
فيه الإمام بالقراءة أنه إذا سلم الإمام قام عبد الله بن عمر فقرأ لنفسه فيما يقضي)
يعني إذا كان يقضي ما سبق به من صلاة الإمام قرأ فيها القرآن (وجهر)
بالقراءة، قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون جهره فيما يقضي، لأنه يرى أن
المأموم يقضي على نحو ما فاته، اهـ.
قلت: وفي قراءته - رضي الله عنه - بالجهر تأييد لمن قال: إن المسبوق
يقضي أول صلاته لأنه لو قضى آخره ما احتاج إلى جهر بالقراءة كما هو
ظاهر .
(مالك، عن يزيد) بتحتية في أوله فَزَاي (ابن رومان) بضم راء مهملة
فسكون واو، أبو روح المدني، مولى آل الزبير، كان ثقة عالماً كثير الحديث،
أرسل عن أبي هريرة، قال ابن سعد: مات سنة ١٣٠هـ، (أنه قال: كنت أصلي
(١) انظر: ((المنتقى)) (١٥١/١).
(٢) المصدر السابق (١٥٢/١).
١٤٥

٣ - كتاب الصلاة
(٦) باب
(١٧٧) حديث
إِلَى جَانِبٍ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فَيَغْمِزُنِي، فَأَقْتَحُ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ
نُصَلِّي.
إلى جانب) الظاهر أنهما لم يشتركا في الصلاة، وإليه يشير كلام الزرقاني
الآتي، (نافع بن جبير) بضم الجيم وفتح الباء الموحدة (ابن مطعم) بن عدي بن
عبد مناف القرشي النوفلي التابعي أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله المدني، ثقة
من رواة الستة، كان من أصحاب زيد بن ثابت الذين يأخذون عنه، مات سنة
٩٩ هـ (فيغمِزني) بكسر الميم أي يشير إليّ، وأصل الغمز الكبس باليد، وقد
يفسر بالإشارة، كذا في ((المجمع)).
(فأفتح عليه ونحن نصلي) قال الزرقاني: فيه جواز الفتح على الإمام
بالأولى من إجازة الفتح على من ليس معه في صلاة، وبهذا قال مالك في
مختصر ابن عبد الحكم وأشهب وابن حبيب، والأصح بطلان صلاة من فتح
على غير إمامه، وبه قال ابن القاسم، وأما الفتح على إمامه فأباحه مالك
والشافعي - رحمهما الله - وأكثر العلماء، وكره الكوفيون الفتح على الإمام،
وقد تردد ول﴿ في آية فلما انصرف قال: ((ألم يكن في القوم أَبيٍّ؟)) يريد الفتح
عليه(١)، انتهى.
وفي ((المدونة))(٢): قال مالك فيمن كان خلف الإمام فوقف الإمام في
قراءته: فليفتح عليه من خلفه، وإن كان في صلاتين فلا يفتح عليه، ولا ينبغي
لأحد أن يفتح على أحد ليس معه في صلاة، اهـ مختصراً.
قلت: أثر الباب فعل تابعي فهل يكون حجة على تابعي آخر، سيما إذا
لم يكن فيه دليل على أن يزيد كان مقتدياً بنافع، بل الظاهر أن يكونا مصليين
بصلاتهما، وهذا مفسد عند الجمهور أيضاً، نعم قصة أُبيِّ أخرجها أبو داود
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٧٢/٤). والزرقاني (١٧٠/١).
(٢) (١٠٣/١).
١٤٦

