Indexed OCR Text

Pages 481-500

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
٠٠
في تهذيبه (خ٤) ونقل توثيقه عن جماعة منهم: ابن معين، والعجلي، وابن
حبان، والدارقطني، وابن نمير.
ثم الوضوء من مس الذكر مختلف عند الأئمة أيضاً؛ فقالت الحنفية قولاً
واحداً: لا ينقض الوضوء منه مطلقاً، وهي رواية عن الحنابلة، كما في
((المغني))(١) وغيره، ورواية عن الإمام مالك، كما قال به سحنون وغيره، وبه
قال ربيعة، والثوري، وابن المنذر، وقالت الشافعية: ينقض الوضوء، وهي
رواية عن المالكية والحنابلة، مع الاختلاف الكثير فيما بينهم في شرائطه،
فقيل: لا فرق بين العامد وغيره، قاله الشافعي وغيره، وهي رواية عن أحمد،
والرواية الأخرى عنده لا ينتقض إلا بمسِّه قاصداً، وقيل: لا ينقضه إلا المس
بباطن الكف، قال به الشافعي ومالك، وعن أحمد لا فرق بين بطنه وكفه، كما
في ((المغني))، وفيه اختلافات أخر، لا نطول الكلام بذكرها، بسطها ابن
العربي في ((شرح الترمذي))(٢) إلى أربعين من الأبحاث والفروع المختلفة.
والجملة أنهم اضطربوا في مصداق الأحاديث، فقيل: مصداقه باطن
الكف فقط، وقيل: ظهره أيضاً، وقيل: الذراع أيضاً، وقيل: بشرط الشهوة،
وقيل: بدونها أيضاً، وقيل: بالقصد، وقيل: بدونه أيضاً.
واضطربت أقوالهم على ما تقدم في أنه هل ينقض بمس ذكر الغير أو لا؟
وهل ينقض بمس ذكر الصغير أو لا؟ وهل ينقض مسه بأصبع زائدة أو لا؟ وهل
ينقض بمس ذكر ميت أو لا؟ وهل ينقض بمس الذكر المقطوع أم لا؟ وكذلك
إذا يمس موضع القطع منه؟ وكذلك اختلفوا في مسِّ الدبر والأنثيين، والمس
بالحائل وبدونه، ومس البهيمة؟ وللشافعي - رضي الله عنه - فيه قولان، وكذلك
في مس الخنثى وغير ذلك.
(١) (٢٤١/١).
(٢) (١/ ١١٧ - ١٢٢).
٤٨١

--- -
٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٨٨) حديث
٥٨/٨٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
بَكْرِ بْنِ مُحَمَّد بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ؛
ولا يذهب عليك أن مثل هذا الاضطراب في مصداق الرواية الواحدة
يورث الشبهة في الاحتجاج بها، فإنه لم يتعين للقائلين بالنقض أيضاً للرواية
محملٌ، ولا خلاف بين القائلين بعدم النقض.
٥٨/٨٨ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم)
هكذا في أكثر النسخ الموجودة عندنا إلا في نسخة ((التنوير)) والنسخة المصرية،
ففيهما ((عن عبد الله بن أبي بكر عن محمد بن عمرو بن حزم)) قال السيوطي
والزرقاني - تبعاً لابن عبد البر ـ(١): إن هذا تصحيف وخطأ من يحيى بلا شك
حيث قال: عن محمد، والصواب: ابن محمد، وليس الحديث لمحمد عند
أحدٍ من أهل الحديث، ولا رواه بوجه من الوجوه، وقد حدث به ابن وضّاح
على الصحة بلفظ ((ابن محمد بن عمرو))، اهـ مختصراً.
فعُلِمَ بهذا أن ما يوجد في النسخ التي بأيدينا صححه واحد من
الناسخين، وإلا ففي رواية يحيى بلفظ ((عن محمد بن عمرو)) وإن كان غلطاً
في نفس الأمر، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري المدني قاضيها من رواة الستة، قالوا: إنه من الثقات، قال
الحافظ في ((التقريب)): ثقة من الخامسة، لكن أخرج الطحاوي بسنده عن
سفيان بن عيينة يقول: كنا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عند واحد من نفر
سماهم منهم عبد الله هذا سخرنا منه؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث.
قال الطحاوي: وأنتم تضعفون ما هو مثل هذا بأقل من هذا، اهـ. مات
سنة ١٣٥ هـ بالمدينة وهو ابن ٧٠ سنة، قاله الحافظ، فيكون ولادته سنة
خمس وستين .
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٧ /١٨٣).
٤٨٢
-----
------

