Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٧٩ بتقريرها، يصوِّر ويحرِّر، ويقرِّر ويمهِّد، ويزيَّف ويرجِّح، لكنه قصُر عن أولئك - المرتبة الأولى والثانية السابقتين - لقصوره عنهم في حفظ المذهب ، أو الارتياض في الاستنباط، أو معرفة الأصول، ونحوها من أدواتهم)) كما قاله الإمام النووي في ((المجموع))(١) قال: ((وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة ، المصنفين الذي رتَّبوا المذهب وحرروه ... )). قلت : ولاريبَ أن المرتبة التي يقصدها الإمام الغزالي من فَقَاهة النفس أعلى رتبةً من هذه ، لأنه يقولها في حق المجتهد المستقل ، أما هذه التي يَصِفها النووي فهي رتبة العلماء المرجّحين في المذهب . وذكر ابن القيم رحمه الله في ((إعلام الموقعين))(٢) بعض ما تقدم هنا، وزاد عليه تحت عنوان: ((فصل في كلام الأئمة في أدوات الفتيا وشروطها ومن ينبغي له أن يفتي، وأين يَسَعُ قول المفتي: لا أدري)). وفي «المسؤَّدة))(٣) من كلام الإمام ابن تيمية الحفيد رحمه الله، فصلٌ طويل عنوانه : ((فصل في صفة من يجوز له الفتوى أو القضاء» وفيه نوادر وفوائد. كل هذا مع تحلّيه بالعمل الصالح : العبادة والتقوى والورع والزهد ، وتهذيب النفس ، واتصافه بكمالات الإسلام ، فيكون إماماً في هذا الجانب أيضاً . وقد نبّه النبي # إلى هذا في حديثه الشريف الذي رواه الطبراني في ((معجمه الأوسط)) عن علي كرم الله وجهه قال : قلت يارسول الله (١) ٧٣:١. (٢) ١: ٤٤ فما بعدها. (٣) صفحة ٥١٣. www. ١٨٠ إِنْ نزل بنا أمر ليس فيه بيانُ أمرٍ ولا نهي فما تأمرنا؟ فقال ◌َله: (شاوروا فيه الفقهاءَ والعابدين، ولاتُمضوا فيه رأيَ خاصة))(١). فنبه النبي * إلى أهمية العبادة إلى جانب العلم والفهم: ((الفقهاء والعابدين )) . ويؤكد هذا المعنى ماوراه الدارمي في «سننه»(٢) مرسلاً - ورجاله ثقات - أن النبي * سئل عن الأمر يحدث ليس فيه كتاب ولاسنة ؟ فقال: ((ينظر فيه العابدون من المؤمنين)). ورورى النسائي في ((سننه الصغرى))(٣) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((إنه قد أتى علينا زمانٌ ولسنا نقضي، ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدَّر علينا أنْ بلغْنا ماترون ، فمن عَرَض له منكم قضاءٌ بعد اليوم فليقضِ بما في كتاب الله، فإنْ جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقضِ بما قضى به نبيُه ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولاقضى به نبيه ية، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولاقضى به نبيه* ولاقضى به الصالحون فليجتهدْ رأيه ولا يقول: إني أخاف، وإني أخاف، فإن الحلال بيِّن، والحرام بيِّن ، وبَيْن ذلك أمور مشتَبِهات، فَدَعْ مايريبك إلى مالا يريبك)). قال أبو عبد الرحمن - هو الإمام النسائي - : (( هذا الحديث جيد جيد)) . ثم روى بسنده كتابَ سيدنا عمر بن الخطاب إلى قاضيه شُرّيح، وفيه هذا المعنى أيضاً . ومن هنا قال الإمام أبو يوسف - وقد نظر في أقضيةِ حفصٍِ بنِ (١) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ١٧٨:١: ((رجاله موثّقون من أهل الصحيح)، وصححه السيوطي في ((مفتاح الجنة)) ص ٤٠. (٢) ٤٩:١. (٣) ٢٣٠:٨. ١٨١ غياثٍ أحد الرواة الأجلَّة الثقات ومن زملاء أبي يوسف في التلمذة الخاصة على الإمام أبي حنيفة رحمهم الله تعالى - قال أبو يوسف: ((حفصٌ ونُظَراؤه يُعانُون بقيام الليل)» وقيام الليل شعار الصالحين، وقال مرة أخرى: ((إن حفصاً أراد الله فوقَّقه)) وفي رواية: (( إن الله وقَّقه بصلاة الليل)»(١) . وجاء في ترجمة السيد الجليل عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق أحد أصحاب الإمام أحمد رحمهما الله تعالى (٢)، قول الإمام أحمد فيه : (( رجلٌ صالح مثله يُوفَّق لإصابة الحق )) . ثم رأيت أصلَ الخبر أول كتاب (( الورع)) للإمام أحمد أن «فتح ابن أبي الفتح قال له - للإمام أحمد - في مرضه الذي مات فيه: أُدْعُ الله أن يُحسن الخلافة علينا بعدك، وقال له: مَن نَسألُ بعدك؟ فقال: سلْ عبدالوهاب - الوراق -. فقال له بعض من كان حاضراً : إنه ليس له اتّساع في العلم ! فقال أبو عبد الله - الإمام أحمد -: إنه رجل صالح ، مثلُه يُوفَّق لإصابة الحق )) . بل كانوا يتعبّدون الله تعالى قبل طلبهم العلم ، ليدخلوا العلم على صلاح وعبادة ، وخشية وزَهادة . روى ابن أبي حاتم في ((تقدمة الجرح والتعديل))(٣) عن الإمام المجتهد سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال: «كان الرجل إذا أراد أن يطلب العلمَ تعبَّد قبل ذلك عشرين سنة))(٤) !!. (١) كما في ((الجواهر المضية)» ٢٢٢:١ و٢٢٣. (٢) ((تذكرة الحفاظ )(ص ٥٢٦ و((تهذيب التهذيب)» ٤٤٨:٦، وانظر لزاماً ((الإنصاف)» للمرداوي الحنبلي ١١ : ١٩٤. (٣) صفحة ٩٥. (٤) وانظر آثاراً أخرى في ((المحدث الفاصل)) ص ١٨٧. ١٨٢ الثالثة - وشبهةٌ أخيرة حولَ هذا السبب هي قولُ بعضهم : لو أن كل واحد من الأئمة المجتهدين اطّلع على السنة اطلاعاً وافياً لما استدل الواحد منهم بحديث ضعيف في مسألةٍ ما ، ويوجّدُ مقابلَه حديثٌ صحيح عند الإمام الآخر المخالف له في المسألة نفسها ، إذْ أن في الحديث الصحيح غُنيةً عن الحديث الضعيف، فاحتجاجُ الإمام بحديث ضعيف ، دليلٌ على أنه ما عَرَف ذاك الصحيح . وجوابُ ذلك : أن الأئمة قد اطّلعوا على السنة اطلاعاً كافياً وافياً ، يَعرِفُ ذلك من نَظَر في سيرتهم نظراً فاحصاً منصفاً ، وصفّى قلبه من الشبهاتِ حولهم والتعالمٍ عليهم . وأما استدلالُهم بالأحاديث الضعيفة التي يُوجد في مقابلها أحاديثُ صحيحةٌ مخالفةٌ لها : فإن كلَّ منصف يعلم أن هذا الكلامَ يحملُ في طَيَّاته مغالطةً وقلباً للحقيقة ، وبيان ذلك يستدعي الوقوف عند عدة ملاحظات : الملاحظة الأولى: أن الأحاديث التي يُوردها الفقهاءُ في كتبهم الاستدلالية ليست هيَ هيَ أدلةَ إمام المذهب التي اعتمد عليها . نعم قد يتفقون في كثير من الأحيان على إيرادٍ مااستدلَّ به إمامُ المذهب، ولكنْ لا تنسحبُ هذه الموافقة على كلِّ مايوردونه دليلاً على ما اختاره الإمام. فالحكمُ الفقهيُّ الذي يذكرونه هو حكمُه ، ولكن ليس الدليلُ دليلَه في كثير من الأحايين، إنما هو حديث وَجَده هذا المؤلّف موافقاً لما حكم به إمامه، فأورده دليلاً له، ويكون للإمام دليل آخرُ الله أعلم به . وهذه الملاحظةُ أكثرُ ما تَنْطبقُ عليه ، هو المذهب الحنفي ، وذلك أن الإمام أبا حنيفة لم يدوِّن بنفسه فقهه وأدلته ، ومثلُه - تقريباً - الإمام مالك وأحمد، والإمام الشافعي لم يَستوعبْ في كتابه ((الأم)» إلا القليلَ من فقهه وأدلته . ١٨٣ فالأحاديثُ التي نجدها في ((الهداية)) للمَرْغيناني الحنفي - مثلاً - و((الرسالة)) لابن أبي زيد القيرواني المالكي، و((المهذّب)) الشيرازي الشافعي ، و(( المغني)) لابن قدامة الحنبلي ، وغير هذه الكتب ، كثير من هذه الأحاديث ليس من استدلالِ إمام المذهب نفسِه . وقد وقع بعضُ الناس في الحطُّ على أحد المذاهب وهما يخرِّجان أحاديثَ كتاب من كتبه - إذْ رأيا المحدثين يقولون في كثير من أحاديث هذا الكتاب: حديث موضوع، حديث ضعيف، لايُعرف مرفوعاً .. . فظنَّ هؤلاء أن هذه الأحاديثَ هي استدلالاتُ إمام المذهب نفسِه ، فكيف نسلِّم له الإمامةَ والاجتهادَ في شرع الله عز وجل ، وهو يَستدلُّ بالموضوع ، ويرفع الموقوف والمقطوع .. ؟ ! . والدليلُ على ماقررتُه في هذه الملاحظة وأن واقع فقهائنا كذلك: قولُ الإمام ابن الصلاح رحمه الله في ((مقدمته)) (١): ((الفائدة الثامنة : .. سبيلُ من أراد العملَ أو الاحتجاجَ بذلك - إذا كان ممن يَسوغُ له العملُ بالحديث(٢)، أو الاحتجاجُ به لذي مذهبٍ -: أن يَرجعَ إلى أصلٍ قد قابله هو أو ثقةٌ غيرُه .. )). فقوله: ((أو الاحتجاجُ به لذي مذهب)»: صريحٌ فيما ذكرتُ. وقال ابن القيم رحمه الله أول فائدة من كتابه (بدائع الفوائد)): ((وأما حديث ((لاشُفْعة لنصراني)): فاحتج به بعض أصحاب الإمام أحمد، وهو أعلمُ مِن أن يحتج به، فإنه من كلام بعض التابعين))، مع أن إمام (١) صفحة ٢٥ آخر بحث الحديث الصحيح. (٢) جاء في ((النكت الوفية)) ٥٧/ ب للبقاعي من كلام شيخه ابن حجر تعليقاً على هذه الجملة: ((أي: من غير مراجعةٍ غيرهِ، بأن يكون عالماً بمعنى ذلك الحديث، له ملكةٌ يقوى بها على معرفة المطلوب منه في ذلك». ١٨٤ ٠٠٠٠٠٨٥w." !... الحنابلة في عصره الموفَّق ابن قُدَامة قد احتج به في ((المغني))(١) وعزاه إلى ((علل)) الدارقطني عن أنس مرفوعاً، وجزم البيهقي في ((سننه))(٢) بأنه من كلام الحسن البصري رضي الله عنه. وقولُ ابن القيم ((احتج به بعض أصحابه)): صريحٌ فيما قلت. وانظر الملاحظة الثالثة قريباً . الملاحظة الثانية: قد يُورد الفقيه دليلاً، ويكون هو دليلَ الإمام نفسه ، فيخرَّجُه المحدث من كتب المحدثين المتأخرين في الزمن عن أئمة المذاهب الفقهية ، ككتب السنن الأربعة ، والمسانيد والمعاجم و ... ويحكم المحدث على هذا الحديث من طريق هؤلاء بالضعف أو الوضع أو غير ذلك، فلا يكون حينئذ صالحاً للاحتجاج به، في حين أن هذا الحديث يرويه هذا الإمامُ المجتهدُ من طريقه الخاصة به ، بسند صحيح صالح للاحتجاج . فَمن نَظَر إلى الحديث من طريق المحدثين في كتبهم المتداولة التي يعتمد عليها أصحابُ التخريج ، وَجَد الحديث غيرَ صالح للحجة ، فيتسزَّع في الطعن واللَّمز ، وتبدو على فَلَتات لسانه ، ماكان كامناً في سريرته . ومَن بحث عنه بتؤدة وفتّش عنه في كتب أئمة المذاهب أنفسِهم وَجَده - إنْ كان قد وصلنا ــ صحيحاً ناهضاً بالحجة، فيعرفُ الحقَّ لأهله، ويذعنُ لأئمة المسلمين بإمامة الهدى ، ولشانئيهم بالإمامة بغير ذلك . وأذكر مثالاً على ذلك : ذكر المرغيناني رحمه الله في («الهداية»(٣): ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)» (١) ٥٥١:٥. (٢) ٠١٠٩:٦ (٣) ١٣٩:٤ بشرح ((فتح القدير)). ١٨٥ على أنه حديث مرفوع، وخرَّجه الزيلعيُّ في ((نصب الراية))(١) موقوفاً من كلام سيدنا عمر - على انقطاع فيه - ومن كلام معاذ بن جبل وابن مسعود وعقبة بن عامر ، وفي الإسناد إليهم ابنُ أبي فَرْوة ، وهو متروك ، ومن كلام الزهري ، وهو تابعي لا تقومُ بكلامه حجة . ولكونه لم يَرَه ابنُ حزم مرفوعاً قَسَا عليه في ((المحلَّى»(٢) وعلى الفقهاء الآخذين به، وطال قلمه ولسانه ، كعادته ، رحمه الله . فردَّ عليه الكمال ابن الهمام في ((فتح القدير)) وأثبتَ معناه من أحاديث في (( الصحيحين)) فقال: ((وفي تتبّع المرويِّ عن النبيِّ لَ* والصحابة ، ما يقطع في المسألة ، فقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز : لعلك قبَّلتَ ، لعلك لمستَ، لعلك غَمَزتَ، كلُّ ذلك يُلقِّنه أن يقول (( نعم)) بعد إقراره بالزنا ، وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها تُرِك ، وإلا فلا فائدة . ***** ولم يقلْ لمن اعترف عنده بدّينُ : لعله كان وديعةٌ عندك فضاعت ، ونحوَه، ... فالحاصل من هذا كلِّه: كونُ الحدِّ يُحتال في دَرْئه بلا شك، ... فكان هذا المعنى مقطوعاً بثبوته من جهة الشرع، فكان الشك فيه شكاً في ضروري )) . وهو تحقيقٌ جيد نفيس ، وتتميمه أن يُثَبَّت الحديث نفسه من طريق مرفوعة صحيحة . فقد رَوَى هذا الحديثَ ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)» الإمامُ أبو حنيفة في ((مسنده) وهو الحديث الرابع ضمن كتاب الحدود(٣). وسنده فيه: (١) ٣٣٣:٣. (٢) ١١ :١٥٢ - ١٥٣. (٣) صفحة ٣٢ من طبعة المتن بمطبعة شركة المطبوعات العلمية، وصفحة ١٥٧ من ((تنسيق النظام شرح مسند الإمام)، للعلامة السَّنْبَهْليّ طبعة كراتشي. ٧'. ١٨٦ ((عن مِقَسَم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله محلل: ادرؤوا الحدود بالشبهات )» . ومقسم: ثقة، وثّقه أحمد بن صالح المصري إمام زمانه في مصر، والعِجليُّ، ويعقوب بن سفيان، والدارقطني. وابن عباس: ابن عباس. وليس له إسناد صحيح في المرفوع غير هذا (١). ومن هنا ندركُ أن للأئمة أسانيدَهم الخاصةً بهم ، وندركُ ضرورةً تخريج أحاديثٍ فقههم من كتبهم أنفسِهم إنْ تيسّر ذلك ، وإن لم يتيسر خرَّجناها من كتب المحدثين الآخرين، على شريطة أن لايُجعلّ تخريجهم هذا حَكَماً على رقابهم، وعنواناً على ضعف مذهبهم !! والله الهادي . وقد استفدتُ هذه الملاحظةَ من صنيع العلامة الحافظ الأصوليِّ الفقيه قاسم بن قُطْلُوبُغا الجَمَالي رحمه الله في رسالته (( منية الألمعي فيما فات من تخريج ((الهداية)) للزيلعي))، فإن أكثر استدراكاته على ((نصب الراية)) جاء بها من مصادر أصلية للفقه الحنفي : حديثية أو فقهية . ثم رأيت الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول في ((رفع الملام))(٢): إن الأئمة (( الذين كانوا قبل جَمْع هذه الدواوين كانوا أعلمَ بالسنة من المتأخرين بكثير ، لأن كثيراً مما بلغهم وصحَّ عندهم قد لا يبلُغنا إلا عن مجهول ، أو بإسناد منقطع ، أو لا يبلُغنا بالكلية)). وقال الإمام الكمال ابن الهمام رحمه الله في ((فتح القدير))(٣): (١) وتَنَبَّهُ لدقة العلامة الجلال المحلّي رحمه الله، حيث اقتصر على عزو هذا الحديث إلى مسند الإمام أبي حنيفة، في ((شرحه على جمع الجوامع) ١٦٠:٢، ولم يعرِّج على تلك التخريجات الطويلة غير المُجدية. (٢) صفحة ١٨. (٣) ٢٧:١. ١٨٧ ((وقولُ من قال: لم يصحّ في نقض الوضوء وعَدَمه بالدم والقيء والضَّحِك حديثٌ: إن سُلُّم لم يقدح، لأن الحجيَّة لاتتوقّف على الصحة ، بل الحُسْنُ كافٍ ، على أنه رأيُ هذا القائل ، فأما مجتهدٌ علم الاختلاف في صحة الحديث ، وغَلَب على رأيه صحتُه : فهو صحيح بالنسبة إليه ، إذْ مجردُ الخلاف في ذلك لايمنع من الترجيح وثبوت الصحة » . وقال أيضاً(١): ((أما المجتهدُ في اعتبارِ الشرط وعدمِه، والذي خَبَر الراوي: فلا يَرجع إلا إلى رأي نفسه». الملاحظة الثالثة: قد يكون دليلُ الأئمة الفقهاء حديثاً ضعيفَ السندِ حقاً، سواء أكان من طريقهم أم من طريق المحدثين، ولكنْ يكون له من المؤيِّدات ما لا يحصى كثرةً، من الكتاب أو السنة، أو منهما معاً. وهذه الملاحظة تُستفاد من صنيع الإمام ابن الهمام في تقويته لمعنى حديث ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)) - على تسليم ضعفه - . ومثال آخر يُستفاد منه هذا أيضاً . يَستدلُّ الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن الطلاق حقُّ الرجل بحديث ابن عباس مرفوعاً: ((إنما الطلاقُ لمن أَخَذَ بالساق)». وهو حديثٌ رواه ابن ماجه (٢) من طريق يحيى بن بُكير عن ابن ◌َهيعة ، وهو ضعيفٌ مختلط ، ورواه غير ابن ماجه ، ولايخلو من متكلّم فيه، وغايةُ مافيه قول الشوكاني في ((نيل الأوطار)»(٣): ((طُرُقُه يقوّي بعضها بعضاً)) فَمن حسّنه فمِن أجل هذا حسَّنه. (١) ٣١٨:١. (٢) ٦٧٢:١ (٢٠٨١). (٣) ٦ :٢٥٣. ١٨٨ ومع هذا فلو سلّمنا ضعفه فلاينبغي انتقاد الاستدلال به ، لما له من المؤيدات والشواهد القرآنية التي فيها إسناد الطلاق إلى الرجل لا إلى المرأة. قال الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِكَ﴾. وقال أيضاً: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَاءُ فَبَلَغْنَ أَجْلَهُنَّ﴾. وقال سبحانه: ﴿ وَالْمُطَّلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ وغير ذلك كثير. وقد نبّه ابن القيم رحمه الله إلى هذا، فقال في ((زاد المعاد))(١): (( وحديثُ ابن عباس رضي الله عنهما المتقدمُ وإن كان في إسناده مافيه ، فالقرآن يعضده ، وعليه عملُ الناس)) . ومثالٌ ثانٍ : نصَّ الفقهاء على استحباب تغطية الرأس عند دخولِ الخلاء، وفيه حديث ((كان