٣ - كتاب الصلاة
(٧) باب
(١٧٨) حديث
(٧) باب القراءة في الصبح
١٧٨/ ٣٣ - حَدّثني يَخْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
مَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق ...
وغيره مرفوعاً وهي حجة، لكن أخرج أبو داود (١) أيضاً عن علي - رضي الله
عنه - مرفوعاً، قال عليه السلام: ((يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة)) وهو
نص في معناه، فقال الحنفية بالجواز مع الكراهة جمعاً بين الروايتين.
لا يقال: إن حديث علي ضعيف لا يقاوم الأول؛ لأن الحنفية لضعفه
قالوا بالكراهة، وإلا فلو كان مساوياً للأول ترجح عليه لكونه محرماً، مع أنهم
ما قالوا بالكراهة مطلقاً؛ بل قال الشامي: ويكره أن يفتح من ساعته كما يكره
للإمام أن يلجئه إليه، بل ينتقل إلى آية أخرى إلخ.
وقال في ((البدائع)): وإن كان الفاتح هو المقتدي به فالقياس هو فساد
الصلاة، إلا أنا استحسنا الجواز؛ لما روي أن رسول الله وَلّ قرأ سورة
المؤمنون فترك حرفاً، فلما فرغ قال: ((ألم يكن فيكم أبيّ؟)) قال: نعم يا
رسول الله مر .. الحديث، اهـ.
(٧) القراءة في الصبح
وقد تقدم أن المستحب عند الأربعة في الصبح طوال المفصل.
٣٣/١٧٨ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة (أن أبا بكر
الصديق) - رضي الله عنه -، هذا منقطع؛ لأن عروة ولد في أوائل خلافة
عثمان، لكنه ورد برواية أنس - رضي الله عنه - وغيره، فلعل عروة حمله عن
أنس - رضي الله عنه - وغيره.
قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): وروى الخلَّال بإسناده عن الزهري قال:
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٥/١ ح ٩٠٨).
(٢) (٢٧٨/٢).
١٤٧

٣ - كتاب الصلاة
(٧) باب
(١٧٨) حديث
صَلَّى الصُّبْحَ فَقَرَأَ فِيهَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا .
أخبرني أنس - رضي الله عنه - قال: صلّى بنا أبو بكر - رضي الله عنه - صلاة
الفجر، فافتتح سورة البقرة فقرأ بها في ركعتين، فلما سلّم قام إليه عمر
- رضي الله عنه - فقال: ما كدت تفرغ حتى تطلع الشمس، قال: لو طلعت
لألفتنا غير غافلين، اهـ. وسيأتي عن الحافظ في ((الفتح)): أنه روى عبد الرزاق
بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. (صلى الصبح فقرأ فيها)
بعد الفاتحة، واستغنى عن ذكرها لعلم الناس بذلك (سورة البقرة في الركعتين
كلتيهما) على التوزيع والتقسيم، زاد في حديث أنس: ((قيل له حين سلم:
كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين))، اهـ.
وتقدم عن ((المغني)): أن قائله كان عمر - رضي الله عنه - وطوَّل الصديق
لعلمه برضا مَن خلفه، وفيه تأييدٌ لمن قال: يبتدئ الصلاة في التغليس، ويُطيلها
حتى يُسفر جداً ليدرك النائم وغيره، كما تقدم في المواقيت عن الإمام محمد
وغيره.
ثم كره الإمام مالك - رضي الله عنه - أن يقسم المصلي سورة بين ركعتين
في الفريضة، ولا بأس به عندنا الحنفية، كما يظهر من كتب الفروع، وكذا عند
الحنابلة، كما صرح به في ((المغني)) (١)، قال الزرقاني(٢): وكره مالك - رضي الله
عنه - أن يقسم المصلي سورة بين ركعتين في الفريضة؛ لأنه لم يبلغه أنه وَله
فعله، ذكره ابن عبد البر، أو بلغه وحمله على بيان الجواز، اهـ.
قال الحافظ(٣): وروى زيد بن ثابت أنه وسلم قرأ الأعراف في الركعتين،
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه أَمَّ
(١) (١٧٨/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧١/١).
(٣) ((فتح الباري)) (٣١٣/٢).
١٤٨

٣ - كتاب الصلاة
(٧) باب
(١٧٩) حدیث
٣٤/١٧٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ
الصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة فقرأها في الركعتين وهذا إجماع
منهم، اهـ.
قلت: وفي ((المشكاة) برواية النسائي عن عائشة: أنه مَل صلى المغرب
بسورة الأعراف فرقها في الركعتين، قال القاري(١) عن ميرك: إسناده حسن.
٣٤/١٧٩ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) كذا أخرجه الطحاوي
والبيهقي في ((سننه الكبير)) بطريق مالك بزيادة لفظ عن أبيه، وقال أصحاب
هشام؛ أبو أسامة ووكيع وحاتم كلهم: عن هشام قال: أخبرني عبد الله بن
عامر، وخالفهم مالك فقال: عن هشام عن أبيه، فزاد لفظ ((أبيه)»، قاله مسلم،
وفي ((الجوهر النقي))(٢): قال في ((الاستذكار)): زعم مسلم بن الحجاج أن
مالكاً وهم فيه؛ لأن أصحاب هشام لم يقولوا فيه لفظ عن أبيه، وإنما قالوا عن
هشام، قال: أخبرني عبد الله بن عامر، وذكر البيهقي في ((المعرفة))(٣) أنه بدون
ذكر أبيه هو الصواب، اهـ.
(أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة) أبا محمد العنزي، هكذا في نسخ
((الموطأ)) الموجودة عندنا بلفظ: عبد الله بن عامر، وبه جزم الزرقاني(٤) في
((شرحه)) إذ قال: وثقه العجلي. وأبوه صحابي مشهور، وكذا في رواية
البيهقي(٥) بطريق مالك، وكذا ذكره صاحب ((الجوهر النقي)) عنه، وهكذا في
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٨/٢).
(٢) ((الجوهر النقي على السنن الكبرى)) (٣٨٨/٢).
(٣) (٤٨٠٩/٣).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (١٧١/١).
(٥) ((السنن الكبرى)) (٣٨٩/٢).
١٤٩

