Indexed OCR Text
Pages 281-300
١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٦) حديث ٦ - وَحدَّثَنْي عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ مَوْلَّى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسمه: ﴿أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَِّلِ﴾(١) يبيح الصلاة فيها، وأول نظر الحنفية - شكر الله سعيهم - على القرآن، وليت شعري كيف يقاوم حديث الباب بأحاديث النهي مع أنه متروك الظاهر إجماعاً محتمل لمعان كثيرة، وأحاديث النهي شهيرة بألفاظها صريحة في معناها . وفي الحديث دليل على أن وقت الصبح إلى طلوع الشمس، خلافاً لمن ذهب إلى أن آخره الإِسفار، وحجة أيضاً لمن قال: آخر وقت العصر إلى غروب الشمس، خلافاً لمن زعم أنه إلى المثلين أو إلى الاصفرار. ٦ - (مالك عن نافع) أبو عبد الله المدني. اختلف في نسبه، قال الحافظ في ((التهذيب))(٢): لم يصح عندي فيه شيء (سولى عبد الله بن عمر) أصابه ابن عمر - رضي الله عنه - في بعض مغازيه، وكان يقول: لقد منَّ الله علينا بنافع، ثقة ثبت فقيه، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يُعلّمهم السنن. وقال نافع(٣): خدمت ابن عمر ثلاثين سنة. ومن مفاخره أنه روى عنه الإِمامان مالك وأبو حنيفة - رضي الله عنهما - مات سنة ١١٧ هـ أو بعدها . (أن) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) (٤) القرشي العدوي ثاني الخلفاء، وأحد ضجيعي المصطفى، أحد العشرة المبشرة، أسلم سنة ٥ أو سنة ٦ من النبوة، ظهر الإِسلام بإسلامه، ولقب بفاروق لفرقه بين الحق والباطل، والملقِّب له جبرئيل أو سيد البشر أو أهل الكتاب، روايات لا تتنافى، جم (١) سورة الإِسراء: الآية ٧٨. (٢) ((تهذيب التهذيب)): (٤٠٤/١٠). (٣) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٥٤١/٤). (٤) انظر ترجمته في: ((طبقات الحفاظ)) (٦٢٨) و((أسد الغابة)) (١٤٥/٤). ٢٨١ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٦) حديث كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلاَةُ فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا، حَفِظَ دِينَهُ. وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ. المناقب، وأَشَدّهم في أمر الله، وَلِيَ الخلافة عشر سنين ونصفاً، واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. (كَتَبَ) والحديث منقطع، لأن نافعاً لم يلق عمر - رضي الله عنه - (إلى عماله)(١) بتشديد الميم جمع عامل (أن) بفتح الهمزة وكسرها (أهم أمركم) ولفظ المشكاة برواية ((الموطأ)) أموركم (عندي) واعتقادي (الصلاة) فيه أن لهم أموراً مهمة ولكن للصلاة مزية، ووجه المزية ما ورد فيه من الروايات حتى ورد: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر))، وقال تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالضَّلَوةِ اُلْوُسْطَى﴾(٢) وقال تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ﴾ (٣) (فمن حفظها) أي علم ما لا تتِمّ إلا به من الوضوء والوقت وغيرهما، أو أدى بشرائطها وأركانها (وحافظ عليها) أي سارع إلى فعلها في وقتها، أو داوم عليها أو لم يبطلها بالسمعة والرياء. (حفظ دينه) يحتمل معنيين؛ أحدهما: حفظ معظم دينه، وعماده، كما ورد ((الحج عرفة)) والثاني: حفظ سائر دينه، فإن المواظبة عليها يستدل به على صلاح المرء، قاله الباجي(٤). قلت: والظاهر الثاني، وقد ورد مرفوعاً ((ثلاث من حفظهن فهو ولي حقاً ومن ضَيَّعَهن فهو عدوٌ حقاً: الصلاة والصيام والجنابة)) (ومن ضيّعها) بأن أخّرها فضلاً عن تركها رأساً (فهو لما سواها) من بقية أمور الدين (أضيع) على (١) وإنما خاطب العُمَّال لأن الناس تبع لهم، كذا في ((الاستذكار)) (٢٣٦/١). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٨. (٣) سورة مريم: الآية ٥٩. (٤) ((المنتقى)) (١١/١). ٢٨٢ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٦) حديث ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ، إِذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعاً، إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلَّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ. وزن أفعل وهو قليل، واللغة المشهورة هو أشد تضييعاً، وروي عن سيبويه أنه يرى مما يجوز فيه التعجب والمفاضلة بأفعل، ويحتمل أن يكون اللام بمعنى في، يعني أنه ضائع في تركه الصلاة، وأنه أضيع في غيره. والمعنى أنه إذا عُلِم أنه مُضيِّعٌ للصلاة ظُنَّ به التضييعُ لسائر العبادات التي تخفى، أو يقال: إنه إذا ضيّع الصلاة فقد ضيّع سائر العبادات وإن عملها؛ لما روي عن يحيى بن سعيد أنه قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله، قاله الباجي، قلت: والوجيه الأول. (ثم كتب) إليهم بعد هذا التنبيه المذكور (أن) مصدرية (صلوا الظهر إذا