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٨٨) حديث
أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَم،
فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ. فَقَالَ مَرْوَانُ: وَمِنْ مَسِّ الذِّكَّرِ
الْوُضُوءُ. فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ هُذَا.
(أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم) بن أبي
العاصي الأموي المدني(١)، ولا يثبت له صحبة، كان كاتب عثمان - رضي الله
عنه -، ولي إمرة المدينة في زمن معاوية - رضي الله عنه - بُويع له بعد موت
معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية في آخر سنة ٦٤هـ، ومات في رمضان سنة
٦٥هـ، ولي الخلافة تسعة أشهر، قال البخاري: لم ير النبي ◌َّ، وقال صاحب
((جامع الأصول)): لأنه يَّ نفى أباه إلى الطائف. فلم يزل بها حتى ولي
عثمان، فردّه إلى المدينة وابنه معه، قال ابن حبان: معاذ الله أن نحتجّ
بمروان بن الحكم في شيء من كتبنا .
(فتذاكرنا) الظاهر أن هذا الدخول والتذاكر كان حين إمارته على المدينة
المنورة بل هو المتعين، كما صرح به في رواية النسائي عن عروة يقول: ذكر
مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر، الحديث، وفيه تذاكر
العلم والاجتماع إليه (ما يكون) أي يجب (منه الوضوء) يعني تذاكرنا في
نواقض الوضوء (فقال مروان وعطف على ما ذكر من الكلام ههنا يجب (من
مس الذكر) جمعه مذاكير على خلاف القياس فرقاً بينه وبين الذكر ضد الأنثى
(الوضوء) واجب.
(فقال عروة: ما علمت ذلك) وفي رواية الطحاوي(٢) فأنكر عروة ذلك،
لا يقال: إن منزلة عروة في العلم وجلالته دليل على أن جهله عن كونه ناقضاً
يوجب التردد في كونه ناقضاً، لأنه قد يمكن أن لا يعلم العالم الكبير شيئاً مع
(١) له ترجمة: ((تهذيب التهذيب)) (٩٠/١٠)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٧٦/٣)، و((طبقات
ابن سعد)) (١٨٠/٩).
(٢) ((شرح معاني الآثار للطحاوي)) (٧٥/١).
٤٨٣

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٨٨) حديث
فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَه يَقُولُ: ((إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلَيَتَوَضَّأُ)).
أخرجه أبو داود في: ١ - كتاب الطهارة، ٦٩ - باب الوضوء من مس الذكر.
والترمذي في: ١ - كتاب الطهارة، ٦١ - باب الوضوء من مس الذكر.
والنسائيّ في: ١ - كتاب الطهارة، ١١٨ - باب الوضوء من مس الذكر.
وابن ماجه في: ١ - كتاب الطهارة، ٦٣ - باب الوضوء من مس الذكر.
جلالته (فقال مروان) بن الحكم (أخبرتني بسرة) بضم الموحدة وسكون السين
المهملة (بنت صفوان) بن نوفل الأسدية، وقيل: كنانية، ورُدَّ، قيل: بنت
صفوان بن نوفل، وقيل: بنت صفوان بن أمية، قال ابن الأثير(١): الأول
أصح، صحابية لها سابقة وهجرة قديمة، وقيل: كانت من المبايعات تُقيِّنُ
النساء بمكة، عاشت إلى خلافة معاوية. قال ابن رسلان: كانت عند المغيرة بن
أبي صفوان، فولدت له معاوية وعائشة. وكانت عائشة تحت مروان بن الحكم،
وهي أم عبد الملك بن مروان، انتهى.
(أنها سمعت رسول الله وَ لا يقول: إذا مس أحدكم ذكره) قال الباجي: المس
يطلق من جهة اللغة على مسه بأي جزء كان من جسده، وعلى أي وجه مسه عليه،
إلا أنه من جهة العرف والعادة، فجرى ذلك في الأكثر على المس باليد؛ لأن
المس في الغالب إنما يكون بها (فليتوضأ) زاد ابن حبان وضوءه للصلاة.
قلت: ذكر الإمام أولاً الحديث المرفوع المذكور في إثبات الترجمة، ثم
ذكر في تأييده آثار الصحابة، كما ستجيء، وأما الذين قالوا: بعدم انتقاض
الوضوء من مس الذكر استدلوا بحديث طلق بن علي وغيره من المرفوعات،
وبآثار الصحابة أيضاً. أما الحديث فأخرجه الإمام محمد في ((موطئه))(٢) عن
(١) ((أسد الغابة)) (٢٢٩/٥) و((الاستيعاب)) (٧٩٦/٤)
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٠١/١).
٤٨٤

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٨٨) حديث
أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق: أن أباه حدثه أن رجلا سأل رسول الله
وَسـ
عن رجل مس ذكره أيتوضأ؟ قال: هل هو إلا بضعة من جسدك. وهذا الحديث
أخرجه عن قيس بن طلق جماعة، منهم؛ أيوب كما ترى. وأخرجه عنه
الطحاوي أيضاً، وابن خسرو في ((مسند أبي حنيفة)) وأحمد. ومنهم؛ محمد بن
جابر عند ابن ماجه والطحاوي. وقال أبو داود: ورواه هشام بن حسان،
وسفيان الثوري، وشعبة، وابن عيينة، وجرير الرازي عن محمد بن جابر عن
قيس، ومنهم عبد الله بن بدر عند الترمذي وأبي داود والنسائي، قال
الترمذي(١): هذا أحسن شيء في الباب، وقال أيضاً: حديث ملازم بن عمرو
عن عبد الله بن بدر أصح وأحسن، انتهى. ومنهم؛ أيوب بن محمد عند ابن
عدي، كما في ((عقود الجواهر)).
قال الشوكاني: الحديث صححه عمرو بن علي الفلاّس، وقال: هو
عندنا أثبت من حديث بسرة. وروي عن علي بن المديني أنه قال: هو عندنا
أحسن من حديث بسرة. وقال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف
حديث بسرة. وصححه أيضاً ابن حبان والطبراني وابن حزم، انتهى.
وفي ((سبل السلام شرح بلوغ المرام(٢)): أخرجه الخمسة وصححه ابن
حبان، وقال ابن المديني - وهو حافظ العصر وقدوة أهل هذا الشأن، من
تلاميذه البخاري وأبو داود، وقال ابن المهدي: علي بن المديني أعلم الناس
بحديث رسول الله وَ ل ـ قال: هو أحسن من حديث بسرة، وصححه الطبراني
وابن حزم، انتهى.
وما أورد عليه من تضعيفه - مع أنه لا يقاوم ما تقدم من التصحيح - رده
(١) ((جامع الترمذي) (١٣٠/١).
(٢) (٦٦/١).
٤٨٥

