Indexed OCR Text
Pages 81-100
٧٩ وروى الإمام الترمذي رحمه الله في ((سننه))(١) حديثَ أم عطية في وصف غُسْلِ زينبَ بنتِ النبي ◌َّ﴾ لما توفيت، وعلّق عليه كلاماً طويلاً وختمه بقوله: ((وكذلك قال الفقهاء، وهم أعلم بمعاني الحديث)). وقال الحافظ الخطيب في ((الفقيه والمتفقه))(٢): ((وليعلمْ أن الإكثار من كَتْب الحديث وروايته لا يصير بها الرجل فقيهاً، إنما يتفقه باستنباط معانيه وإنعام التفكر فيه)) ثم أسند إلى الإمام مالك رضي الله عنه أنه أوصى ابنَيْ أختِه أبا بكر وإسماعيل ابني أبي أويس فقال لهما: ((أراكما تُحبَّان هذا الشأنَ - جمْعَ الحديث وسماعَه - وتطلبانه!)) قالا: نعم. قال: ((إنْ أحببتُما أن تنتفعا به وينفعَ الله بكما فَأَقِلاَّ منه وتفقَّها». وروى الخطيب أيضاً (٣) بسنده إلى أبي نُعيم الفضل بن دُكّين - أحد مشاهير شيوخ الإمام البخاري - قال أبو نعيم: « كنتُ أمرٌّ على زُفَر - ابن الهُذَيل من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة - وهو مُحْتبٍ بثوب فيقول: ياأحولُ تعالَ حتى أُغربلَ لك أحاديثك، فأريه ماقد سمعتُ، فيقولُ: هذا يُؤخَذ به، وهذا لا يُؤْخَذُ به، وهذا ناسخٌ وهذا منسوخ)». ولهذا كان الإمام مالك ينتقي مَن يأخذ عنه الحديثَ، فكان إلى جانب انتقائه كونَ الرجل ثقةً مقبولاً : كان ينتقيه ليكون من أهل الدراية والفهم لما يرويه . قال القاضي عياض رحمه الله في ((ترتيب المدارك))(٤): ((قال ابن (١) ٣٧٢:٣ (٩٩٠). (٢) ((الفقيه والمتفقه)) ٨١:٢ - ٨٢، وقصة مالك فيه وفي ((المحدث الفاصل» ص ٥٥٩،٢٤٢. (٣) ١ :٨٣. (٤) ١٢٤:١ - ١٢٥. ٨٠ وهب: نظر مالك إلى العطّاف بن خالد - وهو من مقبولي الرواية - فقال - مالك -: بلغني أنكم تأخذون من هذا! فقلتُ: بلى. فقال: ماكنا نأخذ إلا من الفقهاء». وقدوتُه في هذا شيخُه الإمامُ ربيعة الرأي رحمه الله ، فقد أسند الخطيب في (( الكفاية))(١) عن مالك أن ربيعة قال لابن شهاب الزهري: (( .. أنت تحدِّث عن النبي ◌َّ فتحفَّظُ في حديثك)). وشيخُه الآخَرُ أميرُ المؤمنين في الحديث أبو الزّناد عبد الله بن ذَكْوانَ، فقد أسند إليه ابنُ عبدالبر(٢) أنه قال: ((وايمُ الله إنْ كنا لَنَلْتَقِطَ السننَ من أهل الفقه والثقة ونتعلَّمُها شبيهاً بتعلُّمنا آيَ القرآن )) . وسبقهما إلى هذا إمام أهل الكوفة وشيخ فقهائها : إبراهيم النخعي رحمه الله، فقد روى عنه الخطيب أيضاً(٣) أن المغيرة الضبي تأخّر عن مجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: (( يامغيرةُ ما أبطأ بك؟)) قال: قدم علينا شيخٌ - أي رجل من الرواة - فكتبنا عنه أحاديث ، فقال إبراهيم: لقد رأيتُنا وما نأخذ الأحاديثَ إلاَّ ممن يعلم حلالها من حرامِها ، وحرامَها من حلالها ، وإنك لتجدُ الشيخ يحدث بالحديث فيحرِّفُ حلالَه عن حرامِه ، وحرامَه عن حلالِه وهو لا يشعر)). وروى الخطيب في «الفقيه والمتفقه))(٤) كلاماً طويلاً للإمام المزني وارث علوم الإمام الشافعي رضي الله عنهما، وفي آخره يقول المزني: «فانظروا رحمكم الله على ما أحاديثُكم التي جمعتموها واطلبوا العلم عند أهل الفقه تكونوا فقهاء )) . (١) صفحة ١٦٩. (٢) في ((جامع بيان العلم)) ٢: ٩٨. (٣) ونحوه قريب منه في (التمهيد)) لابن عبدالبر ٢٩:١. (٤) ١٥:٢ - ٠١٩ ٨١ وقال الإمام القسطلاني رحمه الله - شارح البخاري - في كتابه ((لطائف الإشارات))(١): ((ويرحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد رُوي عنه - فيما ذكره الهُذَلي - أنه سأل نافعاً - الإمامَ المقرىء - عن البسملة؟ فقال: السنة الجهر بها، فسلّم إليه - مالكٌ - وقال: كلُّ علم يُسأَلَ عنه أهلُه))(٢). فهذا بعض مايتعلّق بضرورة الرجوع إلى الأئمة الفقهاء مع النظر في السنة ، وليس كما يزعم الزاعمون : أن صحةً الحديث وحدها كافيةٌ لوجوب العمل به . وثَمة أمرٌ آخرُ يتعلق بهذا الزعم ، يجب بيانه لينكشفَ بطلانُ هذا الزعم وتزييفُه . دلَّ واقع سلفنا رضي الله عنهم من الصحابة فمن بعدهم على أنهم لم يكونوا يكتفون برواية الحديث لهم ليأخذوا به ويطبقوه ، بل كانوا ينظرون: هل عُمل به أو لم يُعمل به؟ وقد سبق قريباً قول العلامة الكوثري رحمه الله: ((كما يقع لكثير من الرواة البعيدين عن الفقه غير المميّزين ماقارن العمل به عما سواه». (١) ٩٤،٨٠:١. (٢) مقصودي من هذا الخبر: التنبيهُ من الإمام مالك إلى ضرورة الرجوع إلى ذوي الاختصاص، وكلٌ حسب اختصاصه، والحدّ من تطاول القاصرين عما لا يحسنونه إلى مقامات الأئمة، زاعمين أنهم لا يخرجون عن أقوالهم! وليس المقصودُ من هذا الخبر إصدار فتوى شرعية بالجهر بالبسملة، فهذه مسألة شائكة، للأئمة المجتهدين فيها خلاف كبير، ووسّع نطاقه جداً أتباعهم، فصنَّقُوا فيها الكتب الخاصة، انظر تعداد كثير منها في ((معارف السنن» ٣٦١:٢ للعلامة البَتُّوري رحمه الله. 27 *************** 670 ٨٢ وهذه كلمة مطوّلة أنقلها بتمامِها من (( كتاب الجامع)» للإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي المتوفَّى ٣٨٦ رحمه الله ، ثم أنقل نحوها من (( ترتيب المدارك)) للقاضي عياض، فيهما بيانُ موقفِ السلفِ رضي الله عنهم من السنة التي عَمِل بها بعضُهم فيعملون بها ، أو لم يَعمَلْ بها أحدٌ فيتركون العمل بها وإن رُويت إليهم عن ثقات . قال ابن أبي زيد(١) وهو يعدِّد عقائد أهل السنة والحق وهَدْيهم: (( والتسليمُ للسنن، لاتُعارَضُ برأي، ولاتُدافع بقياس، وما تأوَّله منها السلف الصالح تأوَّلْناه، وما عَمِلوا به عملناه ، وما تركوه تركناه ، ويَسَعُنا أن نمسك عما أمسكوا ، ونتَبعهم فيما بيَّنوا ، ونقتديّ بهم فيما استنبطوه ورأؤه في الحوادث ، ولانخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله . وكلُّ ماقدَّمنا ذكرّه فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث ، على مابيّنّاه، وكلُّه قول مالك ، فمنه منصوص من قوله ، ومنه معلوم من مذهبه .. . قال مالك : والعملُ أثبتُ من الأحاديث ، قال مَن أقتدي به : إنه يصعب أن يقال في مثل ذلك : حدثني فلان عن فلان ، وكان رجالٌ من التابعين تبلُغهم عن غيرهم الأحاديثُ فيقولون : مانجهل هذا ، ولكنْ مضى العمل على خلافه . وكان محمد بن أبي بكر بن حزم ربما قال له أخوه : لِمَّ لمْ تقضٍ بحديث كذا ؟ فيقول : لم أجدِ الناسَ عليه . قال النخعي : لو رأيتُ الصحابةً يتوضؤون إلى الكُوعَيْن - أي : (١) ((كتاب الجامع)) ص ١١٧. ٨٣ الرُّسغَين - لتوضأتُ كذلك وأنا أقرؤها إلى المرافق(١)، وذلك لأنهم لا يُتَّهمون في تركِ السُّنَن، وهم أربابُ العلم وأحرصُ خلق الله على اتباع رسول الله عليه السلام، فلا يظنُّ ذلك بهم أحدٌ إلا ذو رِيبة في دينه. قال عبد الرحمن بن مهدي : السُّنةُ المتقدِّمة من سُنةِ أهل المدينة خيرٌ من الحديث. قال ابن عيينة: الحديث مَضِلَّة إلا للفقهاء. يريد: أن غيرهم قد يحمِل شيئاً على ظاهره وله تأويلٌ من حديثٍ غيره، أو دليلٌ يخفى عليه، أومتروكٌ أوجب تَرْكَه غيرُ شيء، مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقّه . قال ابن وهب: كلُّ صاحبِ حديثٍ ليس له إمام في الفقه فهو ضالٌّ، ولولا أن الله أنقدنا بمالك والليث لضللنا». ثم قال ابن أبي زيد (٢): ((قال مالك: لم يكن بالمدينة قطُّ إمامٌ أخبرَ بحديثين مختلفَيْن. قال أشهب: يعني: لايُحدَّث فيها بما ليس عليه العمل)). وقال القاضي عياضٌ رحمه الله (٣): ((باب ماجاء عن السلف والعلماء في وجوب الرجوع إلى عمل أهل المدينة، وكونه حجةً عندهم وإنْ خالف الأكثر. روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر: أُحرِّجُ بالله على رجلٍ روى حديثاً العملُ على خلافِه ، قال ابن القاسم وابن وهب : رأيت العملَ عند مالك أقوى من الحديث . قال مالك : وقد كان رجالٌ من أهل العلم من التابعين يحدِّثون بالأحاديث (١) وفي ((الحجة في بيان المَحَجة)) لأبي القاسم التيمي الأصبهاني ٤٠١:٢ : ((قال إبراهيم النخعي: لو لم يغسلوا إلا الظُّفُر ماجاوزناه، كفى إزراءٌ على قوم أن نخالف أعمالهم!». (٢) صفحة ١٤٦ . (٣) في ((ترتيب المدارك)) ٦٦:١. ٨٤ وتبلغُهم عن غيرهم فيقولون : مانجهلُ هذا، ولكنْ مضى العمل على غيره . قال مالك: رأيتُ محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وكان قاضياً، وكان أخوه عبدالله كثيرّ الحديث رجلٌ صدقٍ، فسمعت عبدالله إذا قضى محمدٌ بالقضية قد جاء فيها الحديثُ مخالفاً للقضاء يعاتبُه ويقولُ له: ألم يأتِ في هذا حديثُ كذا؟ فيقولُ: بلى، فيقولُ أخوه: فمالكَ لاتقضي به؟ فيقول : فأين الناسُ عنه(١) ؟! يعني: ما أجمع عليه (١) انظر في هذا الجواب وتدبَّرُه، ثم استعذ بالله من تهوُّر المتهورين. وأما نعيُّ الحافظ ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم)» ١٧١:٢ ونقلُه أبيات المنذر ابن سعيد البلُّوطي التي يتغنى بها الشذاذ: فهذا قد جاء منهما - ومن غيرهما - بلسان العلماء أهل النظر والتمكن من أدوات الاجتهاد يعارضُهم المقلدون، ولسان حالهم ناطق بذلك، وقد نبَه إلى أن هذا هو مرادُ المنذر ابن سعيد: العلامةُ الجليل الأصولي البصير الشيخ محمد الخَضِر حسين رحمه الله تعالى في محاضرته عن («مدارك الشريعة الإسلامية)) ص ٢٤ من طبعة تونس . ولا يتصور من مثل الحافظ ابن عبدالبر - إمام المغرب وصاحب ((التمهيد» و ((الاستذكار)) - أن يفتح للجهلاء جهلاً مركباً باب الاجتهاد، بل: باب الترجيح بين أئمة الاجتهاد !!. في حين أن هؤلاء الأدعياء لايحسنون قراءة سطر واحد من كتب العلم، ولم يأتوا بما يقولونه من عندهم ونتيجة تحصيلهم ومزاحمتهم الشيوخ بالرُكب، إنما يأتون به من عند مَن يفتح لهم باب الاجتهاد على مصراعيه ثم يلزمهم بتقليده !!. وابن عبدالبر رحمه الله إنما نَعَى على من عارض السنة برأيه وردّها، لاعلى من قلد إماماً يعتقد فيه أنه ماقال ماقاله إلا بناء على سنة أو دليل يصلح للاعتماد عليه عنده، وانظر قوله الفَصَّل البيّن في هذا بعد صفحة واحدة من أبيات القاضي منذر بن سعيد، قال وهو يعنف ويزجر الفريقين: فريق المغرقين في الرأي المعرضين عن النظر في السنة، وفريق المتطاولين = ٨٥ من العلماء بالمدينة. يريدُ: أن العملَ بها أقوى من الحديث. وقال ابن المعذَّل: سمعتُ إنساناً سأل ابن الماجشون: لمَ رويتم الحديثَ ثم تركتموه؟ قال: لِيُعْلَمَ أنَّا على علمٍ تركناه (١). قال ابن مهديّ: السنّة المتقدمة من سنّة أهل المدينة خير من الحديث. وقال أيضاً: إنه ليكونُ عندي في الباب الأحاديثُ الكثيرةُ فأجدُ أهلَ العَرْصة - أي الحيّ - على خلافه فيضعُف عندي - أو نحوه .. وقال ربيعة: ألفٌ عن ألف أحبُّ إليَّ من واحد عن واحد، لأنَّ المتعالمين وهم جهال: ((ومن أعفى نفسه من النظر وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه ورام أن يردها إلى مبلغ نظره: فهو ضالٌ مضلٌّ، ومن جهل ذلك كله أيضاً - يريد وسائل الاجتهاد - وتقخّم في الفتوى بلا علم: فهو أشد عمی وأضل سبيلاًا. وقال ١١٤:٢ بعد أن ساق كلاماً في ذم التقليد: ((وهذا كلُّه لغير العامة، فإن العامة لابدَّ لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لاتتبيّن موقع الحجة، ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك، لأن العلم درجات، لاسبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل - أي الحد الفاصل - بين العامة وبين طلب الحجة. والله أعلم. ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله عز وجل ﴿فَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وأجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليدٍ غيرِه ممن يثقُ بخبره بالقبلة إذا أشكلتْ عليه، فكذلك مَن لاعلمَ له ولا بصر بمعنى مايَدينُ به لابد له من تقليد عالمه. وكذلك لم تختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك - والله أعلم - لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريمُ والقولُ في العلم». (١) قال الرامهرمزي رحمه الله في ((المحدث الفاصل)) ص ٣٢٢: ((وليس يُلزم المفتي أن يفتي بجميع مارَوَى، ولا يلزمه أيضاً أن يترك رواية مالا يُفتي به. وعلى هذا مذاهب جميع فقهاء الأمصار ... )). ... ٠٠ ٠٠٠ ٨٦ واحداً عن واحد ينتزع السنّة من أيديكم. قال ابن أبي حازم: كان أبو الدرداء (؟) يُسأل فيجيب، فيقال: إنه بلغنا كذا وكذا ـ بخلاف ماقال -، فيقول: وأنا قد سمعته، ولكني أدركتُ العملّ على غير ذلك. قال ابن أبي الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء ويسألهم عن السنن والأقضية التي يُعمل بها فيثبتها، وماكان منه لايعمل به الناسُ ألغاه وإن كان مخرجُه من ثقة)). هذا كلام الإمام المحدث الفقيه القاضي