Indexed OCR Text
Pages 101-120
٩٩
ومع ذلك فقد «كان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار
ناسخٌ لأحاديث الإباحة، لأن الإباحة سابقة)) كما في ((الفتح))(١) وانظر
توجيهه هناك، ثم نقل عن النووي: ((استقرَّ الإجماع على أنه لاوضوء
مما مسّت النار إلا ماتقدم استثناؤه من لحوم الإبل».
وقد قال الإمام الشَّرَخْسيُّ رحمه الله تعالى في ((أصوله))(٢) كلمة
غالية جداً فيما نحن بصدده، قال: ((إن قول الرسول 8# موجب للعلم
باعتبار أصله، وإنما الشبهة في النقل عنه)). فمن سمع منه قولاً أفاده
العلمَ الجازمَ، ووجب عليه العمل به ، لكن من نُقِل إليه قولُه فقد تقوم
القرائن مقام السماع منه، فيفيده العلمَ الجازم أيضاً ووجوبَ العمل به،
وقد تحصُل الشبهة في طريق النقل - وهو الناقل - وقد تحصلُ الشبهة
في المنقول، بمخالفته للمقطوع به، أو لتعارضه مع غيره، أو لغير
ذلك من الاحتمالات، وما نحن فيه صورة من صورها.
وفي ((الأوسط)) لابن المنذر(٣): ((حُكيَ عن حماد بن سلمة أنه قال:
إذا جاءك عن رجل حديثان مختلفان لاتدري الناسخَ من المنسوخ، ولا
الأولَ من الآخر: فلم يجثْك عنه شيء)». أي: فاعتبر نفسك أنه مانقل
إليك شيء عنه .
وقال أبو داود في ((سننه))(٤): ((إذا تنازع الخبران عن النبي * يُنظر
بما أخذ به أصحابه)).
والبحث طويل، إنما الشاهد من هذا: أن حال الذي لم يسمع من
النبي # - صحابياً كان أم غيره - يختلف عن حال من ((يَفرِض نفسه
(١) وأصله لابن عبدالبر في ((التمهيد)) ٣٣٢:٣ - ٣٣٤.
(٢) ٣٣٩:١.
(٣) ٢٢٥:١.
عقب الحديث (١٨٥١).
(٤)
١٠٠
بين يدي النبي ﴿ وقد سمع ذلك منه)) فالمتأخر سيعملُ بأحدٍ
الحديثين مع علمه بكليهما ، أما المشاهد السامع : فسيعملُ بأحدهما
أيضاً، لكنْ مع عَدَم علمه بالثاني ، أو مع عِلْمه به - كأنْ يرويَه له
صحابي آخر - لكنْ مع عدم شهوده له، فيقدّم حينئذ ماشهده على ما
نُقِل إليه - إلا إذا افترضنا أن الصحابي الذي يرويه له أفاده بأن الأمر
الأول قد كان ثم نسخ - .
فابنُ عباسِ شهد النبيَّ ◌َ﴿ أَكَلَ ثلاثَ لُقَم من لحم ثم صلَّى ولم
يمسَّ ماء، ولمّا روى له أبو هريرة حديث ((توضؤوا مما مسَّت النار))
لم يعمل به، عملاً منه بما شهده، وتقديماً له على ماسمعه بواسطة،
ولا يقال لابن عباس: افرِض نفسك بين يدي النبي ## .. ، ولا يقال
له: أيَسعك التأخر عن العمل بما بلغك عنه عليه الصلاة والسلام.
وهذا يذكِّرنا بموقفٍ آخر لابن عباس رضي الله عنهما ، وفيه عبرةٌ
كبرى فيما نحن بصدده .
روى الإمام أحمد، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)» (١) - واللفظ
له - أن عروة بن الزبير قال لابن عباس رضي الله عنهم: أَضْلَلْتَ
الناس ياابن عباس! قال: وماذاك ياعُرِّيَّةُ؟ (٢) قال: تُفتي الناسَ أنهم إذا
طافوا بالبيت فقد حلُّوا، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجيئان
مُلَبِّبَيْن بالحج، فلا يزالان محرمَيْن إلى يوم النحر . قال ابن عباس :
بهذا ضَلِلتم، أحدثكم عن رسول الله * وتحدثوني عن أبي بكر
وعمر !! فقال عروة: إن أبابكر وعمر رضي الله عنهما كانا أعلّم
برسول الله منك (٣).
(١) «المسند» ٢٥٢:١، والطحاوي ١٨٩:٢.
(٢) عرية: تصغير ((عروة)) للتصغير.
(٣) ولفظ عروة في ((المسند)) ((كانا هما أتبعَ لرسول الله {8} وأعلمَ به منك)) . =
١٠١
ورواه الطبراني(١) ولفظه: أن عروة قال له: طالما أضللتَ الناسَ.
قال: وماذاك ياغُرَيَّة؟ قال: الرجل يخرج محرماً بحج أو عمرة، فإذا
طاف زعمت أنه قد حلَّ! فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك!
فقال - ابن عباس -: أهما - ويحك ـ آثَرُ - أي: مقدَّمان - عندك أم مافي
كتاب الله، وما سنَّ رسول الله ◌َ﴿ في أصحابه وفي أمته؟! فقال عروة:
هما كانا أعلمَ بكتاب الله وماسنَّ رسول الله مُمَ ◌ّ مني ومنك.
قال ابن أبي مليكة راويه عن عروة: فخصمه عروة !.