رسول الله ﴿ إذا دخل المِرْفق لبس حذاءه وغَطَّى رأسه)). هذا لفظ ابن سعد، عَزَاه إليه السيوطيُّ في ((الجامع الصغير))(٢) وهو من رواية أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن صالح، مرسلاً. قال شارحه المُنَاوي: ((قال الذهبي: أبو بكر ضعيف .. ورواه البيهقي (٣) عن حبيب المذكور)) وفيه أبو بكر أيضاً. فلا يثبتُ شيء من هذا، لكنْ روى البخاري(٤) في كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع بن أبي الحُقَيق، وفيه قول عبدالله بن عَتيك رضي الله عنه يحكي عن نفسِه: «فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنَّع بثوبه كأنه يقضي حاجةٌ .. )). ومعنى تقنَّع بثوبه: ماجاء في الرواية الثانية: ((قال: فغطّيتُ رأسي كأني أقضي حاجة)). وهذا يفيد أنه صنيعٌ معلوم عندهم هو الأصل في هذه الحال . (١) ٥ :٢٧٩. (٢) ١٢٨:٥ بشرحه (فيض القدير))، وفيه عزوٌ إلى أبي داود، وهو خطأ. (٣) ٩٦:١. (٤) ٣٤٧:٧. ١٨٩ وفي ((تدريب الراوي)) (١): ((قال أبو الحسن ابن الحصَّار في ((تقريب المدارك على موطأ مالك)): (( قد يَعلم الفقيه صحةَ الحديث إذا لم يكن في سنده كذابٌ : بموافقةِ آيةٍ من كتاب الله ، أو بعضٍ أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به )) . وبهذا يصبح الحديث حجة ، ولا يجوز خلافه . وهناك ملاحظة هامة جداً تحتاج إلى شيء من البسط والبيان ، لتقريبها واتّضاح الشاهد منها . للإمام مسلم رحمه الله تعالى كتاب سماه « الانتفاع بأهُب السِّباع» نقل منه الإمام البيهقي رحمه الله نصاً طريفاً فيه بيان طريقة الإمام الشافعي رضي الله عنه في عرض أحكامه وأدلتها ، فقال في ((بيان خطأ من أخطأ على الشافعي)» (٢): لاقال مسلم : والشافعيُّ لم يكن اعتمادُه في الحجة للمسائل التي ذكر في كتبه، تلك الأحاديثَ في إثر جواباته لها ، ولكنه كان يَنتزِعُ الحجج في أكثر تلك المسائل من القرآن والسنة ، والأدلة التي يستدلُّ بها ، ومن القياس إذْ كان يراه حجةٌ، ثم يذكرُ الأحاديثَ : قويةً كانت أو غيرَ قوية ، فما كان منها قوياً اعتمد عليه في الاحتجاج به ، ومالم يبلُغ منها أن يكون قوياً ذَكَره عند الاحتجاج بذكرٍ خاملٍ فاتر ، وكان اعتمادُه حينئذ على مااستدلَّ به من القرآن والسنة والقياس .. )). ومُفَاد هذا : أن طريقة الإمام الشافعي في كتبه : ذكرُ الحكم مُؤيَّداً بالحجج من الكتاب والسنة يستنبطها منها استنباطاً ، ثم يذكر ماهو صريحٌ في المسألة قوياً كان أو غير قوي ، ويشير إلى مالم يكن قوياً (١) آخر التنبيه الخامس من التنبيهات عن تعريف الحديث الصحيح ص ٢٥. (٢) صفحة ٢٤٣. ؛ ------- ---. ١٩٠ بإشارةٍ حينَ ذِكْره له . فالعمدةُ من الحجج ماقدَّمه من الأدلة. ثم قال البيهقي بعد أسطر: ((وتصديرُ بعض أبواب المختصر - مختصر المزني - بأحاديث لا يُحتج بها : واقعٌ من جهة المزني رحمه الله، فأما الشافعي رحمه الله فإنه إنما أوردها الجملة - أي على الطريقة - التي ذكرها إمامُ أهل النقل مسلم بن الحجاج رحمه الله )) . فانظر كيف حصل التغيُّر في عرض الأدلة من الإمام إلى تلميذه ! الإمام يصدِّر من الأدلة ماهو عمدة عنده ، والتلميذُ يصدُّر ببعض مافيه مقالٌ، وقد ذكره الإمام أثناء كلامه واستدلاله مع الإشارة إلى مافيه ، فيكون المزني رحمه الله قد أغفلَ أمرين من صنيع الإمام : تأخيرَ ذكرِ الدليل الذي لايحتج به، والإشارةَ إلى مافيه(١). هذا مع عدم الفارق الزمني ، ومع الصحبة التامة والملازمة الطويلة من المزني للإمام ، فلا عَجَب إذا رأينا بعد ذلك من علماء متأخرين في الزمن عن إمام المذهب بدهور وقرون يستدلون بغير ما يستدلُّ به - لكن يوافق أحكامه واجتهاداته - أو يقتصرون على الاستدلال بما هو ضعيف، وفي الباب من الأحاديث الصحيحة مايغني. والله أعلم. وقد يذكر المصنفون في الفقه دليلاً على حكم ، وينسبونه حديثاً مرفوعاً إلى