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٨٨) حديث
في (البذل))(١) وغيره، نتركها روماً للاختصار. وفي الباب عن أبي إمامة، كما
ذكره الترمذي وأخرجه ابن ماجه، وعن علقمة بن ملك الخطمي نحوه، لكن
قال في الجواب: أنا أفعل ذلك، وعن عائشة رفعته («لا أبالي إياه مسست أو
أنفي)) إلى آخر ما ذكره في ((عقود الجواهر)).
وأجاب الحنفية أيضاً عن حديث بسرة على ما تقدم بما قاله الخطابي:
إن أحمد بن حنبل وابن معين تذاكرا وتكلما في الأخبار التي رويت في هذا
الباب، وكان عاقبة أمرهما أنهما اتفقا على سقوط الاحتجاج بحديث طلق
وبسرة لتعارضهما، وبما بسطه الطحاوي، وقال: كان ربيعة يقول لهم:
ويحكم مثل هذا يأخذ به أحد ونعمل بحديث بسرة! والله لو أن بسرة شهدت
على هذا النعل ما أجزت شهادتها، إنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام
الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله ( 18 من يقيم هذا الدين إلا
بسرة! قال ابن زيد: على هذا أدركنا مشيختنا ما منهم واحد يرى في مس
الذكر وضوءاً، انتهى.
وبسط الطحاوي الكلام على المسألة حق البسط، وتكلم في عبد الله بن
أبي بكر أيضاً كما تقدم، وبما ينقل عن مشايخ الحنفية؛ أن الحديث يروى عن
امرأة والحكم متعلق بالرجال، فكيف يختص برواية النساء؟ وبما ثبت في
الأصول أن المسألة التي يعم بها البلوى لا يعتبر فيه خبر واحد؛ سيما مثل هذا
الخبر.
وبما ذكر عن البيهقي أن الشيخين لم يخرجاه لاختلاف وقع في سماع
عروة عن بسرة، أو سماعه عن مروان. وبما نقل عن ابن معين ثلاثة أحاديث
لم يصح منها شيء: حديث ((كل مسكر خمر))، وحديث ((من مَسَّ ذكره
(١) (٩١/٢).
٤٨٦

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٨٩) حدیث
٨٩/ ٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ،
فليتوضأ))، وحديث ((لا نكاح إلا بولي))، وما قيل: إنه لا يصح النقل عن ابن
معين ردَّه العيني.
وأنت خبير بأنه لو فرض صحة الحديث لا حجة فيه أيضاً لما أنه متروك
الظاهر عند الكل إجماعاً، فإن المس لغة - كما تقدم من كلام الباجي - مطلق،
فما قيدوه من القيود بالشهوة، أو بباطن اليد أو بعدم الحائل، أو نحو ذلك
تقييدات لإطلاق الحديث، وصريح في أنهم أيضاً لا يقولون بالحديث.
قال الشعراني: إنهم اتفقوا على أن من مسَّ ذكره أو دبره بعضو من
أعضائه غير يده لا ينقض، انتهى، على أن حديث بسرة يحتمل أن يكون المراد
به البول، والمس كناية عن الاستطابة، ولا بُعد فيه. ولا يبعد أيضاً أن يكون
المراد بالوضوء غسل اليد استحباباً، كما سترى في أثر مصعب، وبل هو
المتعين عندي لزيادة الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) في حديث بسرة هذا،
بعد ذكره، أو أنثييه أو رفغيه، كما في ((جمع الفوائد)) وليس في مس الرفغين
الوضوء عند أحد، نعم غسل اليد من باب التنزُّه.
وليت شعري، ما المانع لهم في إيجاب الوضوء بمس الرفغين وزيادة
الثقة عندهم حجة؟، ويحتمل بيان الأفضل والاستحباب والوضوء لغاية التنزه،
كما بسطه الشعراني في ((ميزانه)). وحديث طلق فارغ عن هذه الاحتمالات
كلها، فوجب العمل به. هذا تلخيص معارضة المرفوع بالمرفوع. ثم ذكر
المصنف التأييد لمذهبه بالآثار - فنذكر أيضاً الآثار المؤيدة للحنفية بعد هذا إن
شاء الله تعالى -.
٥٩/٨٩ - (مالك عن إسماعيل بن محمد بن سعد) بسكون العين، ويوجد
في بعض النسخ بدله ((سعيد)) بزيادة الياء، وهو غلط من الناسخ لأن سعد بن
أبي وقاص هذا من مشاهير الصحابة أحد العشرة لم يقل فيه أحد: سعيد (ابن
أبي وقاص) الزهري أبو محمد المدني، وثقه ابن معين وغيره مات سنة ١٣٤ هـ
٤٨٧