فابن عباس لما شهد أمراً من رسول الله ◌َي أمكنه أن يجعلَ سبب
ضلال الأمة تأخّرَها عنه ، وعملَها بقولِ غيره، إذْ لاعلم لابن عباس
بغيره ، لكنَّ عروة يقول : نعم ، نحن لانُعرِض عن هَذْي رسول الله
* حينما نأخذ بقول أبي بكر وعمر، إنما نحن أمام أمرين: أمرٍ شهده
ابن عباس، وأمرٍ شهده أبو بكر وعمر، فنرجِّح قولَهما عليه لأعلميتهما
بحال رسول الله ال # .
وهذا هو جوابُنا لمن يَدعونا إلى نَبْذِ فقهِ أبي حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد رضي الله عنهم، وإلى الأَخْذ بما يسمونه ((فقه السنة والكتاب))
أو ((فقه السنة)»، وما إلى ذلك من ألقاب وشعارات ! نقول لهم :
لانَرضى بكم بديلاً عن أولئك، فإنهم أعلمُ منكم برسول الله {ص185، بل
إن ( أعلمُ) هنا ليست على بابها في التفضيل، إذ لا مناسبة بينكم وبينهم
في العلم، وإن حِرْصَنا على التمسُّك بهَذي النبي ول هو الذي يدفعنا
إلى الأخذ بما فَقِهوه من السنة المطهّرة .
وفي ((التمهيد)) ٣٥٣:٣ عن الإمام الثقة الثبت يحيى بن سعيد الأنصاري
رحمه الله قال: ((كان أبو بكر وعمر أتبعّ الناس لهدي رسول الله (ص)).
وانظر المسألة في ((زاد المعاد)» ١٧٨:٢ -٢٢٣، و((إعلاء السنن)
١٠ :٢٥٨ - ٢٧٤.
(١) في («الأوسط)) ٤٢:١ (٢١).
١٠٢
على أن الذي يتمسّك بهذا الحوار - بعد أن يبتره ولا يذكره كاملاً -
نراه لايتمسك بآراء ابن عباس الأخرى التي نظر فيها إلى علّة الحكم
- في اجتهاده - ولم يقف عند ظاهر النص، مثل قوله بعدم سُنيَّة الرمَل
في الطواف، بل قال رضي الله عنه فيمن ذهب إلى سُنيته: كذبوا - أي
أخطؤوا - كما في ((صحيح مسلم))(١)، مع أن عمر رضي الله عنه قال:
((شيءٌ صنعه النبي ◌َ ﴿ فلا نحبُّ أن نتركه)) كما في «صحيح
البخاري))(٢).
وبعد، فهذا هو الجواب عن كلمة الإمام السبكي، التي قال عنها
هذا الجاهل في مقدمة («الآيات البينات)) صفحة ح: إنها قاصمة الظهر
للمتعصِّب! فإذا كانت حجتُه القاصمةُ للظهر بهذا الوضوح من الجواب،
فما بالك باهتراء حُجَجه الأخرى !! إنما هي عند النظر شُبَه ينطبق
عليها قول من قيل له: ماتشتهي؟ فقال: أشتهي حجة تتبختر اتّضاحاً،
وشبهة تتضاءل افتضاحاً.
*
وأما الجواب عن الجملة الثانية - وهي أن المسلم مأمور باتباع النبي
* دون غيره - فنقول لهذا القائل :
١٨,١٠ ×٤٤٤٠٠٠٠
إن مقتضى كلامك : أن أئمة الإسلام الذين تقدمتْ شَذْرةٌ من
كلامِهم في الحضِّ على التزام السنة ، وأنَّ تركَها علماً أو عملاً
انحرافٌ وخذلانٌ وضلال ...
(١) ٩٢١:٢ (٢٣٧).
(٢) ٤٧١:٣ (١٦٠٥) من الطبعة السلفية.
١٠٣
مقتضى كلامك هذا أنهم ماكانوا على هُدى واتباع للنبي صل* ،
لذلك فأنت تريد اتباع النبي * عن غير طريقهم ، فكأنك تتصوَّرهم
أحباراً ورهباناً يحلُّلون للناس ويحرِّمون عن غير دليل من كتاب الله
تعالى وسنة نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام !! مع أن هؤلاء كانوا ألزم
للسنة مما يتصوَّره عقل المحبُّ لهم، وماكانوا إلاَّ مبلّغين الناسَ مِن
ورائهم أمرَ النبي﴿ ونهيَه، كما يبلِّغُ المؤذن تكبيراتِ الإمام
للصفوفِ المتأخرة عنه .
فإن قلتَ : أنا أحبُّ أن أفهمَ أحكامَ ديني عن دليل ، وهذا الحكم
لم أستطعْ فهمَه كما يقوله أبو حنيفة ، بل فهمتُه على الوجه الذي قاله
الشافعي ، ولاأرتاحُ إلى عملِ ما إذا لم أَفْهمْ دليلَه ، ولذلك سأعملُ به
على وَفْق المذهب الشافعي ، فهل من حرج في ذلك ؟ .
فالجواب : أنَّ هذا التنقُل من مذهب إلى مذهب :
- إما أن يكون عن تقليد لأمرٍ عَرَضَ للمقلِّد ، فهذا لابأس به ،
والتقليدُ سائغ ، وشهرتُه أوفى من أن أتحدَّثَ فيه .
- وإما أن يكون عن تتبُّع للرخَصِ في مذاهب الأئمة ، فهذا
لا يجوز ، ولستُ بصدد الحديث عنه ، لأُفيض في النقول فيه .