كان الفيء) وهو الظل الذي تفيء عنه الشمس بعد الزوال أي ترجع، قال تعالى: ﴿حَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾(١) فما كان قبل الزوال من الظل ليس بفيء (ذراعاً) وهو ربع القامة، واستدل به على تعجيل الظهر، ولو صح الاستدلال به حمل على الشتاء لروايات أبي ذر وأبي هريرة - رضي الله عنهما - وغيرهما، قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا اشتدّ الحر أبردوا بالصلاة)) مع أن الحديث لو سرّح فيه النظر لا يدل إلا على التأخير لقوله: (إلى أن يكون ظل أحدكم مثله) وهو آخر وقت الظهر عندهم، فإما أن يقال: إن عمر - رضي الله عنه - أمر بأداء الصلاة في آخر الوقت، أو كان وقت الظهر عنده إلى المثلين. ولذا استدل الباجي(٢) من المالكية بهذا الحديث على استحباب التأخير في مسجد الجماعة، قال الباجي: والدليل لنا على الشافعي - رضي الله عنه - (١) سورة الحجرات: الآية ٩. (٢) ((المنتقى)) (١٣/١). ٢٨٣ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٦) حديث وَالْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، قدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةَ، قَبْلَ غُرُوْبِ الشَّمْسِ حديث عمر - رضي الله عنه -، وإنما خاطب بذلك عمّاله وأمراءه الذين يقيمون الصلاة في مسجد الجماعة، انتهى. وأما البحث في انتهاء وقت الظهر فسيجيء في أثر أبي هريرة - رضي الله عنه -. (والعصر) بالنصب أي وصَلُّوا العصر (والشمس) الواو الحالية (مرتفعة بيضاء نقيّة) ونقاؤها ألَّا يشوب بياضها صفرة. والبياض والصفرة يعتبران في الأرض والجدار، لا في عين الشمس، حكاه ابن نافع في ((المبسوط)) عن الإِمام مالك - رضي الله عنه - قاله الباجي. قلت: وفي ((الهداية)): والمعتبر تغيّر القرص، وهو أن يصير بحال لا تحار فيه الأعين، هو الصحيح، اهـ، وفي ((هوامشه)): قال شمس الأئمة: أخذنا بقول الشعبي، وهو تغير القرص، لأن تغير الضوء يحصل بعد الزوال، اهـ. (قدر ما يسير الراكب) ظرف لقوله: مرتفعة، أي ارتفاعها مقدار أن يسير الراكب إلى المغرب (فرسخين) للبطيء (أو ثلاثة) فراسخ للجاد السريع، وقيل: شَكَّ من المحدث، وقيل: فرسخين في الشتاء وثلاثة في الصيف، والأظهر أنه بمعنى الحرز والتقدير، فلا حاجة إلى التوجيه، وسيأتي في الأثر الآتي الجزم بثلاثة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، واختلفت الأقوال في تفسير الميل. (قبل غروب الشمس) وأنت خبير بأنه لا تقدير في الحديث بشيء من الساعات لأنه يختلف باختلاف المراكب والأوقات، والعجب من الذين قالوا: إن هذا السير لا يمكن، إلَّا بعد أن صلّى العصر قبل المثلين، بل على المثل متصلاً، مع أنهم قالوا بمسير اثنين وعشرين ميلاً من بعد الجمعة إلى العصر، كما سيجيء في وقت الجمعة، وتوضيحه: أن أطول وقت فيما بين الزوال والغروب يكون في آخر شهر يونيو، فيكون سبع ساعات، ومن المعلوم أنه أسرع ما يمكن الفراغ من الجمعة بعد مراعاة سننها نصف ساعة، وكذا الفراغ ٢٨٤ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٦) حديث وَالْمَعْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَالْعِشَاءَ، إِذَا غَابَ الشَّفَقُ، إِلَى ثَلْتِ اللّيْلِ. فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ. فَمَنْ ذَامَ فَلا نَامَتْ عَيْنُهُ. فَمَنْ نَامَ فَلا نَامَتْ عَبْنُهُ. ٠٫٠٠ من العصر لا بد أن يكون قبل نصف ساعة من الغروب، لئلا تقع في الاصفرار، فأكثر ما يمكن الوقت بينهما ست ساعات مع البعد، فإذاً يمكن مسير اثنين وعشرين ميلاً في ست ساعات، فكيف لا يمكن مسير فرسخين، أو ثلاث في ساعتين؟؛ لأن الوقت فيما بين المثلين إلى الغروب في هذا الزمان يكون أكثر من ساعتين، مع أن مسير اثنين وعشرين ميلاً بالسرعة مستبعدٌ، والاستبعاد في فرسخين أو ثلاث، فتأمل. (والمغرب) بالنصب (إذا غربت الشمس) ولا خلاف بين أهل السنة في استحباب أداء المغرب في أول وقتها مع أن الأئمة قالوا لضيق وقتها كما تقدم، وكرهت الحنفية أيضاً تأخيرها (والعشاء، إذا غاب الشفق) وسيجيء الكلام على المراد بالشفق في محله (إلى ثلث الليل) وهو محسوب من وقت الغروب (فمن فاه) قبل العشاء (فلا نامت عينه) دعاء بنفي الاستراحة على من ينام عن الصلاة؛ لأنه عليه السلام كان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، وقيل: إِخبار، أي لا خير في ذاك النوم، كما في ((الفتح الرحماني)) والأول أرجح. وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يسب من ينام قبله. (فمن نامٍ فلا نامت عينه، وروي هذه الجملة في ((مسند البزار)) عن عائشة مرفوعاً، قاله السيوطي(١) (فمن نأم فلا نامت عينه) كرره ثلاثاً زيادة في التنفير. قال الترمذي: قد كره أكثر العلماء النوم قبل العشاء، ورخص فيه بعضهم، وبعضهم في رمضان خاصة، قال الحافظ: ومن نقلت عنه الرخصة قيدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه، أو عرف من عادته أنه (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٢٤). ٢٨٥ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٦) حديث وَالصُّبْحَ، وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. لا يستغرق، وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله، قال ابن رسلان: لا يختص بالعشاء، بل يدخل في معناها بقية الصلوات. قال ابن حجر(١): وفي الحديث تحريم النوم قبل الصلاة، وهو محمول عندنا على تفصيل: هو أنه تارة ينام قبل الوقت، وتارة بعد دخوله، ففي الثاني إن علم أو ظن أن نومه يستغرق الوقت، لم يجز له النوم، إلا إن وثق من غيره أن يوقظه، بحيث يدرك الصلاة كاملة في الوقت، وكذا في الأول عند جماعات من أصحابنا، وقال آخرون: لا حرمة عليه مطلقاً لأنه قبل الوقت لم يكلف بها بعد، انتهى. قال القاري: هو مذهبنا، والتفصيل الذي ذكره في الثاني هو المقتضى لقواعدنا، انتهى. وقال ابن عابدين: قال في ((البرهان)): ويكره النوم قبلها، لنهي النبي وَل عنهما إلا حديثاً في خير، لقوله وَلّ: ((لا سمر بعد العشاء إلا لأحد رجلين مصلٍ أو مسافرٍ)). وفي رواية: أو عرس(٢)، اهـ. وقال الطحاوي: إنما كره لمن خشي فوت الوقت أو الجماعة، وأما من وگّل نفسه إلى من يُوقظه فیباح له، اهـ. (و) صلوا (الصبح) منصوب (والنجوم) بالرفع، الواو حالية (بادية) بالياء أي ظاهرة من البدو، وهو الظهور (مشتبكة) قال ابن الأثير: اشتبكت النجوم أي ظهرت، واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها، اهـ. قلت: وهذا إذا قرأ مثل قراءة عمر - رضي الله تعالى عنه - كما تقدم أنه كان يقرأ بسورة البقرة، وكذا عن الصديق الأكبر - رضي الله عنه - أما إذا قرأ بقصار السور، فالأولى الإِسفار كما تقدم مفصلاً. (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٧/٢). (٢) وفي رواية ((أو دارسٍ علم))، انظر ((الاستذكار)) (٢٣٩/١). ٢٨٦ --- ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٧) حدیث ٧ - وَحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبي مُوسَى الأَشْعَرِي: أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ، إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ. وَالْعَصْرَ، والشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ . وَالْمَغْرِبَ، إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَأَخِّرِ الْعِشَاءَ مَا لَمْ تَنَمْ. وَصَلِّ الصُّبْحَ، وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. وَاقْرَأْ فِيهَا بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنَ الْمُفَصَّل. ٧ - (مالك عن عمه أبي سهيل) مصغراً اسمه نافع (بن مالك) بن أبي عامر الأصبحي التيمي المدني ثقة مات بعد سنة ١٤٠ هـ (عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي، سمع من عمر - رضي الله عنه - ثقة، من كبار التابعين، روى له الجميع مات سنة ٧٤هـ على الصحيح، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ في ((التقريب)). (أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري) عبد الله بن قيس الصحابي، المشهور، قدم المدينة بعد فتح خيبر، استعمله النبي ◌ُّ على بعض اليمن، واستعمله عمر - رضي الله عنه - على البصرة، واستعمله عثمان - رضي الله عنه - على الكوفة، واختلف في موته من سنة ٤٢هـ إلى سنة ٥٣هـ، والظاهر أن عمر - رضي الله عنه - كتب إليه في زمان إمارته على البصرة. (أن صلِّ) بصيغة الأمر (الظهر) منصوب (إذا زاغت) أي مالت (الشمس) ولا ينافي ما تقدم إذا فاء الفيء ذراعاً لأن هذا مجمل، وهو مفسر (والعصر) منصوب (والشمس) الواو حالية (بيضاء نقية) بالنون والقاف تقدم تفسيره في الحديث المتقدم وهو المراد بقوله (قبل أن تدخلها) أي الشمس (صفرة) بأن لا تحار فيه الأعين عندنا، وباعتبار الأرض والجدار عند المالكية كما تقدم. (والمغرب إذا غربت) أي توارت بالغروب (الشمس) أي على الفور (وأخر العشاء) لأن تأخيره مستحب (ما لم تنم) لأن النوم قبلها مكروه كما تقدم (وصلّ الصبح والنجوم بادية مشتركة) تقدم في الحديث السابق (واقرأ فيها) أي في صلاة الصبح (بسورتين طويلتين) بعد الفاتحة، ولم يذكرها لما أنها متقرر عند الكل (من المفصل)(١). (١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١/ ٢٤٠) على الاختيار لا على الوجوب. ٢٨٧ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٨) حدیث ٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ، والشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلاَثَةَ فَرَاسِخَ. وَأَنْ صَلِّ الْعِشَاءَ، مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ. فَإِنْ أَخَّرْتَ فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ٠٠ قال العلماء: السبع السور من أول القرآن السبع الطوال، ثم ذوات المئين أي ذات نحو مائة آية، وهي إحدى عشرة سورة يأتي بيانها في التراويح، ثم المثاني وهي عشرون سورة. ثم المفصل - كمعظم - سمي به لكثرة الفصول فيه ببسم الله، أو لقلة المنسوخ منه، كما في ((القاموس))، ولذا سمي بالمحكم أيضاً كما في الشامي، قلت: واستحب الحنفية بل الأئمة الأربعة قراءة طوال المفصل في الصبح كما سيأتي في أبواب القراءة، وسيأتي هناك الاختلاف في تعيين المفصل. ٨ - (مالك عن هشام بن عروة) بن الزبير، ثقة فقيه، من صغار التابعين، روى عنه الإِمامان: مالك وأبو حنيفة، والسفيانان، والحمادان، وربما دَلَّسٍ، وما قيل: إن الإِمام مالك لا يرضاه، فمعناه أنه لا يرضى ما حدث في آخر عمره، لأنه يتساهل في أنه يرسل عن أبيه ما سمعه عن غير أبيه عنه، وهو التدليس، قال الزرقاني: مات سنة ٨٧هـ (عن أبيه) عروة بن الزبير (أن) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب كتب إلى) أمير البصرة (أبي موسى الأشعري: أن صل العصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ) تقدم، إلا أن هذا الراوي لم يذكر لفظ: أو فرسخين، فإن حملت الأولى على الشك فهذه الرواية لم يقع فيها الشك وجزم راويها، وإن تحمل الأولى على التنويع فهذه الرواية وقع فيها الاختصار كما ترى. (وأن صل العشاء ما بينك) المراد به أول الوقت، أجمل لمعرفة المخاطب به، يعني ما بينك إذا كنت في الوقت (وبين ثلث الليل) فإنه الوقت المستحب (فإن أخرت) لضرورة ومصلحة (فإلى شطر الليل) أي نصف الليل، ٢٨٨ --- ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٩) حديث وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ. ٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن رَافِعٍ، مَوْلَى أَمِّ سَلَمَةَ، زَوْحِ النَّبِيِّ ◌َهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ وَقْتِ .... الصَّلاَةِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا أَحْبِرُكَ. ويتضح وجهه بما قال الطحاوي بعد سرد الروايات في وقت العشاء: فثبت بتصحيح هذه الآثار أن أول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق إلى أن يمضي الليل كله، ولكنه على أوقات ثلاثة، فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل، فأفضل وقت صليت فيه، وأما من بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل ففي الفضل دون ذلك، وأما بعد نصف الليل فدون كل ما قبله، انتهى (١). (ولا تكن من الغافلين) بأن تُؤَخِّرَها عن النصف أيضاً. والأوجه أن يقال: إن هذا القول لا يختص بالتنبيه على صلاة العشاء، بل هو تنبيه على المحافظة على الصلوات كلها؛ لقوله وَله: ((من حافظ على هؤلاء الصلوات لم يكتب من الغافلين)) ويحتمل أن يكون إشارة إلى فوت العشاء خاصة، كما روى الطحاوي عن نافع بن جبير قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى: وصَلِّ العشاء أيَّ الليل شئت، ولا تكن من الغافلين. ٩ - (مالك عن يزيد) بتحتية أوله فزاي معجمة (ابن زياد) بزاي أوله، ابن أبي زياد، وقد ينسب إلى جده، مولى بني مخزوم، ثقة، من السادسة (عن عبد الله بن رافع) المدني أبو رافع مولى أم سلمة زوج النبي (8) المخزومي التابعي، ثقة من الثالثة (أنه سأل أبا هريرة من وقت الصلاة؟) المفروضة، والمراد بها الجنس (فقال أبو هريرة: أنه أخبرك، قال ابن عبد البر: وقفه رواة ((الموطأ)»، والمواقيت لا تؤخذ بالرأي، ولا تدرك إلا بالتوقيف، يعني فهو موقوف لفظاً مرفوع حكماً، قاله الزرقاني، قيل: وروي عنه مرفوعاً في ((التمهيد)). (١) ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (١ /٩٤). ٢٨٩ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (٩) حديث صَلِّ الظَّهْرَ، إِذَا كَانَ ظِلَّكَ مِثْلَكَ. وَالْعَصْرَ، إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ. وَالْمَغْرِبَ، إِذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ. وَصَلِّ الصُّبْحَ بِغَبَشِ. يَعْنِي الْغَلَسَ. (صل الظهر إذا كان ظلك مثلك، والعصر إذا كان ظلك مثليك) وهذا صريح فيما ذهب إليه الإِمام الأعظم أبو حنيفة - رضي الله عنه - في ظاهر الرواية عنه أنه يخرج وقت الظهر، ويدخل وقت العصر بالمثلين. وبهذا الأثر استدل الإِمام محمد على مسلك الإِمام؛ لأنه أمر بصلاة الظهر إذا تحقق المثل، والعصر إذا صار المثلان، فما قال صاحب ((الاستذكار))(١): إنه اقتصر فيه على أواخر الأوقات تأويل لتأييد مذهبه، وتوهم من نقله من الحنفية في شرح كلام محمد - رحمه الله تعالى - فإنه يخالف صريح قول الإِمام محمد - رحمه الله تعالى - ويكون من تأويل الكلام بما لا يرضى به قائله، وأطال الكلام في دلائل الإِمام صاحب ((البحر الرائق))، وصنّف رسالة أيضاً مستقلة، وكذا بسطها شُرَّاح ((الهداية)) وغيرها، ولم تبق حاجة إلى بسط دلائل