Indexed OCR Text

Pages 181-200

٥٦ - باب
الإستجمار وترا
في شرح حديث أبي هريرة: ((إِذا توَضَّأ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ... ))
الحديث إلى قوله: (( ... فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ
يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فی وَضُوءِهِ)) الحديث ظاهر سياقه أنه حديث واحد ولیس
كذلك هو في الموطأ .
وقد أخرجه أبونعيم من طريق عبدالله بن يوسف شيخ البخاري وفيه
كما في الموطأ، وكذا فرقة الإسماعيلي من رواية مالك.
وكذا أخرج مسلم الأول من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد، والثاني
من طريق المغيرة(٣٥٦) ..
قال (ع): لا يلزم من ذلك كله أن لا يكون الحديث واحداً، ويجوز أن
یروی حديث واحد متقطعاً من طرق مختلفة فيتعدد بحسب الظاهر وهو في
نفس الأمر حديث واحد. انتهى (٣٥٧).
وما نفى الشارح إلا أنه ليس كذلك في الموطأ ومن الذي يستطيع رد
ذلك.
(٣٥٦) فتح الباري (٢٦٣/١) وفي النسخ الثلاث زيادة كلمة ((ثلاثة)) في الحديث بعد
قوله ((فليوتر)» ولا أصل له في الحديث المذكور ولا ذكره الحافظ ابن حجر،
فلذلك حذفناها .
(٣٥٧) عمدة القاري (٣/ ١٨).
- ١٨١ -

٥٧ - باب
غسل المني وفرکه
وغسل ما يصيب من المرأة
قال (ح): لم يخرج البخاري حديث الفرك بل اكتفى بالإِشارة إليه في
الترجمة على عادته، لأنه ورد من حديث عائشة أيضاً، فالتقدیر باب بیان ما
ورد في غسل المني وفرکه، وهو حديث واحد اختلف ألفاظ رواته عن
عائشة، والطريق المصرحة بالغسل أصح من الطريق المصرحة بالفرك،
ويؤيد ذلك الحديث الوارد في غسل ما يصيب المرأة، أي يصيب الثوب أو
الجسد، وسيأتي بعد ذلك في أثناء حديث الماء من الماء (٣٥٨).
قال (ع): هذا اعتذار بارد لأن الطريقة أنه إذا ترجم الباب بشيء
ينبغي أن يذكره.
وقوله: بل اكتفى بالإشارة إليه كلام واه لأن المقصود من الترجمة معرفة
حديثها وإلا فمجرد الترجمة لا يفيد شيئاً، واستمر في هذه الدعوى ويكفي
في الدفع في كلامه سیاقه من غیر تكلف التعقب علیه، فإنه مازاد على الرد
بالصدر ممن وجا بالإِشارة والله حسيبه .
ثم شرع في الانتصار لمذهبه في أن المني نجس، ومن جملة إساءته أن
قال: إن الشارح أخذ كلامه من الخطاب وهو كلام لا یذکره من له أدنى
بصيرة وروية، فقال: وليس بين الحديث في غسل المني والحديث في فركه
(٣٥٨) فتح الباري (٣٣٣/٣٣٢/١).
- ١٨٢ -

