Indexed OCR Text
Pages 81-100
مَنْ كُتْبَهُ خِلَفَ حِفْظِهِ يَجِدْ كِذَا مِنَ الشّيْخِ وَشَكّ، وَأَعْتَمَدْ كَمَا إِذَا خَالَفَ ذُو حِفْظِ (١) وَفِي فَالأَكْثَرُونَ جوَّزُوا لِلْعَارِفِ وَقِيلَ: إِنْ أَوْجَبَ عِلْماً الْخَبرْ وَقِيلَ: فِي الْمَوْقُوفِ وَأَمْنَحْهُ لَدَى(٢) وَقُلْ أَخِيراً: ((أَوْ كَمَا قَالَ)) وَمَا - وَحِفْظُهُ مِنْهَا -: أَلْكِتَابَ يَعْتَمِدْ حِفْظاً إِذَا أَيْقَنَ، وَالْجَمْعُ أَسَدّ مَنْ يَزْوِ بِالْمَعْنَى خِلاَفٌ قَدْ قُفِي: ثَالِثُهَا: يَجُوزُ بِالْمُرَادِفِ وَقِيلَ: إِنْ يَنْسَ، وَقِيلَ: إِنْ ذَكَرْ مُصَنَّفٍ، (وَمَا بِهِ تُعُبِّدَا) أَشْبَهَهُ، كَالشَّكُ فِيمَا أَبْهَمَا(٣) = يرويها عنه إذا سكنت نفسه إلى صحتها. وهذا في الحقيقة هو القول الذي قبله، وإن جعله الناظم غيره. وهذا كله إذا لم يكن للراوي إجازة عامة عن شيخه لمروياته أو لهذا الكتاب، فإن كانت له إجازة جاز له الرواية مطلقاً، لأنه إن كان في النسخة الأخرى زيادات فقد رواها عن شيخه بالإجازة. (١) من حفظ حديثه من كتابه ثم وجد حين الرواية أن حفظه يخالف كتابه -: اعتمد الكتاب. وإذا حفظ من لفظ شيخه اعتمد على حفظه إذا أيقن به، واعتمد على كتابه إذا شك في الحفظ. والأحوط الجمع بينهما، فيقول: ((في حفظي كذا وفي كتابي كذا)) كما إذا خالفه غيره من الحفاظ الثقات فيقول: ((حفظي کذا وقال فیه فلان كذا)). (٢)خ: والمنع لدى. (٣) اتفق العلماء على أن الراوي إذا لم يكن عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، ولا خبيراً بما يحيل معانيها، ولا بصيراً بمقادير التفاوت بينها -: لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى، بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه. هكذا نقل ابن الصلاح والنووي وغيرهما الاتفاق عليه. ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف العالم: فمنعها أيضاً كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول. وبعضهم قيّد المنع بأحاديث النبي ◌َّر المرفوعة وأجازها فيما سواه. وهو قول مالك، رواه عنه البيهقي في المدخل، وروي عنه أيضاً أنه كان يتحفظ من الباء والياء والتاء في حديث رسول الله وَّةٍ . وبه قال الخليل بن أحمد، واستدل له بحديث ((رب مبلغ أوعى من سامع)) فإذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه ومعرفة ما فيه. وذهب بعضهم إلى جواز تغيير كلمة بمرادفها فقط. وذهب آخرون إلى جوازها إن أوجب الخبر اعتقاداً وإلى منعها إن أوجب عملاً. وقال بعضهم بجوازها إذا نسي اللفظ وتذكر المعنى، لأنه وجب عليه التبليغ وتحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر. وعكس بعضهم فأجازها لمن حفظ اللفظ ليتمكن من التصرف فيه دون من نسيه. والأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري. 1 وجزم القاضي أبو بكر بن العربي بأنه إنما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم. قال في أحكام القرآن (ج ١ ص ١٠): ((إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة ومنهم. وأما من سواهم فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، وإن استوفى ذلك المعنى. فإنا لو جوّزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، = = ٨١ ألفية السيوطي في علم الحديث / م٦ = إذ كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل. وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه، فيكون خروجاً من الأخبار بالجملة. والصحابة بخلاف ذلك، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان: أحدهما: الفصاحة والبلاغة، إذ جبلتهم عربية، ولغتهم سليقة. الثاني: أنهم شاهدوا قول النبي وَ لّ وفعله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله. وليس من أُخبر كمن عاين. ألا تراهم يقولون في كل حديث: أمر رسول الله وَ﴿ بكذا، ونهى رسول الله ﴿ عن كذا، ولا يذكرون لفظه، وكان ذلك خبراً صحيحاً ونقلاً لازماً. وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف لبيانه)). وقال ابن الصلاح (ص ١٨٩): ((ومنعه بعضهم في حديث رسول الله وص له. وأجازه في غيره. والأصح جواز ذلك في الجميع إذا كان عالماً بما وصفناه، قاطعاً بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه. لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلاّ لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ. ثم إن هذا الخلاف، لا نراه جارياً ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظاً آخر بمعناه. فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم من ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره)). واقرأ في هذا الموضوع بحثاً نفيساً للامام الحافظ ابن حزم في كتابه ((الأحكام في أصول الأحكام)) (ج ٢ ص ٨٦ - ٩٠). وقد استوفى الأقوال وأدلتها شيخنا العلامة الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله في كتابه ((توجيه النظر)) (ص ٢٩٨ - ٣١٤). وبعد: فإن هذا الخلاف لا طائل تحته الآن، فقد استقر القول في العصور الأخيرة على منع الرواية بالمعنى عملاً، وإن أخذ بعض العلماء بالجواز نظراً، قال القاضي عياض: ((ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن، كما وقع للرواة قديماً وحديثاً». والمتتبع للأحاديث يجد أن الصحابة - أو أكثرهم - كانوا يروون بالمعنى ويعبرون عنه في كثير من الأحاديث بعباراتهم، وأن كثيراً منهم حرص على اللفظ النبوي، خصوصاً فيما يتعبد بلفظه، كالتشهد والصلاة وجوامع الكلم الرائعة، وتصرفوا في وصف الأفعال والأحوال وما إلى ذلك. وكذلك نجد التابعين حرصوا على اللفظ، وإن اختلفت ألفاظهم فإنما مرجع ذلك إلى قوة الحفظ وضعفه، ولكنهم أهل فصاحة وبلاغة، وقد سمعوا ممن شهد أحوال النبي وَالّ وسمع ألفاظه. وأما من بعدهم فإن التساهل عندهم في الحرص على الألفاظ قليل، بل أكثرهم يحدث بمثل ما سمع، ولذلك ذهب ابن مالك - النحوي الكبير - إلى الاحتجاج بما ورد في الأحاديث على قواعد النحو، واتخذها شواهد كشواهد الشعر، وإن أبى ذلك أبو حيان رحمه الله، والحق ما اختاره ابن مالك. وأما الآن فلن ترى عالماً يجيز لأحد أن يروي الحديث بالمعنى، إلّ على وجه التحدث في المجالس، وأما الاحتجاج وإيراد الأحاديث رواية فلا. ثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث ((أو كما قال)) أو كلمة تؤدي هذا المعنى، احتياطاً في = ٨٢ ء - وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الْخَبَرِ وَأَمْنَغْ لِذِي تُهْمَةٍ فَإِنْ فَعَلْ وَأَلْخِلْفُ فِي التَّقْطِيعِ فِي التَّصْنِيفِ وَأَخْذَزْ مِنَ اللَّخْنِ أَوِ التَّصْحِيفِ فَالنَّحْوُ (وَاللُّغَاثُ) حَقُّ مَنْ طَلَبْ فِي خَطٍَ وَلَحْنِ أَصْل يُزْوَى (ثَالِثُهَا: تَرْكُ كِلَيْهِمَا) وَلَاَ بَلْ أَبْقِهِ مُضَيَّباً وَبَيِّنِ تَقْرَأْهُ قَدِّمْ مُصْلَحاً فِي الأَوْلَى، وَإِنْ يَكُ السَّاقِطُ لاَ يُغَيِّرُ كَذَاكَ مَا غَايَرَ حَيْثُ يُعْلَمُ ((يَغْنِي)) وَمَا يَدْرُسُ فِي الْكِتَابِ كَمَا إِذَا يَشُكُ وَأَسْتَثْبَتَ مِنْ إِنْ لَمْ يُخِلَّ الْبَاقِ عِنْدَ الأَكْثَرِ فَلاَ يُكَمِّلْ خَوْفَ وَصْفٍ بِخَلَلٍ يجْرِي، وَأَوْلَى مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ(١) خَوْفاً مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَخُذْ مِنْ الأَفْوَاهِ لاَ مِنَ الْكُتُبْ عَلَى الصَّوَابِ مُعْرَباً فِي الأَقْوَى تَمْحُ مِنَ الأَصْلِ، عَلَى مَا أَنْتُخِلاَ (٢) . صَوَابَه فِي هَامِشٍ، ثُمَّ إِنِ وَالأَخْذُ مِنْ مَثْنٍ سِوَاهُ أَوْلَى كَابْنٍ وَحَرْفٍ -: زِدْ وَلا