النبي مَ، فيخرجُه المحدثون على أنه من كلام فلان وفلان من التابعين ، فيظنُّ ظانٌّ أن الحكم الفقهي قد زال وأُلْغي من أصله ، وبَطَل فقه الفقهاء واجتهاد المجتهدين ! مع أن المسألة لها دليلها من المقطوع به الثابت بالقطع لا بالظنّ . (١) انظر لزاماً للتوسع في شرح هذه الملاحظة في ((مناقب الشافعي)» للبيهقي ٣٤٧:٢ فما بعدها، وانظر ملاحظة أخرى على تصرُّف المزني بعبارةٍ للإمام الشافعي في ((الزاهر» للأزهري ص ٤٦ - ٤٧ . ١٩١ مثال ذلك : استدلال بعضهم على أن صلاة فريضة الظهر والعصر تكون سراً لا يجهر فيها بالقراءة ، استدلالهم على هذا بـ «صلاة النهار عجماء))، مع أنه «باطل لا أصل له)) في المرفوع، إنما هو من كلام بعض التابعين: ((مجاهد وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود))(١). غير أن هذا لا يفيدُ بطلانَ هذا الحكم الفقهي، فنبيحَ لأنفسنا الجهرَ في صلاة النهار، إذْ أن هذا الحكم ثابتٌ من حديث البخاري عن خبابٍ ابنِ الأَرَتِّ أنه سئل: ((هل كان رسول الله ﴾ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بمَ كنتم تَعرِفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته)) وَله. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (( حَزَرنا قيامَ رسول الله * في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قَدْرَ قراءةٍ : آلم السجدة ، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك .. )). فإفادةُ هذين الحديثين - وهما في الصحيحين - هذا الحكمَ مضمومٌ إليهما توارثُ المسلمين له واستفاضتُه بينهم من غير نكير: كلُّ هذا يفيد القطع ولاريبَ ، فهو - إذاً - حكمٌّ مبنيٌّ على مقطوع بصحته، لاعلى حديث مقطوع من كلام بعض السلف ممن لايجب اتّباعهم ولا الأخذ بقولهم. ومَن يَستدل بهذه الأحاديث الضعيفة في ذاتها ، القوية بشواهدها الخارجية، إنما يستدلُّ بها لصراحتها في الدلالة على الحكم، لالقوتها الذاتية، مع تسليمنا بعدم جواز نسبة ألفاظها إلى النبي 8 *. (١) كما نقله الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية» أول الجزء الثاني، والسخاوي في «المقاصد الحسنة(ص ٢٦٥ - ٢٦٦، وانظره في ((مصنف)» عبدالرزاق ٤٩٣:٢ من كلام الحسن البصري أيضاً. wwwww ١٩٢ وخلاصةٌ هذا كلِّه : أن الأحاديث الضعيفة ونحوّها التي نراها في كتب الفقه المتداولة : منها ماهو من أدلة الإمام نفسه ، ومنها - وهو كثير - من استلالات المؤلف المستدلِّ بها . ولا يلزمُ من ضعفها : ضعفُ الحكم المبنيِّ عليها ، فقد يكون له شواهدُ قرآنية، وقد يكون له شواهدُ من السنة الصحيحة المجزوم بها. الملاحظة الرابعة: أن الحديث قد يكون ضعيفاً من طريق المجتهد، ومن طريق المحدثين، وليس له شواهد تجعله صحيحاً ثابتاً، لكن يكون استدلالُ الإمام به على وَفْق مذهبه من الاحتجاج بالحديث الضعيف إذا لم يُوجد في الباب غيره، ولم يشتدَّ ضعفه ــ كما تقدم بيانه في الكلام عن النقطة الثانية من السبب الأول-، وضعيفُ الحديث خير من الرأي والقياس. والله تعالى أعلم . ١٩٣ ..- wwwwwww. ٠٠٨٨٨Ww.ww.w ... w-www- * الخُلَاصَة وصفوة القول : أننا رأينا في : - المقدمة : حرصَ الأئمة على أخذٍ علومهم من السنة النبوية ، ثم بناءِ فقههم واجتهاداتهم عليها ، وحضّهم الناس على طلب الحديث الشريف ، وابتعادهم عن الرأي ، وأن العصمة من الفتن في الدين بالاستظلال بسنة النبي * ، ففيها النجاة من المهالك . ثم رأينا في : - السبب الأول - وهو : متى يصلح الحديث الشريف للعمل به - أن هناك نقاطاً أربعة لابد من ملاحظتها ، وهي : أ - الاختلاف في بعض شروط صحة الحديث، وأن الأئمة قد اختلفوا في بعض شروط الصحة . فنشأ عن ذلك بعضُ اختلافاتٍ فقهية . ب - وهل يُشترط في الحديث ليعمل به أن يكون صحيحاً . ورأينا في الجواب أن عدداً من الأئمة الفقهاء والمحدثين لا يشترطون