تعارض، لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل
على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي وأحمد
وأصحاب الحديث، والجمع على القول بنجاسته واضح أيضاً بأن يحمل
الغسل على ما كان رطباً، والفرك على ما كان يابساً، وهذه طريقة الكوفيين
والطريقة الأولى أرجح لأن فيها العمل بالخبر والقياس معاً، لأنه لو كان
نجساً لکان القیاس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه کالدم وغيره، وهم لا
یکتفون فیما لا یعفی عنه من الدم بالفرك.
قال (ع): قوله: يحمل الغسل على الاستحباب كلام واهٍ وهو كلام من
لا يدري مراتب الأمر الوارد من الشارع.
ثم أخذ من الإكثار من جنس هذه الإِساءة والدفع بالصدر(٢/٣٥٨).
قال (ح): قال الطحاوي : ويجمع بأن الثوب الذي فرکته ثوب النوم،
والذي غسلته ثوب الصلاة، وفيه نظر لأن لفظ عائشة عند مسلم في رواية :
لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله فركاً فيصلي فيه، وأصرح منه رواية ابن
خزيمة: إنما كانت تحكه من ثوبه وهو يصلي (٣٥٩).
قال (ع): ليس كما قال، فإن قوله: وهو يصلي جملة اسمية وقعت حالاً
منتظرة، لأن عائشة ما كانت تحك المني من ثوب النبي وم18 حال كونه في
الصلاة. انتهى (٣٦٠).
فتأملوا في هذه الدعوى!
(٢/٣٥٨) عمدة القاري (١٤٤/٣).
(٣٥٩) فتح الباري (٣٣٣/١).
(٣٦٠) عمدة القاري (١٤٦/٣).
- ١٨٣ -

٥٨ - باب
إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره
قال (ح): ذكر حديث عائشة في غسل المني وهو أثر الجنابة وألحق به
غيره قياساً، وأشار إلى رواية أبي داود عن أبي هريرة أن خولة قالت: يارسول
اللّه ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فكيف أصنع؟ قال: ((إِذَا طَهُرْتِ
فَأَغْسِلِيهِ وَيَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلاَ يَضُرُّكِ أَثْرُهُ))(٣٦١).
قال (ع)؛ لا يعرف ما مراده من هذا القياس هل هو لغوي أو
اصطلاحي أو شرعي أو منطقي، وماهو إلا قياس فاسد، ومن أين عرف أنه
أراد ذلك أو وقف عليه، كل هذا تخمين بتخبيط (٣٦٢).
قوله
(٣٦١) فتح الباري (٣٣٤/١).
(٣٦٢) عمدة القاري (١٤٨/٣-١٤٩).
-١٨٤-٧

٥٩ - باب
لا یمس ذکرہ بیمینه إذا بال
قال (ح): أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر
باليمين كما في الباب الذي قبله محمول على المقيد بحالة البول فيكون ما
عداه مباحاً (٣٦٣).
قال (ع): هذا كلام فيه خباط لأن الحاصل في متني الحديث واحد
وكلاهما مقید .
أما الأول: فإن قوله: ((إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ)) هو كناية عن البول، والجزاء
قيد الشرط.
وأما الثاني: فصريح، فكيف يقول: المطلق منهما محمول على المقيد مع
أن المفهوم منهما جميعاً النهي عن مس الذكر باليمين عند البول(٣٦٤).
(٣٦٣) فتح الباري (٢٥٤/١).
(٣٦٤) عمدة القاري (٢٩٦/٢-٢٩٧) قال البوصيري في مبتكرات اللآلي والدرر
(ص٤٣) حاصل كلامهما أن ابن حجر يقول: بين حديث الباب والذي قبله
الإِطلاق في الذي قبله، والتقييد في حديث الباب، والعيني يقول: في كليهما
التقيد ولا إطلاق أصلاً، وأما الحكم فمتفقان عليه، وهو إباحة مس الذكر فيما
عدا ما ذكر، والحكم يستدعي إيراد نص الحديثين أولاً، ثم يتأمل في الإِطلاق
والتقييد، وبعد أن ذكر الحديثين قال: وعند التأمل يظهر أن إتيان الخلاء كناية
عن البول، وحينئذ فلا فرق بين الحديثين، ثم يقال لابن حجر: فلأي شيء لم
يعكس الإِطلاق والتقييد، فيقال: الخلاء قيد في البول؟ فما قاله العيني ظاهر،
=
- ١٨٥ -