٣ - كتاب الصلاة
(٧) باب
(١٧٩) حديث
يَقُولُ: صَنَّيْنَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّبِ الصُّبْحَ. فَقَرَأَ فِيهَا بِسُورَةٍ يُوسُفَ
وَسُورَةِ الْحَجِّ، قِراءَةً بَطِيئَةً،
رواية الطحاوي عن مالك، وهو الصواب عندي، ونقل صاحب ((المشكاة)) عن
مالك، وكذا ابن الربيع في ((تيسير الوصول)) عن مالك بلفظ عامر بن ربيعة
بدون لفظ عبد الله، وليس هذا من غلط النساخ، بل من المصنفين بأنفسهما؛
لأنهما لم يذكرا في رجالهما من ((الإكمال)) ورجال ((جامع الأصول)) ترجمة
عبد الله بن عامر، وذكرا ترجمة أبيه عامر بن ربيعة وتبعهما القاري في
((شرحه))(١) فقال: عامر بن ربيعة، يكنى أبا عبد الله، هاجر الهجرتين، وشهد
بدراً والمشاهد كلها، وأخرجه في ((جمع الفوائد)) عن رزين أيضاً بلفظ عامر بن
ربيعة .
والصواب عندي الأول؛ بوجوه، منها: ما تقدم عن جمع من المشايخ أن
زيادة ((عن أبيه)) في السند وهم، والصواب: ((عن هشام قال: أخبرني عبد الله بن
عامر)). ومنها: أن رواية هشام بلفظ الإخبار لا يمكن عن عامر بن ربيعة؛ لأن
عامراً أكثر ما قيل في موته: سنة سبع وثلاثين، ومولد هشام سنة إحدى وستين.
ومنها: أن عامراً من أجلِّ الصحابة، فكان الأنسب له أن يستشهد بفعله وَّ لا بفعل
عمر - رضي الله عنه -، فتأمل، اللهم إلا أن يقال: إن الرواية لعامر وابنه كليهما
صحيحة، إلا أن رواية هشام عن عبد الله بن عامر بدون الواسطة، وعن عامر
بواسطة عروة فيصح حينئذ رواية مالك بلفظ: ((عن هشام عن أبيه)) أيضاً، فتدبر.
(يقول: صلّينا وراء عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - أي مقتدياً به
(الصبح فقرأ فيها بسورة يوسف) في الأولى (وسورة الحج) في الثانية (قراءة
بطية) وفي نسخة المشكاة: ((بطيئة))، قال القاري (٢): بالهمز، ويشدد. أي:
مُرَتِّلاً مجوِّداً بدون الإسراع.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٧/٢).
(٢) المصدر السابق (٣٠٧/٢).
١٥٠
ـمنطـ