- وإما أن يكون عن بحثٍ واجتهادٍ في هذه المسألة الواحدة، فيُنظَر:
- إنْ كان الباحثُ أهلاً لهذا المقام - مقام الترجيح بين أدلة الأئمة
المجتهدين - مُتَحَلياً بالإنصاف : فلابأس بهذا، بل هذا من مفاخر فقه
الإسلام، ومفاخر علماء الإسلام، وكيف يُنكر وقد حَصلَ كثيرٌ منه
لكثير من أئمتنا المتأخرين - بَلْه المتقدمين - كالنوويِّ وابن الصلاح
والعز ابن عبد السلام وابن تيمية وابن القيم والتقي السبكي وابن
الهمام .. رحمهم الله تعالى، على توالي القرون، وإلى يومنا هذا.
١٠٤
حتى إن شيخ شيوخنا العلامة الكوثريَّ رحمه الله تعالى - على نَبْز
كثير من الناس له بالتعصُّب لمذهبه الحنفي - تجدُّه في كتابه
((المقالات))(١) يتركُ قولَ الإمام أبي حنيفة في عدم لزوم الوقف
المحبَّس إلا بحكم الحاكم ، ويختارُ ماعليه جماهير الأمة وما ثبتَ
بالأحاديث الصحيحة ومن فعل الصحابة رضي الله عنهم ، ويكرر
القول بأن ((لأبي حنيفة مسائل تابع فيها أمثالَ شُرَيح والنخعيِّ من غير
أن يبذُّل المجهودَ في معرفة دليلِ قولٍ منها ، لكنْ إذا وَضَح الحقُّ
وظهرت الحجة في خلاف ذلك القول فليس يصح أن يُعْزى إلى
اجتهاده ماتابع فيه سواه بدون دليل، ثم ظهر خطأ متبوعه كوَضَح
الصبح، لأن الاجتهاد إنما يكون فيما لانصَّ فيه .. ))(٢).
وكلامُه هذا : ينسحبُ على المسائل التي قال عنها في مقدمة كتابه
((النكت الطريفة))(٣): ((والخُمُسُ الرابع هو الذي تبيَّن خطؤه فيه، على
أكبر تنزُّل)) وعدد مسائل هذا الخُمُس حسب كلامه هناك يزيد على
عشر مسائل.
وهكذا شأنُ شيخ شيوخنا الآخر العلامة ظَفَر أحمد العثماني
التّهانَوي رحمه الله، فإنه ترك القولَ المقرَّرَ في مذهبه الحنفي ، إلى
غيره ، في عدة مواضع من كتابه الموسوعي المحرَّر ((إعلاء السُّنَن)) مع
حرصه وتمشُّكه الظاهر بمذهبه من خلال كتابه المذكور .
- وإنْ كانَ غيرَ أهلِ له ولامتحلَّ بالإنصاف في بحثِه - كما هو حال
(١) صفحة ٢٠٠ - ٢١٥.
(٢) ومن الأقوال الحكيمة: ما أسنده الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ٥٨:٢ إلى
المأمون العباسي أنه قال: ((إذا وضحت الحجة ثقل على الأسماع استماع
المنازعة فيها)).
(٣) صفحة ٥.
١٠٥
هؤلاءِ المتطاولين المتعالمين المنتهكين لحُرُمات السلف بزعم الانتساب
إليهم، وإنما هو الشُّرود والمروق، والجدال والمراء : - فهذا الذي
نُنكره ولانُقِرُّ عليه أحداً مهما تستّر بألقابٍ وأنساب !! .
ونقول لهؤلاء المغرَّر بهم :
إِنَّ هذا التنقُلَ من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي في هذه
المسألة ، يجرُّ إلى التنقّل في غيرها إلى المذهب المالكي مثلاً، وإلى
التنقُّل إلى المذهب الحنبلي في مسألة أخرى . وهكذا تعودُ السلسلةُ
إلى أولها في مسألة رابعة ، أو إلى مذاهب أخرى مندرسة غير
المذاهب الأربعة ... .
وهذا التنقلُ هو الذي عناه الخليفة الإمام عمر بن عبدالعزيز رضي الله
عنه بقوله الذي رواه عنه الدارمي(١):(( ... ومَن جعل دينَهَ غَرَضاً
للخصومة(٢) كثُرُّ تنقُّلُه)). ثم يؤول الأمرُ بهذا المتنقّل المرجّح بين
مذاهب الأئمة - يؤول به الأمر إلى أن يجتهد لنفسِه الخروجَ عن
المذاهب الأربعة ... وعن الأربعين و ....
ولكلمة عمر بن عبدالعزيز هذه مناسبةٌ حدثتْ للإمام مالك رضي الله
عنه فاستشهدَ بها، وهي تناسبُ المقام، فأذكرها نقلاً عن ((الانتقاء)(٣)
للحافظ ابن عبد البر، رواها بسنده إلى معن بن عيسى أحد أصحاب
الإمام مالك رحمهم الله .
قال معن بن عيسى: ((انصرفَ مالك يوماً من المسجد وهو متكىء
على يدي. قال: فلحقه رجلٌ يقال له أبو الجُوَيرية - كان يُنَّهم بالإرجاء -
فقال: ياأبا عبدالله اسمع مني شيئاً أُكلِّمْك به وأحاجَّك وأُخبرْكَ برأي.
(١) في «سننه)) ٩١:١.
(٢) أي: هدفاً للجدل.
(٣) صفحة ٣٣.
١٠٦
قال - مالك -: فإنْ غلبتَني؟ قال: اتبعتَني. قال - مالك -: فإن
غلبتُك؟ قال: اتَّبعتُك. قال: فإن جاءنا رجلٌ فكلَّمْناه فغَلبَنَا؟. قال:
تَبعناه. قال أبو عبد الله - مالك -: بعث الله محمداً * بدينٍ واحد،
وأراكَ تتنقّل، قال عمر بن عبدالعزيز: من جّعَل دينَه عُرضةً للخصومات
أكثرَ التنقّل)».
