Indexed OCR Text

Pages 1-20

أوْجَن المَسَالِك
رمزي
إِلى
موظا مالكن
الجُزُ الثَّانِي
تَألِيفُ
الْإِمَامِ المُحدِّثُّ
محمد زكريا الكان هلوي المدني
المتوفى سنة ١٤٠٣ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذين النّوليّ
دار القلم
دمشق

----

أوْشُمُ السَّالِك
إلى
موظا مالك

-
الطّبْعَةُ الأولى
مُحَقّقَةٌ وَمُنَفْحََة
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣مـ
حُقُوقُ الطَبْعِ مُحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
---
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
For Research & Islamic Studies.
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه یوبي (الهند).
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(٣) كتاب الصلاة
(١) باب ما جاء في النداء الصَّلاة
(١) ما جاء في النداء الصَّلاة
والمراد به الأذان سمي به لأنه نداءٌ إلى الصلاة، ودعاء إليها، وهو لغةً:
الإعلام، واصطلاحاً: الإعلام بوقت الصلاة.
واختلفت الروايات في بدئه، ففي بعضها أنه شرع مع الصلاة ليلة
الإسراء، وفي بعضها؛ أن جبريل أمر النبي وَلّل بالأذان حين فرضت الصلاة،
لكن قال الحافظ (١) بعد ذكر الروايات: والحق أنه لا يصح شيءٌ من هذه. وقد
أطال الكلام في ذلك، وقال: قد جزم ابن المنذر بأنه ◌َّ كان يصلِّي بغير أذان
منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر، وإلى أن وقع التشاور على ما في
حديث عبد الله بن زيد وغيره، اهـ.
قلت: والجمهور بعدما اتفقوا على أن شرعية الأذان كانت بعد الهجرة،
اختلفوا في السَّنة، فقيل: كان في أول سنة من سني الهجرة، قال الزرقاني(٢): وهو
الراجح، ورجَّحه الشوكاني في ((النيل))، وبه جزم الحافظ في ((تهذيبه))، وقال: كان
بدؤه في السنة الأولى بعد بناء المسجد، واختاره النووي في ((تهذيب اللغات))، وكذا
صاحب ((الدر المختار))(٣) من الحنفية، وعامة أهل التاريخ أيضاً عدّوه في وقائع السنة
الأولى، وقيل: كان في السنة الثانية، قال في ((المواهب)): وكان فيما قيل في السنة
الثانية، قال القاري: وكان شرعية الأذان في السنة الثانية، وقيل: في أولها، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٧٩/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٣٥/١).
(٣) (٣٥٨/١).
٥

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
-
(١٤٦) حديث
١/١٤٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴿ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ، يُضْرَبُ بِهِمَا
لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلاةِ.
قلت: والجمهور على الأول، ولم يختلفوا أن بدأه كان إذ ذكروا النار
والناقوس فذكروا اليهود والنصارى، ثم اللام في قوله للصلاة بمعنى
الاختصاص أو بمعنى إلى، والأذان كالإقامة من خصائص هذه الأمة، وحكم
ألفاظ الأذان بسطها الحافظ في ((الفتح)) (١)، ونقل عن القرطبي وغيره أنه مع قلة
ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة من الأكبرية والتوحيد ونفي الشرك وإثبات
الرسالة والمعاد.
١/١٤٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال) مرسلاً (كان
رسول الله (83) والمسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة ليس
ينادى لها فتكلموا في ذلك. فقال بعضهم: نتخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى،
وقال بعضهم: بوقاً مثل قرن اليهود، الحديث في الصحيحين(٢). وقال بعضهم:
انصب راية عند حضور الصلاة. فلم يعجبه ذلك، كما في أبي داود (٣). (قد
أراد أن يتخذ) لجمع الناس إلى الصلاة (خشبتين) أي الناقوس وهو خشبتان
إحداهما طويلة تضرب بخشبة أصغر منها فيخرج منهما صوت، وقيل: الطويلة
تسمى ناقوساً والقصيرة وبيلاً، كذا في ((الحاشية)). (يضرب بهما) ولعل وجه
اختياره على النار والبوق كون النصارى أقرب من اليهود بالطواعية والمودة
(ليجتمع الناس) بصوته (للصلاة) .
وهل أمر به النبي ◌َ ◌ّ أو لا؟ ظاهر رواية عبد الله بن زيد عند أبي داود،
(١) (٧٧/٢).
(٢) ((صحيح مسلم)) رقم (٣٧٧)، وانظر ((التمهيد)) (٢٠/٢٤ - ٢٥).
(٣) ((أبو داود)) ح (٤٩٨).
٦
--