٣ - كتاب الصلاة
--- -
(٧) باب
(١٨٠) حديث
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، إِذَاَ، لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حِينَ يَطْلَعُ الفَجْرُ. قَالَ: أَجَلْ.
١٨٠/ ٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ الْغُرَافِصَةَ بْنَ
عُمَيْرِ الْحَنَفِيَّ
(فقلت) مقولة عروة على رواية مالك، ومقولة هشام على رواية الجماعة
(والله إذاً) قال الطيبي: إذاً جواب وجزاء، يعني إذا كان الأمر كذلك إذاً والله
لقام إلخ. (لقد كان يقوم) ويبتدئ بها أي الصلاة (حين يطلُع) بضم اللام
(الفجر) متصلاً (فقال أجل) أي نعم، يقوم إذ ذاك، ولا بد من أن يختم في
الإسفار.
٣٥/١٨٠ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن)
الرأي (عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أن
الفرافصة) بضم الفاء فراء فألف ففاء ثانية فصاد مهملة على ما ضبطه
الزرقاني(١)، وفي ((المغني)) (٢) من كتب الرجال: هو عند المحدثين بفتح الفاء
الأولى، وقال القاري(٣): بفتح الفاء الأولى وتضم، وقال الطيبي: مفتوحة عند
المحدثين، وأهل اللغة لا يعرفون إلا الضم، وكذا في رجال ((جامع الأصول))،
(ابن عمير) بضم العين المهملة مصغراً (الحنفي) نسبة إلى بني حنيفة، قال في
رجال ((جامع الأصول)): من الطبقة الأولى، من تابعي أهل المدينة في الدرجة
العالية، وكذا قاله القاري عن الطيبي، ووثقه ابن حبان.
قلت: وهذا غير فرافصة ختن عثمان الذي ذكره الحافظ في ((الإصابة))
والبغوي في ((الصحابة))، قال الحافظ في ((الإصابة)): ما أرى هو ذا أو غيره،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧١/١).
(٢) (ص١٩٦).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٧/٢).
١٥١

----- --
٣ - كتاب الصلاة
(٧) باب
(١٨٠) حديث
قَالَ: مَا أَخَذْتُ سُورَةَ يُوسُفَ إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ إِيَّاهَا،
فِي الصُّبْحِ، مِنْ كَثْرَةٍ مَا كَانَ يُرَدِّدُهَا لَنَا .
لكن تعقب على البغوي في ((التعجيل)) فقال: يحتمل أن يكونا واحداً، ثم ظهر
لي أن ختن عثمان - رضي الله عنه - ليس حنفياً وليس والده ((عمير))، قلت: بل
هو ابن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة الكلبي وكان نصرانياً، ففيه تعقب على عد
البغوي وغيره إياه في الصحابة، ولذا لم يذكره ابن الأثير في ((أسد الغابة))، ولا
صاحب ((التجريد))، واسم بنته نائلة، وكانت عند عثمان - رضي الله عنه - حين
استشهد .
(قال: ما أخذت) أي حفظت وتعلمت (سورة يوسف إلا من قراءة عثمان بن
عفان) - رضي الله عنه -، قال القاري(١): لا ينصرف، وقد ينصرف، (إياها) قال
القاري: كلها أو بعضها، قلت: والأوجه الأول (في الصبح) أي في صلاته،
وذلك (من) تعليل لأخذت (كثرة ما كان يرددها) أي يكررها في صلوات الصبح،
قالوا: وذلك؛ لأنه وَلّه بشَّره بالجنة على بلوى تصيبه، وسورة يوسف فيها ذكر
البلوى على يوسف عليه السلام، فكأنّ فيها تناسباً به، قيل: المداومة على قراءة
سورة يوسف مورثة لسعادة الشهادة، وهي مجربة، قاله القاري.
ثم قال العلماء: إن تطويل الخلفاء الراشدين الثلاثة - رضي الله عنهم -
كما تقدم في هذه الآثار كان لما كانوا يعرفون من حرص من خلفهم على
التطويل، وأما اليوم فالتخفيف واجب(٢) لتكاسل الناس بالعبادات، وقد قال
عليه الصلاة والسلام: ((من أمَّ الناس فليخفف)) الحديث، وقال عليه الصلاة
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٧/٢).
(٢) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١٧٧/٤): وما أشك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً -
رضي الله عنهم - كانوا يعرفون من حرص من خلفهم على التطويل ما حملهم عليه
أحياناً، وأما اليوم فواجب الاحتمال على التخفيف؛ لقول رسول الله وَّة: ((من أمَّ الناس
فليخفف)) الحديث.
١٥٢