الإِمام في هذا المختصر بعد أن ثبت الفتوى على قولهما أيضاً مع أنها رواية عن الإِمام أيضاً. والأحوط عندنا ما قال به المشايخ: أن يصلي الظهر قبل المثل والعصر بعد المثلين . (والمغربَ) بالنصب (إذا غربت الشمس) كما تقدم (والعشاء ما بينك) أي أول وقته كما تقدم (وبين ثلث الليل وصل الصبح بغبش)(٢) بفتح الغين المعجمة والباء الموحدة وشين معجمة، بقايا ظلمة الليل (يعني) أي يريد بالغبش (الغلس) فسّره به لأن الغبش في اللغة يكون قبل الغلس، والظاهر أنه تفسير من يحيى بن يحيى؛ لأنه وقع هاهنا في رواية ابن بكير وغيره ((بغلس)). (١) (٢٤١/١). (٢) قال الزرقاني: كذا رواه يحيى وزياد، وفي رواية يحيى بن بكير والقعنبي وسويد بن سعيد ((وصلّ الصبح بغلس)) بفتحتين. انظر ((شرح الزرقاني)) (٢٣/١). ٢٩٠ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (١٠) حديث ١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَيَجِدُهُمْ يُصَلّونَ الْعَصْرَ. أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١٣ - باب وقت العصر. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٤ - باب استحباب التبكير بالعصر، حديث ١٩٤. ١٠ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري المدني ثقة، والإِمام مالك قد يروي عنه بواسطة كما في الأذان، قال في (الفتح الرحماني)): كان مالك لا يقدم عليه أحداً في الحديث، مات سنة ١٣٢ هـ وقيل: بعدها (عن) عمه يعني أخي أبيه لأمه (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الحضرمي، خدم رسول الله وَّل عشر سنين، صحابي مشهور، قيل: له ١٢٨٦ حديثاً مات سنة ٩٢هـ، وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، وهو آخر الصحابة موتاً بالبصرة (١). (أنه قال: كنا نصلي العصر) قول الصحابي: كنا نفعل كذا مختلف عند أهل الأصول، فقيل: مرفوع، وهو اختيار الحاكم، وقيل: موقوف، وإليه مال الدار قطني وغيره، وقال الحافظ ابن حجر: الحق أنه موقوف لفظاً مرفوع حكماً . قلت: لكن الحديث مرفوع قطعاً، صرح برفعه ابنُ المبارك وغيره بلفظ (كنا نصلي العصر مع رسول الله (َ﴾)) أخرجه النسائي (ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف) قال العيني: كانت منازلهم على الميلين من المدينة المنورة بقباء (فيجدهم يصلون العصر) قيل(٢): فيه تعجيل النبي وَّ العصر. (١) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٣٩٥/٣). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٩٥/١) و((الاستذكار)) (٢٤٣/١). ٢٩١ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (١١) حديث ١١ - وَحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، قلت: بل فيه دليل على أن المعروف عند الصحابة كلهم - رضي الله تعالى عنهم - كان تأخيرها، ولذا كانوا يؤخرونها بنو عمرو بن عوف، وأهل قباء، وأهل العوالي، وغيرهم، كما يجيء في الروايات، فظهر منه أيضاً أنهم كانوا على ثقة من أن تعجيله عليه الصلاة والسلام كان لحاجة، ولمصلحة دعته إليه، وإلا فأي رجل يكون أشد تأسياً به وَليل من الصحابة؟ هذا، وقال الرازي في ((الأحكام)): لا يمكن الوقوف منه على مقدار معلوم من الوقت، لأنه على المسافة والسرعة في المشي، كذا في ((الفتح الرحماني)). ١١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك أنه قال: كنا نصلي العصر) أي مع رسول الله وَ﴿ كما رواه خالد عن مالك أخرجه الدارقطني في ((غرائبه)) قاله العيني. (ثم يذهب الذاهب) قال الحافظ: كأنه أراد نفسه؛ لما جاء في رواية: ثم أرجع إلى قومي. (إلى قباء) بضم القاف وبموحدة يمد ويقصر، ويصرف ويمنع، ويذكر ويؤنث، والأفصح التذكير والصرف والمد، قال الزرقاني: ممدود عند أكثر اللغويين، وأنكر بعضهم قصره لكن حكاه صاحب ((العين)): قال البكري: من يُذكره فيصرفه، ومن يؤنثه فلا يصرفه، سمي باسم بئر هناك، انتهى. بينه وبين المدينة نحو الميلين أو أقل، وقيل: ثلاثة، قال العيني: قال النسائي: لم يتابع مالك على قوله: ((قباء)» والمعروف ((العوالي))، وكذا قاله الدارقطني وغيره، فهو مما يُعَدُّ على الإِمام مالك - رضي الله عنه - أنه وهم فيه، انتهى مختصراً. وقال أبو مطرف عن أحمد بن خالد أنه قال: لم يتابع على قوله: ((قباء)) ورواه الليث عن الزهري عن أنس فقال فيه: ثم يذهب الذاهب إلى العوالي، والعوالي في طرف المدينة، وقباء على فرسخ من المدينة، فلهذا لم يتابع مالك ٢٩٢ ..----- ------ ١ - كتاب وقوت الصلاة (١) باب (١٢) حديث فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١٣ - باب وقت العصر. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٤ - باب استحباب التبكير بالعصر، حديث ١٩٣. ١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ عليه لأن قوله هذا يدل على أن العصر كانت تصلى أول وقتها، انتهى، نقله الباجي(١) ثم رَدَّهُ. قلت: الإِمام مالك - رضي الله عنه - ليس بمتفرد فيه، بل رواه ابن أبي ذئب عن الزهري بلفظ ((قباء)) كما ذكره الباجي مفصلاً ونقل عنه العلامة العيني مختصراً، مع أن الرواية السابقة بلفظ ((بني عمرو بن عوف)) أخرجها البخاري ومسلم، وهم كانوا بقباء كما تقدم، وما أنكر عليها أحد، فعلم أن نسبة الوهم إلى الإِمام مالك وهم، قال الحافظ: ولعل مالكاً لما رأى في رواية الزهري إجمالاً حملها على الرواية المفسرة (٢)، وهي رواية عن إسحاق إذ قال فيها: إلى بني عمرو بن عوف، وهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصة واحدة، قاله السيوطي (فيأتيهم والشمس مرتفعة) ولا يخالفنا الحنفية كما تقدم مبسوطاً. ١٢ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن واسمه فرُّوخ المعروف بربيعة الرأي(٣)، فقيه حافظ أحد مفتي المدينة، قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة مات سنة ١٣٦ هـ، وقيل غيرها (عن القاسم بن محمد)(٤) بن أبي بكر (١) المنتقى (١٨/١). (٢) قال في ((الاستذكار)) (٢٤٥/١) والمعنى متقارب في ذلك، والعوالي مختلفة المسافة. (٣) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٨٩/٦). (٤) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٣٣/٨). ٢٩٣ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٢) باب (١٣) حديث أَنَّهُ قَالَ: مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلا وَهُمْ يُصَلُّونَ الْظُهْرَ بِعَشِيٍّ. (٢) باب وقت الجمعة ١٣ - حدّثني يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّه أَبِي سُهَيلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ الصديق - رضي الله عنه - أبو عبد الرحمن المدني أحد الفقهاء بها، فقيه إمام ورع كثير الحديث مات سنة ١٠٦ هـ (أنه قال: ما أدركت الناس) أي الصحابة لأنه من كبار التابعين، قاله الزرقاني (إلا وهم يصلون الظهر بعشي) والعشي من بعد الزوال إلى الغروب، وقيل: إلى الصباح، والمقصود بيان التأخير في صلاة الظهر، والإِنكار على من أنكرها، قال في ((الاستذكار)) (١): قال مالك: يريد الإِبراد بالظهر، قلت: ويؤيده أيضاً ما سيأتي من النهي عن الصلاة في الهاجرة . (٢) وقت الجمعة بضم الميم لغة الحجاز، وفتحها لغة تميم، وإسكانها لغة عقيل، اسم ليوم من أيام الأسبوع، قاله الزرقاني. قال النووي(٢): قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوزاها قبل الزوال، وآخر وقتها آخر وقت الظهر عند الجمهور، واختلف فيه المالكية، فقال الباجي: آخر وقتها عند ابن القاسم وأشهب آخر وقت الظهر ضرورة واختياراً، وعند ابن الماجشون وغيره إلى العصر، ولا يجوز أن يؤتى به في وقت الضرورة، انتهى مختصراً، والظاهر أن المقصود منه إخراج الوقت المشترك. ١٣ - (مالك عن عمه) نافع (أبي سهيل) مصغراً (ابن مالك عن أبيه) مالك (١) (٢٤٦/١). ..... (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٤٨/٦) وانظر: ((بداية المجتهد)) (١٥٧/١) و(المنتقى)) (١٩/١). ٢٩٤ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٢) باب (١٣) حديث أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَرَى ◌ِنْفِسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، تُْرَحُ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ. فَإِذَا غَشِيَ الطَّنْفِسَةَ كُلَّها ظِلُّ الْجِدَارِ، خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، (أنه قال: كنت أرى طنفسة) - بكسر الطاء وفتح الفاء وبضمها وبكسر الطاء والفاء - بساط له خمل دقيق(١)، قال في ((الفتح الرحماني)): الخمل بفتح المعجمة والميم فلام، الأهداب، وفي ((المطالع)): الأفصح كسر الطاء وفتح · الفاء، وقال أبو علي القالي: بفتح الفاء لا غير، وقيل في معناه: إنه بساط صغير، وقيل: حصير من سعف، وقال الباجي: الطنافس البسط كلها . (لعقيل) بفتح العين مكبراً (ابن أبي طالب) الهاشمي أخي علي وجعفر، وكان الأسن، صحابيٍّ عالم بالنسب، كذا في ((التقريب))، قال له النبي ◌َّ: ((إني أحبك حُبَّيْن: حُبّاً لقرابتك، وحُبّاً لما كنت أعلم من حُبِّ عمي إياك)) توفي سنة ستين، وقيل: بعدها زمن معاوية - رضي الله عنه -. (يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد) النبوي (الغربي) صفة جدار، قال الباجي: وإنما كانت تطرح ليجلس عليها عقيل بن أبي طالب، ويصلي عليها الجمعة، انتهى. والصلاة على نحو الطنفسة جائز عندنا بلا كراهة، وقال الباجي (٢): السجود على الطنافس مكروه عند مالك، وكذلك كل ما ليس من نبات الأرض إلا لضرورة، انتهى. ونقل في ((الفتح الرحماني)) عن العيني: يجوز الصلاة على الطنفسة والبساط، وصلى ابن عباس على مسح وعلى طنفسة، وصلَّى على المسح عمر بن عبد العزيز وجابر وعبد الله وعلي بن أبي طالب. (فإذا غشي الطنفسةَ كلها ظلَّ الجدار خرج عمر بن الخطاب) - رضي