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٦) حديث
فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْرُ كَيْدِ الأَنْصَارِيُ، ثُمَّ مِنْ بَتِى الْحَارِثِ بْنِ الْخَرْرَجِ،
خَذَبَيْنِ فِي النَّوْمِ.
نعم، وقيل: لم يأمر النبي ◌َ﴿ إلى ذاك الوقت، وحديث أبي داود مؤوّل، ثم في
القصة دليل على أنه و ﴾ كان له الاجتهاد في أمور الشريعة ما لم ينص له على الحكم.
(قاري عبد الله (١) بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه أبو محمد الأنصاري شع
من في الحارث بن الخزرج) فيقال له: الخزرجي الحارثي، شهد العقبة وبدراً،
قال الترمذي عن البخاري: لا نعرف له عن النبي ◌َ* شيئاً إلا هذا الحديث
الواحد في الأذان، وكذا قال ابن عدي. قال الحافظ في ((الإصابة)): أطلق غير
واحد أنه ما له غيره، وهو خطأ، فقد جاءت عنه ستة أو سبعة أحاديث،
وقريب منه ما في ((تلخيص الحبير))(٢) مات سنة ٣٢ وهو ابن (٦٤) سنة وصلى
عليه عثمان، كذا قال ولده، وقال الحاكم: الصحيح أنه قتل بأحد، فالروايات
عنه كلها منقطعة، وخالف ذلك في ((المستدرك)) قاله الزرقاني(٣). (خشبتين) أي
الناقوس (في النوم؛ متعلق بـ ((أري)) وهذه الرؤيا مذكورة في أبي داود مفصلة.
وظاهر ((الموطأ)) أن الرؤية كانت في النوم، ويخالفه ما في كتاب الصلاة
لأبي نعيم: ((لولا اتهامي النفس لقلت: إني لم أكن نائماً))، ولأحمد عن
معاذ بن جبل: ((أن عبد الله بن زيد قال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى
النائم ولو قلت: إني لم أكن نائماً لصدقت)) الحديث.
قلت: وعند أبي داود، برواية ابن أبي ليلى: ((لولا أن يقول الناس لقلت
إني كنت يقظاناً غير نائم)) الحديث، وعند أبي داود(٤): ((إني لبين نائم
ويقظانٍ))، فقيل: المراد به النوم الخفيف.
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٢٣/٥)، و(تهذيب الكمال)) (٦٨٤/٢).
(٢) (٣٢٥/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٢٥/١).
(٤) أخرجه أبو داود، ح (٤٩٨).
٧

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٦) حديث
فَقَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ لَنَحْوٌ مِمَّا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﴾. فَقِيلَ: أَلَا تُؤَذِّنُونَ
لِلصَّلاةِ؟ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَلَّهِ حِينَ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ لَهُ ذُلِكَ، فَأَمَرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله بِالأَذَانِ.
· أخرجه أبو داود في: ٢ - كتاب الصلاة، ٢٨ - باب كيف الأذان.
والترمذيّ في: ٢ - كتاب الصلاة، ٢٥ - باب ما جاء في بدء الأذان.
وابن ماجه في: ٣ - كتاب الأذان، ١ - باب بدء الأذان.
والأوجه عندي ما قال السيوطي(١): إن الأظهر أن يحمل على الحالة
التي تعتري أرباب الأحوال، ويشاهدون فيه ما يشاهدون، ويسمعون فيه
ما يسمعون، والصحابة رؤوس أرباب الأحوال، اهـ.
قلت: ورواية أبي نعيم كالنص على ذلك إذ قال: ((لولا اتهامي النفس))،
فعلى هذا من عَبّره بالنوم حتى عبد الله بن زيد بنفسه أيضاً مجاز.
(فقال) عبد الله لحامل الناقوس (إن هاتين) الخشبتين (النحو) أي لمشابه
(مما يريد رسول الله {قَحلو) استعماله ليجمع به الناس إلى الصلاة (فقيل) لعبد الله
والقائل هو حامل الناقوس كما في روايته عند أبي داود، وهو المَلَك المنزل
من السماء كما في جُلّ الروايات، وهل كان جبرائيل أو غيره مختلف بين
المشايخ (ألا تُؤذّنون للصلاة) فأسمعه الأذان (فأتى) عبد الله إلى (رسول الله
حين استيقظ) من منامه (فذكر له) وَلّ (ذلك) الرؤيا، فقال ◌َله: ((إنها لرؤيا حق
إن شاء الله))، (فأمر رسول الله وَالر بالأذان) برؤيا عبد الله بن زيد.
وقد استشكل على ذاك الحدیث بوجهين:
الأول: كيف بني أمر الأذان على الرؤيا مع أن رؤيا غير الأنبياء لا يُبنى عليها
حكم شرعي؟ وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، ويؤيِّده رواية عبد الرزاق(٢)
(١) انظر: ((السعاية)) (٦/٢).
(٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣٥٦/١).
٨