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٨٩) حديث
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أُمْسِكُ
الْمُصْحَفَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص، فَاحْتَكَكْتُ. فَقَالَ سَعْدٌ: لَعَلَّكَ
مَسِسْتَ ذَكَرَكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ نَعَمْ. فَقَالَ: قُمْ، فَتَوَضَّأُ. فَقُمْتُ،
فَتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ.
(عن) عمه (مصعب) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملة (ابن سعد بن
أبي وقاص) مالك الزهري أبو زرارة المدني مات سنة ١٠٣ هـ.
(أنه قال: كنت أمسك) أي آخذ (المصحف على) أبي (سعد بن
أبي وقاص) لأجل قراءته غيباً أو نظراً (فاحتككت) قال الزرقاني(١): تحت
إزاري. قلت: أو من فوقه كما سيجيء من كلام الباجي (فقال سعد) والدي
(لعلك مسست) قال الزرقاني: كسر السين الأولى أفصح من فتحها أي لمست
(ذكرك؟ قال) مصعب: (قلت: نعم) قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون احتكاكه
دون الثوب فباشر ذكره بيده. ويحتمل أن يكون من فوق الثوب، ويرى سعد فيه
الوضوء أيضاً. وقد روى ابن القاسم عن مالك فيمن مس ذكره فوق ثوب عليه
الوضوء، انتهى.
قلت: ومن لم يقل بعموم الانتقاض قيده بلمس الكف بلا حائل.
(قال) سعد: (قم فتوضأ فقمت) ممتثلاً لأمره (فتوضأت ثم رجعت) هكذا
أخرج الطحاوي هذا الأثر برواية الحكم عن مصعب ثم قال: وقد روي عن
مصعب خلاف ذلك، فأخرج عن إسماعيل بن محمد عن مصعب وفيه
((فاحتككت فأصبت فرجي، فقال: أصبت فرجك؟ قلت: نعم احتككت، قال:
اغمس يدك في التراب، ولم يأمرني أن أتوضأ، ثم روى بطريق الزبير بن عدي
عن مصعب مثله غير أنه قال: ((قم فاغسل يدك)) قال الطحاوي (٣): فقد يجوز
(١) ((شرح الزرقاني)) (٨٨/١).
(٢) ((المنتقى)) (٩٠/١).
(٣) ((شرح معاني الآثار)) (٧٥/١).
٤٨٨

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٩٠ - ٩١) حديث
٩٠ / ٦٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَقَدْ وَجَبََ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
٦١/٩١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَّامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
أن يكون الوضوء الذي رواه الحكم في حديثه هو غسل اليد، على ما بَيَّنَه الزبير
لئلا يتضاد الروايتان، انتهى.
قال في ((السعاية)) (١): ومن ههنا ظهرت سخافة قول الزرقاني في شرح
حديث سعد: إن إرادة الوضوء اللغوي ممنوع، وسنده أنه خلاف المتبادر، اهـ.
ثم روى الطحاوي الطريقين من سعد من قوله أيضاً: إنه لا وضوء فيه. ولا
يذهب عليك أن الأمر بالوضوء محتمل التأويلات، كما تقدم.
٩٠/ ٦٠ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (كان يقول:
إذا مسَّ أحدكم ذكره) أي بلا حائل عند الجمهور، وبالحائل أيضاً عند بعضهم
كما تقدم (فليتوضأ) وكان هذا مذهبه - رضي الله عنه - كما روي عنه من غير
طريق (فقد وجب عليه الوضوء) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا من
الهندية والمصرية، وترك في بعض النسخ القديمة لفظ ((فقد وجب عليه الوضوء))
وهو سهو من الناسخ، نعم لا يوجد في النسخ المصرية قوله: ((فليتوضأ)» بل
فيها ((إذا مس أحدكم ذكره فقد وجب عليه الوضوء)) وهو من اختلاف النسخ.
٦١/٩١ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه كان
يقول: من مس ذكره فقد وجب عليه الوضوء) قلت: يشكل عليه ما تقدم أول
الباب من قول عروة: ما علمت ذاك، وأنكر كونه ناقضاً إذ أخبره به مروان،
وروايات الإنكار عن عروة على مروان شهيرةٌ.
(١) (٢٦١/١) .
٤٨٩

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٩٢ - ٩٣) حديث
٩٢/ ٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَغْتَسِلُ ثُمَّ
يَتَوَضَّأُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ! أَمَا يَجْزِيكَ الْغُسْلُ مِنَ الْوُضُوءِ؟ قَالَ:
بَلَىْ. وَلَكِنِّي أَحْيَاناً أَمَسُ ذَكَرِي، فَأَتَوَضَّأُ .
٦٣/٩٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَالِم بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، فَرَأَيْتُهُ، بَعْدَ
أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ هُذِهِ لَصَلاَةٌ
مَا كُنْتَ تُصَلِّيهَا. قَالَ: إِنِّي بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأْتُ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ مَسِسْتُ
فَرْجِي. ثُمَّ نَسِيتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، فَتَوَضَّأْتُ، وَعُدْتُ لِصَلاَتِي.
٦٢/٩٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله أنه قال:
رأيت أبي) والدي (عبد الله بن عمر) بنصب عبد الله على المفعولية (يغتسل ثم
يتوضأ فقلت له: يا أبت أما يجزيك) أي ألا يكفيك (الغسل من الوضوء) حتى
تحتاج إلى الوضوء سيما إذا سبق الوضوء على الغسل للسنة (فقال: بلى) يجزىء
(ولكني أحياناً) في بعض الأوقات (أمس ذكري) سهواً أو لضرورة (فأتوضأ)
للمسِّ، لا لأن الغسل لا يجزىء. وقد تقدم أنه كان ذاك مذهبه - رضي الله عنه -.
٦٣/٩٣ - (مالك عن نافع عن سالم بن عبد الله أنه قال: كنت مع) والدي
(عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (في سفر فرأيته بعد أن طلعت الشمس توضأ
ثم صلى) وقد كان صلى الصبح في وقتها، (قال): أي سالم (فقلت له: إن هذه
لصلاة) كذا في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية ((إِن هذه الصلاة)) (ما كنت
تصليها) قبل ذلك اليوم (فقال) ابن عمر - رضي الله عنه -: (إِني بعد أن توضأت
لصلاة الصبح مسست فرجي ثم نسيت أن أتوضأ) فصليت الصبح بدون الوضوء،
فتذكرت الآن (فتوضأت وعدت لصلاتي) قال الباجي(١): روى ابن القاسم
(١) ((المنتقى)) (٩٢/١).
٤٩٠