تَعَسَّرُ إِثْيَانُهُ مِمَّنْ عَلَاَ، وَأَلْزَمُوا مِنْ غَيْرِهِ يُلْحَقُ فِي الصَّوَابِ مُعْتَمَدٍ، وَفِيهِمَا نَذْباً أَبِنْ (٣) = الرواية، خشية أن يكون الحديث مروياً بالمعنى. وكذلك ينبغي له هذا إذا وقع في نفسه شك في لفظ ما یرویه ليبرأ من عهدته. (١) اختصار الحديث بحذف بعضه جائز، بشرط أن لا يخل بباقي المعنى. ومنع ذلك بعض العلماء. والراجح الجواز، وعليه عمل الأئمة. والمفهوم أن هذا إذا كان الخبر وارداً بروايات أخرى تاماً، وأما إذا لم يرد تاماً من طريق أخرى فلا يجوز، لأنه كتمان لما وجب إبلاغه. وإذا كان الراوي موضعاً للتهمة في روايته فينبغي له أن يحذر اختصار الحديث بعد أن يرويه تاماً، لئلا يتهم بأنه زاد في الأول ما لم يسمع أو أخطأ بنسيان ما سمع، وكذلك إذا رواه مختصراً وخشي التهمة -: فينبغي له أن لا يرويه تاماً بعد ذلك. وبناء على الخلاف في جواز الاختصار اختلفوا أيضاً في جواز تقطيع الحديث في الأبواب، والذي عليه عمل الأئمة هو الجواز، كما فعل مالك والبخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم في مصنفاتهم: يأتون بجزء من الحديث في باب، ثم بجزء آخر منه في باب غيره، وهكذا. - (٢) بالخاء المعجمة، أي صفي واختير. (٣) يجب على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شين اللحن والتحريف = ٨٣ يَزْوِي عَلَى مَا أَوْضَحُوا إِذْ يَسْأَلُ(١) وَمَنْ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ تُشْكِلُ تَوَافَقَا مَعْنَى وَلَفْظُ مَا أَنَّحَدْ وَمَنْ رَوَى مَتْناً عَنَ أَشْيَاخٍ وَقَدْ = ومعرتهما، وأن لا يروي الأحاديث بقراءة من يلحن أو يصحف، وأن ياخذ الحديث عن الشيوخ العارفين بهذا العلم الجليل، لا من الصحف والكتب، حتى تكون روايته صحيحة موافقة للصواب. فإن النبي زَالو أفصح العرب وأنقاهم لفظاً وأحسنهم نطقاً. وقد قال الأصمعي: ((إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ◌َّطاهر: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) لأنه ◌َ ل﴿ لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه)). ٠ ۔ وإذا وجد الراوي في الأصل حديثاً فيه لحن أو تحريف فالأولى أن يتركه على حاله ولا يمحوه، وإنما يضبب عليه ويكتب الصواب في الهامش، وعند الرواية يروي الصواب من غير خطأ ثم يبين ما في أصل كتابه. وإنما رجحوا إبقاء الأصل لأنه قد يكون صواباً وله وجه لم يدركه الراوي ففهم أنه خطأ، لاسيما فيما يعدونه خطأ من جهة العربية، لكثرة لغات العرب وتشعبها. قال ابن الصلاح (ص١٩٢): ((والأولى سدّ باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وهو أسلم مع التبيين)). ثم قال: ((وأصلح ما يعتمد عليه في الإصلاح أن يكون ما يصلح به الفاسد قد ورد في أحاديث أخر، فإن ذاكره آمن أن يكون متقوّلا على رسول الله وَّةٍ ما لم يقل)). وإذا كان في الكتاب سقط لا يتغير المعنى به كلفظ ((ابن)) أو حرف من الحروف فلا بأس من إتمامه من غير بيان أصله. وكذا إذا كان يغير المعنى ولكن تيقن أن السقط سهو من شيخه وأن من فوقه من الرواة أتى به، وإنما يجب أن يزيد كلمة ((يعني)) كما فعل الحافظ الخطيب: إذ روى عن أبي عمر بن مهدي عن القاضي المحاملي بإسناده عن عروة عن عمرة تعني عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله وَ لٌ يدني إليّ رأسه فأرجله) قال الخطيب: ((كان في أصل ابن مهدي: عن عمرة أنها قالت: (كان رسول الله وَّهُ يدني إليّ رأسه) فألحقنا فيه ذكر عائشة، إذ لم يكن منه بدّ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا أبي عمر، وقلنا فيه: تعني عن عائشة رضي الله عنها، لأجل أن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك». وإذا درس من كتابه - أي ذهب بتقطع أو بلل أو نحوه - بعض الكلام، أو شك في شيء مما فيه أو مما حفظ وثبته فيه غيره من الثقات، واطمأن قلبه إلى الصواب -: جاز له إلحاقه بالأصل، ويحسن أن يبين ذلك ليبرأ من عهدته. هكذا ذهب الناظم تبعاً لمن قبله من الباحثين. والذي أراه في كل هذه الصور، وأعملٍ به في كتاباتي وأبحاثي -: أن الواجب المحافظة على الأصل مع بيان التصحيح بحاشية الكتاب، إلاّ اذا كان الخطأ واضحاً ليس هناك شبهة في أنه خطا، فيذكر الصواب ويبين في الحاشية نصّ ما كان في الأصل، اتباعاً للأمانة الواجبة في النقل. (١) أي من أشكلت عليه كلمة من غريب الحديث جاز له أن يسأل عنها علماء اللغة ويرويها على ما أخبروه. ٨٤ - مُقْتَصِراً بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَلَمْ أَوْ قَالَ: ((قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ» أَوْ وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ وَإِنْ رَوَى عَنْهُمْ كِتَاباً قُوبِلاً جَوَازه وَمَنْعَهُ، (وَفُصِّلَ وَلاَ تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفٍ مَنْ بِنَحْوِ (يَعْني)) وَبِ ((أَنَّ) وَ بِـ (هُو)) أَجَزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجَمْهُورِ وَ ((قَالَ)) فِي أَلإِسْنَادِ قُلْهَا نُطْقاً أَوْ يُبَيِّنِ اَخْتِصَاصَهُ - فَلَمْ يُلَمْ وانَّحَدَ الْمَعْنَى)) عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا مَعَ ((قَالَ)) أَوْ ((قَالاَ)) فَذَاكَ أَحْسَنُ بِأَضْلٍ وَاحِدٍ يُبِيِنُ -: أَحْتَمَلَاَ مُخْتَلَفٌ بِمُسْتَقِلٌّ وَبِلاَ)(١) فَوْق شُيُوخِ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ أَمَّا إِذَا أَتَّمَّهُ أَوَّلَهُ وَأَلْفَضْلُ أَوْلى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ (٢) ((قِيلَ لَهُ)) (وَالتَّزْكَ جَائِزاً رَأَوْا)(٣) ٠ (١) من روى حديثاً عن شيخين - أو أكثر - وكان المعنى واحداً مع اختلاف في اللفظ -: فإنه يسوغ له جمع شيوخه في الإسناد ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهم، والأحسن أن يبين ذلك، فيقول ((واللفظ لفلان)) أو ((حدثنا فلان وفلان قال فلان)) ثم يسوق الرواية عن الذي سماه، وله أن يشير إلى أن المعنى واحد من غير أن يبين أي الرواة روى هذا اللفظ، والبيان أدق في الرواية، كما يصنع مسلم بن الحجاج في صحيحه . هذا في الأحاديث أفراداً، أما إذا روى كتاباً مصنفاً عن أكثر من شيخ ثم قابل نسخته بأصل بعضهم دون بعض، فقد ذهب ابن الصلاح إلى أنه يحتمل أن يجوز كالذي قبله، لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن ذكر أنه بلفظه، يحتمل أن لا يجوز، لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين. ولم يرجح أحد الاحتمالین. ونقل الناظم في التدريب (ص ١٦٦) عن البدر بن جماعة في المنهل الروي قال: ((يحتمل تفصيلاً آخر: وهو النظر إلى الطرق، فإن كانت متباينة بأحاديث مستقلة لم يجز، وإن كان تفاوتها في ألفاظ أو لغات أو اختلاف ضبط جاز)) وهذا تفصيل حسن جيد. (٢) إذا قال الشيخ ((حدثنا فلان)) ولم يذكر نسبه أو وصفه، وأراد الراوي أن يزيد ذلك، فالذي ينبغي له أن يميزه عن الذي سمعه من شيخه، فيقول ((حدثنا فلان هو ابن فلان)) أو ((يعني ابن فلان)) أو يقول عن شيخه ((حدثني فلان أن فلان ابن فلان حدثه)). وأما إذا كان شيخه قد حدثه عن هذا الشيخ بكتاب أو جزء مثلاً، وذكر اسمه كاملاً في أوله، فإنه يجوز له إذا روى بعض ما سمع أن يكمل نسب الشيخ، لأنه سمعه من شيخه، والأولى أن يفصله بما تقدم. ٠ (٣) جرت عادت المحدثين أن يحذفوا كلمة ((قال)) بين رجال الإسناد في الكتابة، وينطقون بها في القراءة، فيقولون في ((حدثنا فلان حدثنا فلان)) ((حدثنا فلان قال حدثنا فلان)) وكذلك ((قرىء على فلان أخبرك فلان)) يقولون ((قرىء على فلان قيل له أخبرك فلان)) وكذلك ((قرىء على فلان حدثنا فلان)) يقولون فيها = ٨٥ وَنُسَخٌ إِسْنَادُهَا قَدِ أَنَّحَدْ لاَ وَاجِباً، وَالْبَدْءُ فِي أَغْلَبِهِ وَجَازَ مَعْ ذَا ذِكْرُ بَعْضٍ بِالسَّنَدْ وَأَلْمَيْزُ أَوْلَى، وَأَلَّذِي يُعِيدُ وَسَابِقٌ بِالْمَثْنِ أَوْ بَعْضِ سَنَدْ حِينَذٍ تَقْدِيمُ كُلِّهِ رَجَخ وَأَبْنُ خُزَيْمَةٍ يُقَدِّمُ السَّنَدْ نَذْباً أَعِدْ فِي كُلِّ مَثْنٍ فِي الأَسَدّ بِهِ وَبَاقٍ أَذْرَجُوا مَعْ ((وَيِهِ)) مُنْفَرِداً عَلَى الأَصَحُّ الْمُعْتَمَدْ فِي آخِرِ الْكِتَابِ لاَ يُفِيدُ(١) ثُمَّ يُتِّمُهُ -: أَجِزْ، فَإِنْ يُرَدْ جَوَازُهُ، كَبَعْضٍ مَثْنٍ (فِي الأَصَحّ حَيْثُ مَقَالٌ، فَاتَّبِعْ وَلاَ تَعَدّ)(٢) ٠ = ((قرىء على فلان قال حدثنا فلان)). وبعضهم يكتب ذلك تاماً، ونحو هذا إذا تكرر لفظ ((قال)) كقول البخاري ((حدثنا صالح قال: قال الشعبي)) فإنهم يحذفون إحداهما خطاً. وفي كل هذا يجب على القارىء اللفظ بالمحذوف، ولو تركه فقد أخطأ، والظاهر صحة السماع، لأن المحذوف معلوم وحذف القول جائز اختصاراً. (١) إذا روى جزءاً أو صحيفة فيها أحاديث كثيرة إسنادها واحد - كصحيفة همام بن منبه - ندب إعادة الإسناد في كل متن، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك، وهو غلوّ وتشديد. وإذا لم يعد الإسناد فيكفي أن يذكره في أول الجزء أو في أول كل مجلس من مجالس السماع، ويقول مع سائر الأحاديث ((وبالإسناد إلى فلان)) أو ((وبه إلى فلان)) وبعضهم يذكر الإسناد في أول الجزء ثم يعيده في آخره، وهذا لا يفيد رفع الخلاف المتقدم، لأنه لا يكون متصلاً بكل حديث منها، وإنما يفيد التأكيد والاحتياط، لئلا يشك أحد من الناس في أن بعض الأحاديث ليست بالإسناد الأول. وإذا أراد أن يروي حديثاً من أثناء الجزء أو الصحيفة فإنه يسوغ له - على الراجح - إفراده بالإسناد نفسه، وهذا واضح جداً. وبعضهم يذكر الإسناد ومعه أول حديث في الصحيفة ثم يعطف عليه الحديث الذي يريد روايته. كما فعل البخاري، قال في الطهارة: ((ثنا أبو اليمان أنا شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((نحن الآخرون السابقون)) وقال: ((لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم)). وبعضهم يذكر الإسناد ويقول: ((فذكر أحاديث، منها)) ثم يأتي بالحديث الذي يريده. وقد فعل ذلك مسلم في صحيحه مراراً كثيرة. فائدة: صحيفة همام بن منبه صحيفة جيدة صحيحة الإسناد، رواها عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وقد اتفق الشيخان - البخاري ومسلم - على كثير من أحاديثها، وانفرد كل واحد منهما ببعض ما فيها، وإسنادها واحد، ودرجة أحاديثها في الصحة درجة واحدة. وهذا حجة لمن ذهب إلى أن الشيخين لم يستوعبا الصحيح ولم يلتزما إخراج كل ما صح عندهما. وقد رواها أحمد في مسنده عن عبد الرزاق (رقم ٨١٠٠ - ٨٢٣٥ ج ٢ ص ٣١٢ - ٣١٩) وروى منها ثلاثة أحاديث في مواضع متفرقة. (٢) لا تعدّ: أصلها ((لا تتعد)) وحذف إحدى التاءين. ٨٦ = م ٠ وَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَثْناً وَقَدْ بَلْ قَالَ فِيهِ (نَحْوَهُ) أَوْ ((مِثْلُهُ)) وَقِيلَ: جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَزْوِهِ (الْحَاكِمُ: أَخْصُصْ نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى وَأَلْوَجْهُ أَنْ يَقُول: مِثْلَ خَبَرٍ وإِنْ بِيعْضِهِ أَتَّى وَقَوْلِهِ -: فَلاَ تُتِمَّهُ، وَقِيلَ: جَازَا وَقُلْ عَلَى الأَزَّلِ ((قَالَ وَذَكَرْ جَدَّدَ إِسْنَاداً وَمَثْنٌ لَمْ يُعَدْ -: لاَ تَرْوٍ بِالثَّانِي حَدِيثاً قَبْلَهُ ذَا مِيزَةٍ، وَقِيلَ: لاَ فِي (نَحْوِهِ)» وَمِثْلَهُ بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا)(١) قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، فَلْيَذْكُرِ(٢) ((وَذَكَرَ أَلْحَدِيثَ)) (أَوْ ((بِطُولِهِ))) إِنْ يَعْرِفَا، وَقِيلَ: إِنْ أَجَازَا حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا)) وَأَتْتِ الْخَبَزْ(٣) = إذا روى أحد حديثاً وقدم المتن أولاً ثم ذكر إسناده، كأن يقول ((قال رسول الله صل﴾ كذا)) ثم يقول ((حدثنا به فلان عن فلان)) إلخ، أو أخر بعض الإسناد، كأن يروي عن نافع عن ابن عمر حديثاً ثم يقول ((حدثنا به فلان)) إلى أن يصل إلى نافع -: فهذا جائز. وقد وقع كثيراً عند الرواة. وإذا أراد من عنده الحديث بهذه الصفة أن يسوق الإسناد كله أولاً قبل المتن فهو جائز على القول الصحيح، كجواز تقديم بعض المتن على بعض إذا لم يكن ذلك مؤثراً على المعنى. ونقل الناظم في التدريب (ص ١٦٨) عن ابن حجر أنه قال: ((تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدىء به ثم بعد الفراغ يذكر السند. وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حل منه. فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى)). (١) خ يعني. (٢) إذا سمع الراوي حديثاً واحداً بإسنادين، وكان لفظ الحديث مع الإسناد الأول، وقيل في الثاني ((نحوه)) أو ((مثله)) -: فلا يجوز له أن يروي الحديث بالإسناد الثاني، لأنه لعله يخالفه في بعض ألفاظه أو بالزيادة أو النقص، وأجاز ذلك بعضهم إذا كان الشيخ ضابطاً متحفظاً يذهب إلى تمييز الألفاظ. وأجاز بعضهم ذلك فيما يقال فيه ((مثله))، ومنعه فيما يقال فيه ((نحوه) بناء على أن المثل إنما يكون في اللفظ، ولذلك قال الحاكم: ((إن مما يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يفرق بين أن يقول (مثله) أو يقول (نحوه)، فلا يحل له أن يقول (مثله) إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل أن يقول (نحوه) إذا كان على مثل معانيه)). والأحسن أن يذكر الإسناد الثاني ثم يقول: ((مثل - أو نحو - حديث قبله، متنه كذا) ثم يسوق المتن. وهذا كله بناء على القول بمنع الرواية بالمعنى، وأما على القول بجوازها فكل ذلك جائز. (٣) إذا اختصر الشيخ الحديث فأتى بأوله ثم قال ((وذكر الحديث)) أو نحو ذلك -: فإنه لا يسوغ للراوي أن يتمه من رواية أخرى عن غير هذا الشيخ، والأصوب أن يذكر ما قاله الشيخ ثم يقول ((وهو هكذا)) أو (تمامه كذا)) ثم يسوق الحديث. وأجاز بعضهم إتمامه إذا كان هو والشيخ يعرفان هذا الحديث، أو كان الراوي سمعه من الشيخ قبل ذلك تاماً. والقول الأخير لابن كثير، وهو قول صحيح. ٨٧ رَسُولُهُ، وَأَلْعَكِسُ فِي الْقَوِيِّ(١) وَجَازَ أَنْ يُبْدَلْ بِالنَّبِيِّ بَيَّنَ حَتْماً، وَالْحَدِيثُ مَاتَرَةْ وَسَامِعٌ بِالْوَهْنِ كَالْمُذَاكَرَةْ إِخْدَاهُمَا(٢) فَحَذْفَ وَاحِدٍ أَبِخ عَنْ رَجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ أَوْ جُرِخ وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرِ ثُمَّ حَمَلْ وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُل مَيْزٍ -: أَجِزْ، وَحَذْفُ شَخْصٍ حُظِلا ذُلِكَ عَنْ ذَيْنٍ مُبَيِّناً بِلَ وَحَيْثُ جَزْعُ وَاحِدٍ لاَ تَقْبَلاَ (٣) مُجَرَّحاً يَكُونُ أَوْ مُعَدَّلاً ٠ (١) يجوز للراوي - على الراجح عندهم - أن يبدل أحد اللفظين من الآخر: ((النبي)) و((الرسول)) لأن المراد بهما واحد، وهو رسول اللّه ◌َله. ومنع بعضهم ذلك، واستدل له بحديث البراء بن عازب في الدعاء عند النوم وفيه: ((ونبيك الذي أرسلت)) فأعاده البراء على النبي ◌َ له ليحفظه فقال فيه: ((ورسولك الذي أرسلت)) فقال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)) وأجاب عنه العراقي بأنه لا دليل فيه، لأن ألفاظ الذكر توقيفية. والراجح عندي اتباع ما سمعه الراوي من شيخه، وأولى بالمنع تغيير ذلك في الكتب المؤلفة. (٢) كذا في كل النسخ، وهو لحن ألجأه إليه الوزن، فإنه يريد أن يقول ((أحدهما)) أي أحد الراويين. وقد حاول الشارح الترمسي التمحل لتصحيح