وهذا الذي يزعُم اتباعَ الدليل عن غير طريق اتباع الأئمة : يقع
بالقول فيما لم يقل به أحد ، وهو لايشعر ، بل يدَّعي أنه ناصر للسنة
داعيةٌ إليها !!.
فهذا الخاطرُ تسويلٌ ودِهْليز لما بعده، وقد نبّه الإمام مالك رضي الله
عنه إلى هذا أحسنَ تنبيه، فقال: (( سلِّموا للأئمة ولا تُجادِلوهم ، فلو
كنا كلما جاءنا رجلٌ أجدلُ من رجلِ اتبعناه : لِخِفْنا أن نقعَ في ردٌ
ماجاء به جبريل عليه السلام)»(١).
على أنَّ دعوى عدم فهمِك دليلَ الحكم في قول أبي حنيفة ،
وفهمِك له كما هو عند الشافعي ، دعواك هذه تشبه صنيع العلماء
الذين تقدم ذكرهم في دعواهم صحةً الحديث في هذه المسألة ، على
خلاف ماعليه الشافعي ، فتركوا المنصوصَ عليه في مذهبه وعمِلوا بما
صح عندهم، فصنيعك هذا يشبه صنيعهم ذاك، بل هو هو ، وقد
رأيتَ عاقبةَ ذلك، ورضي الله عن سفيان بن عيينة القائل: ((التسليمُ
للفقهاء سلامة في الدين» (٢).
وليلاحظ القارىء أنه قد تطابقت كلماتُ الأئمة الثلاثة - مالك وابن
(١) (الميزان الكبرى)) للعلامة الشعراني رحمه الله ٥١:١.
(٢) ((الجواهر المضية))للقرشي ١٦٦:١، وانظر قصة قوله هذا فيما سيأتي تعليقاً
صفحة ١١٦ .
١٠٧
عيينة هنا ، وابن وهب فيما سبق (١) - على ضرورة الرجوع إلى الأئمة
الفقهاء، وإلاّ كان الإنسان على خطرٍ في دينه !.
ولهذا كان أئمة الرواية يَفْقهون قَدْر الفقه والفقهاء ، فيوجّهون
أصحابهم ويحضُّونهم عليه وعلى مجالسة أثمته .
أسند ابنُ عبدالبر(٢) إلى عليّ بن الجعْد الإمام المحدِّث قال: ((كنا
عند زهير بن معاوية، فجاءه رجل، فقال له زهير: من أين جئتَ؟
قال: من عند أبي حنيفة، فقال زهير: إن ذهابك إلى أبي حنيفة يوماً
واحداً أنفعُ لك من مجيئك إليَّ شهراً)) .
وزهير بن معاوية هذا، هو الذي وَصَفه الحافظَ الذهبي (٣) بالحافظ
الحجة، ونَقَل فيه قولَ شعيب بن حرب: ((زهيرٌ أحفظ عندي من
عشرين مثلِ شعبة بن الحجاج الإمام العَلَم !.
وفي ((تهذيب تاريخ ابن عساكر)) (٤) قال عبد الله بن الإمام أحمد
رحمهما الله: (( حضر قوم من أصحابِ الحديثِ في مجلس أبي عاصم
النبيل الضحاكِ بنِ مَخْلَد ، فقال لهم : ألا تتفقَّهون؟ أوَ: ليس فيكم
فقيه؟! فجعل يذمُّهم ، فقالوا : فينا رجل ! فقال : مَن هو ؟ فقالوا :
الساعةَ يجيء. فلما جاء أبي قالوا: قد جاء. فنظر إليه - أبو عاصم -:
فقال له: تقدَّمْ، فقال: أكره أن أتخطَّى الناس. فقال أبو عاصم: هذا
من فقهه. ثم قال: وسَّعوا له، فوسَّعوا له، فأجلسوه بين يديه وألقى
عليه مسألة، فأجاب، وألقى ثانيةٌ وثالثةً فأجاب، ومسائلَ فأجاب،
فأُعجب به أبو عاصم)).
(١) صفحة ٥٧ - ٧٥ فما بعدها.
(٢) في ((الانتقاء)» ص١٣٤.
(٣) في ((التذكرة ٢٣٣:١.
(٤) لابن بدران ٣٨:٢.
١٠٨
فانظر إلى توجيه أبي عاصم جلساءَه إلى التفقه بالسنة ، وإلى إكرامه
مَن اعتنى بهذا الجانب .
وأبو عاصم هذا هو القائل: (( الرئاسة في الحديث بلا دراية - أي
تفقُّه - رئاسة نَذْلة))(١).
وفي ((الحاوي)) (٢) للإمام السيوطي رحمه الله: ((قالت الأقدمون:
المحدِّثُ بلا فقه : كعطار غير طبيب، فالأدوية حاصلة في دكانه
ولا يدري لماذا تصلح، والفقيهُ بلاحديث: كطبيب ليس بعطار، يعرف
ما تصلح له الأدوية إلا أنها ليست عنده)).
وبعد، فهذا ما يتعلق بالسبب الأول من أسباب اختلاف الفقهاء
حديثياً.
وأنتقل بعده إلى السبب الثاني .
(١) كما في «المحدث الفاصل ص ٢٥٣.
(٢) ٣٩٨:٢.
١٠٩
السَّبَبُ الثانى
فِى بَيَان اختلافِهِمْ فِي فَهْمَ الَحَدِيْثِ الشَّرِيْفِ
إن اختلاف الأئمة في فهمهم للحديث الشريف ينشأ عن أحد
أمرين :
١ - اختلافِ الناظرين في مداركهم ومواهبهم العقلية .