٢ - كتاب الطهارة
(١٥) باب
(٩٣) حديث
وابن نافع عن مالك أنه يعيد الصلاة في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة
عليه. وهذا على رواية نفي وجوب الوضوء من مس الذكر. وروي عن
ابن القاسم نفي الإعادة في الوقت وغيره(١). وذهب أصحابنا العراقيون إلى أنه
يعيد أبداً، انتهى. قلت: لكن المشهور عند المالكية هو الإعادة في الوقت
وبعدها. وأما عندنا الحنفية فلما لم ينتقض منه الوضوء لا إعادة مطلقاً .
وغرض الإمام مالك بهذه الآثار أن انتقاض الوضوء، كما ثبت بالرواية
المرفوعة، كذلك هو مذهب سعد وابن عمر وعروة، فعلم بهذا، أنه ليس
بمنسوخ. وأما الإمام محمد فأخرج أولاً حديث طلق المرفوع في عدم
الانتقاض، ثم ذكر الآثار الدالة على عدم انتقاض الوضوء عن ابن عباس
بطريقين، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وعلي بن أبي طالب،
وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وسعد بن
أبي وقاص، وأبي الدرداء، كلهم قالوا بعدم انتقاض الوضوء من مس الذكر.
تركنا أسانيدهم للاختصار.
قال ابن رسلان: وروى الطبراني في ((الكبير)) بإسناد رجاله موثقون عن
أرقم بن شرحبيل قال: حككتُ جسدي وأنا في الصلاة فأفضتُ إلى ذكري.
فقلت لعبد الله بن مسعود، فقال لي: اقطعه - وهو يضحك - أين تعزله منك
إنما هو بضعة منك. وعن عبد الرحمن بن علقمة قال: سئل ابن مسعود - وأنا
أسمع - عن مس الذكر؟ فقال: هل هو إلا أنف طرفك، ورجاله موثوقون،
انتھی .
وذكرت هذين الأثرين لاعتراف ابن رسلان الشافعي بتوثيق رجاله.
وحديث أرقم بن شرحبيل قال في ((مجمع الزوائد))(٢): رواه الطبراني في
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٤/٣).
(٢) رقم الحديث (١٢٦٠).
٤٩١

٢ - كتاب الطهارة
(١٦) باب
(٩٤) حدیث
(١٦) باب الوضوء من قُبلة الرجل امرأته
٦٤/٩٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِم بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ
الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَجَسُّهَا بِيَدِهِ، مِنَ الْمُلاَمَسَةِ.
((الكبير)) ورجاله موثوقون. وهذا كله على جهة الفقه والثبوت، فدون ثبوت
الوضوء بمس الذكر من الروايات خرط القتاد، نعم لو توضأ أحدٌ للخروج عن
الخلاف فمثابٌ ومأجور، ولذا عده الشامي(١) من الحنفية في المندوبات،
وأيضاً فيه عمل بقوله وَ طير: ((الوضوء على الوضوء نور)).
(١٦) الوضوء من قبلة الرجل امرأته
القبلة - بضم القاف وسكون الباء ــ اسم من قبّلت تقبيلاً، هذا أيضاً
مختلف عند العلماء، ذكر في ((الشرح الكبير)) و((المغني))(٢): أن للإمام أحمد
فيه ثلاث روايات - وهو مذهب العلماء - فروي عنه أنها تنقض الوضوء مطلقاً،
وبه قال الإمام الشافعي - رحمه الله -، وروي أنها تنقض بشهوة، جعله صاحب
(المغني)) المشهور في المذهب، وبه قال الإمام مالك - رحمه الله - وإسحاق
والثوري، وروي عنه أنه لا ينقض بحال، وبه قال الإمام أبو حنيفة وصاحباه
إِلا في المباشرة الفاحشة، وقال قوم: ينقض الحرام، ولا ينقض الحلال، وبه
قال عطاء. والأصل أن الاختلاف مبنيٌ على الاختلاف على تفسير الآية كما
سيأتي.
٩٤/ ٦٤ - (مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن
عمر) - رضي الله عنه - (أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها) بشدة السين، قال
في ((القاموس)): هو المس باليد كالاجتساس (بيده) أي بلا حائل (من الملامسة)
(١) في ((الدر المختار)) (١٥٢/١) يندب للخروج من الخلاف لا سيما للإمام.
(٢) (٢٥٦/١).
٤٩٢