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٦) حديث
٠٠
٠
٠ ٠
aے
٠٠٥٥
٠٠
وأبي داود في ((المراسيل)) عن عبيد بن عمير: أن عمر - رضي الله عنه - لما
رأى الأذان جاء ليخبر به النبي ◌َ ◌ّ﴾ فوجد الوحي قد ورد بذلك، الحديث. أو
لأنه وَّه تبدّل اجتهاده إلى رؤياه، وبهذا يمكن أن يُوجَّه ما ورد أنه وَّ رأى
الأذان في ليلة الإسراء على تقدير صحته بأنه وَ ل # فهم برؤياه أن مراد الله تعالى
بما أراه في السماء أن يكون سُنَّةً في الأرض، وتقوى ذلك بموافقة عمر
- رضي الله عنه - لأن السكينة تنطق على لسانه - رضي الله عنه -.
قال ابن العربي(١): رؤيا الأنبياء حق، ومرادها حق من جملة شرائع
الدين، ورؤيا غيرهم في الدين ليس بشيء، إلا أن هذه الرؤيا استقرت في
الدين بوجوهٍ؛ منها: يحتمل أنه قيل للنبي والر: أنفذها وحياً، فأنفذها، أو
كانت مما يميل إلى العمل بها؛ فأمر بها حتى يقر عليها أو ينهى عنها على
القول بجواز الاجتهاد له، أو لأنه رأى نظماً لا يستطيعه الشيطان ولا يدخل في
جملة الوسواس اهـ.
والإشكال الثاني: أن ظاهر حديث الباب أن بدء الأذان كان على رؤيا
عبد الله بن زيد، وهو المشهور بين المحدثين، وعليه عامة الروايات، لكن عند
الشيخين وغيرهما في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - تصريح بأنه كان بقول
عمر - رضي الله عنه -، ولفظ البخاري: ((فتكلموا في ذلك فقال بعضهم:
ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر:
أو لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال ◌َ: ((يا بلال قم فنادِ بالصلاة»، فهذا
مصرَّح بأن شرعية الأذان كان بقول عمر - رضي الله عنه -.
وجوابه، على ما ذكره القاضي عياض في ((شرح مسلم)): أن الظاهر أنه
إعلام وإخبار بحضور وقتها، وليس على صفة الأذان المشروع، قال النووي في
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٣٠٧/١).
٩

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٧) حديث
٢/١٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ،
(شرحه)): وهذا الذي قاله محتمل أو متعين. قال القاري في شرحه على
(المشكاة))(١) تحت قوله: ((فنادٍ بالصلاة)): أي بالصلاة جامعة؛ لما في حديث
مرسل: ((أن بلالاً كان ينادي بقوله: الصلاة جامعة، ثم شرع الأذان))، كذا في
((السعاية))(٢).
وهو الأوجه عندي مما قاله ابن العربي(٣) إذ قال: وعجب لأبي عيسى
يقول: حديث ابن عمر - رضي الله عنه - صحيح، وفيه أن النبي ◌َّ أمر
بالأذان لقول عمر - رضي الله عنه -، وإنما أمر به لقول عبد الله بن زيد، وإنما
جاء عمر - رضي الله عنه - بعد ذلك حين سمعه اه؛ لأن حديث ابن عمر هذا
لم يصححه الترمذي فقط بل صححه غيره، ومخرج في الصحيحين، فتأمل.
ثم الحكمة في إعلام الناس به على غير لسانه ويَ ﴿ التنويه بشأنه والتعظيم
بقدره والرفع لذكره بلسان غيره، ثم لم تختلف الروايات في أن المأمور بالأذان
كان بلالاً، وقد رآه في المنام عبد الله بن زيد، فقيل: لأنه كان مريضاً،
وأخرجه أبو داود بسنده: أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان
يومئذ مريضاً لجعله رسول الله ﴿ ﴿ مؤذناً، وقيل: لأنه كان أندى صوتاً من
عبد الله، ويُستأنس من قوله ◌َ ل﴿ل في عِدَّة روايات: ((فإنه أندى صوتاً منك)).
والأوجه عندي أنه كان لأمر المَلَك المنزل من السماء كما هو مصرَّح في
رواية ((مسند أبي حنيفة)).
٢/١٤٧ - (مالك) أخرج هذا الحديث الآتي الستة (٤) عن مالك بأسانيدهم
(١) ((السعاية)) (٦/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٥/٢).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٣٠٧).
(٤) وأخرجه أبو داود في الصلاة ح (٥٢٢)، والترمذي في الصلاة، ح (٢٠٨)، والنسائي في
الصلاة ح (٦٧٣)، وابن ماجه ح (٧٢٠).
١٠
۔
...
-------