٢ - كونِ لفظِ الحديثِ يحتمل أكثرَ من معنى واحد .
أما الأمر الأول - وهو وقوع الاختلاف بسبب طبيعة الباحثين - فهذا
ما لا يَشُّ فيه عاقل، إذ أنَّ الناس متفاوتون في قُواهم العقلية ، وسَعَة
مداركهم ، وقوة ملاحظاتهم. وهذا التفاوتُ قد يكون خِلْقةً وفطرة ،
وقد يكون كسباً واستفادةً ، نتيجةً تلوُّنِ الثقافة وتنوُّعها ، أو الرَّحِلات
ومجالسة الناس ومخاطبة عقولهم ، أو عمل المرء : كالقضاء الذي
يتعرَّف به ممارسُه على دخائل الناس وحِيَلهم ، أو تعاطي بعض الأمور
الدنيوية كالتجارة مثلاً .
وقيل للإمام الشافعي: أخبرنا عن العقل يُولد به المرء؟ فقال: لا ،
ولكنه يُلقَّح من مجالسة الرجال ومناظرة الناس(١).
وقد يهيىء الله عزَّ وجل بفضله لبعض الناس أسباب ذلك كلّه ،
فيجعلهم بفطرتهم كما قال أَوْس بن حُجر (٢):
(١) (الحلية)) لأبي نعيم ٩: ١٢١.
(٢) كما في ((البيان والتبيّن؟ ٦٨:٤.
Www
wwwwwwwwwwwww.i
-------- "
١١٠
الألمعيُّ الذي يظنُّ لك الظَّنْـ ـن كأنْ قد رأى وقد سمعا
وقال ابن الرومي :
ألمعيٍّ يَرَى بأوّل رأىٍ آخِرَ الأمرِ من وراء المغيبِ(١)
ثم يهيىء الله لهم الأسباب الكسبية لذلك ، فيزيدُهم قوةٌ على قوَّة .
وهذا كلُّه مشاهدٌ في الناس قديماً وحديثاً .
وقد يسَّر الله تعالى ذلك لأئمة الإسلام قاطبةٌ دون استثناء والحمد لله
رب العالمين ، ولكن لا يلزمُ من ذلك أن يكونوا كلُّهم سواءً ، لذلك
نشأ عن تفاوتهم في هذا الجانب بعضُ اختلاف .
وقد تحدَّث الشافعيُّ رضي الله عنه أوائل ((الرسالة)) عن تفاوت
العلماء من حيثُ فهمُهم للسنن وقرَّر ماقلته، فقال: ((وهم درجات فيما
وَعَوْا منها)) .
وأنوِّرُ المقام ببعض الأمثلة والشواهد :
كان الإمام أبو حنيفة عند الأعمش - التابعيِّ الشهير في القراءات
ورواية الحديث - إذا سُئل الإمام عن مسألة وقيل له : ماتقولُ في كذا
وكذا؟ قال الإمام : أقولُ كذا وكذا . فقال الأعمش : من أين لك
هذا ؟ فقال له الإمام : أنت حدثتَنا عن أبي صالح ، عن أبي هريرة.
وعن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود. وعن أبي إياس ، عن أبي
مسعود الأنصاري أنَّ رسولَ الله مَلِ قال: (( مَن دلَّ على خير كان له
مثلُ أجر عَمَلِه)) .
وحدثتَنا عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أنه م# قال له رجل :
يارسول الله كنتُ أصلي في داري فدخل عليَّ رجلٌ فأعجبني ذلك فقال
(١) ((المصون)) لأبي أحمد العسكري ص ١٢٧.
١١١
مَ﴾: ((لك أجرانٍ: أجرُ السرّ وأجرُ العلانية)).
وحدثتَنا عن الحكم، عن أبي الحكم، عن حذيفة، عنه
وحدثتَنا عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعاً ... .
وحدثتَنا عن أبي الزبير ، عن جابر مرفوعاً ....
وحدثتَنا عن يزيدَ الرَّقاشي ، عن أنس مرفوعاً ....
فقال الأعمش: حَسْبُك، ماحدثتُك في مائة يوم حدثتَني في ساعة،
ماعلمتُ أنك تعملُ بهذه الأحاديث ، يامعشرَ الفقهاءِ أنتم الأطباء
ونحن الصيادلة، وأنتَ أيها الرجل أخذتَ بكلا الطرفين(١).
وقال الإمام أحمد الشافعي رضي الله عنهما : ما تقولُ في مسألة كذا
وكذا؟ فأجابه فيها، فقال أحمد : مِن أين قلتَ ؟ هل فيه حديث أو
كتابٌ؟ قال - أحمد -: فنزع - الشافعي - في ذلك حديثاً للنبي {قُلّ وهو
حديثٌ نصٌّ(٢).
وفي ترجمة الإمام أبي حنيفة من ((تاريخ بغداد))(٣) بسنده إلى الإمام
عبد الله بن المبارك قال: «قدمتُ الشام على الأوزاعي ، فرأيته
٠
(١) من ((مناقب الإمام أبي حنيفة)) وبعض أصحابه، للعلامة علي القاري
المطبوع في آخر (الجواهر المضية)) ٢: ٤٨٤، مع اختصار نصوص
الأحاديث. وأصل الخبر رواه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ٢: ٨٤، وجرى
نحو هذا للأعمش مع القاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهم
الله، انظر ((جامع بيان العلم)) ١٣٠:٢ - ١٣١، و((أخبار أبي حنيفة
وأصحابه)» للصيمري ص ١٢ - ١٣.