٢ - كتاب الطهارة
(١٦) باب
(٩٤) حديث
فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
التي ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿أَوْ لَمَسْئُ النِّسَاءَ﴾(١) (فمن قبّل) بتشديد
الباء (امرأته) مثلاً (أو جسها بيده فعليه الوضوء) يشكل على هذا الأثر ما سيأتي
في جامع غسل الجنابة: ((أن جواريه يغسلن رجليه)).
ويمكن التوفيق بينهما أن أثر الباب مقيد بالشهوة، كما قال به المالكية،
أو يقال: إن مذهب ابن عمر - رضي الله عنه - أنه لا ينقض مس المرأة الرجل
بخلاف عكسه، لكنه يتوقف على تحقيق مذهب ابن عمر - رضي الله عنه - في
ذلك، ولم أره بعد.
ثم اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْثُمُ
النِّسَاءَ﴾ على قولين (٢): الأول: أن المراد به لمسها وجسها بيده، روي هذا عن
ابن عمر وابن مسعود؛ لأنه وقع في قراءة ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ واللمس حقيقة
في المس باليد، وحمله على الجماع مجاز، والحقيقة أولى، وأجيب بأن
المصير إلى المجاز واجب عند القرائن، وهناك قرائن توجد كما ستجيء،
وأيضاً الحقيقة متروكة عند الجمهور أيضاً، لأن الآية مقيدة عند أكثرهم
بالشهوة، وأيضاً تَرُدُّه الروايات الآتية الدالة على عدم انتقاض الوضوء منه،
وهي لكثرتها بلغت إلى درجة الشهرة.
والقول الثاني: أن المراد به المجامعة، لأن المفاعلة حقيقة في الاثنين،
وروي ذلك عن ابن عباس وعلي والحسن ومجاهد وقتادة، كما في ((الخازن))،
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إن الله حيٌّ كريم يكني عن الجماع
بالملامسة، ورجح ذلك التفسير بوجوه: منها: كونه عن ابن عباس وهو بحر
التفسير وإمامه. ومنها: أنه حقيقة المفاعلة. ومنها: أنه مؤيد بالروايات
(١) سورة المائدة: الآية ٦.
(٢) انظر: ((التمهيد)) (١٧٢/٢١).
٤٩٣

٢ - كتاب الطهارة
(١٦) باب
(٩٤) حدیث
الكثيرة، فمنها: حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: إِن كان ليصلي وإِني
المعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجله، رواه
النسائي.
قال الحافظ في ((التلخيص))(١): إسناده صحيح، وقال الزيلعي: إسناده
على شرط مسلم.
ومنها: حديث إبراهيم التيمي عن عائشة أنه عليه السلام كان يُقَبِّلُ بعض
أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ، رواه أبو داود والنسائي، وقال النسائي: ليس في
الباب أحسن من هذا إن كان مرسلاً، قال الشوكاني: قال الحافظ: روي من
عشرة أوجه أوردها البيهقي في ((الخلافيات)) وضعفها، وصححه ابن عبد البر(٢)
وجماعة. ومنها: حديث عروة بن الزبير عن عائشة بمعناه، أخرجه أبو داود
والترمذي وابن ماجه. وما قيل: إنه ليس بابن الزبير بل هو عروة المزني
مردود .
أقام الشيخ في ((البذل)) (٣) سبعة براهين على كونه ابن الزبير، كيف لا؛
وقد صرح في رواية ابن ماجه والدارقطني وابن أبي شيبة ((ومسند أبي حنيفة))
و(مسند أحمد)) بكونه ابن الزبير، فلو ثبتت الرواية من عروة المزني أيضاً كما
أخرجه أبو داود فهو طريق آخر للحديث، ولذا قال الشوكاني: الحديث أخرجه
أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله
عنها -، وأخرجه أيضاً أبو داود من طريق عروة المزني، اهـ.
وغاية ما أوردوا على الحديث الإرسال، وأنت خبير بأن المرسل حجة
عند الحنفية والمالكية، وعند غيرهم إذا تُؤْبع، فهناك أيضاً انجبر بكثرة طرقه،
(١) ((تلخيص الحبير)) (١٩٩/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٥٢/٣).
(٣) (٨٢/٢).
٤٩٤

٢ - كتاب الطهارة
(١٦) باب
(٩٤) حديث
كما قاله الشوكاني، قال الزيلعي: كلهم ثقات، وسنده صحيح. ومال ابن
عبد البر إلى تصحيحه، فقال: صححه الكوفيون، وتَبَُّوه لرواية الثقات، وحبيب
لا ينكر لقاؤه عروة، اهـ.
ومنها: حديث عائشة - رضي الله عنها - في الصحيح وغيره بألفاظ
مختلفة في لمسها قدم رسول الله ◌ّ في الصلاة. قال الشوكاني: وما قاله
ابن حجر في ((الفتح)): إن اللمس يحتمل أن يكون بحائل أو ذلك خاص به وَ ثيه
تكلف ومخالفة للظاهر، اهـ.
ومن أقوى الأدلة في ذلك؛ أبو حنيفة عن الأعمش عن حبيب بن
أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان النبي ◌َّر يصبح صائماً ثم
يتوضأ للصلاة فيلقى المرأة من نسائه فيقبلها. الحديث، هكذا أخرجه طلحة
العدل فى ((مسنده)) .
ولا يلتفت إلى ما قيل: إنه ليس بابن الزبير بعد التصريح في رواية إمام
الأئمة أبي حنيفة بأنه ابن الزبير، ومن أقواها أيضاً؛ أبو حنيفة عن أبي روق
عطية بن الحارث الهمداني عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن حفصة؛ أن النبي وَليه
كان يتوضأ للصلاة، ثم يقبل ولا يجدد وضوءاً، هكذا أخرجه ابن خسرو في
((مسنده)) .
ورواه الدارقطني من وجه آخر عن الثوري فقال فيه: عن إِبراهيم التيمي
عن أبيه عن عائشة، وأيضاً؛ أبو حنيفة عن محمد بن عبيد الله عن عمرو بن
شعيب عن زينب بنت أبي سلمة عن عائشة؛ أنه وُ ◌ّ خرج إلى المسجد فمر بها
فقبلها، ثم خرج إلى المسجد فصلى ولم يتوضأ. هكذا أخرجه ابن خسرو
وطلحة والأشناني في ((مسانيدهم))، وعند ابن ماجه من طريق حجاج عن زينب
السهمية عن عائشة بلفظ: كان يتوضأ، ثم يقبل، ويصلي، ولا يتوضأ، وربما
٤٩٥