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٧) حديث
ثَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عََاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّبِيُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيّ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ ..
مثل رواية ((الموطأ))، وهكذا رواية محمد في ((موطئه))، قال الترمذي: وهكذا
روى معمر وغير واحد عن الزهري مثل حديث مالك (عن ابن شهاب) قال
الحافظ: اختلف على الزهري في إسناد هذا الحديث، واختلف على مالك
أيضاً لكنه اختلاف لا يقدح في صحة الحديث. قلت: وسيأتي بيان الاختلاف.
(عن عطاء بن يزيد) بتحتية وزاي (اللبني) المدني نزيل الشام من ثقات
التابعين ورجال الجميع يكنى أبا محمد، وقيل: أبا يزيد سكن الرملة، وكان
ثقة مات سنة ١٠٥ هـ أو سنة ١٠٧هـ، وقد جاوز الثمانين، ولأبي عوانة بسنده
عن الزهري أن عطاء بن يزيد أخبره (عن أبى سعيد) سعد بن مالك بن سنان
الأنصاري (الخدري) له ولأبيه صحبة، استصغر بأُحُد وشَهِدَ ما بعدها أحد
المكثرين من الصحابة مات بالمدينة سنة ٦٣هـ، وقيل بعدها (أن رسول الله
هكذا رواية الجماعة عن مالك كما تقدم، وهكذا أخرجه الستة وغيرهم.
قال الحافظ(١): ورواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن
أبي هريرة أخرجه النسائي وابن ماجه، قال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو
داود والترمذي: حديث مالك ومن تابعه أصح، اهـ.
قال الترمذي(٢): ورواية مالك أصح، وقال أبو حاتم في ((العلل)):
وحديث مالك أشبه، اهـ. قال الحافظ: ورواه يحيى القطان عن مالك عن
الزهري عن السائب بن يزيد أخرجه مسدد في ((مسنده)) عنه، قال الدارقطني:
هو خطأ. والصواب الرواية الأولى، اهـ.
وقال ابن عبد البر: هذا خطأ من كل من رواه مسدد أو غيره، وفي كتاب
((أطراف الموطأ)) لأبي العباس الداني: أنه وهم كذا في ((التنوير))، ثم قال
(١) ((فتح الباري)) (٩٠/٢).
(٢) (٤٠٨/١).
١١

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٧) حديث
قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا
الحافظ: وفيه اختلاف آخر دون ذلك لا نطيل به، اهـ.
قلت: الظاهر أن الحافظ أشار به إلى الاختلاف على مالك كما أشار إليه
أولاً، والمراد به ما ذكره السيوطي، قال: ذكر الحافظ أبو الفضل بن طاهر أن
المغيرة بن سكلاب رواه عن مالك فذكر في سنده سعيد بن المسيب مقروناً
بعطاء. قال ابن عدي: ذكر سعيد في هذا السند غريب لا أعلم يرويه عن مالك
غير مغيرة وهو ضعيف، اهـ.
(قال: إذا سمعتم النداء) أي الأذان. وفيه أنه يختص بالسماع، فلو لم
يسمع لِبُعْدٍ أو صمم ليس عليه الإجابة، صرح به الشامي من الحنفية والنووي
في ((شرح المهذب)) من الشافعية، فلو رأى المؤذن على المنارة في الوقت،
وعلم أنه يؤذن لكن لا يسمع، لا تشرع له المتابعة، قاله النووي.
(فقولوا) أمر وجوب كما نقله الطحاوي عن قوم من السلف، وهو قول
الظاهرية وابن وهب، أو أمر ندب كما عليه الجمهور، وهما قولان لمشايخ
الحنفية كما في ((الشامي))، لكن الأوجه عندي عدم الوجوب لخلو المتون عنه.
قال ابن قدامة في ((المغني))(١): لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في
استحباب ذلك، اهـ. وقال ابن رسلان: الأمر للندب عند الجمهور، والصارف
عن الوجوب على ما قيل: اقترانه بأمر الصلاة وسؤال الوسيلة وهما مستحبان،
وفيه نظر، فإن دلالة الاقتران غير معمول عند الجمهور خلافاً للمزني، اهـ.
قلت: واستدل الأولون بظاهر الأوامر، والآخرون برواية مسلم وغيره:
((أنه وَليل سمع مؤذناً، فلما كبّر قال: ((على الفطرة))، فلما تشهّد قال: ((خرجت
من النار ... )) الحديث(٢). فلما لم يقل النبي ◌َّ مثل ما يقول المؤذن علم أنه
(١) ((المغني)) (٨٥/٢).
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة، باب الإمساك من الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع
فیهم الأذان، ح (٣٨٢).
١٢