(٢) من ((مناقب الشافعي)) للبيهقي ١٥٤:٢. ومعنى قوله (نص)) هنا: أنه لفظ
صريح في المقصود، لايحتمل لفظه معنى آخر، من شدة وضوحه في
المطلوب.
(٣) ١٣ :٣٣٨.
.........
١١٢
ببيروتَ، فقال لي: ياخراسانيُّ مَن هذا المبتدعُ الذي خرج بالكوفة
يُكْنى أباحنيفة ؟ . فرجعتُ إلى بيتي فأقبلتُ على كتب أبي حنيفة ،
فأخرجتُ منها مسائلَ من جِياد المسائل ، وبقيتُ في ذلك ثلاثة أيام ،
فجئت يومَ الثالثِ ، وهو - أي الأوزاعي - مؤذِّنُ مسجدِهم وإمامهم ،
والكتابُ في يدي ، فقال : أيُّ شيءٍ هذا الكتاب ؟ فناولتُه ، فنظر في
مسألة منها وقَّعتُ عليها : قال النعمان . فمازال قائماً بعدما أذَّن حتى
قرأ صدراً من الكتاب ، ثم وضع الكتابَ في كُمِّه ، ثم أقام وصلَّى ،
ثم أخرجَ الكتابَ حتى أتى عليها. فقال لي: ياخراساني مَن النعمانُ بنُ
ثابت هذا؟ قلت: شيخٌ لقيته بالعراق. فقال: هذا نبيلٌ من المشايخ ،
اذهبْ فاستكثرْ منه. قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه!)).
وزاد حافظ الدين الكَرْدَريّ في ((مناقبه)»(١) من رواية أخرى، من
كلام ابن المبارك نفسه، قال: ((ثم التقينا بمكة، فرأيت الأوزاعي
يجاري أبا حنيفة في تلك المسائل، والإمام يكشف له بأكثر مما كتبت
عنه، فلما افترقا قلت للأوزاعي: كيف رأيته؟ قال: غَبَطتُ الرجلَ
بكثرة علمه ووفور عقله، وأستغفر الله تعالى، لقد كنت في غلط
ظاهر ، الزم الرجلَ فإنه بخلاف مابَلَغني عنه» .
وروى الخطيب أيضاً(٢) في ترجمة عيسى بن أبانِ أحدٍ رجال
الحديث والفقه الحنفي، عن محمد بن سَماعة أنه قال: ((كان عيسى
ابن أبان يصلي معنا - أي في المسجد الذي يصلي فيه الإمام محمد بن
الحسن الشيباني ويقعد فيه لمجلس الفقه - وكنتُ أدعوه أن يأتيَ محمدَ
(١) صفحة ٤٥ من المطبوع مع («مناقب)» الموفق المكي، وهي أيضاً في ((أوجز
المسالك إلى شرح موطأ مالك)» ٨٨:١-٨٩ لشيخنا شيخ الحديث العلامة
محمد زكريا الكانْدِهْلِوي رحمه الله تعالى.
(٢) في ((تاريخ بغداد)» ١٥٨:١١، ونقلها الحافظ السمعاني أيضاً في ((الأنساب)»
عند نسبة ((القاضي)).
١١٣
ابن الحسن، فيقول - عيسى بن أبان -: هؤلاء قومٌ يخالفون الحديث،
وكان عيسى حسنَ الحفظ للحديث، فصلى معنا يوماً الصبح - وكان
يومَ مجلسٍ محمد - فلم أفارقْه حتى جلس في المجلس ، فلما فرغ
محمد أَدنيتُه منه وقلتُ : هذا ابن أخيك أبانِ بنِ صدقةَ الكاتبِ ، ومعه
ذكاء ومعرفةٌ بالحديث ، وأنا أدعوه إليكَ فيأبى ويقول : إنا نخالف
الحديث ! .
فأقبل عليه - محمد - وقال له : يابنيَّ ماالذي رأيتَنا نخالفه من
الحديث ؟ لا تشهدْ علينا حتى تسمعَ منا . فسأله يومئذٍ عن خمسة
وعشرين باباً من الحديث ، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها ،
ويخبره بما فيها من المنسوخ ويأتي بالشواهد والدلائل .
فالتفت - عيسى بن أبان - إليَّ بعد ماخرجنا فقال : كان بيني وبين
النور سِتر فارتفع عني ! ماظننتُ أن في مُلكِ الله مثلَ هذا الرجل يُظهره
للناس! ولزمَ محمد بنَ الحسن لزوماً شديداً حتى تفقَّه به)).
ومحل الشاهد من هذه الأخبار واضح ، وإن كان في هذه القصة
الأخيرة شاهدٌ للسبب الأخير الآتي وهو : اختلافُهم في سعة الاطلاع
على الحديث .
وأما الأمر الثاني الذي نشأ عنه اختلاف الأئمة بسبب الفهم : فهو
كون الحديث تحتملُ ألفاظُه أكثرَ من معنى واحد .
وهذا أمرٌ واقع مشهود أيضاً، ويشترط لصحة هذه المفاهيم
المختلفة حينئذٍ :
- أن تكون مقبولةٌ سائغة من حيثُ العربية ، ولاتتنافى معها ، أو لا
يكون فيها تعشُّفٌ وتكلُّف .
- وأن لاتتنافى مع أحكام أخرى ثابتة في نصوص أخرى .
www
*ww ....
١١٤
وأنا أذكر هذين الشرطين زيادةٌ في التوضيح ، وإلاّ فأئمة الفقه
الذين نحن بصددِ الحديثِ عن أسباب اختلافهم أجلُّ من أن يَغْفُلوا عن
هذه الملاحظات .