كذا قال، وغفل عن الحالة التي أولها الوصول إلى الخلاء والشروع في
قضاء الحاجة لحل السراويل مثلاً إلى الشروع في الاستنجاء أو الإِستجمار.
قوله :
إلا أن قوله: هذا كلام فيه خباط لا يقال لمثل من صنف فتح الباري، لأن معناه
الجنون، قال تعالى ﴿يتخبطه الشيطان مر المس﴾
- ١٨٦ -

٦٠ - باب
لا یستنجي بروٹ
في قول أبي إسحاق: ليس أبوعبيدة ذكره، ولكن عبدالرحمن بن الأسود
عن أبيه.
قال (ح): إنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية
عن أبي عبدالرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له لكون أبي عبيدة لم يسمع
من أبيه على الصحيح (٣٦٥).
قال (ع): قوله: لم يسمع من أبيه مردود، فقد وقع في الطبراني الأوسط
من طريق يونس بن حباب عن أبي عبيدة أنه سمع أباه فذكر حديثاً،
وصحح الحاكم حديثاً من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وحسن الترمذي
أحاديث، ومن شرط الحديث الحسن أن يكون متصلاً عند المحدثين (٣٦٦) ..
قلت: لم ینف (ح) الخلاف في سماع أبي عبيدة عن أبيه، لكن أثبت أن
الراجح عند المحدثين النفي، وقد صرح الترمذي بذلك في هذا الحديث.
وقوله: ومن شرط الحسن ... الخ كلام من لم يستحضر اصطلاح أهل
الحديث في الحديث الصحيح والحديث الحسن.
قوله: فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: ((هَذَا رَكْسٌ)).
قال (ح): استدل به الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة، فقال: لو
كان شرطاً لطلب ثالثاً، كذا قال، وغفل عما أخرجه أحمد من طريق معمر
(٣٦٥) فتح الباري (٢٥٧/١).
(٣٦٦) عمدة القاري (٣٠٢/٢).
- ١٨٧ -

عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود في هذا الحديث فإن فيه: فألقى
الروثة وقال: ((إِنَّهَا رِكْسُ اثْتِي بِحَجَرٍ» ورجاله ثقات، وقد تابع معمراً عليه
أبوشيبة الواسطي .
أخرجه الدارقطني وتابعه عمار بن زريق أحد الثقات عن أبي
إسحاق(٣٦٧).
قال (ع): لم يغفل الطحاوي، والذي نسبه إلى الغفلة هو الغافل،
وكيف يغفل وقد ثبت عدم سماع أبي إسحاق من علقمة، فالحديث عنده
منقطع، والمحدث لا يرى العمل به، والذي يدعي صنعة الحديث كيف
يرضى بهذا الكلام(٣٦٨).
ثم قال (ح): وفي إستدلال الطحاوي نظر، أولاً لإحتمال أن يكون
اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة فلم يجدد الأمر بطرف أحدهما عن
الثالث لأن المقصود ثلاث مسحات، والدليل على صحته أنه لو مسح بطرف
واحد ثم رماه، ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر أجزأهما بلا
خلاف(٣٦٩)
قال (ع): نظره مردود عليه لأن الطحاوي استدل بصريح النص
فكيف يدفع بالإِحتمال، وقوله: لأن المقصود بالثلاث أن يمسح ثلاث
مسحات ينافيه اشتراطهم العدد في الأحجار لقوله وَله : ((وَلاَ يَسْتَنْجِ أَحَدُكُمْ
بأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أُحْجَارٍ)) فقوله مخالف لصريح الحديث، فكيف يستدل على
خصمه بحديث وهو يرد ظاهر حديثه الذي يحتج به (٣٧٠).
(٣٦٧) فتح الباري (٢٥٧/١) وفي النسخ الثلاث كلمة ((واحد)) بعد ((حجر)» في
الحديث وهي غير موجود عند أحمد (١ / ٤٥٠) ولا هي موجودة في الفتح
والعمدة فلذا حذفناها وانظر (الباب ٥٢ الماضى)
(٣٦٨) عمدة القاري (٣٠٥/٢).
(٣٦٩) فتح الباري (١ /٢٥٧).
(٣٧٠) عمدة القاري (٣٠٥/٢).
- ١٨٨ -