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٧) حدیث
مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ)) .
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٧ - باب ما يقول إذا سمع
المنادي.
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٧ - باب القول مثل قول المؤذن، حديث ١٠.
ليس للوجوب، وما قيل: يحتمل أنه عليه الصلاة والسلام قاله بعد الإجابة فلا
دليل عليه .
(مثل ما يقول) في التعبير بالمضارع دون الماضي إشارة إلى أنه يقوله
السامع بعد كل كلمة، وحديث عمر بن الخطاب عند مسلم(١) وأبي داود (٢)
صريح في ذلك، ولفظه: ((إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال
أحدكم: الله أكبر الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن
لا إله إلا الله ... )) الحديث.
(المؤذن) قيل: إن لفظ المؤذن مدرج، والمرفوع قد انتهى على لفظ:
(يقول)) ولكن لا حجة عليه، وظاهر الحديث أنه يقول مثله في جميع الكلمات،
لكن حديث عمر في مسلم وغيره، وحديث معاوية في البخاري، دلّا على أنه
يختص منه ((حي على الصلاة)) و((حي على الفلاح))، ويقول بدلهما: ((لا حول
ولا قوة إلا بالله))، واختاره أصحاب المذاهب الأربعة كما في كتبهم.
قال في ((البدائع))(٣): يقول مكانه: ((لا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم))، لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذا إذا قال المؤذن:
((الصلاة خير من النوم)) لا يعيده السامع لما قلنا، ولكنه يقول: ((صدقت
وبررت))، انتهى.
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن (٢٨٩/١)،
ح (٣٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٢١١/١)، ح (٥٢٧).
(٣) (بدائع الصنائع)) (٣٨٣/١).
١٣

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٨) حديث
٣/١٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْن
عَبْدِ الرَّحْمْنِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ قَالَ: « لَوْ بَعْلَّمُ النَّاسُ مَا فِي النِّداء
وأثبته الطحاوي واستحبه المغني، قال الزرقاني(١) تبعاً للحافظ: وهو
المشهور عند الجمهور، اهـ. وقيل: يجمع بينهما، نقله الشامي عن البعض،
وهو وجه لبعض الحنابلة، وهو قول بعض المالكية كما يفهم من بعض كتبهم،
لكن الراجح المشهور عند الأربعة هو الأول، كما تقدم.
ثم لا يذهب عليك ما قال في ((المدونة))(٢): قال مالك: ومعنى
الحديث الذي جاء: ((إذا أذن المؤذن فقُل مثل ما يقول))، إنما ذلك إلى
هذا الموضع: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله)) فيما
يقع بقلبي، ولو فعل ذلك رجل لم أر به بأساً، اهـ. ثم ذكر بعد ذلك:
قلت لابن القاسم: إذا قال المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، الله
أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله يقول مثله؟ قال: هو من ذلك في سعةٍ إن
شاء فعل وإن شاء لم يفعل، اهـ. فالظاهر أن أمر الإجابة عند المالكية لا
يتناول جميع ألفاظ الأذان.
٣/١٤٨ - (مالك عن سمي) بالسين المهملة مصغراً (مولى أبي بكر بن
عبد الرحمن) بن الحارث (عن أبي صالح السمان) ذكوان بن صالح الزيات (عن
أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله وَ الر قال: لو يعلم الناس) عبر بلفظ
المضارع ليدل على الاستمرار (ما في النداء) أي الأذان، قال العيني: الأذان
أخص من النداء، انتهى.
والمعنى: لو يعلمون ما في الأذان من الأجر كما ورد في الروايات
كقوله وقال: ((حتى لا يسمع مدى صوته جن ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة))،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٨/١).
(٢) ((المدونة الكبرى)) (٦٣/١).
١٤
----