عياض المالكي رحمه الله تعالى. وانظر أيضاً كلام الحافظ الخطيب البغدادي الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه ((الفقيه والمتفقه)»(١) فإنه بوَّب باباً رئيسياً «باب القول فيما يردُّ به خبر الواحد)) وافتتحه بالإسناد إلى محمد بن عيسى الطبّاع أحدٍ الحفاظ الكبار الموصوفين بالفقه، من أصحاب الإمام مالك، قال: ((كلُّ حديثٍ جاءك عن النبي ◌َ لم يبلُغْك أن أحداً من أصحابه فَعَلَه: فَدَعْه» . وترجم ابن خَلْكانَ(٢) لأبي القاسم عبدالعزيز بن عبدالله الدارَكي أحد أئمة الشافعية، المتوفّى سنة ٣٧٥هـ فقال: ((كان إذا جاءته مسألة تفكّر طويلاً ثم يفتي فيها، وربما أفتى على خلاف مذهب الإمامين الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما، فيقال له في ذلك؟ فيقول: ويحكم حدَّث فلان عن فلان، عن رسول الله # بكذا وكذا ، والأخذُ بالحديث أولى من الأخذ بقول الإمامين)). (١) ١٣٢:١. (٢) في ((وَفَياته)) ١٨٨:٣ - ١٨٩. ٨٧ ولما نقل الذهبي في ((السِّيَر))(١) هذا الخبر علَّق عليه بقوله: ((قلت: هذا جيد: لكنْ بشرطِ أن يكون قد قال بذلك الحديثِ إمامٌ من نظراءِ هذين الإمامَيْن، مثل: مالك، أو سفيان، أو الأوزاعي، وبأن يكون الحديث ثابتاً سالماً من علة، وبأن لا يكون حجةُ أبي حنيفة والشافعي حديثاً صحيحاً معارضاً للآخر ، أما مَن أَخَذَ بحديث صحيح، وقد تنكَّبه سائر أئمة الاجتهاد: فلا)). وروى أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) والرامَهُزْمُزي في «المحدِّث الفاصل)»(٢) عن الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى أنه قال: ((كنا نسمعُ الحديثَ فنعرِضُه على أصحابنا كما يُعرض الدرهم الزائف، فما عَرَفوا منه أخذنا به، وماأنكروا تركنا». وقال الإمامُ تقي الدين ابنُ تيميةَ رحمه الله في ((المسؤَّدة))(٣): ((وما رواه - الإمام أحمد - من سُنَّةٌ أو أثر وصححه أو حسَّنه أو رضي بسنده، أو دوَّنه في كتبه، ولم يردّه، ولم يُفْتِ بخلافه: فهو مذهبُه، وقيل: لا)). والشاهدُ من هذا النص قولُه ((ولم يردّه ولم يفتِ بخلافه)) فإنه صريح في أن الإمام أحمد - ومثلُه سائر الأئمة - قد يَعدِلون عن حديثٍ صحيح إلى حديث سواه، لما يقومُ عندهم من مسؤِّغاتٍ لذلك، وأن صحة الحديث وحدها لا تُوجب الأخذَ به. وحِلْيةُ العالم أن يأخذ بكلا الأمرين: الحديث والفقه، فلا يَطْغَى أحدهما على الآخر في سلوكه العلمي. (١) ١٦ :٤٠٤. (٢) ((تاريخ أبي زرعة)) ١: ٢٦٥، والرامهرمزي ص ٣١٨. (٣) صفحة ٥٣٠. ٨٨ قال القاضي عياض رحمه الله(١) في ترجمة الإمام العاقل(٢) يحيى بن يحيى الليثي راوية ((الموطأ)) عن الإمام مالك رحمهما الله: ((قال يحيى: كنتُ آتي عبدالرحمن بن القاسم فيقول لي: من أين يا أبا محمد؟ فأقول له: من عند عبدالله بن وهب، فيقول لي: اتَّقِ الله، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العملُ - يريد: عمل أهل المدينة - ثم آتي عبدَالله ابن وهب فيقول لي: من أين؟ فأقول له: من عند ابن القاسم، فيقول لي: اتق الله، فإن أكثر هذه المسائلِ رأيٌ (٣). ثم يرجع يحيى - إلى نفسه - فيقول: رحمهما الله، فكلاهما قد أصاب في مقالته، نهائي ابنُّ القاسم عن اتِّباع ماليس عليه العملُ من الحديث وأصاب، ونهاني ابنُ وهب عن كُلْفة الرأي وكثرتِه ، وأمرني بالاتباع وأصاب. ثم يقول يحيى: اتباعُ ابن القاسم في رأيه رُشْد، واتباعُ ابنِ وهبٍ في أثرهِ هُدىّ)) . وأسند أبو نعيم (٤) إلى الإمام إبراهيم النخعي رحمه الله قال: «لا يستقيم رأيٌ إلا برواية، ولاروايةٌ إلا برأي)). ونحوه قول الإمام المجتهد محمد بن الحسن الشيباني: ((لا يستقيم العمل (١) (ترتيب المدارك) ٥٤١:٢. (٢) في ((ترتيب المدارك)) أيضاً ٥٣٧:٢: ((كان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله. روي عنه أنه كان عنده يوماً جالساً في جملة أصحاب مالك، إذ قال قائل : قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، فقال له مالك: لم لمْ تخرج فتراه إذ ليس بأرض الأندلس؟ فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك لا إلى أن أنظر إلى الفيل! فأعجب به مالك وسماه: العاقل». (٣) إلى هنا رواه ابن عبدالبر بسنده في ((جامع بيان العلم)) ١٥٩:٢. (٤) في ((الحلية)) ٣٢٥:٤. ٨٩ بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث))(١). وقال القاضي الرامَهُزْمُزي المتوفّى سنة ٣٦٠ رحمه الله في مقدمة ((المحدِّث الفاصل))(٢) ينصح أحدَ علماءِ عصره البغداديين حيثُ استطال على أهل الحديث، قال: ((فأَلَّ تأدب بأدب العلم وخَفَضَ جناحَه لمن تعلَّق بشيء منه .. ووفّى الفقهاءَ حقوقهم من الفضل، ولم يَبْخَس الرواةَ حظوظَهم من النقل ، ورغَّبَ الرواةَ في التفقه، والمتفقهة في الحديث ، وقال بفضل الفريقين، وحضَّ على سلوك الطريقين، فإنهما يكمُلان إذا اجتمعا، ويَنقُصان إذا افترقا)) وهذا هو والله الكمال. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي المتوفّى سنة ٣٨٨ رحمه الله في مقدمة شرحه على سنن أبي داود («معالم السنن»(٣): ((رأيتُ أهلَ العلم في زماننا قد حَصّلوا حزبيْن، وانقسموا فرقتين: أصحابَ حديثٍ وأثر، وأهلَ فقهٍ ونظر، كلُّ واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولاتستغني عنها في دَرْك ماتَنْحوه من البُغْية والإرادة، لأن الحديثَ بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع ، وكلُّ بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو مُنْهار ، وكلُّ أساسٍ خلا عن بناء وعِمارة فهو قَفْر وخراب)». وقال الحافظ السخاوي رحمه الله (٤): ((ووراءَ الإحاطة بما تقدم: الاشتغالُ بفقه الحديث والتنقيب عما تضمَّنه من الأحكام والآداب (١) حكاه عنه الإمام السرخسي في «أصوله» ١١٣:٢، وعصرِيُّه فخر الإسلام البزدوي في أول «أصوله)» ص ٥، وانظر شرحه وأمثلته في ((شرح عبدالعزيز البخاري على أصول البزدوي٨ ١٧:١ - ١٨ . (٢) صفحة ١٦٠. (٣) ٣:١. (٤) في ((فتح المغيث)) ٣: ٥٠ - ٥١ آخر كلامه على غريب الحديث. ٩٠ المستنبطة منه ... والكلام فيه متعيِّن .. وهذه صفة الأئمة الفقهاء والمجتهدين الأعلام، كالشافعي ومالك وأحمد، والحمادين والسفيانين، وابن المبارك وابن راهويه، والأوزاعي وخلقٍ من المتقدمين والمتأخرين، وفي ذلك أيضاً تصانيف كثيرة ... . « وقد رَوَى ابنُ عساكر في ((تاريخه)) في ترجمة أبي زُرعةَ الرازيٍّ قال: ((تفكرتُ ليلةٌ في رجال، فأريتُ فيما يرى النائم كأن رجلاً ينادي: ياأبا زرعة فَهْمُ مَتْنِ الحديثِ خيرٌ منَ التفكّر في الموتى)» أي: في رجال إسناد الحديث الذين ماتوا)). ولهذا كان أبو زرعة الرازي نفسه يقول: ((عليكم بالفقه ، فإنه كالتفاح الجَبَلَيّ يُطْعم من سَنَتَه)»(١) . وقد أفرد الإمام الحاكم نوعاً من أنواع علوم الحديث ، أشاد في مقدمته بأهمية التفقُّه في الحديث، ثم ذكر بعض أئمة فقهاء المحدثين، فقال(٢): ((النوع العشرون من هذا العلم معرفة فقه الحديث، إذْ هو ثمرةُ هذه العلوم وبه قوامُ الشريعة ، فأما فقهاءُ الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر : فمعروفون في كل عصر وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ، ليُستَدَلَّ بذلك على أن أهلَ هذه الصنعةِ ومَّن تبخّر فيها لا يجهل فقه الحديثِ، إذْ هو نوعٌ من أنواع هذا العلم». ولابن حبان كلامٌ طويلٌ يَنْعَى فيه على دَهْماء رواة الحديث وعوامّهم (٣)، وللخطيب البغدادي في أول كتابه (( الكفاية)» كلامٌ أطولُ بكثير ، يرجع محصَّله إلى مانقلته على الإمام النخعي ومحمد بن (١) كما في ((الصلة)) لابن بَشْكُوال ٤٢٩:٢ (٩٢٠). (٢) في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٦٣. (٣) انظره في ((البحر الذي زَخَر» للحافظ السيوطي رحمه الله ٩/آ. ٩١ الحسن ومن بعدهم ، من استوفاه كان من الكَمَلة ، وفقنا الله إلى مرضاته(١). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في رسالته الطيّبة النافعة «فضلُ علم السلف على الخلف)»(٢): «أما الأئمةُ وفقهاءُ أهل الحديثِ فإنهم يتَّبعون الحديث الصحيح حيثُ كان إذا كان معمولاً به عند الصحابة ومَن بعدهم ، أو عند طائفةٍ منهم ، فأما ما اتُّفِقَ على تركه فلا يجوز العمل به، لأنهم ما تَرَكوهُ إلا على علم أنه لايُعمل به ، قال عمر بن عبد العزيز : خُذوا من الرأي ماكان يوافقُ مَن كان قبلكم، فإنهم كانوا أعلم منکم». ثم قال رحمه الله(٣): ((وليكن الإنسانُ على حَذَر مماحَدَث بعدهم - يريد بعد الأئمة: الشافعي وأحمدَ ونحوِهم - فإنه حَدَث بعدهم حوادثُ كثيرة، وحَدَثِ مَنِ انتسبَ إلى متابعةِ السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم (٤)، وهو أشدُّ مخالفةً لها - أي للسنة - لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو بأَخْذِ مالم يأخذ به الأئمة من قبله)). وفي «إعلام الموقّعين))(٥) عن الإمام أحمد أنه قال: ((إذا كان عند (١) ومن أجل هذا الذي تقدم بطوله من الحضِّ على الجمع بين الحديث والفقه، والرواية والدراية، والنقل والفهم: قدَّمت للقراء الكرام ماسمَّيته بـ («شذرات من جهود الأئمة المحدثين والفقهاء في خدمة العلم)». أرجو الله تعالى قبوله والنفع به. (٢) صفحة ٩. (٣) صفحة ١٣ . (٤) قف وتأمل كلمة ((ونحوهم))! واعلم أن الأمة الإسلامية قد ابتليت بمن يذكرنا بقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ () أَلّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ لَ﴾. (٥) ١ :٤٤. w ٩٢ الرجل الكتبُ المصنََّة فيها قول رسول الله م# واختلاف الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بماشاء ويتخيّر فيقضيّ به ويعملَ به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذُ به، فيكونُ يعمل على أمر صحيح)). فليلاحَظْ قوله ((حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به)): ففيه تنبيه إلى أنه قد يصحُّ الحديثُ عند الرجلِ فيفتي به اعتماداً على صحته ، وأن صحةً الحديث كافية للعمل به ! ولكنَّ الإمامَ أحمد ينبهه إلى أن هذا التسرُّع والإفتاء الاعتباطي لا يجوز ، بل لابدَّ من سؤال أهل العلم ، وهم أهل الفقه والمعرفة: هل يُؤخذ بهذا الحديث أو لا، وهم يفتونه بصلاحية هذا الحديث بعد ذلك للعمل به أو لا . وقد قال الإمام المجتهد سفيان الثوري رضي الله عنه: (قد جاءتْ أحاديثُ لا يؤخذ بها»(١) وتقدم قول ابن أبي ليلى: ((لا يَفْقه الرجلُ في الحديث حتى يأخذ منه ويَدَع))(٢). وقد علَّق الحافظ الذهبي في («سِيّر أعلام النبلاء)»(٣) في ترجمة ابن حزم بعد أن نقل عنه قوله (( أنا أتَّبعُ الحق وأجتهدُ ولا أتقيَّد بمذهب)» علَّق عليه فقال: (( قلت : نعم ، من بَلَغ رتبة الاجتهاد ، وشَهد له بذلك عدةٌ من الأئمة لم يَسَعْ له أن يقلِّد ، كما أن الفقيه المبتدىءَ العاميَّ الذي يحفظ القرآن أو كثيراً منه لا يسوغُ له الاجتهاد أبداً، فكيف يجتهدُ ؟ وما الذي يقول؟ وعَلاَمَ يبني؟ وكيف يَطير ولمَّا يُرَيِّش؟. و والقسم الثالث: الفقيه المنتهي اليَقِظُ الفَهم المحدِّث، الذي قد حفظ مختصراً في الفروع، وكتاباً في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتَشَاغُله بتفسيره وقوة (١) (شرح العلل)) لابن رجب ٢٩:١. (٢) صفحة ٧٢ عن ((جامع بيان العلم)) لابن عبدالبر ١٣٠:٢. (٣) ١٩١:١٨. ٩٣ مناظرته، فهذه رتبةُ مَن بَلغ الاجتهادَ المقيّد، وتأهّل للنظر في دلائل الأئمة ، فمتى وضح له الحقُّ في مسألة ، وثبت فيها النصُّ ، وعَمِل بها أحدُ الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلاً ، أو كمالك أو الثوري أو الأوزاعي ، أو الشافعي وأبي عبيد وأحمد وإسحاق : فليتَبع فيها الحق (١) ولا يَسلكِ الرُّخَص، ولْيَتوزَّع، ولا يَسَعُه فيها بعد قيام الحجة عليه تقليدٌ، فإنْ خاف ممن يُشَغُّب عليه من الفقهاء فليتكلم بها ولايَتَراءى بفعلها، فربما أعجبتْه نفسُه، وأحبّ الظهور، فيُعاقَب، ويَدخُلُ عليه الداخلُ من نفسه، فكم من رجلِ نَطَق بالحق وأَمَر بالمعروف، فيسلُّط الله عليه من يُؤذيه لسوء قَصْده، وحبِّه للرئاسة الدينية! فهذا داءٌ خفيٍّ في نفوس الفقهاء)» . قلت: تأمَّلْ قول الحافظ الذهبي هنا: (( .. متى وضح له الحق في مسألة، وثبت فيها النصُّ، وعَمِل بها أحدُ الأئمة الأعلام ... )) وقوله السابق(٢): ((مَنْ أخذ بحديث صحيح وقد تنكّبه سائر أئمة الاجتهاد: فلا)) وقول الحافظ ابن رجب الحنبلي السابق(٣): (( .. حَدَثَ مَن انتسب إلى متابعة السنة .. وهو أشدُّ مخالفةً لها، لشذوذه .. بأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله)». وكأني بالذهبي وابن رجب يعرِّضان في كلامهم هذا