٦١ - باب
الوضوء مرتین مرتین
أرود فیه حدیث عبدالله بن زید من رواية فلیح عن عمرو بن يحيى
وفيه: توضأ مرتین مرتین.
قال (ح): هذا الحديث مختصر من حديث عبدالله بن زيد في صفة
الوضوء كما سيأتي من رواية مالك وغيره وليس فيه الغسل مرتين إلا في اليدين
إلى المرفقين، وكان حقه أن يترجم له غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها
مرتين وبعضها ثلاثاً((٢٧).
قال (ع): قد ذكر (ح) أن الحديث مجمل، وأن رواية مالك مبينة،
ومخرجهما مختلف فلا يقتضي ما ذكره على أنه ليس في حديث عبدالله أنه غسل
بعض الأعضاء، كذا قال وهو في مسح الرأس لم يذكر عدداً ولا في غسل
الرجلين(٣٧٢).
قوله :
(٣٧١) فتح الباري (٢٥٩/١).
(٣٧٢) عمدة القاري (٤/٣) وانظر (الباب ٥٤ الماضى)
- ١٨٩ -

٦٢ - باب
الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
في حديث عثمان: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا)) .
قال (ح): قيل: إنما هو قال: ((نَحْوَ وُضُوئِي)) ولم يقل مثل وضوئي لأن
حقيقة مماثلة لا يقدر عليها غيره، وتعقب بأنه أورد الحديث في كتاب الرقاق
بلفظ: ((مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ)).
وفي الصوم: مَنْ تَوَضَّأْ وَضُوئَي هَذَا)).
ومثله لأبي داود.
ولمسلم: ((مَنْ تَوَضِّأُ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا)) فلا يلزم ما ذكره، والتعبير بنحو
مَّن تصرفِ الرواةِ لأنها تطلق المثلية مجازاً (٣٧٣).
قال (ع): نحو ومثل من أدوات التشبيه، والتشبيه لا عموم له وقد ثبت
في اللغة مجيء نحو بمعنى مثل (٣٧٤).
قوله: ((غُفِرَ لَهُ مَاتَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
قال (ح): هو في حق من له کبائر وصغائر، ومن ليس له إلا صغائر
کفرت فيه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه بمقدار ما لصاحب الصغائر،
ومن ليس له لا صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظيره(٣٧٥).
(٣٧٣) فتح الباري (١ / ٣٦٠) وتقدم قبل قليل.
(٣٧٤) عمدة القاري (٧/٣) وانظر (الباب ٥٥ الماضى)
(٣٧٥) فتح الباري (٢٦٠/١ -٢٦١).
- ١٩٠ -

قال: هذه الأقسام المذكورة غير صحيحة، أما الذي ليس له إلا کبائر
فكذلك(٣٧٦).
قلت: إن كان كما قال فما الذي يكفر مع أن الذي قاله إنما هو مذهب
بعض من سلف، والجمهور على إثبات الصغائر والكبائر.
قوله: وعن إبراهيم ... الخ، وقع فيه: ((إِلَّ غُفِرَ لَهُ مَابَيْنَهُ وَبَيْنَ
الصَّلَاةِ».
قال (ح): أي يشرع في الصلاة الثانية (٣٧٧).
قال (ع): هذا معنى فاسد، لأن قوله: ما بينه وبين الصلاة يحتمل أن
يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ منها، وأشار إلى الثاني بقوله حتی
يصليها (٣٧٨).
قوله: ذكره عثمان وعبدالله بن زید وابن عباس.
قال (ح): وأما حديث ابن عباس فذكره موصولاً في باب غسل الوجه
من غرفة وليس فيه ذكر الإستنثار، فلعله أشار إلى حديثه الآخر الذي
أخرجه أحمد وأبوداود والحاكم من حديثه مرفوعاً: ((إِسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنْ أَوْ
ثَلَاثاً)) (٣٧٩).
قال (ع): ليس الأمر كما ذكره، قال في بعض نسخ البخاري: واستنثر
بدل واستنشق، وقوله: وكأنه أشار ... الخ بعيد (٣٨٠).
قوله :
(٣٧٦) عمدة القاري (٧/٣).
(٣٧٧) فتح الباري (١/ ٢٦١).
(٣٧٨) عمدة القاري (١٣/٣).
(٣٧٩) فتح الباري (٢٦٢/١).
(٣٨٠) عمدة القاري (١٤/٣).
- ١٩١ -