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٨) حديث
وَالشَّفِّ الأَوَّلِ،
وكقوله عليه أيضاً: ((يكون المؤذنون أطول الناس أعناقاً (١) يوم القيامة))، وأيضاً:
(هو على كثبان المسك يوم القيامة))، وأيضاً: ((يغفر له مدى صوته ويشهد له
كل رطب ويابس)) وغير ذلك من الفضائل التي وردت في الروايات.
وأبهم الفضائل بلفظ ((ما)) ولم يبين للمبالغة أو لإظهار أنه لا يدخل تحت
الوصف، والإطلاق، يعني لو يعلمون مقدار الثواب عليه لتبادروا كلهم ولم
يجدوا إلا أن يستهموا عليه، زاد أبو الشيخ لفظ: ((من الخير والبركة)).
(و) كذلك لو يعلمون ما في (الصف الأول) من الأجر والخير والبركة
لا ستهموا عليه.
واختلفوا في الصف الأول فقيل: معناه السابق إلى المسجد. وقيل:
المصلي في الصف الذي يلي الإمام، وصحح القرطبي الثاني، وقال ابن
عبد البر: لا أعلم خلافاً أن من بَكَّر وانتظر الصلاة وإن لم يصل في الصف
الأول أفضل ممن تأخّر وصلَّى في الصف الأول.
قال العيني(٢) والقرطبي: اختلفوا في الصف الأول هل هو الذي يلي
الإمام أو المبكر؟، والصحيح أنه الذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام وبين
الناس حائل كما أحدث الناس المقاصير فالصف الأول هو الذي على
المقصورة، وفي ((التوضيح)): الصف الأول الذي يلي الإمام، ولو وقع فيه
حائل خلافاً لمالك، وأبعد من قال: إنه المبكر، ولو جاء رجل ورأى الصف
الأول مسدوداً لا ينبغي أن يزاحمهم، وقد روي عن ابن عباس يرفعه ((من ترك
الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلماً أضعف الله له الأجر))، انتهى.
(١) قوله: (أطول الناس أعناقاً) قال ميرك: أن يكون المراد بطول الأعناق استقامتهم طمأنينة
لقلوبهم وإظهاراً لكرامتهم، وأنهم غير واقفين موقف الهون والذلّة مهطعين مقنعي
رؤوسهم، ولا ناكسي رؤوسهم كالمجرمين، جزاءً بما كانوا عليه في الدنيا من مد
أعناقهم في الأذان، اهـ والله أعلم بالصواب، انظر ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٩/٢).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١٧٦/٤).
١٥

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٨) حديث
ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لاسْتَهَمُوا،
وفي (الشامي))(١): اختلفوا في الصف الأول، قيل: هو خلف الإمام في
المقصورة، وقيل: ما يلي المقصورة خارجها، وبه أخذ الفقيه أبو الليث توسعة
على الأمة كي لا تفوتهم الفضيلة، انتهى.
فلا يذهب عليك أن ههنا اختلافين، الأول: في أن مصداقه المبكر أو
القائم في الصف الأول حقيقة، والثاني: أن المراد بالصف الأول ما في داخل
المقصورة أو خارجها وللشيخ العلامة محمد حسن الأفغاني المهاجر المكي
- برد الله مضجعه - من أجلّ تلامذة شيخنا قطب الأقطاب المحدث الگنگوهي
- نور الله مرقده - رسالة وجيزة في الصفوف بسط فيها ما يتعلق بالصفوف
أحسن البسط فارجع إليها إن شئت.
(ثم لم يجدوا) شيئاً من وجه الأولوية بأن يقع التساوي، أما في الأذان
فبأن يستووا كلهم في رفع الصوت وحسنه. وأما في الصف فبأن يصلوا كلهم
دفعة واحدة، (إلا أن يستهموا) أي يقترعوا، والاستهام: الاقتراع، يقال:
استهموا فسهمهم فلان سَهْماً، إذا أقرعهم (عليه) أي على الاستحقاق فيهما
وهو مفهوم من الكلام السابق، فالضمير إلى ما ذكر من الأمرين، وبه جزم
القرطبي، وقال: ولا يلزم أن يبقى النداء ضائعاً بلا فائدة وهو الصواب.
فما قال ابن عبد البر(٢) - : إن الضمير عائد على الصف الأول؛ لأنه
قريب -، ليس بوجيه، ويرده رواية عبد الرزاق عن مالك بلفظ: ((لا ستهموا
عليهما))، كما ذكرهما الحافظان ابن حجر والعيني.
(لاستهموا) أي اقترعوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاهَمَ فَكَانَ مِنَ
الْمُدْحَضِينَ (®)﴾(٣). قال النووي: يعني أنهم لو علموا فضيلة الأذان، ثم لم
(١) ((رد المحتار)) (٢/ ٣٧٣).
(٢) ((الاستذكار)) (٣٠/٤).
(٣) الصافات: الآية ١٤١.
١٦