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨١) حديث
٣٦/١٨١ .. وِحدّثَني ◌َنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
ثُمَرَ كَانَ يَقْرَأْ فِي الصُّبْحِ، فِي السَّفَرِ، بِالْعَشْرِ السُّوَرِ الأَوَلِ مِنَ
الْمُفَصَّلِ، فِي كَلِّ رَكْعَةٍ: بِأَمِّ الْقُرْآنِ، وَسُورَةٍ .
(٨) باب ما جاء في أمّ القرآن
والسلام لمعاذ: ((أفتَّانٌ أنت؟ اقرأ باسم ربك، والشمس وضحاها))، وقال عمر
- رضي الله عنه - لبعض من طوَّل الصلاة: ((لا تبغضوا الله إلى عباده).
٣٦/١٨١ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (كان
يقرأ في الصبح في السفر بالعشر السور الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو، يعني
بسورتين منها (من المفصل) وتقدم تحديده، ولفظ محمد في (موطئه)): بالعشر
السور من أول المفصل (في كل ركعة بأمّ القرآن وسورة) يعني إذا لم يكن
العجلة في السفر فقراءة الطوال أفضل، كما في هذه الرواية، وإلا فقد ثبت عن
النبي ◌َّ﴾ أنه قرأ في الصبح في السفر بالمعوذتين.
ويمكن أن يقال: إن في هذه السور أيضاً تخفيفاً بالنسبة إلى مثل البقرة،
فيكون حينئذ هذا أيضاً من مستدلات التخفيف في السفر.
(٨) ما جاء في أَمّ القرآن
أي في بيان فضلها وحكمها، وأُمّ الشيء: أصله، كما قيل: أمّ القرى
مكة، ويقال لها: أمّ القرآن؛ لأنها أصل القرآن، وقيل؛ لأنها متقدمة كأنها
تؤمّه، قال البخاري: سميت به؛ لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها
في الصلاة، أو لاشتمالها على مهمات المسائل، من الثناء والتعبد بالأمر
والنهي، والوعد والوعيد، وذكر الذات والصفات، والمبدأ، والمعاد، بطريق
الإجمال، وكرهت طائفة أن يقال: أمّ القرآن بل فاتحة الكتاب، ونسب إلى ابن
سيرين أيضاً ولا وجه له؛ لأنه قد ثبت عنه وَ ل أنه قال: ((أمّ القرآن هي السبع
المثاني والقرآن العظيم)) أخرجه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.
١٥٣

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨٢) حديث
٣٧/١٨٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ؛ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ، مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزِ؛
قال العيني(١): لسورة الفاتحة ثلاثة عشر اسماً؛ الأول: فاتحة الكتاب،
لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم، وقيل: لأنها أول سورة نزلت من
السماء. والثاني: أمّ القرآن، كما تقدم. والثالث: الكنز. والرابع: الوافية،
سميت بها لأنها لا تقبل التنصف في كل ركعة. والخامس: سورة الحمد، لأن
أولها الحمد. والسادس: سورة الصلاة. والسابع: السبع المثاني. والثامن:
الشفاء، والشافية. والتاسع: الكافية. والعاشر: الأساس، لأنها أول سور
القرآن، فكأنها كالأساس. والحادي عشر: السؤال، لأنها فيها سؤال العبد
ربه. والثاني عشر: الشكر، لأنها ثناء على الله تعالى. والثالث عشر: سورة
الدعاء، لاشتمالها عليه، اهـ. وذكر لها السيوطي في ((الإتقان)) خمسة وعشرين
اسماً .
٣٧/١٨٢ - (مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) الحرقي(٢)
(أن أبا سعيد)(٣) قال ابن عبد البر: تابعي مدني لا يوقف له على اسم، وثقه
ابن حبان (مولى عامر بن كريز) بضم الكاف ابن ربيعة القرشي العبشمي،
صحابي، من مسلمة الفتح.
ثم لا يذهب عليك أنه يوجد في نسخ ((الموطأ)) كلها مولى عامر بن
كريز، وذكره أهل الرجال كلهم منهم الحافظ في كتبه والكلاباذي في ((رجال
الجمع)) والخزرجي في ((الخلاصة)) مولى ابنه فقالوا: مولى عبد الله بن عامر،
ولا مانع من الجمع.
(١) ((عمدة القاري)) (١٢ /٤١٠).
(٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (١٨٦/٨)؛ و((تقريب التهذيب)) (٢٢/٢)؛ و((سير
أعلام النبلاء)) (١٨٦/٦).
(٣) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (١١١/١٢)؛ و((الجمع بين الصحيحين)) (٢٢٣)؛
و ((الخلاصة)) (ص٤٥١).
١٥٤
-.