هذا الحرف فلم يأت بطائل. (٣) من كان سماعه للحديث فيه بعض من الوهن والضعف -: فإنه يجب عليه أن يبينه حين الرواية، لأن في إغفال ذلك نوعاً من التدليس، وذلك كأن يسمع من غير أصل أو سمع بقراءة مصحف أو لحان، أو حصل ما يشغل شيخه وقت القراءة كحديث أو نوم أو نسخ أو نحو ذلك. ومن الوهن أن يسمع الحديث حال المذاكرة، وهي أن يتذاكر أهل العلم فيما بينهم في مجالسهم ببعض الأحاديث، فإنهم حين ذاك لا يحرصون على الدقة في أداء الرواية، لتيقنهم أنها لم يقصد بها السماع منهم، ولذلك منع جماعة من الأئمة الحمل عنهم حال المذاكرة، كابن مهدي وابن المبارك وأبي زرعة، وامتنع جماعة من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، كأحمد بن حنبل، للتساهل في المذاكرة، ولأن الحفظ خوّان. فمن سمع فيها فليقل إذا روى: ((حدثنا فلان في المذاكرة)) أو ما يقارب هذا. وإذا كان الحديث وارداً عن رجلين ثقتين أو عن ثقة وضعيف فالأولى أن يدكرهما معاً، لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر. فإن اقتصر على أحدهما جاز، لأن الظاهر اتفاق الروايتين، والاحتمال المذكور نادر. وأما إذا كان الحديث بعضه عن رجل وبعضه عن رجل آخر من غير أن تميز رواية كل واحد منهما فلا يجوز حذف أحدهما، سواء كان ثقة أم مجروحاً، لأن بعض المروي لم يروه من أبقاه قطعاً. ويكون الحديث كله ضعيفاً إذا كان أحدهما مجروحاً، لأن كل جزء من الحديث يحتمل أن يكون من رواية المجروح، وأما إذا كانا ثقتين فإنه حجة، لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة. ومن أمثلة ذلك حديث الإفك في الصحيح من رواية الزهري قال: ((حدثني عروة وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة)) قال: ((وكل قد حدثني طائفة من حديثها ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض)، ثم ذكر الحديث. ٨٨ ٠. ٠ آداب المحدث ٠ ٠ ٠ ٠ (وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثَرِ) قَلْباً مِنَ الدُّنْيًا، وَزِدْ حِرْصاً عَلَى مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ: شَيْخاً أَوْ حَدَثْ (ابْنُ دَقُيقِ الْعِيدِ: لاَ تُرْشِدْ إِلَى وَمَنْ يُحَدِّثْ وَهُنَاكَ أَوْلَى (هُذَا هُوَ الأَرْجَحُ وَالصَّوَابُ وَفِي الصِّحَابِ حَدَّثَ الأَنْبَاعُ وَهُوَ عَلى أَلْعَيْنِ إِذَا مَا أَنْفَرَدَا وَمَنْ عَلَى الْحَدِيثِ تَخْلِيطاً يَخَفْ وَمَنْ أَتَّى حَدِّثْ وَلَوْ لَمْ تَنْصَلِحْ (فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ كِبَارِ جِلَّه: فَصَحِّحِ النَّةَ ثُمَّ طَهِّر نَشْرِ الْحَدِيثِ (١)، ثُمَّ مَنْ يُخْتَجْ إِلَى وَرَدَّ لِلْأَزْجَحِ نَاصِحاً وَحَثٌ أَعْلَى فِي أَلاسْنَادِ إِذَا مَا جَهِلاَ)(٢) فَلَيْسَ كُرْهاً أَوْ خِلَافَ الأَوْلَى عَهْدَ النَّبِيِّ حَدَّثَ الصِّحَابُ يَكَادُ فِيهِ أَنْ يُرَى الإِجْمَاعُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَدَّدَا) لِهَرَمٍ أَوْ لِعَمِّى وَالضَّعْفِ -: كَفّ (٣) نِيُّهُ، فَإِنَّهَا سَوْفَ تَصِحّ ((أَبَى عَلَيْنَا الْعِلْمُ إِلا لِلَّة))) (١) لأنه من التبليغ الواجب على كل عالم، للحديث الصحيح: ((بلغوا عني، ليبلغ الشاهد الغائب)). (٢) اختلفوا في السنّ التي يحسن أن يتصدى فيها لإسماع الحديث، والصحيح الراجح أنه لا يقيد بشيء، وإنما من رأى أنه أهل للتحديث واحتاج الناس إلى ما عنده -: أدى الأمانة كما سمع، شيخاً كان أو شاباً، وإذا علم أن غيره أرجح منه أحال الطالبين عليه، اعترافاً بالفضل لصاحبه، ونصيحة واجبة في العلم لطالبه. وكذلك إذا كان غيره أعلى منه إسناداً، وذهب ابن دقيق العيد إلى أنه لا يرشد إلى صاحب الإسناد العالي إذا كان جاهلاً بالعلم، لأنه قد يكون في الرواية عنه ما يوجب خللا. وهذا قيد صحيح. (٣) ينبغي للمحدث أن يمسك عن الرواية والتحديث إذا دخل في السن وخشي التخليط، أو مرض أو عمي أو خرف، أو نحو ذلك مما يؤثر على الثقة برواياته، لئلا يأخذ عنه الناس ما لم يطمئن إلى صحته، وقد يكون ذلك جرحاً فيه، بل لعله يؤثر على رواياته قبل أن يحدث له ما حدث، عند من لم يعرف تاريخ ضعفه. وحدد بعضهم السنّ التي يمتنع فيها عن التحديث بالثمانين، والصحيح أنه لا تحديد، وأنه يختلف باختلاف الناس. قال الناظم في التدريب (ص ١٧١): ((فإن يكن ثابت العقل مجتمع الرأي فلا بأس، فقد حدث بعدها - أي بعد الثمانين - أنس وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفى في آخرين، ومن التابعين شريح القاضي ومجاهد والشعبي في آخرين، ومن أتباعهم مالك والليث وابن عيينة. وقال مالك: إنما يخرف الكذابون. وحدث بعد المائة من الصحابة حكيم بن حزام، ومن التابعين شريك النمري، وممن بعدهم الحسن بن عرفة وأبو القاسم البغوي والقاضي أبو الطيب الطبري والسلفي وغيرهم). ٨٩ وَلِلْحَدِيثِ الْغُسْلُ وَالتَّطَهّرُ مُسَرِّحاً وَأَجْلِنْ بِصَدْرٍ بِأَدَبْ وَلاَ تَقُمْ لِأَحَدٍ. وَمَنْ رَفَعْ وَلاَ تُحَدِّثْ قَائِماً (أَوْ مُضْطَجِغْ) وَأَفْتَتِحِ الْمَجْلِسَ كَالَّتْمِيمِ (بَعْدَ قِرَاءَةٍ لَآيٍ) وَدُعَا وَرَئِّلِ الْحَدِيثَ وَأَعْقِدْ مَجْلِسَا ثُمَّ أَنَّخِذْ مُسْتَمْلِياً مُحَصِّلَا يُبَلِّغُ السَّامِعَ أَوْ يُفَهِّمُ وَبَعْدَهُ بَسْمَلَ ثُمَّ يَحمَدُ مَا قُلْتَ أَوْ مَنْ قُلْتَ مَع دُعَائِهِ ((حَدَّثَنَا)) وَيُورِدُ الإِسْنَادَا وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ ، وَأَزْوِ فِي الْإِمْلاَ عَنْ شُيُوخِ عُدِّلُوا أَرْجَحَهُمْ مُقَدَّماً، وَحَرِّرِ ثُمَّ أَبِنْ (عُلُوَّهُ وَصِحَّتَهْ وَأَجْتَنِبْ الْمُشْكِلَ (كَالصِّفَاتِ وَالْزُّهْدُ مَخْ مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ وَأَخْتِمْهُ بِالإِنْشَادِ وَالنَّوَادِرِ وَأَلْطِّيبُ (وَالسِّوَاكُ وَالتَّبَخُّرُ) وَهَيْئَةٍ (مُتَّكِناً عَلَى رُتَبْ) صَوْتاً عَلَى الْحَدِيثِ فَأَزْبُزْه وَدَعْ(١) أَوْ فِي الطَّرِيقِ (أَوْ عَلَى حَالٍ) شَنِعْ بِالْحَمْدِ وَالصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَلْيَكُ مُقْبِلاً عَلَيْهِمِ مَعَا (يَوْماً بِأُسْبُوعِ) لِلِإِمْلاَءِ أَتْتِسًا وَزِدْ إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ وَأَعْتَلَى وَأَسْتَنْصَتَ النَّاسَ إِذَا تَكَلَّمُوا مُصَلِّياً وَبَعْدَ ذَاكَ يُورِدُ: لَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي أَنْتِهَائِهِ: مُتَزجِماً شُيُوخَهُ الأَفْرَدَا أَوْ حِرْفَةٍ لاَ بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبٍ (٢) عَنْ كُلِّ شَيْخِ أَثَرٌ، وَيَجْعَلُ وَعَالِياً فَصِيرَ مَثْنٍ أُخْتَرِ وَضَبْطَهُ وَمُشْكِلا وَعِلََّةْ وَرُخَصاً مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ أَوْلَى فِي الإِمْلَاءِ بِالاتّفَاقِ) وَمُتْقِنٌ خَرَّجَهُ لِلْقَاصِرِ (١)كان مالك رحمه الله إذا رفع أحد صوته في مجلس الحديث انتهره وزجره، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته . (٢) لا بأس أن يذكر الشيخ من يروي عنه بلقب مثل ((غندر)) أو وصف نحو ((الأعمش)) أو حرفة مثل ((الحناط)) أو بنسبته إلى أمه مثل ((ابن علية)) إذا عرف الراوي بذلك، ولم يقصد أن يعيبه به، وإن كره الملقب به ذلك. ٩٠ : ۔ وَقَائِلِ أَلإِمْلاَءَ حِينَ يَكْمُلُ(١) (أَوْ حَافِظٍ بِمَا يُهِمُّ يُشْغَلُ) مسألة بِـ ((حَافِظِ))، كَذَا الْخَطِيبُ نَصَّا (وَذَا أَلْحَدِيثِ وَصَفُوا، فَاخْتَصَّا يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَهْوَ أَلَّذِي إِلَيْهِ فِي التَّصْحِيحِ يَذْرِي الأَسَانِيدَ وَمَا قَدْ وَهِمَا أَنْ يَحْفَظَ السُّنَّةَ مَا صَحَّ وَمَا وَمَا بِهِ الإِعْلَاَلُ فِيهَا نُهِجَا فِيهِ الرُّواةُ زَائِداً أَوْ مُدْرَجَا بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ مَيَّزَا يَذْرِي أَضْطِلاَعَ الْقَوْمِ وَالتَّمَيُّزَا كَذَا الْخطِيبُ حَدَّ لِلإِطْلاَقِ فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ وَالطِّبَاقِ يَقُوتُهُ أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا وَصَرَّحَ الْمِزِيُّ(٢) أَنْ يَكُونَ مَا (١) يجب على الشيخ في الإملاء أن يختار الأحاديث المناسبة للمجالس العامة - وفبها من لا يفقه كثيراً من العلم - فيحدثهم بأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق ونحوها، وليجتنب أحاديث الصفات، لأنه لا يؤمن عليهم من الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم، ويجتنب أيضاً الرخص والإسرائيليات وما شجر بين الصحابة من الخلاف، لئلا يكون ذلك فتنة للناس. ثم يختم مجلس الإملاء بشيء من طرف الأشعار والنوادر، كعادة الأئمة السالفين رضي الله عنهم. * وإذا كان الشيخ المملي غير متمكن من تخريج أحاديثه التي يمليها، إما لضعفه في التخريج، وإما لاشتغاله بأعمال تهمه كالإفتاء أو التأليف -: استعان على ذلك بمن يثق به من العلماء الحفاظ. واعلم أن الإملاء سنة جيدة اتبعها السلف الصالح رضوان الله عليهم، ثم انقطع بعد الحافظ ابن الصلاح المتوفي سنة ٦٤٣، قال الناظم في التدريب (ص ١٧٦): ((وقد كان الإملاء درس بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي، فافتتحه سنة ٧٩٦ فأملى ٤٠٠ مجلس وبضعة عشر مجلساً إلى سنة موته سنة ٨٠٦، ثم أملى ولده إلى أن مات سنة (٨٢٦) ٦٠٠ مجلس وكسرا، ثم أملى شيخ الإسلام ابن حجر إلى أن مات سنة ٨٥٢ أكثر من ١٠٠٠ مجلس، ثم درس تسعة عشر سنة، فافتتحته أول سنة ٨٧٢ فأملیت ٨٠ مجلساً ثم ٥٠ أخرى)). وقد انقطع الإملاء بعد ذلك إلّ فيما ندر، لندرة العلماء الحفاظ، وندرة الطالبين الحريصين على العلم والرواية. وقد رأيت بعض أمالي الحافظ ابن حجر مخطوطة في إحدى المكاتب، ويا ليتنا نجد من يطبعها وينشرها على الناس. 1 (٢) المزي بكسر الميم والزاي، نسبة إلى ((المزة)): قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق، وهو الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، وهو شيخ الحافظ الذهبي، وتوفي يوم السبت ثاني عشر صفر سنة ٧٤٢ رحمه الله. ٩١ مِنْ ذَاك يَحْوِي جُمْلَةً مُسْتَكْثِرَه وَدُونَهُ ((مُحَدِّثٌ)) أَنْ تُبْصِرَةْ مُقْتَصِرٌ لاَ عِلْمَ سِمْ بِـ «الْمُسْنِدِ)) وَمَنْ عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ قِدْماً نَسَبُوا)(١) وَبِـ ((أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ)) لَقَّبُوا (١) أطلق المحدثون ألقاباً على العلماء بالحديث، فأعلاها: ((أمير المؤمنين في الحديث)) وهذا لقب لم يظفر به إلاّ الأفذاذ النوادر، الذين هم أئمة هذا الشأن والمرجع إليهم فيه، كشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وإسحق بن راهوية وأحمد بن حنبل والبخاري والدارقطني وفي المتأخرين ابن حجر العسقلاني، رضي الله عنهم جميعاً. ثم يليه ((الحافظ)) وقد بين الحافظ المزي الحد الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه ((الحافظ)) فقال: ((أقل ما يكون أن تكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم -: أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب)) فقال له التقي السبكي: ((هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحداً كذلك؟)) فقال: ((ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين الثريا من الثرى؟!)) فقال السبكي: ((كان يصل إلى هذا الحد؟)) قال: ((ما هو إلاّ كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني في الأسانيد، وكان في المتون أكثر، وأجل الفقه والأصول)). وقال أبو الفتح بن سيد الناس: ((أما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواته، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله -: فهذا هو الحافظ)) وسأل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي فقال: ((ما يقول سيدي في الحدّ الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظاً؟ وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المزي وأبو الفتح في ذلك لنقص زمانه أم لا؟)) فأجاب: ((الاجتهاد في ذلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقت، ببلوغ بعضهم للحفظ، وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك، وكلام المزي فيه ضيق، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلاّ الدمياطي، وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق، ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر في ذلك الزمان أسهل، باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة أخرى فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره، من حفظ المتون والأسانيد ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء واستنباط الأحكام -: فهو أمر ممكن، بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر، فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر وانتفاء الموانع. وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه)). نقل ذلك كله الناظم في التدريب (ص ٧ -٨). = ٩٢ آداب طالب الْحديث وَصَحِّحِ النّيَّةَ (ثُمَّ أَسْتَعْمِلٍ (١) مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ) ثُمَّ حَصِّلٍ ثَمَّ الْبِلاَدَ ارْحَلْ وَلاَ تَسَهَّلِ مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ الْعَليَّ فَأَلْعَلِي وَالشَّيْخَ بِجِّلَ لَا تُطِلْ عَلَيْهِ فِي الْحَمْلِ، وَاعْمَلْ بِالدِي تَرْوِيهِ = وأدنى من ((الحافظ)) درجة يسمى ((المحدث)) قال التاج السبكي في كتابه ((معيد النعم)) فيما نقله الناظم في التدريب (ص ٦): ((من الناس فرقة ادعت الحديث فكان قصارى أمرها النظر في مشارق الأنوار للصاغاني، فإن ترفعت فإلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين! وما ذلك إلا بجهلها بالحديث، فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب وضم إليهما من المتون مثليهما -: لم يكن محدثاً، ولا يصير بذلك محدثاً حتى يلج الجمل في سم الخياط! فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث - على زعمها - اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير، فإن ضمت إليه كتاب علوم الحديث لابن الصلاح أو مختصره المسمى بالتقريب للنووي ونحو ذلك، وحينئذ ينادي من انتهى إلى هذا المقام: محدث المحدثين وبخاري العصر! وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإن من ذكرناه لا يعد محدثاً بهذا القدر، إنما المحدث: من عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال، والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية، هذا أول درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه وكتب الطباق ودار على الشيوخ وتكلم في العلل والوفيات والأسانيد -: كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء)). ودون هذين من يسمي («المسند» - بكسر النون - وهو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها من غير معرفة بعلومها أو إتقان لها، وهو الراوية فقط. وقد وصف التاج السبكي هؤلاء الرواة فقال: ((ومن أهل العلم طائفة طلبت الحديث وجعلت دأبها السماع على المشايخ، ومعرفة العالي من المسموع والنازل، وهؤلاء هم المحدثون على الحقيقة، إلا أن كثيراً منهم يجهد نفسه في تهجي الأسماء والمتون وكثرة