٢ - كتاب الطهارة
(١٧) باب
(٩٥ - ٩٦) حديث
٩٥/ ٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ.
٦٦/٩٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ.
قَالَ نَافِعُ(١): قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ.
(١٧) باب العمل في غسل الجنابة
فعل بي، قال الزيلعي(٢): سنده جيد فبعد هذه النصوص لا يبقى المحل
للإنكار.
٦٥/٩٥ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه (كان
يقول: من قبلة الرجل) من إضافة المصدر لفاعله (امرأته) مفعول (الوضوء) مبتدأ
مؤخر تقدم خبره وهو من قبلة الرجل.
٦٦/٩٦ - (مالك عن ابن شهاب، أنه كان يقول: من قبلة الرجل امرأته
الوضوء) وهذه الآثار كلها مؤوَّلة عند الإمام مالك - رضي الله عنه - أيضاً
بشرط الالتذاذ؛ لما تقدم أن مطلق اللمس عنده أيضاً لا ينقض الوضوء. وأيضاً
كلها مقيدة بلا حائل. وذكر الشامي الوضوء منه من المندوبات خروجاً عن
الخلاف .
(١٧) العمل في غسل الجنابة
بالضم، الفعل المخصوص، وهو المراد هناك، وبالفتح المصدر،
وبالكسر ما يغسل به من الماء وغيره، وقيل: بالضم والفتح مصدر، وقيل:
(١) قال نافع إلخ هذه العبارة لا توجد في نسخة الشارح.
(٢) ((نصب الراية)) (٧٣/١).
٤٩٦

٢ - كتاب الطهارة
(١٧) باب
(٩٧) حديث
٩٧/ ٦٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾، كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ
مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوضَّأُ لِلصَّلاَةِ،
المضموم مشترك بين الفعل وماء الغسل. وقال ابن حجر: هو لغة سيلان الماء
على البدن، وشرعاً سيلانه مع التعميم بالنية، قال القاري (١): المراد بالسيلان
أعم من الإسالة، ولا تخصيص بالبدن، وقيد النية مبنيٌ على مذهبه، انتهى.
(الجنابة) أي كيفية الغسل من الجنابة، قال العيني: والجنابة الاسم، وهو
في اللغة البعد. وسمي الإنسان جنباً لأنه نُهِيَ أن يقرب من مواضع الصلاة ما
لم يتطهّر، يستوي فيه الذكر والأنثى والواحد والجمع، اهـ.
٦٧/٩٧ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة
أم المؤمنين) وهل هن أمهات المؤمنات أيضاً؟ قولان للعلماء، قال البغوي في
((معالم التنزيل)): اختلفوا هل كن أمهات النساء المؤمنات؟ فقيل: كن أمهات
المؤمنين والمؤمنات جميعاً، وقيل: كن أمهات المؤمنين دون النساء، روى
الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة: يا أمه، فقالت: لست لك بأم وإنما
أنا أم رجالكم، فبان بهذا أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن، اهـ.
(أن رسول الله وَّةٍ كان إذا اغتسل من الجنابة) أي أراد وشرع الغسل (بدأ
فغسل يديه) قبل أن يدخلهما الإناء كما في رواية الترمذي، وهو على الوجوب
إذا كان عليهما شيء من النجاسة، وعلى الاستحباب إذا لم يكن، وهو
الظاهر، ثم غسل فرجه كما ورد في الروايات (ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة)(٢)
احتراز عن الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين مثلاً.
والمراد بالوضوء الكامل على الظاهر، وهو مذهب مالك والشافعي،
(١) (مرقاة المفاتيح)) (٢٨/٢).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٩٣/٢٢ - ٩٤).
٤٩٧

٢ - كتاب الطهارة
(١٧) باب
(٩٧) حديث
وقالت الحنفية: إن كان في مستنقع أَخَّر غسل القدمين، وإلا فلا، قاله
الزرقاني، قلت: وصرح صاحب ((الدر)) من الحنفية أيضاً باستحباب الأول،
وكذلك فيه روايتان عن الإمام مالك أيضاً ذكرهما الباجي(١)، وكذا عن أحمد
كما ذكرهما صاحب ((المغني))(٢)، ومن قال بتأخير غسل الرجلين أخذ برواية
ميمونة - رضي الله عنها - المفصلة فيها تأخير غسل الرجلين، وروي في حديث
عائشة - رضي الله عنها - أيضاً عند مسلم وغيره، والجمع بين الروايتين
باختلاف محل الغسل كما قاله الحنفية أولى.
وقال ابن العربي(٣): روى ابن زياد عن مالك ليس العمل على تأخير غسل
الرجلين، وروى ابن وهب عنه ذلك واسع، وروي عنه أنه إن أَخَّرهما إلى آخر
الغسل يستأنف الوضوء، والصحيح في النظر تأخيرهما، إِن غسل الأعضاء بنية
غسل الجنابة، وتقديمهما إن توضأ سنة، فهي حالتان، لا روايتان، انتهى.
ثم هذا الوضوء أوجبه داود مطلقاً، وقال قوم: إذا كان الفعل مما يوجب
الجنابة والحدث، وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة: إن الغسل يجزئهما،
قاله القاري (٤). وقال ابن قدامة في ((المغني))(٥): إن لم يتوضأ أجزأه بعد أن
يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركاً للاختيار يعني
يجزئه الغسل عنهما إذا نواهما، نص عليه أحمد، وعنه رواية أخرى لا يجزئه
الغسل عن الوضوء حتى يأتي به قبل الغسل أو بعده، وهو أحد قولي
الشافعي، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٩٣/١).
(٢) (٢٨٨/١).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (١٥٦/١).
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣/٢).
(٥) (٢٨٩/١).
٤٩٨