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨٢) حديث
◌َخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وفتاه
ثم مما يجب التنبيه عليه ما قال الحافظ في ((الفتح)): وهم ابن الأثير
حيث ظن أن أبا سعيد هذا هو أبو سعيد بن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي
أنصاري مدني، وهذا تابعي مكي من الموالي، (أخبره) أي العلاء (أن
رسول الله ) هكذا الرواية في ((الموطأ)» مرسلاً (١).
قال الحافظ(٢): من الرواة عن مالك من قال: عن أبي سعيد عن أبي بن
كعب: أن النبيِ وَ﴾ ناداه، وكذلك أخرجه الحاكم، انتهى. قال البيهقي بعد أن
ذكر الحديث مفصلاً من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة
- رضي الله عنه-، قال: مر رسول الله وَلَّ على أَبَيِّ وهو يصلي، الحديث. ثم
قال: ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبَيِّ،
معناه. ورواه جهضم بن عبد الله، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وخالفهم
مالك فرواه عن العلاء، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز مرسلاً، اهـ.
واختلف في سند هذا الحديث على العلاء كثيراً، فروى الدراوردي عند
الترمذي، وروح عند النسائي، وعبد الرحمن بن إبراهيم عند أحمد، وحفص بن
ميسرة عند ابن خزيمة، كلهم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله
عنه -، قال: خرج النبي ◌ُّر على أبي بن كعب، الحديث، وروى عبد الحميد بن
جعفر عند الترمذي، وابن خزيمة، وشعبة عند الحاكم، كلاهما عن العلاء، عن
أبيه، عن أُبَيّ، إلا في الترمذي، فعنده عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبَيِّ،
ورجح الترمذي كونها من مسند أبي هريرة، وقال الحاكم: وجدنا لحديث
عبد الحميد شاهداً، قال الزرقاني(٣): لكن لما صح الطريق إلى أُبَيِّ أيضاً فأي
مانع من كون الرواية عنهما جميعاً؟! انتهى.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٨٠/٤)، و((التمهيد)) (٢١٨/٢٠).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٧/٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٧٢/١).
١٥٥

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨٢) حديث
نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ لَحِقَهُ.
....
قلت: ومن الاختلاف على علاء في حديثه هذا ما تقدم أنه مرسل في
((الموطأ))، ومسند عند الحاكم، فأخرج عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن،
أن أبا سعيد مولى عامر أخبره، أنه سمع أبي بن كعب يقول: إن النبي وَل
ناداه، الحديث، كذا في الزرقاني، وهذا كله من الاختلاف في قصة أبي،
وسيأتي في آخر الحديث أن مثل هذه القصة وقعت لأبي سعيد بن المعلى
أيضاً، وهو رجل آخر صحابي أيضاً، ليس هو أبو سعيد مولى عامر المذكور.
(نادى أبي بن كعب وهو يصلي) وفي رواية الترمذي، عن أبي هريرة: أن
رسول الله وَّيّ خرج على أبيّ بن كعب، فقال رسول الله وَّل: ((يا أُبيّ)) وهو
يصلي، فالتفت أبي، وصلى أبيّ فخفف ثم انصرف، الحديث.
(فلما فرغ) أبي (من صلاته لحقه) وَّر، زاد في رواية أبي هريرة - رضي الله
عنه -: فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله وَل: ((وعليك
السلام، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ أو ليس تجد فيما أوحى الله عز وجل
إليَّ أن ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾)) الآية، فقلت: بلى يا رسول الله ولا أعود إن
شاء الله تعالى، الحديث.
وفيه وجوب الإجابة عند دعائه وَلّر، قال الخطابي: هو مستثنى من عموم
تحريم الكلام. وقال ابن عبد البر(١): الإجماع على تحريم الكلام في الصلاة
يدل على خصوصيته وَ لّ بذلك، وكذا قال القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد:
إن إجابته ◌َّر فيها فرض يعصي المرء بتركه.
قلت: لا شك في أن إجابته ◌َّر واجب، صرح به جماعة من الفحول،
وفي تفسير الخازن: هذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا
الله ورسوله إلیه، اهـ.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٨٤/٤).
١٥٦

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨٢) حديث
وهل تبطل الصلاة بهذه الأجابة، أم لا؟ مختلف عند الفقهاء، وصرح
جماعة بأن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية، قاله
الزرقاني(١)، لكن قال الدردير: يجب على المصلي إجابة النبي ◌ٍَّ إذا دعاه
حال الصلاة. وهل تبطل؟ قولان، الأظهر عدم البطلان، اهـ. وقال الدسوقي
في موضع آخر: المعتمد عدم البطلان.
وبحث فيه الحافظ في ((الفتح)) فقال أولاً: نقل ابن التين عن الداودي أن
في الحديث تقديماً وتأخيراً، وهو أن قوله: ((ألم يقل الله ﴿استجيبوا ... )))
مقدم على قوله: ((كنت في الصلاة)) فكأنه تأول أن من في الصلاة خارج عن
هذا الخطاب، قال: والذي تأول القاضيان عبد الوهاب وأبو الوليد أن الإجابة
فرض يعصي المرء بتركه، وهو حكم يختص به النبي ◌َّ، اهـ.
قال الحافظ(٢): وما ادَّعاه الداودي لا دليل عليه، وما جنح إليه القاضيان
هو قول الشافعية على الاختلاف فيما بينهم هل تبطل الصلاة أم لا؟، اهـ.
وقال في موضع آخر: وفيه أن إجابة المصلي دعاءه وَل ◌َّ لا تفسد الصلاة، هكذا
صرح به جماعة من الشافعية وغيرهم، وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته
مطلقاً، سواء كان المخاطب مصلياً أو غير مصلّ.
أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج؟ فليس في الحديث ما
يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المصلي من الصلاة، وإلى ذلك
جنح بعض الشافعية، اهـ. فالظاهر أن الحافظ مال إلى الخروج عن الصلاة.
وصرح في حاشية ((الإقناع)) بعدم الفساد عندهم. قال الزرقاني(٣): بحث فيه
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١/ ١٧٤).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٧/٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٧٤/١).
١٥٧

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨٢) حديث
فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ
الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لا تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ
سُورَةً؛ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَلا فِي الإِنْجِيلِ،
الحافظ بأن إجابته واجب مطلقاً سواء كان في الصلاة أو خارجها، أما كونه
يخرج بالإجابة من الصلاة أم لا؟ فليس في الحديث ما يستلزمه، اهـ.
قلت: وكذلك هو مختلف عندنا الحنفية، قال الطحطاوي على ((مراقي
الفلاح)): يفترض على المصلي إجابة النبي ◌َّرُ واختلف في بطلانها حينئذ، كذا ذكره
البدر العيني، اهـ، كذا في ((البذل))(١)، وقال الطحاوي في ((مشكله)): ففيها إيجابه
على من دعاه وهو يصلي إجابته وترك صلاته، وذلك أولى به من تماديه في صلاته
مما يلام عليه، إذ كان المصلي قد يقدر أن يخرج من صلاته إلى الفضل الذي يصيبه
في إجابة رسول الله وَّل عليه لما دعاه، اهـ. وقال العيني في ((شرح البخاري))(٢):
قال صاحب ((التوضيح)): صرَّح أصحابنا فقالوا: من خصائص النبي ◌ُّ أنه لو دعا
إنساناً وهو في الصلاة وجب عليه الإجابة ولا تبطل صلاته، اهـ، حكاه العيني عن
صاحب ((التوضيح))، والظاهر اختياره لذلك، وتقدم ميل الطحاوي إلى الفساد.
(فوضع رسول الله ◌َ - يدَه) الشريفة (على يده) أي يد أُبيّ بن كعب، يعني
قبض يده بيده الكريمة تأنيساً وإظهاراً لودِّه (وهو) ◌ََّ (يريد أن يخرج من باب
المسجد فقال) وَلة: (إني لأرجو) وأحب (أن لا تخرج من المسجد) قيل: لم
يعلمه ابتداء؛ ليكون ذلك أدعى لتفريغ ذهنه وإقباله عليها بكليته (حتى تعلم)
بحذف إحدى التائين (سورة) أي من فضائلها وإلا فنفس السورة كان يعلمها من
قبل كما ترى، والسورة منزلة من البناء، ومنها سور القرآن؛ لأنها منزلة بعد
منزلة، وبسط في اشتقاقها البيضاوي.
(ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل) زاد في رواية أبي هريرة -
(١) (٢٩٤/٧).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦٠٦/٥).
١٥٨