الله (١) هكذا في الأصل، وفي ((النهاية)) (٣/ ١٤٠) خمل رقيق. (٢) ((المنتقى)) (١٨/١). ٢٩٥ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٢) باب (١٣) حديث وَصَلَّى الْجُمُعَةَ. قَالَ مَالِكٌ (وَالِدُ أَبِي سُهَيْلٍ): ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلاَةٍ الْجُمُعَةِ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ. تعالى عنه - في زمان خلافته (فصلى) بالناس (الجمعة) بعد الخطبة، ولم يذكرها لما أنه معلوم عند الكل، قال الحافظ(١): هذا إسناد صحيح، وهو ظاهر في أن عمر - رضي الله عنه - كان يخرج بعد زوال الشمس، وفهم بعضهم عكس ذلك، ولا يُتّجه إلا أن حمل على أن الطنفسة كانت تُفْرش خارج المسجد، وهو بعيد، والذي يظهر أنها كانت تفرش له داخل المسجد، اهـ. قلت: بل هو المتعين كما يدل عليه لفظ ((إذا غشي))، وأيضاً قد جاء في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بلفظ: كان لعقيل طنفسة مما يلي الركن الغربي، الحديث، وروي أيضاً أن العباس - رضي الله عنه - كان له طنفسة في أصل جدار المسجد، فإذا نظر إلى الظل قد جاوز الطنفسة أذن المؤذن، الحديث مختصراً، فعلم بهذا كله أن عمر - رضي الله عنه - يتأخر بعد الزوال قليلاً، ولذا أخرج محمد(٢) الحديث في وقت الجمعة وقال: وبهذا نأخذ. (قال) مالك والد أبي سهيل: (ثم نرجع) بصيغة المتكلم (بعد صلاة الجمعة فنقيل) من القيلولة، وهو النوم في الظهيرة على ما قاله العيني، وفي ((المجمع)): المقيل والقيلولة الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم، واختاره صاحب ((الفتح الرحماني)) بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ والجنة لا نوم فيها (قائلة) على وزن فاعلة بمعنى القيلولة، قال في ((القاموس)): القائلة نصف النهار، قال قيلاً وقائلة وقيلولة ومقالاً ومقيلاً، انتهى. (الضحاء) قال البوني: بفتح الضاد والمد، هو اشتداد النهار مذكر، وأما بالضم والقصر فعند طلوع الشمس مؤنث، وقال الباجي: بالفتح والمد حَرُّ (١) ((فتح الباري)) (٣٨٧/٢). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٩٨/١). ٢٩٦ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٢) باب (١٤) حديث ١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى الْمَازِنِيِّ، الشمسِ وَبالضم والقصر ارتفاعها عند طلوعها، وقيل: الضحى من حين طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار، وتبيضّ الشمس جداً، ثم يعود بعد ذلك الضحاء إلى قريب من نصف النهار، والمراد في الحديث(١) أنهم كانوا يرجعون بعد صلاة الجمعة، فيدركون ما فاتهم من راحة قائلة الضحى بالتهجير إلى الصلاة، انتهى. واستدل بالحديث على جواز الجمعة قبل الزوال؛ لأنهم كانوا يقيلون بعد الجمعة، والقيلولة لا تكون إلا في نصف النهار، فعلم أن الجمعة تكون قبل الزوال . وأنت خبير بأنه لا يصح الاستدلال أصلاً؛ لأنه أطلق عليه قائلة الضحى لما أنه قام مقامه، وقد يطلق على النائب اسم المنوب كما أطلق رسول الله وعليه على السحور اسم الغداء، فقال العرباض بن سارية: هلم إلى الغداء المبارك، أخرجه أبو داود والنسائي، فكما أنه لا يصح الاستدلال بقوله وَّر هذا على جواز السحور وقت الغداء - وهو بعد طلوع الفجر إلى الزوال - كذلك لا يصح الاستدلال بلفظ القيلولة على جواز الجمعة قبل الزوال كما هو من أجلى البديهيات، فما استدل الإِمام مالك - رضي الله عنه - بهذا الحديث على أن عمر - رضي الله عنه - يصلي الجمعة بعد الزوال(٢) ويتأخر حتى غشي الظل الطنفسة كلها لا غبار فيه(٣) . ١٤ - (مالك عن عمرو) بفتح العين (ابن يحيى) بن عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم (المازني) بكسر الزاي والنون نسبة إلى بني مازن بن (١) قال ابن عبد البر: إنهم كانوا يصلون إلى أن يخرج عمر بن الخطاب، فإذا صلوا الجمعة انصرفوا، فاستدركوا راحة القائلة والنوم فيها على ما جرت عادتهم، ليستعينوا بذلك على قيام الليل، ((الاستذكار)) (٢٥٣/١). (٢) هو الذي يصح عن سائر الخلفاء، وعليه جماعة العلماء، ((الاستذكار)) (٢٥٥/١). (٣) انظر: ((القبس)) (٨٩/١). ٢٩٧ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٢) باب (١٤) حديث عَنِ ابْنِ أَبِي سَلِيطِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ. وَصَلَى الْعَصْرَ بِمَلَلٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ لِلتَّهْجِيرِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ. النجار الأنصاري، والمراد به مازن الأنصار دون تميم، والموازن كثيرة، قاله العيني، ثقة عند أكثر المحدثين، مات بعد سنة ١٣٠ هـ وقيل في سنة ١٤٠هـ. (عن ابن أبي سليط) بفتح السين وكسر اللام آخره طاء مهملة اسمه عبد الله، واختلف في اسم أبيه فقيل: أسيد بالدال المهملة مصغراً، وقيل: بالراء بدل الدال، وقيل: بزيادة الهاء