ومن شأن الإمام إزاءَ احتمالِ النص أكثرَ من معنى : أن يبحثَ
جهده عن قرائنَ ترجِّح أحدَ المعنيين المختلفَيْن .
ولا بأس بذكر مثالٍ موضِّح لهذه الحال - حال احتمال النصّ أكثر من
معنی -.
جاء في الحديث عن النبي 18 قوله: ((المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا)).
فاختلف العلماءُ في معنى التفرُّق هنا: هل المرادُ التفرق بأبدانهما؟ أي:
أن كلاً من البائع والمشتري بالخيار في إبرام العقد أو نقضِه ماداما في
المجلس أو في مكان العقد، فإذا ذهب أحدهما عن الآخر قليلاً وفارق
المجلس لزمهما العقد، ولا يحقُّ لأحدِهما نقضه إلا بموافقة الآخر.
وإلى هذا ذهب الإمامُ الشافعي وغيره رضي الله عنهم.
أو: هل المراد التفرّق بأقوالهما ؟ أي: أنَّ كلّ من المتعاقدّين
بالخيار في إبرام العقد أو نقضه ماداما في الحديثِ عن المعقود عليه
وعما يتعلَّق به ؟ فإذا تعاقدا ثم انتقلا إلى حديثٍ آخر : فقد لزمهما
العقد ، ولا يحقُّ لأحدِهما نقضه إلا بموافقةِ الآخر . وهذا مذهبُ
الإمام أبي حنيفة وغيره رضي الله عنهم .
ولكلٍّ من الطرفين أدلتُه وحججُه، إنما أعرضُ لبعضها باختصار،
وقصدي بيان سبب الاختلاف من هذا الجانب، لا استيفاءُ أدلة
الطرفين، والترجيحُ بين المذهبين ، فهذا ليس من شأن أمثالنا .
احتجَّ الإمامُ الشافعي ومَن معه على صحةٍ قولهم: بالأثر - أي
النقل -، وبالنظر - أي المعقول والفهم - .
أومـ
١١٥
أما الأثر : فبفعل راوي الحديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما ، فإنه كان إذا اشترى من أحدٍ شيئاً ابتعد عنه خطواتٍ ، ثم
رجع إليه إن كان له حاجة . وفهمُ الصحابيِّ لما يرويه أقربُ إلى
الصواب من فهم غيره(١).
وأما النظر : فإن الحديث يقول: ((المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا»
والأصل في المتعاقدين أن يكونا مفترقين ، أي : البائع في حانوته
- مثلاً - والمشتري في بيته - مثلاً - فيجيء المشتري إلى البائع
فيجتمعان في مكان العقد ، فيتعاقدان ، ثم يرجعان إلى ماكانا عليه ،
وهو الافتراق عن بعضهما، فيكونُ النبي ◌َ﴿ قد عَنَى بقوله ((مالم
يتفرقا)): عودّهما إلى حالهما الأصلية، وهي أن كل واحدٍ في مكانِه.
والله أعلم .
واحتجَّ أبو حنيفة ومَن معه على صحة قولهم: بالأثر والنظر أيضاً.
أما الأثر: فقوله عزَّ وجل: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم
بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَن تَكُونَ تِحَرَةٌ عَن تَرَضِ مِّنَكُمْ﴾. فأفادت الآية أنَّ
التراضي هو الأصلُ في التزام العقد، وعنوانُ هذا التراضي: الإيجابُ
والقبول، وقد تَمَّا بينهما.
وأما لفظ ((مالم يتفرقا)» فيوجّه إلى معنى آخر حتى لايتعارض مع
الآية، وتوجيهُه أن يقال : مالم يتفرقا بأقوالهما . وقد ورد في كثير
من النصوص الشرعية ( التفرق ) بمعنى التفرق بالأقوال فقط دون
احتمال التفرق بالأبدان، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَفُهُمُ
الْبَيْنَةُ﴾، إلى آياتٍ أخرى غير هذه.
(١) وأحاديث أخرى كثيرة ذكرها النووي رحمه الله في ((المجموع)) ١٩٧:٩.
:
.
:
١١٦
وأما النظر : ففي القصّة التي رواها الحافظ ابن عبد البر رحمه
الله(١): عن (( سفيان بن عيينة قال : كان أبو حنيفة يضربُ لحديثٍ
رسول الله* الأمثال، فيردُّه بعلمه (٢)، حدثْتُه عن رسول اللهِ وَله
((البيعان بالخيار مالم يتفرقا)» فقال أبو حنيفة: أرأيتم إن كانوا في
سفينةٍ كيف يفترقون؟. قال سفيان: فهل سمعتم بشرٍّ من هذا؟!)) (٣).
وهذا الجواب من الإمام في غاية الدقة والتعبير عن المراد بإيجاز .
يريد أن يقول : إذا كان التفرقُ هو التفرقَ بالأبدان ، فهناك حالاتٌ
يتعذر معها التفرّق بالأبدان، منها: ما إذا كانا في زورق صغير في
وسط البحر ، فلا مجال لابتعاد أحدهما عن الآخر، ويؤدي ذلك إلى
نتيجةٍ حَرِجة هي أن مجلسَ العقد قائمٌ بينهما لاينفصِم مدة بقائهما
كذلك، ولو طال أيّاماً بل أكثر وأكثر !.
فلما جاء هذا المثال مخالفاً لفهم سفيان بن عيينة رضي الله عنه ظنَّ
أن الإمام أبا حنيفة يعارضُ الحديث الشريف بعقله ، وليس الأمر
كذلك(٤).
(١) في (الانتقاء)) ص ١٤٩. وانظر ((الجوهر النقي)) ٢٧٢:٥ مع ((سنن
البيهقي».