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨٢) حديث
وَلَا فِي الْقُرآنِ، مِثْلَهَا))
رضي الله عنه -: ((ولا في الزبور)) (ولا في الفرقان مثلها) لا حاجة إلى ما شرحه
المشايخ بقولهم: أي بقية القرآن، لأنه ليس في جميع القرآن أيضاً مثلها، فإن
مثل الشيء غير عينه، قيل: هذا باعتبار الصفات التي تختص بها هذه السورة
من الاشتمال على أوصافه تعالى بالرحمة والملك وحصر الحمد له والإعانة فيه
تعالى وغير ذلك، وقيل: باعتبار أنها تجزئ عن غيرها في الصلاة ولا يجزئ
غيرها عنها، وقيل: باعتبار أنها قسمها الله تعالى بينه وبين عبده نصفين، وقيل:
لجمعها كثرة الصفات كالخصوصيات المتقدمة مع كثرة الثواب، وقيل: المراد
عظم ثوابها .
ثم استدل بالحديث على تفضيل بعض القرآن على بعض. ومنع ذلك
الأشعري وجماعة، لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل ولا نقص في كلامه
تعالى، ورد بقوله تعالى: ﴿فَأَتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ الآية (١).
قال بعض العارفين: جميع ما في الكتب المتقدمة هو في القرآن، وجميع
ما في القرآن هو في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة هو في البسملة، وجميعها
تحت نقطة الباء، ولعلها إشارة إلى نقطة التوحيد، قاله القاري(٢) .
وفي (السراج المنير)): قال النسفي في ((تفسيره)): قيل: الكتب المنزلة من
السماء إلى الدنيا مائة وأربعة، صحف شيئ ستون، وصحف إبراهيم ثلاثون،
وصحف موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومعاني
كل الكتب مجموعة في القرآن، ومعاني القرآن مجموعة في الفاتحة، ومعاني
الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها، ومعناها بي
كان ما كان، وبي يكون ما يكون، اهـ. ونقل عن علي - رضي الله عنه - أنه
قال: لو شئت أُوَقِّر سبعين بعيراً من تفسير أمّ القرآن لفعلت.
(١) سورة البقرة: الآية ١٠٦.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٢/٢).
١٥٩

٣ - كتاب الصلاة
(٨) باب
(١٨٢) حديث
قَالَ أُبِيٌّ: فَجَعَلْتُ أُبْطِىءُ فِي الْمَشْي، رَجَاءَ ذُلِكَ، ثُمَّ قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: ((كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ
الصَّلاةَ؟))، قَالَ: فَقَرَأْتُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ حَتَّى أَتَيْتُ
عَلَى آخِرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَله: ((هِيَ هذِهِ السُّورَةُ، وَهِيَ السَّبْعُ
الْمَثَانِي
(قال أَبيّ) هذا يشعر بأن أبا سعيد سمع الحديث من أَبيّ بنفسه، وقد
تقدم التصريح بذلك من رواية الحاكم، (فجعلت أبطئ) أي أتأخر (في المشي
رجاء ذلك) لئلا يسرع النبي وَلّ، فيفوت ما وعده بتعليمه قبل الخروج من
المسجد، (ثم قلت) لما آن الخروج (يا رسول الله) علمني (السورة التي وعدتني
بها) من تعليمها قبل الخروج؟ (فقال: كيف تقرأ) في الصلاة القرآن (إذا افتتحت
الصلاة؟ قال) أُبيّ: (فقرأت) عليه وَّ (﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ حتى أتيت
على آخرها) أي آخر السورة.
واستدل به أيضاً على أن البسملة ليست جزءاً من الفاتحة، وفيه حجة
بوجهين؛ الأول: بقراءة أُبيِّ إذ لم يقرأ بها. والثاني: بقوله وَّ: ((هي السبع
المثاني)) لكن فيه أن من يقول بالجزئية لا يجعل الآية على قوله تعالى:
﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فتأمل.
(فقال رسول الله وَالر: هي هذه السورة) التي وعدتك بيان فضائلها، ومن
فضائلها أنها (وهي السبع المثاني) المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا
مِّنَ اُلْمَثَانِ﴾(١) الآية، فمنَّ الله عز وجل بإيتاء هذه السورة وهي أكبر فضيلة لها،
أما كونها سبعاً، فلأنها سبع آيات بالاتفاق على خلاف بين الكوفي والبصري
في بعض الآيات، قال الحافظ: ونقلوا فيه الإجماع، لكن جاء عن حسين بن
علي الجعفي أنها ست آيات، وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان آيات، اهـ.
(١) سورة الحجر: الآية ٨٧.
١٦٠