ذلك ، بل سوَّغوا العمل بالحديث الضعيف ، شريطةً أن لا يكون في الباب غيره ، وقدَّموا العملَ به على العمل بالقياس . واعتمد بعضُهم الحديثَ الضعيف للترجيح بين معنيين محتَمَلَيْن (١) * - تركت ((الخلاصة)) كما جاءت في الطبعة الأولى دون زيادة لتبقى (خلاصة)». ١٩٤ على التساوي في نصٌّ ما، ولامرجِّح بينهما إلا هذا الحديث الضعيف. ومن هنا يَنشأ بعضُ الاختلاف أيضاً بين من يعتمد الحديث الضعيف ، وبين من لايعتمده . ء ج - وضرورة التثبت من اللفظ النبوي للحديث ( الرواية باللفظ أو المعنى ) . ورأينا هنا مثالاً تطبيقياً لذلك هو الاختلاف بين الرواة في رواية كلمة واحدة: ((ومافاتكم فأتموا)) أو ((ومافاتكم فاقضوا». ولذلك اشترط الإمام أبو حنيفة فيمن يريد الرواية بالمعنى أن يكون فقيهاً إلى جانب مااشترط غيره فيه : أن يكون عالماً بالعربية. د - إثباتُ ضبطِ الحديث الشريف من حيثُ العربيةُ . ورأينا فيه مثالاً له أثره في اختلاف الأئمة الفقهاء في حلِّ أكل الجنين الذي خرج حياً من شاة ذكيت ذكاة شرعية ، وعدم حل أكله ، وقد نشأ هذا الاختلاف عن عدة أمور ، منها : هل لفظ الحديث ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) برفع (( ذكاة)» في الموضعين ؟ أو بنصبهما ؟ أو برفع ((ذكاة)» الأولى ونصب الثانية ؟ . وفي ختام الحديث عن هذا السبب الأول عرضت لشبهتين تعترضانه، هما : ١ - إذا صحّ الحديثُ فهو مذهبي . ٢ - صحةُ الحديث كافيةٌ للعمل به. وبيَّنتُ باستيفاء أن الأئمة أرادوا من قولهم ((إذا صح الحديث فهو مذهبي)): إذا صحّ وكان صالحاً للعمل به ولم تعترضه أمور وأمور، وأن المخاطَب بهذا القول هو الأئمة أمثالهم، وأن نفراً من العلماء السابقين حاولوا فوقعوا في الغلط، أو اضطرب تطبيقُهم للحكم، وفي هذا عبرةٌ ودرسٌ لنا. ١٩٥ كما بينتُ غَلَطَ زَعْم القائل: صحة الحديث كافية للعمل به، وأن مَآلَ هذه الكلمة إلى الكلمة السابقة، والجوابُ عن تلك جوابٌ عن هذه . ثم عَرَضتُ لقول بعضهم: إننا مأمورون باتِّباع رسول الله اخ*، دون سواه من الناس . وأجبتُ عن هذا بأن الأئمة كانوا في اجتهاداتهم متبعين له عليه الصلاة والسلام ، حريصين على ذلك . وبينتُ خَطَر التنفُّل في المسائل من مذهب إلى مذهب بحجةٍ وضوح الدليل عند صاحب هذا المذهب في هذه المسألة ، وليس هذا المتنقّلُ أهلاً للترجيح بين أدلة الأئمة . ثم تبيَّن لنا في الكلام عن : - السبب الثاني - وهو اختلاف الأئمة في فهم الحديث الشريف - أن هذا الاختلاف ينشأ عن أمرين : - تفاوتهم في مداركهم العقلية فطرةً وكسباً . - وذكرتُ الأدلة والأمثلة على ذلك، كقصة الإمام أبي حنيفة مع الأعمش ، ومحمد بن الحسن مع عيسى بن أبان ، ومذاكرة الإمام أحمد مع الإمام الشافعي .. رضي الله عنهم أجمعين . ثم نبهتُ إلى أمر له أهميتُه وخَطَره ، وهو : أن هذا الفقهَ إنما هو الدينُ، لأنه الفهمُ والتفسيرُ والشرح للكتاب والسنة ، ونفيه عن الدين : إبطالٌ لهذا كله ، وإبقاءٌ للكتاب والسنة نصوصاً مجردة . وخلصتُ إلى التنبيه إلى خطأ من يقدِّم فهمه إلى الناس باسم « فقه السنة والكتاب)) أو (فقه السنة)) مجرّداً عن اعتبار فقه الأئمة السابقين، ففقه أبي حنيفة مثلاً - عند هؤلاء - منسوب إلى أبي حنيفة، لا إلى الكتاب والسنة ، أما فقههم فمنسوبٌ إلى الكتاب والسنة !! . ١٩٦ وعند الحديث عن : - السبب الثالث - وهو اختلافهم في الجمع بين المتعارِض من السنة ظاهراً - رأينا مراحلَ الجمع بين المتعارضين ، وهي: الجمع بينهما ، فإن لم يمكن : فدعوى النسخ ، فإن لم تمكن : فالترجيح بينهما . ورأينا أن دعوى النسخ ليستْ بالأمر الاعتباطي ، بل له أصولُه ومعرِّفاته ، وأنه أمر شاقٌ ليس بالهيِّن . كما رأينا صعوبةً الجمع بين المتعارضين، وأنه يتطّلب فهماً ثاقباً، واطلاعاً واسعاً، وأن وجوه الجمع بين متعارضين كثيرةٌ جداً، أوصَلَها الحافظ العراقي إلى مائة وجه وعشرة وجوه، وأشار إلى أن ثمة غيرها. وشهدنا عدة حقائقَ في الحديث عن : - السبب الرابع - وهو اختلافهم بسبب تفاوتهم في سعة الاطلاع على السنة - . الحقيقة الأولى : أن الأئمة كانوا على اطّلاع واسع على السنة ، ومع ذلك لا يحيط الواحد منهم بالسنة جميعها . الحقيقة الثانية : وقفتُ - بشيء من التفصيل - عند بيان سعة اطلاع الإمام أبي حنيفة على السنة ، وذكرت نصوصاً وقصصاً مختلفة دالة على ذلك ، وأنه إنما كان قليلَ الرواية للحديث على الناس ، في حينٍ أنه كان كثيرَ التحمُّلِ والحفظِ لها والاطلاع عليها . الحقيقة الثالثة : رجوعُ بعض الأئمة عن أقوال لهم وفتاوٍ صدرتْ عنهم إلى ماحُدِّثوا به مما يخالف ماصدر عنهم ، وأن ذلك قد فاتهم الاطلاع عليه . ثم عرضتُ لسؤالٍ يَرِد على تأخيري هذا السببَ إلى آخر الأسباب ، وأجبتُ عنه ، وأن تأخيره هو الحق الطَّبَعي المنطقي له . ١٩٧ ثم ذكرت ثلاث شُبَه تتوجه إلى هذا السبب وأجبت عنها ، وهي : أ - قد فات الأئمةَ بعضُ السنة، وهذا يجعلهم في عُرضة لأن يكون قد فاتهم شيء آخر في هذه المسألة، والمسألة الأخرى و ... فلننظُر الدليلَ نحن، لنطمئن أكثر . وأجبتُ بأن أصحابَ كلِّ إمام قد استدركوا هذا وبيَّنوه، وبأنه من الخطأ في أصول العلم وحكم العقل أن نسحب حكم النادر على الكل. ب - زَعَم بعضهم أن كُتُبَ السنة اليومَ ميسورةٌ أكثرَ من قبل ، فمن الممكن أن نبني منها مذهباً فقهياً جديداً أو مستفاداً من المذاهب الموجودة: بأن نأخذ بالأقوى دليلاً بناء على كتب السنة المتوافرة . وجواب ذلك : أن عدد أحاديث أوسع الكتب الحديثية الموجودة ، أقلُّ من عددِ الأحاديث المنقولِ عن الأئمة أنهم اطلعوا عليها ، أو أودعوها في كتبهم . هذا ، إلى جانب افتقار أحاديث كثيرة في هذا الكتاب إلى النظر في أسانيدها ، مع أن كتبها غير ميسورة للنظر فيها ثم الاستفادة منها . وأن توفرَ الأحاديثِ ليس هو الأصلَ الأولَ والأخيرَ في هذا المضمار، فهناك أسبابُ الاختلافِ الأخرى التي ذكرتها والتي لم أذكرها . وأن المجتهد لا يُعوزه الاطلاعُ على السنة فقط ، بل هناك شروط أخرى كثيرة يجب أن تتوافر فيه ، إلى جانب العمل الصالح والعبادة والتقوى ، وذكرتُ أدلة هذا من السنة النبوية . ج - يَستشكلُ بعضُهم وجود أحاديث ضعيفةٍ أو موضوعة في كتب الفقه المتداولة، ويظن أنها أدلة إمام المذهب، فكيف تُسَلَّم له الإمامة وهو بهذه المثابة؟ ويظن أنها هي أدلةُ هذا الحكم، فإذا ضُعِّفت ضُعف حكمها كذلك. وأجبت عن هذا ببيان عدة ملاحظات هامة : . .- ١٩٨ ١ - أن الأحاديث المذكورة في كتب الفقه منها ماهو دليل إمام المذهب، ومنها ماهو من استدلال المؤلف نفسه . ٢ - أن تضعيفَ هذه الأحاديث إنما هو بناء على النظر في أسانيد المحدثين المخرجين لها، لا النظر في أسانيد إمام المذهب ، فللأئمة المجتهدين أسانيدُهم الخاصة بهم، وذكرتُ مثالاً على ذلك هو حديث («أدرؤوا الحدود بالشبهات)). ٣ - قد يذكرُ الفقيهُ هذا الحديث دليلاً للحكم ، ويكون الحديث ضعيفاً، لكن له مؤيِّداتٌ وشواهدُ قويةٌ جداً، وإنما اختاره الفقيه لصراحته في الدلالة على المراد . وذكرتُ لذلك مثالين : حديث ((إنما الطلاق لمن أخذَ بالساق)) و((صلاة النهار عجماء)). ٤ - قد يكون الحديث ضعيفاً، وليس له ما يقويه، لكن يكون استدلال الإمام به بمقتضى اختيارِه العملَ بالحديث الضعيف إذا لم يوجد غيره في المسألة ، وتقديمه حينئذ العملَ به على العمل بمقتضى القياس. والله أعلم. وهنا تم مايسر الله تعالى عرضه وتلخيصه ، أسأل المولى عز وجل أن يجعل فيه الرشاد والسداد ، ويُعظم لي به الأجر والثواب بفضله ومنّه ، إنه وليُّ كل خير ونعمة ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ، والحمد لله رب العالمين . حلب - جمعية التعليم الشرعي - وكتبه محمّد عَوَّامِسَة ٧ من شهر ربيع الأول ١٣٩٨ هـ