السماع، من غير فهم لما يقرؤنه، ولا تتعلق فكرته بأكثر من أنِّي حصلت جزء ابن عرفة عن سبعين شيخاً، وجزء الأنصاري عن كذا كذا شيخاً، وجزء البطاقة ونسخة ابن مسهر، وأنحاء ذلك !! وإنما كان السلف يسمعون فيقرؤن فيرحلون فيفسرون، ويحفظون فيعملون)). وأما عصرنا هذا فقد ترك الناس فيه الرواية جملة، ثم تركوا الاشتغال بالأحاديث إلاّ نادراً، وقليل أن ترى منهم من هو أهل لأن يكون طالباً لعلوم السنة، وهيهات أن تجد من يصلح أن يكون محدثاً. وأما الحفظ فإنه انقطع أثره، وختم بالحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، ثم قارب السخاوي والسيوطي أن يكونا حافظين، ثم لم يبق بعدهما أحد. ومن يدري: فلعل الأمم الإسلامية تستعيد مجدها وترجع إلى دينها وعلومها، ولا يعلم الغيب إلاّ الله. وصدق رسول الله وَ ر: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ». (١) في الأصل المقروء على المصنف ((ثم المستعمل)) وهو خطأ واضح. ٩٣ وَلاَ يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ لِلْعَالِ وَالنَّازِلِ لاسْتِبْصَارِ (وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لاَ تُؤخّرٍ فَقَدْ رَوَوْا: ((إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ وَتَمِّمِ اُلْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ فَلْيَنْتَخِبْ (عَالِيَهُ وَمَا أَنْفَرَذ) وَعَلَّمُوا فِي الأَضْلِ (لِلْمُقَابَلَة وَسَامِعُ اُلْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ (فَلْيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصِحَّتَهْ وَمَا بِهِ مِنْ مُشْكِلٍ وَأَسْمَا وَأَقْرَأْ كِتَاباً تَذْرِ مِنْهُ الاصْطِلَاَخْ وَقَدِّمِ الصِّحَاعَ ثُمَّ أَلْسَِّنَا وَأَحْفَظْهُ مُتْقِناً وَذَاكِزْ (وَرَأَوْا وَأَلِكِبْرُ، وَأَبْذُلْ مَا تُفَادُ، وَأَكْتُبٍ لاَ كَثْرَةِ الشُّيُوخِ لافْتِخَارِ بَلْ خُذْ ومَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرٍ) ثُـمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشٍ)» (١) وَإِنْ يَكُنْ لِلانْتِخَـابِ دَاعٍ وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَذْ أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَ لَهْ)(٢) عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ وَفِقِهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ رِجَالِهِ وَمَا حَوَاهُ عِلْمَا) (كَهَذِهِ) وَأَصْلِهَا وَأَبْنِ الصَّلاَحْ(٣) ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لاَ يُغْتَنَى (٤) جَوَازَ كَثْمٍ عَنْ خِلاَفِ الأَهْلِ أَوْ (١)القمش: جمع شيء من هنا ومن هنا. قال أبو حاتم: ((إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش)) قال العراقي: ((كأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها، ولا تؤخر حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك. فإذا كان وقت الرواية أو العمل ففتش حينئذ». (٢) خبر للطالب أن يتم سماع الكتاب الذي يسمعه عن الشيخ، فإن كان لديه عذر يمنعه من ذلك فلا بأس. أن ينتخب ما يمكنه سماعه، وليحرص على انتخاب الأسانيد العالية للشيخ وعلى ما انفرد به. وإذا كان الطالب لا يحسن الانتخاب فلا بأس أن يستعين بمن هو أهل لذلك، ويضع في أصل الشيخ علامة على الأحاديث التي ينتخبها، ليرجع إليها عند المقابلة على الأصل، وتفيد أيضاً إذا ضاع الفرع الذي نقله الطالب، فيمكنه نقل ما سمعه من الأصل، فلا يختلط عليه بما لم يسمعه. (٣)((أصلها)): المراد به ألفية العراقي. (٤) ينبغي للطالب أن يقدم الاعتناء بالصحيحين ثم بالسنن، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان والسنن الكبرى للبيهقي، وهو أكبر كتاب في أحاديث الأحكام، ولم يصنف في بابه مثله، ثم بالمسانيد، وأهمها مسند أحمد بن حنبل، ثم بالكتب الجامعة المؤلفة في الأحكام، وأهمها موطأ مالك، ثم كتب ابن جريج، وابن أبي عروبة وسعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبي شيبة، ثم كتب العلل، وقد تكلمنا عليها فيما مضى (ص ٥٦) ثم يشتغل بكتب رجال الحديث وتراجمهم وأحوالهم، ثم يقرأ كثيراً من كتب التاريخ وغيرها. ٩٤ : - ٠ : مَنْ يَدَعُ(١) الصَّوَّابَ إِنْ يُذْكَّرٍ(٢) وَيُبْقِ ذِكْراً (٣) مَالَهُ مِنْ غَايَةْ فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ (يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبِ وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ، وَقَدْ رَأَوْا أَبْوَاباً أَوْ تَرَاجِماً أَوْ طُرُقاً (وَهَلْ يُثَابُ قَارِىءُ الآثَارٍ ثُمَّ إِذَا أُهُلْتَ صَنِّفْ تَمْهَر (وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَة) وَقَوْمُ المُسْنَدَ لِلصَّحَابِ إِلَى النَبِيِّ أَوِ الْحُرُوفَ يَجْتَبِي) أَنْ يَجْمَعَ (الأَطْرَافَ) أَوْ شُيُوخاً أَوْ وَأَخْذَرْ مِنْ الإِخْرَاجِ قَبْلَ أَلانِقَا كَقَارِىء اُلْقُرْآنِ: خُلْفٌ جَارِي (٤) العالي والنازل وَهُوَ مِنَ الدِّينِ بِلاَ تَزْدَادِ) (قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ يُفَضِّلِ النُّزولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ(٥) وَطَلَبُ الْعُلُوْ سُنَّةٌ، وَمَنْ ٠ (١) خ: من ينكر. (٢) تبليغِ العلم واجب ولا يجوز كتمانه، ولكنهم خصصوا ذلك بأهله، وأجازوا كتمانه عمن لا يكون مستعداً لأخذه، وعمن يصر على الخطأ بعد إخباره بالصواب. سئل بعض العلماء عن شيء من العلم، فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت حديث: ((من علم علما فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار))؟ فقال: ((اترك اللجام واذهب! فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني به)). وقال بعضهم: ((تصفح طلاب علمك كما تتصفح طلاب حرمك)). (٣) في الأصل المقروء على المصنف ((ويبق ذاكراً) وهو خطأ. (٤) في هذا المكان من هامش الأصل بخط المؤلف ما نصه: ((الحمد لله، ثم بلغ سماعاً عليّ، كتبه مؤلفه عفا الله عنه آمين)). (٥) خصت الأمة الإسلامية بالأسانيد والمحافظة عليها، حفظاً للوارد من دينها عن رسول الله صل*، وليست هذه الميزة عند أحد من الأمم السابقة. وقد عقد الإمام الحافظ ابن حزم في الملل والنحل (ج ٢ ص ٨١ - ٨٤) فصلا جيداً في وجوه النقل عند المسلمين، فذكر المتواتر، كالقرآن وما علم من الدين بالضرورة، ثم ذكر المشهور، نحو كثير من المعجزات ومناسك الحج ومقادير الزكاة وغير ذلك، مما يخفى على العامة، وإنما يعرفه كوافّ أهل العلم فقط. ثم قال: ((وليس عند اليهود والنصارى من هذا النقل شيء أصلاً، لأنه يقطع بهم دونه ما قطع بهم دون النقل الذي ذكرنا قبل - يعني التواتر - من إطباقهم عن الكفر الدهور الطوال، وعدم إيصال الكافة إلى عيسى عليه السلام)). = ٩٥ وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا يِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَد فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ: مُوَافَقه فِي عَدَدٍ: فَهْوَ الْمُساواةُ، وَإِنْ وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِيْنَا وَقِدَمْ السَّمَاعِ وَأَلُّزُولُ قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أو إِمَامٍ أو يُنْزَلُ لَوْذَا مِنْ طَرِيقِهِ وَرَدْ أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ: بَدَل، أَوْ وَافَقَةْ فَرْداً يُزَدْ: مُصَافَحَاتٌ، فَاسْتَنِنْ عَاماً تَقَصَّتْ أَوْ سِوَى عِشْرِينَا. نَقِيضُهُ، فَخَمْسَة مَجْهُولُ(١) ۔ ٠ y ٠ = ثم قال: ((والثالث: ما نقله الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي ◌َّر، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكوافّ: إما إلى رسول الله وَله من طرق جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وإما إلى الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين. وهذا نقل خص الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديداً على قديم الدهور، منذ أربعمائة وخمسين عاماً - هذا في عصره والآن ١٣٥٢ سنة - في المشرق والمغرب، والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصى عددهم إلاّ خالقهم إلى الافاق البعيدة، ويواظب على تقييده من كان الناقد قريباً منه، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم، والحمد لله رب العالمين. فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقاً أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر. وهذه الأقسام الثلاثة التي نأخذ ديننا منها ولا نتعداها، والحمد لله رب العالمين)). ثم ذكر المرسل والمعضل والمنقطع، وأن المسلمين اختلفوا في الاحتجاج بمثل ذلك ثم قال: ومن هذا النوع كثير ما نقل اليهود، بل هو أعلى ما عندهم، إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد ◌َّيه، بل يقفون ولا بد، حيث بينهم وبين موسى عليه السلام أزيد من ثلاثين عصراً في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشماني وشمعون ومرعقيبا وأمثالهم. وأظن أن لهم مسألة واحدة فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبيّ من متأخري أنبيائهم أخذها عنه مشافهة، في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه. وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من کذاب قد صح کذبه)). وطلب العلو في الإسناد سنة عن الأئمة السالفين كما قال الإمام أحمد بن حنبل، ولهذا حرص العلماء على الرحلة إليه واستحبوها وأخطأ من زعم أن النزول أفضل، ناظراً إلى أن الإسناد كلما زاد عدد رجاله زاد الاجتهاد والبحث فيه. قال ابن الصلاح (ص ٢١٦) ((العلو يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهواً أو عمداً، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة. جهات الخلل. وهذا جلي واضح)). (١) العلو في الإسناد خمسة أقسام: الأول - وهو أعظمها وأجلها -: القرب من رسول اللّه ◌َ لل بإسناد صحيح نظيف خال من الضعف. بخلاف = ٩٦ ٠ ٠٠ . = ما إذا كان مع ضعف فلا التفات إليه، لاسيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين، ممن ادعى سماعاً من الصحابة. قال الذهبي: ((متى رأيت المحدث يفرح بعوالي هؤلاء فاعلم أنه عامي)) قاله الناظم في التدريب (ص ١٨٤). وقد حرص العلماء على هذا النوع من العلوّ حتى غالى فيه بعضهم، كما يفهم من كلام الذهبي، وكما رأيناه كثيراً في كتب التراجم وغيرها وأعلى ما وقع للحافظ ابن حجر - وهو مسند الدنيا في عصره - أن جاء بينه وبين النبي ◌ّله عشرة أنفس، ولذلك قد اختار من هذا النوع عشرة أحاديث في جزء صغير سماه (العشرة العشارية) وقال في خطبته: ((إن هذا العدد هو أعلى ما يقع لعامة مشايخي الذين حملت عنهم، وقد جمعت ذلك فقارب الألف من مسموعاتي منهم. وأما هذه الأحاديث فإنها وإن كان فيها قصور عن مرتبة الصحاح فقد تحريت فيها جهدي وانتقيتها من مجموع ما عندي)). وهذا الجزء نقلته بخطي منذ عشرين سنة عن نسخة مكتوبة في سنة ١١٨٩، ثم قابلته على نسخة عتيقة مقروءة على المؤلف وعليها خطه كتبت في رمضان سنة ٨٥٢ أي قبل وفاة الحافظ بثلاثة أشهر تقريباً. وقد نقل الناظم في التدريب (ص ١٨٤) الحديث الأول منها من طريق آخر غير طريق ابن حجر، وقال: ((وأعلى ما يقع لنا ولأضرابنا في هذا الزمان - توفي السيوطي سنة ٩١١ - من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع ما بيننا وبين النبي ( 9 فيه اثنا عشر رجلاً)) وذلك صحيح، لأن بين السيوطي وبين ابن حجر شيخاً واحداً، فهما اثنان زيادة على العشرة. القسم الثاني: أن يكون الإسناد عالياً للقرب من إمام من أئمة الحديث كالأعمش وابن جريج ومالك وشعبة وغيرهم مع صحة الإسناد إليه. القسم الثالث: علو الإسناد بالنسبة إلى كتاب من الكتب المعتمدة المشهورة، كالكتب الستة والموطأ ونحو ذلك. وصورته: أن تأتي لحديث رواه البخاري مثلاً فترويه بإسنادك إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه وهكذا، ويكون رجال إسنادك في الحديث أقل عدداً مما لو رويته من طريق البخاري. وهذا القسم جعلوه أنواعاً أربعة: الأول: الموافقة. وصورتها: أن يكون مسلم - مثلاً - روى حديثاً عن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فترويه بإسناد آخر عن يحيى، بعدد أقل مما لو رويته من طريق مسلم عنه. والثاني: البدل أو الإبدال، وصورته في المثال السابق: أن ترويه بإسناد آخر عن مالك أو عن نافع أو عن ابن عمر: بعدد أقل أيضاً، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى الشيخ الذي يجتمع فيه إسنادك بإسناد مسلم، كمالك أو نافع. والثالث: المساواة وهي كما قال ابن حجر في شرح النخبة: ((كأن يروي النسائي مثلاً حديثاً يقع بينه وبين النبي و 18 فيه أحد عشر نفساً، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بإسناد آخر إلى النبي وقّ له يقع بيننا فيه وبين النبي ◌َّله أحد عشر نفساً، فنساوي النسائي من حيث العدد، مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاصّ)) وقال ابن الصلاح (ص ٢١٩): ((أما المساواة فهي في أعصارنا أن يقل العدد في إسنادك، لا إلى شيخ مسلم وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه -: بل إلى من هو أبعد من ذلك، كالصحابي أو من قاربه، وربما كان إلى رسول الله وَّر، بحيث يقع بينك وبين الصحابي - مثلاً - من العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم وبين ذلك الصحابي، فتكون بذلك مساوياً لمسلم - مثلاً - في قرب الإسناد وعدد رجاله . = ألفية السيوطي في علم الحديث / م٧ ٩٧ ٠ (لُكِنَّهُ عُلُوُ مَعْنِى يَقْتَصِرْ وَإِنَّمَا يُذَمُ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ وَلَابْنِ حِبَّانِ: إِذَا دَارَ أَلسَّنَدْ وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ(١) فَإِنْ تَرَى لِلْمَثْنِ فَالأَعْلَامُ = والرابع: المصافحة. قال ابن الصلاح: ((هي أن تقع هذه المساواة - التي وصفناها - لشيخك لا لك، فيقع ذلك لك مصافحة، إذ تكون كأنك لقيت مسلماً في ذلك الحديث وصافحته به، لكونك قد لقيت شيخك، فتقول: كأن شيخي سمع مسلماً وصافحه)) وهكذا. وهذان النوعان - المساواة والمصافحة - لا يمكنان في زماننا هذا - سنة ١٣٥٢ - ولا فيما قاربه من العصور الماضية، لبعد الإسناد بالنسبة إلينا، وهو واضح. ثم إن هذين النوعين أيضاً - بالنسبة لمن قبلنا من القرن الرابع فمن بعده إلى التاسع -: ليسا في الحقيقة من العلوّ، بل هما علوّ نسبيّ بالنسبة لنزول مؤلف الكتاب في إسناده، قال ابن الصلاح (ص ٢٢٠): ((اعلم أن هذا النوع من العلوّ علوّ تابع لنزول، إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعل أنت في إسنادك)) ثم حكي عن أبي المظفر بن أبي سعد السمعاني أنه روى عن الفراوي حديثاً ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخه من البخاري، فقال أبو المظفر: ((ليس لك بعالٍ، ولكنه للبخاري نازل!)) قال ابن الصلاح: ((وهذا حسن لطيف، يخدش وجه هذا النوع من العلو)). القسم الرابع: من أقسام العلوّ: تقدم وفاة الشيخ الذي تروي عنه عن وفاة شيخ آخر وإن تساويا في عدد الأسناد، قال النووي في التقريب: ((فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم، لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف)). وقد يكون العلوّ بتقدم وفاة شيخ الراوي مطلقاً، لا بالنسبة إلى إسناد آخر ولا إلى شيخ آخر. وهذا القسم جعل بعضهم حد التقدم فيه مضيّ خمسين سنة على وفاة الشيخ، وجعله بعضهم ثلاثين سنة . ٠ ٠ القسم الخامس: العلوّ بتقدم السماع. فمن سمع من الشيخ قديماً كان أعلى ممن سمع منه أخيراً، كأن يسمع شخصان من شيخ واحد، أحدهما سمع منه منذ ستين سنة - مثلاً - والآخر منذ أربعين، فالأول أعلى من الثاني. قال الناظم في التدريب (ص ١٨٧): ((ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف)) يعني أن سماع من سمع قديماً أرجح وأصح من سماع الآخر. ثم إن النزول يقابل العلوّ، فكل إسناد عال فالإسناد الآخر المقابل له إسناد نازل. وبذلك يكون النزول خمسة أقسام أيضاً، كما هو ظاهر. (١) قلنا فيما مضى (ص ١٩٣) إن الإسناد العالي أفضل من غيره، ولكن هذا ليس على إطلاقه، لأنه إن كان في الإسناد النازل فائدة تميزه فهو أفضل، كما إذا كان رجاله أوثق من رجال العالي أو أحفظ أو أفقه، أو كان متصلاً بالسماع وفي العالي إجازة أو تساهل من بعض رواته في الحمل أو نحو ذلك. قال الناظم في التدريب (ص ١٨٨): ((قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله، أم سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة -: فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه. قال ابن المبارك: ليس جودة الحديث قرب الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال. وقال السلفي: الأصل = ٩٨ : - . المسلسل - قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَة لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا مُفَادِهِ زِيَادَةُ الصَّبْطِ زُكِنْ) (وَخَيْرُهُ الذَّاكُ عَلى أَلْوَصْفِ، وَمِنْ مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يوصَلِ وَقَلَّ مَا يَسْلَمُ فِي الَّسَلْسُلِ وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا)(١) كَأَوَّلِيَّةِ (السُفْيَانَ أَنْتُهَى = الأخذ عن العلماء، فنزولهم أولى من العلوّ عن الجهلة، على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق. قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلوّ المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علوّ من حيث المعنى، قال شيخ الإسلام: ولابن حبان تفصيل حسن، وهو: أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء)». وقد تغالى كثير من طلاب الحديث وعلمائه في طلب علو الإسناد، وجعلوه مقصداً من أهم المقاصد لديهم، حتى كاد ينسيهم الحرص على الأصل المطلوب في الأحاديث، وهو صحة نسبتها إلى رسول الله ◌َلتر. وتأمل في كلمتي ابن المبارك والسلفي - اللتين نقلنا آنفاً - واجعلهما دستوراً لك في طلب السنة. والتوفيق من الله سبحانه. (١) المسلسل. هو ما تتابع فيه رجال الإسناد واحداً واحداً على صفة واحدة أو حال واحدة أو قول واحد. وهو أقسام كثيرة، تبعاً لكثرة الأحوال التي يتفق فيها الرواة، كأن يكونوا جميعاً من الحفاظ أو من الفقهاء أو من النحويين. أو يكونوا من بلد واحد كالمصريين والدمشقيين، أو باسم واحد كالمسلسل بالمحمدين، وهكذا. قال ابن الصلاح (ص ٢٣٧): ((وقل ما تسلم المسلسلات من ضعف، أعني في وصف التسلسل لا في أصل المتن)). وقد عني علماء الحديث بهذا النوع جداً فصنفوا فيه مصنفات خاصة ذكر بعضها شيخي العلامة حافظ العصر السيد محمد عبد الحي الكتاني في كتابه (فهرس الفهارس والأثبات) المطبوع في مدينة فاس بالمغرب الأقصى (ج ٢ ص ٧٢ - ٨٠) ثم قال: ((واعلم أن ما ذكرته من المسلسلات ليس هو غاية ما وجد، وإنما اقتصرت على ما قل مما كثر للاختصار)). وقد ينقطع التسلسل في أثناء الإسناد كما في المسلسل بالأولية، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ◌َ ﴿ قال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) فهذا الحديث رواه العلماء والحفاظ بالإسناد الصحيح المتصل إلى سفيان بن عيينة، وكل شيخ في الإسناد يرويه عمن سبقه ويقول: ((وهو أول حديث سمعته منه)) وقد رويته أنا عن شيخي وأستاذي الإمام العلامة السيد عبد الله بن إدريس السنوسي رحمه الله في سنة ١٣٣٠ وعن شيخي الحافظ الكبير السيد محمد عبد الحي الكناني في صفر سنة ١٣٥٢ وعن غيرهما من الشيوخ. ثم بعد سفيان بن عيينة تقف سلسلة الأولية فيرويه سفيان بدونهما عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو. قال ابن حجر في شرح النخبة: ((ومن رواه مسلسلاً إلى منتهاه فقدوهم)). وهذا الحديث رواه البخاري في الكنى وفي الأدب المفرد، ورواه أبو داود والترمذي في السنن، ورواه الحميدي في مسنده، إلا أنهم لم يرووه مسلسلا . = ٩٩ غريب ألفاظ الحديث وَالنَِّرُ، قَوْلاَنٍ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ مَعْمَرُ لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدٍ تُعَدّ) (وَأَبْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَغْلُى، وَلَقَدْ وَلاَ تُقَلِّذْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنُّ فَأَعْنَ بِهِ، وَلاَ تَخُضْ بِالظَّنِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَارٍ قَدْ حَكَوْا)(١) وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ (أَوْ ٠ = وانظر أسانيده المسلسلة بالأولية في كتاب فهرس الفهارس لأستاذنا الكتاني (ج ١ ص ٥٤ - ٦١). قال الناظم في التدريب (ص ١٩٥): ((فائدة: قال شيخ الإسلام: من أصح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصف. قلت: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضاً، بل ذكر في شرح النخبة أن المسلسل بالحفاظ مما يفيد العلم القطعي)). (١) هذا الفن من أهم فنون الحديث واللغة، ويجب على طالب الحديث إتقانه، والخوض فيه صعب، والاحتياط في تفسير الألفاظ السوية واجب، فلا يقدمن عليه أحد برأيه. وقد سئل الإمام أحمد عن حرف من الغريب فقال: ((سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في حديث رسول الله ﴿ بالظنّ)). وأجود التفسير ما جاء في رواية أخرى أو عن الصحابي أو عن أحد الرواة الأئمة. وأول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي المتوفي سنة ٢١٠ وقد قارب عمره ١٠٠ سنة، وأبو الحسن النضر بن شميل المازني النحوي المتوفي أول سنة ٢٠٤ عن نحو ٨٠ سنة، والأصمعي - واسمه عبد الملك بن قريب - المتوفي سنة ٢١٣ عن نحو ٨٨ سنة، وهؤلاء متعاصرون متقاربون، ويصعب الجزم بأيهم صنف أولاً، والراجح أنه أبو عبيدة. ثم جاء الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفي سنة ٢٢٤ عن ٦٧ سنة فجمع كتابه فيه، فصار هو القدوة في هذا الشأن، فإنه أفنى فيه عمره، حتى لقد قال: ((إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من الأفواه فأضعها في موضعها، فكان خلاصة عمري)). ثم كثر بعد ذلك التأليف فيه، وانظر كشف الظنون (ج ٢ ص ١٥٥ - ١٥٧) وانظر أيضاً مقدمة النهاية لابن الأثير. ومن أهم الكتب المؤلفة في هذا الشأن (الفائق) للزمخشري وهو مطبوع في حيدر آباد. والنهاية لأبي السعادات مبارك بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري المتوفي سنة ٦٠٦، وهو أوسع كتاب في هذا وأجمعه، وقد طبع بمصر مرتين أو أكثر، ولخصه الناظم (السيوطي) وقال إنه زاد عليه أشياء، وملخصه مطبوع بهامش النهاية. ثم إن من أهم ما يلحق بهذا النوع البحث في المجازات التي جاءت في الأحاديث، إذ هي عن أفصح العرب ﴿﴿، ولا يتحقق في معناها إلا أئمة البلاغة. ومن خير ما ألف فيها كتاب (المجازات النبوية) تأليف الإمام العالم الشاعر الشريف الرضي - محمد بن الحسين - المتوفي سنة ٤٠٦ رضي الله عنه، وهو مطبوع في بغداد سنة ١٣٢٨ . ١٠٠