(٢) هكذا، ولعلها: بعقله؟.
(٣) لعل هذا كان في أول أمر سفيان بن عيينة، ثم حَسُن رأيه في الإمام أبي
حنيفة، يدل على ذلك مافي ((الجواهر المضية)) ١٦٦:١ عن بشر بن الوليد
الكندي أحد تلامذة أبي يوسف رحمهم الله جميعاً. قال بشر: كنا نكون عند
ابن عيينة فإذا وردت علينا مسألة مشكلة يقول: هاهنا أحدٌ من أصحاب أبي
حنيفة؟ فيقال: بشر، فيقول: أجبْ فيها، فأجيب، فيقول: التسليم للفقهاء
سلامة في الدين)».
(٤) في ((الانتقاء)» لابن عبدالبر ص ١٣٦ أن الفضل بن موسى السّيناني أحد
الأئمة الحفاظ الذين أدركوا أبا حنيفة وأصحابه سُئل: ((ماتقول في هؤلاء
الذين يقعون في أبي حنيفة؟ فقال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه وبما
لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئاً فحسدوه).
١١٧
وهذا المثال يصلُح لاحتمال النص معنيين ، كما يصلح مثالاً للأمر
الأول : اختلاف الناس بمواهِبهم العقلية الفطرية ، والله أعلم .
ولا أريد أن أُكثر من الأمثلة لهذا السبب الرئيسي : اختلافهم في
الحديث ، ليسنحَ ليَ الوقتُ فأنبُّه إلى أمر هامّ جداً هو : أن هذه
الأحكام الشرعيةَ المستنبطة من الكتاب والسنة هي من الدين منسوبةٌ
إلى الكتاب والسنة ، وليست أجنبيةً عنهما ، وكما أن الكتاب والسنة
هما المصدران الأساسيان للإسلام ، ففقههما المستنبط منهما تابع لهما
في المكانة لا يجوز فصلُه عنهما .
قال السيوطي في ((الإتقان))(١) أول النوع الخامس والستين: في
العلوم المستنبطة من القرآن: (( قال الإمام الشافعي رضي الله عنه :
جميعُ ماتقوله الأمة شرحٌ للسنة ، وجميع السنة شرح للقرآن)).
وقال الشافعي أيضاً: ((ليستْ تَنزِل بأحد في الدين نازلةٌ إلا في
كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها)). ومعلوم أن الوقوف على
سبيل الهدى فيها لا يكون إلا عن طريق الاستنباط، فيلحَق المستنبط
بالمستنبط منه، مادام الاستنباط على طريق واضحة صحيحة .
... ..... .. .
وقرَّر هذا المعنى بالمثال الإمام الشاطبي رحمه الله في ((الموافقات))(٢)
فقال: ((إن المعبَّر به في السنة هو المراد في الكتاب، فكأن السنة
بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب، ودلّ على ذلك قوله:
﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾، فإذا حصل بيان قوله تعالى: ﴿ وَاُلْتَارِقُ
وَالشَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ بأن القطع من الكوع، وأن المسروق
نصابٌ فأكثرُ من حِرْز مثله: فذلك هو المعنى المراد من الآية، لا أن
نقول: إن السنة أثبتت هذه الأحكام دون الكتاب.
(١) ٤ : ٢٤ - ٢٥.
(٢) ١٠:٤.
--... - m mmmmww
:
٠٠٠ ١٣
١١٨
كما إذا بيَّن لنا مالكٌ أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث،
فعملنا بمقتضاه، فلا يصح لنا أن نقول : إنا عملنا بقول المفسر
الفلاني دون أن نقول: عملنا بقول الله أو قول رسوله عليه الصلاة
والسلام» .
بل لقد عَمَّم الحكمَ في هذا : شيخُ فقهاء عصره العلامة الشيخ
محمد بخيت المُطيعيُّ رحمه الله تعالى في رسالته (( أحسن الكلام فيما
يتعلَّق بالسُّنة والبدعة من الأحكام)» (١) فقال: «كلُّ حكم من تلك
الأحكام كان مأخوذاً من الأدلة الأربعة - يريد الكتاب والسنة والإجماع
والقياس - صريحاً أو اجتهاداً على وجه صحيح : فهو حكمُ الله وشرعُه
وهَدْيُ محمد﴿ الذي أمرنا الله باتباعه، لأن رأيَ كلِّ مجتهد - حيثُ
كان مأخذُه من أحد الأدلة الأربعة المذكورة - شرعُ الله في حقٌّه وحقّ
كل من قلَّده )).
ويدلُّ على ذلك بعد تأمُّل يسير قولُ سيدنا عليّ كرم الله وجهه الذي
رواه البخاري في مواضعَ من ((صحيحه)) أولُها في كتاب العلم (٢)، بابٌ
في كتابة العلم، وأسند إلى أبي جُحَيفة رضي الله عنه قال : قلت لعلي:
هل عندكم كتابٌ؟ قال : لا ، إلا كتابُ الله أو فهمٌ أَعطيَه رجل
مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة .. )) .
قال ابن المُنَيَّر رحمه الله (٣): ((يعني بالفهم: التفقة والاستنباط
والتأويل)). وقال الحافظ في ((الفتح)) - الموضع السابق -: ((المرادُ بذكر
الفهم إثباتُ إمكان الزيادة على مافي الكتاب .. ولم يُرِد بالفهم شيئاً
مكتوباً)).
(١) صفحة ٢٣،٦.
(٢) ٢٠٤:١.
(٣) كما في (التراتيب الإدارية)) ٢٥٨:٢.
٠ ٠٠٧