٢ - كتاب الطهارة
(١٧) باب
(٩٧) حديث
ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى
رَأْسِهِ ثَلاَثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
أخرجه البخاريّ في: ٥ - كتاب الغسل، ١ - باب الوضوء قبل الغسل.
ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٩ - باب صفة غسل الجنابة، حديث ٣٥.
قلت: وحجة الجمهور ثبوت بعض روايات الغسل عن الوضوء منهما ما
قال النبي ﴿ لأم سلمة: إذ قالت له: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه
للغسل؟ قال: ((لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات)) الحديث.
(ثم يدخل أصابعه في الماء) فيأخذ الماء كما في رواية مسلم (فيخلل بها)
أي بأصابعه (أصول شعره) قال الزرقاني: هذا التحليل غير واجب اتفاقاً، إلا إن
كان الشعر ملبّداً بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله، انتهى. (ثم
يصب) وَّر (على رأسه ثلاث غرفات) بفتح الراء جمع غرفة، قال ابن العربي:
الغرفة بفتح الغين وضمها، فإذا فتحتها جمعتها غرفات وإذا ضممتها جمعتها
غرف. ومعنى فتح الغين المرة الواحدة، وضم الغين ملأ اليد من الماء.
قال ابن العربي (١): خص ثلاثاً لأحد معنيين قال بعضهم: لأنها سنة
الطهارة، وهذا ضعيف، لأن العدد مسنون في الوضوء دون الجنابة، والصحيح
أن ذلك القصد إلى تفهم تعميم الغسل، فإن الأولى تصيب ما اتفق من
الموضع، والثانية تعميمه إلا اليسير، والثالثة تستوفيه بيقين، اهـ.
قلت: لم أتحصل بعد الفرق بين الوجهين فإن مآلهما واحد، لأن سنية
الثلاثة في الطهارة لأجل هذا المعنى، وكونها مسنوناً في الوضوء لا يستلزم
عدم السنية في الغسل (بيديه) جميعاً (ثم يفيض) أي يسيل (الماء) مبتدئاً
بالميامن (على جلده) أي بدنه (كله) زاده تأكيداً. والحديث حجة للجمهور في
عدم وجوب الدلك، خلافاً للمالكية إذ قالوا بوجوب الدلك، فأوّلوا الحديث
بأن المراد بالإفاضة الغسل مع الدلك.
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١ /١٥٧).
٤٩٩

٢ - كتاب الطهارة
(١٧) باب
(٩٨) حديث
٦٨/٩٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اَلَّ، كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ
إِنَاءٍ، هُوَ الْفَرَقُ،
٦٨/٩٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير) كذا رواه
أكثر أصحاب الزهري عنه، وخالفهم إبراهيم عند النسائي، فرواه عن القاسم بن
محمد، ورجح أبو زرعة الأول، ولعل الزهري سمع منهما، قاله الزرقاني(١)
(عن عائشة أم المؤمنين؛ أن رسول الله وَ ل# كان يغتسل من إناء) وكان من شبه،
بفتحتين كما في رواية.
قال الباجي(٢): قولها: ((كان يغتسل من إناء)) يحتمل معنيين؛ أحدهما:
أنه يغتسل من هذا الإناء وإِن استعمل اليسير من مائه أو كله أو أكثر منه،
فيتناول ذلك إباحة الوضوء بذلك الإناء. وقد أجمع الفقهاء على جواز الوضوء
بكل إناء طاهر ليس فيه ذهب ولا فضة، إلا ما يروى عن ابن عمر أنه يمنع من
إِناء الشبه وغيره. والثاني: أنه يستعمل في غسله مِلْءَ ذلك الإناء، فيقصد به
الإخبار عن مقدار الماء، انتهى مختصراً.
قلت: فيكون الحديث على التوجيه الأول من بيان ظروف الوضوء
والغسل لا من باب مقدار الماء لهما، لكن لفظ أبي عبيد في ((كتاب الأموال))
برواية صفية عن عائشة بلفظ ((يتوضأ بقدر المد ويغتسل بقدر الصاع)) يؤيد
المعنى الثاني، وكذلك لفظ مجاهد عن عائشة قالت: والله إن كنت لأغتسل أنا
ورسول الله ﴾ من الجنابة بصاع من ماء جميعاً (هو الفرق) بفتحتين على
الأشهر الأفصح، وقيل: بسكون الراء، ونقل السيوطي عن الأزهري؛ أنه في
كلام العرب بالفتح، والمحدِّثون يسكنونه.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٩٢).
(٢) ((المنتقى)) (٩٥/١).
٥٠٠