في آخره، والأول أشهر ما قيل فيه، مشهور بكنيته، وكذا اختلف في نسبه بعد الأب، ذكره الحافظ في ((تعجيل المنفعة)) لا يسعها هذا الوجيز، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). (أن) أمير المؤمنين (عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرة، وأحد الستة أهل الشورى، ومن السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، ولد بعد الفيل بست، دعاه أبو بكر - رضي الله عنه - إلى الإِسلام فأسلم في أوله، فلما أسلم زوّجه رسول الله وَّ ه رقية، فلما توفيت أيام بدر زوجه بعدها أختها أم كلثوم، فَلُقِّبَ بذي النورين، بويع له يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، واستشهد صائماً بعد العصر يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وقيل أقل. (صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر) من يومها (بملل) بفتح الميم ولامين بوزن جمل، موضع بين مكة والمدينة. (قال مالك) يوجد هذه العبارة في أكثر النسخ (وبينهما) أي بين المدينة وملل (اثنان وعشرون ميلاً) كذا قال ابن وَضّاح، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: سبعة عشر ميلاً (قال مالك: وذلك) أي إدراك العصر بملل (للتهجير) أي لصلاة الجمعة وقت الهاجرة(١)، وهي انتصاف النهار بعد الزوال (وسرعة السير) لا (١) أي أنه هَجَّر بالجمعة فصلاها في أول الزوال، (الاستذكار)) (٢٥٤/١) .. ٢٩٨ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٣) باب (١٥) حديث (٣) باب من أدرك ركعة من الصلاة ١٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴾ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ يستبعد فيه أحد يعرف سرعة المراكب سيما الحمر العربية، فإنهم يصلون إلى قباء بأسرع من نصف ساعة، وقد قيل: بينهما ثلاثة أميال، ومقصود الإِمام بهذا الأثر إثبات التهجير للجمعة. (٣) من أدرك ركعة من الصلاة حذف جواب الشرط في الترجمة استغناءً بذكره في الحديث أو اتكالاً على فهم السامع إذا قُدَّر مثل لفظ ((ما حكمه)) فإن مثل هذا الجزء العام يفهمه كل سامع، والظاهر من صنع الإِمام مالك - رضي الله عنه - أنه أراد بذكر هذه الآثار بيان المسبوق ومدرك الركعة والسجدة مع الإِمام، وأراد بما تقدم من رواية العصر والفجر بيان إدراك الوقت(١)، ولذا أورد الإِمام محمد في ((موطئه)) الرواية الماضية في الفوت عن الوقت، وأورد هذه الروايات في الرجل يسبق ببعض الصلاة، فتأمل وتشكر. ١٥ - (مالك) الإِمام (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة) قيل: اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل (ابن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه كثير الحديث، وُلِد سنة بضع وعشرين ومات سنة ١٠٤هـ أو قبلها (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - قال ابن عبد البر: لا أعلم اختلافاً في إسناده (أن رسول الله وَرجل قال: من أدرك (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٠/١). ٢٩٩ ١ - كتاب وقوت الصلاة (٣) باب (١٥) حديث رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ)). أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٢٩ - باب من أدرك من الصلاة ركعة. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٠ - باب من أدرك من الصلاة ركعة، حديث ١٦١. ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة) قال ابن الملك: محتاج إلى التأويل، لأن مدرك ركعة لا يكون مدركاً لكل الصلاة إجماعاً، اهـ. قلت: كذا قال غيره كما تقدم في المواقيت. واختلف العلماء في توجيهه فقيل: محمول على فضل صلاة الجماعة، يعني يحصل له ثواب الجماعة، ويؤيده ما رواه أبو علي الحنفي عن مالك في هذا الحديث بلفظ: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل)) ويؤيده أيضاً ما رواه عبد الوهاب بن أبي بكر عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: (فقد أدرك الصلاة وفضلها)) وإعلال الحافظ ابن عبد البر (١) إياه ليس بشيء، لأنه على أصول المحدثين من زيادة الثقة مع أن له متابعة أيضاً . ولو سُلِّم فالرواية الضعيفة تُرَجِّحُ أحدَ الوجوه المحتملة، وقال بعضهم: محمول على حكم صلاة الجمعة، يعني مدرك الركعة مدرك لحكمها كله من سهو الإِمام ولزوم الإِتمام وغير ذلك، ويؤيدهم: ((من أدرك الركعة مع الإِمام فقد أدرك الصلاة)) وقالوا: تقدير الحكم أنسب من تقدير الفضل. وأياً ما كان فالحديث في هذين التوجيهين محمول على صلاة الجماعة، وعليها حمله الإِمام محمد رحمه الله إذا ذكره في ((باب الرجل يسبق ببعض الصلاة))(٢)، وعليه حمله الباجي في ((المنتقى)) (٣) وهو الظاهر من صنيع الإِمام (١) انظر: ((التمهيد)) (٦٤/١) و((الاستذكار)) (٢٥٨/١). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٣٦/١). (٣) (٢٠/١). ٣٠٠