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٨) حديث
يجدوا طريقاً يحصلونه به لاقترعوا في تحصيله، انتهى. وهذا المعنى أراد
البخاري، واستشهد عليه بقصة سعد في أن قوماً اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم
سعد، ويؤيده رواية مسلم بلفظ: ((لكانت قرعة))، ويقال لها: الاستهام، لأنهم
كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في شيء فمن خرج سهمه غلب،
وقيل: المراد بالاستهام ههنا الترامي بالسهام، وأنه خرج مخرج المبالغة،
فيكون المعنى ألا تخاصموا وتجالدوا لتحصيله، ويستأنس هذا المعنى بحديث:
(لتجالدوا عليه بالسيوف)).
ثم استدل بعضهم بالرواية على الاقتصار على مؤذنٍ واحدٍ، وليس بظاهر
لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، قاله الحافظ (١). قال
صاحب (شرح الوقاية)): والأذان لإعلام الغائبين، فيحتمل سماع بعض دون
بعض فتكراره مفيد، قال في ((السعاية))(٢): ويستنبط من هذه العلة جواز أذان
الجوق، يعني أذان الجماعة معاً كما هو معتاد الآن في الحرمين الشريفين
- زادهما الله شرفاً وتعظيماً - فيكون بدعة حسنة، وذكر السيوطي في ((الأوائل))
أن أول من أحدث أذان اثنين معاً بنو أمية، انتهى.
قال العلامة العيني: أما أذان اثنين معاً فمنعه قوم، وقالوا: أول من
أحدثه بنو أمية، وقال الشافعية: لا يكره إلا إن حصل منه تهوش، وقال ابن
دقيق العيد: أما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرض إليه، ونص
الشافعي على جوازه، ولفظه: لا يضيق إن أذن أكثر من اثنين، اهـ.
وقال ابن قدامة في ((المغني)) (٣): ولا يستحب الزيادة على المؤذنين لأن
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٩٧).
(٢) ((السعاية)) (٣٣/٢).
(٣) ((المغني)) (٨٩/٢).
١٧

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٨) حديث
وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ
٠
المحفوظ عن النبي 18 أنه كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، إلا أن تدعو
الحاجة إلى الزيادة عليهما فيجوز، فقد روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه
كان له أربعة مؤذنين، وإن دَعَتِ الحاجة إلى أكثر منه كان مشروعاً، فإذا كان
أكثر من واحد وكان الواحد يسمع الناس، فالمستحب أن يؤذن واحد بعد
واحد؛ لأن مؤذني النبي ◌َ # كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، وإن كان الإعلام
لا يحصل بواحد أذنوا على حسب ما يحتاج إليه، إما أن يؤذن كل واحد في
منارة أو ناحية، أو دفعة واحدة في موضع واحد، قال أحمد: إن أذن عدّةٌ في
منارة فلا بأس، وإن خافوا من تأذين واحد بعد الآخر فوات أول الوقت أذنوا
جميعاً دفعة واحدة، اهـ.
وفي جُمعة ((الهداية))(١): إذا أذن المؤذنون الأذان الأول ترك الناس البيع
والشراء، قال في ((هامشه)): المؤذنون بلفظ الجمع إخراجاً للكلام مخرج
العادة، فإن المتوارث في أذان الجمعة اجتماع المؤذنين ليبلغ أصواتهم إلى
أطراف المصر، اهـ.
وفي ((السعاية)): قال ابن عابدين: لا خصوصية للجمعة، إذ الفروض
الخمسة تحتاج إلى الإعلام به، اهـ.
قلت: وما قالوا: ((إنه من محدثات بني أمية)) يرده ما سيأتي في الجمعة
بأثر ثعلبة في قصة خطبة عمر - رضي الله عنه - من لفظ: ((وأذن المؤذنون))،
واستدل شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي على جوازه بما روي عن
رسول الله ◌َله، من أمره لعبد الله بن زيد، أن يلقي على بلال الأذان، فنادى
كل منهما بصوته رافعاً، فتأمل.
(ولو يعلمون ما في التهجير) هو المشي إلى الصلاة في الهاجرة، وذلك
(١) ((الهداية)) (١١٩/٢).
١٨