بدعوى ابن القيم على الإمام أحمد رحمهم الله، إذْ يقولُ (٤): ((ولم يكن - الإمام أحمد - يقدِّم على الحديث الصحيح عَمَلاً ولارأياً ولاقياساً ولاقولَ صاحب ولاعدمَ علمه بالمخالف .. )). (١) يريد: الحقَّ في نظر هذا الناظر. (٢) صفحة ٨٧. (٣) صفحة ٩١. (٤) في ((إعلام الموقّعين)) ٣٠:١. ٩٤ فكلامُ الذهبي صريحٌ في اشتراط أن يعملَ إمامٌ مجتهد بهذا الحديث ، وكلامُ ابن رجب صريح في ذم الظاهرية ونحوهم ممن يشِذُ فيقول بمالم يقل به أحد ، بدعوى أخذهم بحديثٍ قد صح . وقد أنَّخَذَ بعضُ الناس كلمة ابن القيم هذه - ونحوها - ذريعةٌ للشذوذ والخروج على مسألة حَكَى الإجماعَ فيها أئمةٌ جهابذة كالبيهقي وابن حجر ومن بعدهم! وهي مسألة تحريم الذهب المحلّق على النساء !! نسأل الله الهداية . وإنما قلت : يعرِّضان بدعوى ابن القيم على الإمام أحمد ، لأني رأيت مايعكّر على صحة ذلك عن الإمام ، مع جلالة ابن القيم في معرفة أصول مذهبه خاصة ، والمذاهب الأخرى عامة . ففي ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) رحمه الله تعالى(١) حكاية قولين للإمام أحمد في مسألة، أحدهما مشهور عنه، والثاني محتمِل، فقال رحمه الله: ((وحَمْلُ كلام الإمام أحمد على ما يصدّق بعضه بعضاً: أولى من حمله على التناقض، لاسيما إذا كان القول الآخر مبتدّعاً لم يُعرف عن أحد من السلف، وأحمد يقول: إياك أن تتكلّم في مسألة ليس لك فيها إمام ، وكان في المحنة يقول: كيف أقول مالم يُقَل؟». ((وقال الميموني: قال لي أحمد: ياأبا الحسن إياك أن تتكلّم في مسألة ليس لك فيها إمام))(٢). والميموني هذا: هو الذي وصفه الذهبي في ترجمته في ((السِّيَر)) (٣): (١) ٣٢٠:١٠ - ٣٢١. (٢) ((مناقب الإمام أحمد)» لابن الجوزي ص ١٧٨، و((المسوّدة)» لآل تيمية ص ٤٠١، ٤٨٤، و«سير أعلام النبلاء» ٢٩٦:١١. (٣) ٨٩:١٣. ٩٥ بـ((الإمام العلامة الحافظ الفقيه .. تلميذ الإمام أحمد ومن كبار الأئمة)). فإذا عرفتَ من هو المخاطب عرفت أهمية الوصية من الإمام أحمد رحمه الله تعالى . وسَبَق عن («الفقيه والمتفقه))(١) بالإسناد إلى الحافظ الكبير الثقة الفقيه محمد بن عيسى بن نَجيج الطبّاع البغدادي المتوفّى سنة ٢٢٤ أنه قال: ((كلُّ حديث جاءك عن النبي 18 لم يبلغك أن أحداً من أصحابه فعله: فَدَعْه)). ثم قال الخطيب عقبه: ((إذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رُدَّ بأمور، منها ... الثالث: أن يخالف الإجماع، فيستدلَ على أنه منسوخ أو لاأصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحاً غيرَ منسوخ وتُجمعَ الأمة على خلافه، وهذا الذي ذكره ابن الطباع في الخبر الذي سُقْناه عنه أولَ الباب». والذَّهاب إلى مالم يقل به أحد يعتبر جنوناً عند العقلاء والعلماء على حدّ سواء. وذلك كما روى الصَّيْمَري في ((أخبار أبي حنيفة وأصحابه))(٢) عن الإمام زفر رحمه الله أنه قال: ((إني لست أَناظِر أحداً حتى يقول قد أخطأتُ، ولكن أُناظره حتى يُجَنّ! قيل له: وكيف يُجَنُّ؟ قال: يقول بما لم يقل به أحد)». فإن قلتَ: فماجوابُك عن قول الإمام السبكي فيمن وَجَد حديثاً صحيحاً لم يَعمل به أحدٌ، هل يَسوغُ له العملُ به؟ قال رحمه الله في ((معنى قول الإمام المطلبي)»(٣): ((الأولى عندي اتِّباعُ الحديث، ولْيفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي * وقد سمع ذلك منه، أَيَسَعُه التأخرُ عن العمل؟ لا والله، وكلُّ أحدٍ مكلّف بحسب فَهْمه)). (١) ص ٨٦، و((الفقيه والمتفقه) ١٣٢:١. (٢) صفحة ١١٠ - ١١١. (٣) ١٠٢:٢ من ((مجموع الرسائل المنيرية)). ٩٦ قلت: أولاً: ينبغي أن تلاحِظَ عبارة السبكي: ((الأولى عندي اتباعُ الحديث)). لاحظ قوله ((عندي)): يُرشِدْك إلى أنه يُشير إلى أن المسألة خلافية بين العلماء، أختارُ فيها: اتّباعَ الحديث مطلقاً، وشَرَط غيره: أن يكون قد عَمِل به إمامٌ، كما تقدَّم في كلام الذهبي وابن رجب وغيرهما . وليس معنى ذلك : أن عَمَل الإمام حَكَمٌ على حديث رسول الله *، فالحديث ليس حجةً إلا إذا قُرن بعمل الإمام به ، فعملُ الإمام هو الذي يجعلُ الحديثَ الشريف حجة !! لا ، ومعاذ الله ، إذْ كلامُ رسول الله صل# نافذٌ جائز على رقبة كل مسلم . إنما معنى ذلك : أن عملَ الإمام به دليلٌ على عدم إجماع السلف على تركه ، فإن إجماعَهم على تركه : دليلٌ على وجودٍ حديثٍ آخر ، في المسألة مقدَّم عليه . وقد سَبَق الذهبيَّ وابن رجب إلى هذا الشرط من المتأخرين: الإمامُ ابنُ الصلاح في كلامه السابق (١) الذي علَّق عليه السبكي بكلمته المذكورة، ونصه(٢): ((وإنْ لم تكمُّلْ آلتُه ــ أي آلة الاجتهاد المطلق أو المقيد - ووَجد حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بَحثَ فلم يجدْ لمخالفيه عنه جواباً شافياً: فَلْيَنظُر: هل عَمِل بذلك الحديث إمامٌ مستقلٌّ؟ فإنْ وَجَدَه فله أن يتمذهَب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكونُ ذلك عُذراً له في تركِ مذهبٍ إمامه في ذلك». وفي كلام السلف شواهدُ كثيرةٌ على أن الحديث قد يصحُّ ولا يُعملُ (١) صفحة ٥٧. وكلام الذهبي السابق صريح في اشتراطه هذا الشرط في حق «المجتهد المقيّد)». أما كلام ابن رجب فعامٌ. (٢) في ((أدب المفتي والمستفتي)، ص ١٢١. ٩٧ به، وقد تقدَّم بعضُها قريباً(١)، مثلُ قولِ ابن أبي ليلى: «لا يفقه الرجلُ في الحديث حتى يأخذ منه ويَدَعَ)). وفي ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب(٢) عن الإمام المجتهد سفيان الثوري: ((قد جاءتْ أحاديثُ لا يُؤْخَذُ بها)). وفي ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي))(٣) عن الإمام الأوزاعي رحمه الله أنه قال: ((تعلَّمْ مالا يؤخذ به، كما تتعلّم ما يؤخذ به)). وغير ذلك كثير . ثانياً: في كلمة الإمام السبكي دقيقةٌ يَحتاج المستدِلُّ بها إلى تفهيم لها وكشف عنها . يقول رحمه الله: ((وليفرص الإنسان نفسَه بين يدي النبي 48* وقد سمع منه ذلك ، أيَسَعُه التأخرُ عن العمل به ؟ لا والله)). أقول: إن هذا - والله - مقامٌ خطير، وكيف يتأخَّر وهو يعلم أن رسول الله * أنكر على أبي سعيد بن المعلَّى حين دعاه - وهو في الصلاة - فلم يُجِبْه ، وقال له : يارسول الله إني كنتُ أصلِّي، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((ألم يَقُل الله: اسْتَجِيْبوا لله وللرسول إذا دعاكُمْ؟)) الحديثَ، في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهو في أول كتاب التفسير من صحيح البخاري . فأنكر عليه تأخّره عن تلبية ندائه وهو في الصلاة، فكيف يتأخر مسلم عن العمل بحديث سمعه منه، أو وُجِّه الخطاب به إليه؟ !. ولكن هذا فيمن سمع حديثاً واحداً في مسألة ما، من رسول الله والده مباشرةً، أما مانحن فيه: فمفروض فيمن تأخر زمانه: من أهل القرن (١) صفحة ٩٢،٧٦. (٢) ٢٩:١. (٣) ١ :٢٦٣. ٩٨ الأول، إلى زماننا هذا، إلى يوم الدين، ووقف على حديثين في مسألة واحدة، وذلك كحديثٍ: ((توضّؤوا مما مسَتِ النار)) (١) عن زيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم. وحديثِ: أن النبي* أكل عَزْقً(٢) من شاة، وفي رواية: كتفاً، وصلَّى ولم يمسَّ ماء. رواه البخاري في كتاب الوضوء: باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسَّويق (٣) عن ابن عباس وعَمْرو بن أمية الضَّمْري، وميمونة أم المؤمنين، ورواه مسلم، عن هؤلاء عقب رواياته السابقة ، وزاد روايته عن أبي رافع، وفي إحدى رواياته عن ابن عباس أنه شهد النبيَّ مَ* وقد خرج إلى الصلاة، فأتيَ بهديةٍ : خبزٍ ولحم ، فأكل ثلاثَ لُقَم ثم صلَّى وما مسَّ ماء . فزيدُ بن ثابت وأبو هريرة صرَّحا بسماعهما النبيَّ ◌ُّ يقول : الوضوء مما مشَّت النار ، وابنُ عباس وعمروٌ الضَّمْري وميمونةُ وأبو رافع شهدوا جميعاً أكلَ النبيِّ مَ﴿ لحماً مسَّته النار ، وقام إلى الصلاة دون إحداث وضوء جديد . فكلُّ واحد من هؤلاء لا يصحُّ له التأخرُ عن العمل بما شهده من حضرة النبي صل*، كما قاله السبكي ، وكما هو واقعُ هؤلاء الصحابة الأجلَّة رضوان الله عليهم . لكنْ ماذا يعملُ من جاء بعدهم وعَلِم بالحديثين معاً؟! لاشك أنه سينظر في مرجِّحاتٍ وقرائنَ خارجيةٍ، كحديث جابر: ((كان آخرَ الأمرين من رسول الله* تَرْكُ الوضوء مما مسَّت النار))(٤). (١) رواه مسلم ٤٣:٤ من شرح النووي، وهو في المتن ٢٧٢:١ - ٢٧٣ (٩٠). (٢) أي: عظماً عليه قليل من لحم. (٣) ٣١٠:١. (٤) رواه أبو داود ١٣٣:١ (١٩٢) والنسائي ١٠٨:١ (١٨٥).