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٨) حديث
لاسْبْقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَقَدَةِ
لا يكون إلا للظهر أو الجمعة، واختاره الباجي وغيره، وإليه مال البخاري؛ إذ
بوّب عليه في ((صحيحه)): ((باب فضل التهجير إلى الظهر)) لما أن التهجير مشتق
من الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار. وخصه الخليل بالجمعة كما في
((التنوير))، وقيل: المراد به التبكير إلى الصلاة مطلقاً أي صلاة كانت، قاله
الهروي(١) وغيره، وصوّبه النووي، ورجَّحه العيني، واختاره ابن عبد البر(٢)،
إذ قال: هو البدار إلى الصلاة أول وقتها، ولا يرد على الحديث إذا أريد به
الظهر مشروعية الإبراد؛ لأنه شرع للرفق. وأما من ترك قائلته وقصد إلى
المسجد في الهاجرة لينتظر الصلاة فلا يخفى ما له من الفضل، قاله الحافظ.
قلت: ولا يخفى أن الانتظار إلى الإبراد أكثر أجراً فإنه في الصلاة ما دام ينتظرها .
(لاستبقوا إليه) والمراد الاستباق معنىً لا حساً، لأن المسابقة بالأقدام
- وهي السعي إلى الصلاة - ممنوع كما سيجيء في الحديث الآتي.
دولو يعلمون ما في العتمة) أي العشاء، سُمِّي بها لأنهم يعتمون بالإبل
كما ورد؛ وسيأتي البحث في تحقيق لفظ العتمة في ((باب ما جاء في العتمة
والصبح)) ثم في الحديث تسميتها بالعتمة، وقد ثبت النهي عن التسمية بها،
قال ◌َّ: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه)) الحديث(٣)، فهذا
الحديث لبيان الجواز، وأن النهي ليس للتحريم، أو استعمل لمصلحة، وهي
أن الأعراب قد يطلقون العشاء على المغرب، فكان حمل الحديث على
المغرب محتملاً، وإذا فات المقصود فاستعمل لفظ العتمة لئلا يشكوا فيها، أو
يقال: إن النهي عن الغلبة، قال الزرقاني(٤): ويشهد لهذا الحديث أحاديث فيها
(١) ((الغريبين)) للهروي (٢١٧/٦).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣١/٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠/١، ٢٣١، ح ٤٠٧، ٧٠٥) ((ابن أبي شيبة)) (٣٢٧/٢).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٩/١).
١٩

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٤٨) حديث
وَالصُّبْحِ لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)).
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٩ - باب الاستهام في الأذان.
ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٢٨ - باب تسوية الصفوف وإقامتها،
حديث ١٢٩.
تسمية العشاء بالعتمة فجائز أن تسمى بالاسمين جميعاً، ولا خلاف بين الفقهاء
اليوم في ذلك، اهـ.
قلت: ويؤيده تبويب البخاري في ((صحيحه)) ((باب ذكر العشاء والعتمة
ومن رآه واسعاً))، وسيأتي في ((الموطأ)) ((ما جاء في العتمة والصبح)).
وقال ابن قدامة في ((المغني))(١): ولا يستحب تسميتها بالعتمة، وكان ابن
عمر - رضي الله عنه - إذا سمع رجلاً يقول: العتمة صاح وغضب وقال: إنما
هو العشاء. وإن سماها العتمة جاز لرواية معاذ: (لقينا رسول الله وَّل في صلاة
العتمة)) ولأن هذا نسبة لها إلى الوقت الذي تجب فيه فأشبهت صلاة الصبح
والظهر وسائر الصلوات، اهـ.
(والصبح) بالجر أي لو يعلمون ثواب هاتين الصلاتين، وخصهما بذلك؛
لأن السعي إليهما أشق لكونهما في وقتي النوم، قال النووي: لما فيه من
تنقيص أول النوم وآخره، وقال ابن عبد البر: الآثار فيهما كثيرة، منها قوله امَّه :
((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر)).
(لأتوهما) لكثرة أجرهما (ولو حَبواً) بفتح المهملة وسكون الموحدة، قال
النووي: يحتاج إلى ضبطه؛ لأني رأيت من الكبار من صحّفه، أي مشياً على
اليدين والركبتين أو على مقعدته. قال العيني(٢): ((لأتوهما ولو حبواً)) أي ولو
كانوا حابين، من حَبَى الصبيُّ إذا مشى على أربع، قال صاحب ((المجمل)):
ويقال إذا مشى على يديه وركبتيه أو استه، اهـ.
(١) انظر: ((المغني)) (٢٩/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٤٤/٤).
٢٠
- .