٦٣ - باب
الإِستنثار في الوضوء
ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((مَنْ تَوَضَّأُ فَلْيَسْتَنْشِْ)).
قال (ع): الذين أوجبوا الإِستنثاق هم أحمد وإسحاق وأبوعبيد وأبوثوور
وابن المنذر لظاهر الحديث، لكن ثبت الندب بدليل ما روى الترمزي
والحاكم من قوله وَ لَ للأعرابي: ((تَوَضَّأ كَمَا أَمَرَكَ الَّلهُ)) فأحال على الآية.
قال (ح): وجوابه احتمال أن يراد بالأمر ماهو أعم من آية الوضوء، فقد
أمر الله تعالى بإتباع نبيه، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه على الإِستقصاء
أنه ترك الإستنشاق ولا المضمضة، وقد ثبت الأمر بالمضمضة في سنن أبي
داود بإسناد صحيح(٣٨١).
قال (ع): القرينة الغالية [الحالية والمقالية] ناطقة صريحاً بأن المراد من
قوله: ((كَمَا أمَرَكَ الَّلهُ)) الأمر المذكور في آية الوضوء، فإن استدل بالمواظبة لزمه
أن يقول بوجوب التسمية لأنه لم ينقل أنه ترك التسمية وهي مع ذلك سنة
عند إمام هذا القائل (٣٨٢).
قلت: لو ثبت مواظبته عليها كما ثبت مواظبته على المضمضة
والإِستنشاق لأوجبها أمامنا على قاعدته.
(٣٨١) فتح الباري (٢٦٢/١).
(٣٨٢) عمدة القاري (١٥/٣).
- ١٩٢ -

٦٤ - باب
غسل الرجلين في النعلين
ذكر فيه حديث ابن عمر الذي فيه: وأما النعال السبتية فإني رأيت
رسول الله ﴿﴿ يلبسها ويتوضأ فيها.
قال (ح): ليس في الحديث تنصيص على الغسل، وإنما هو مأخوذ من
قوله: يتوضأ، لأن الأصل في الوضوء هو الغسل، ولأن قوله: ((فيها)) يدل
على الغسل ولو أريد المسح لقال: ((عليها))(٣٨٣).
قال (ع): مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ويتوضأ فيها فإن ظاهره أنه
كان يغسل رجليه وهما في نعليه لأن قوله: فيها، أي في النعال ظرف لقوله:
يتوضأ، ولهذا يرد على من قال: ليس في الحديث الذي ذكره تصريح
بذلك ... الخ وأي تصريح أقوى من هذا، وقوله: ولأن قوله ((فيها)» يدل
على الغسل،. ولو أريد المسح لقال ((عليها)).
قلت: هذا التعليل يرد قوله: ليس في الحديث تصريح بذلك، وهذا
من العجائب حيث ادعى عدم التصريح ثم أقام دليلاً، انتهى (٣٨٤).
أقول: من هذا مبلغ فهمه لا ينبغي أن يتصدى لرد كلام غيره لأن (ح)
إنما نفى التنصيص الرافع إحتمال إطلاق وضوء الرجل على مسحها لأنه
احتمال سائغ فاحتاج إلى إقامة الدليل، ولأنه لو أراد نفي هذا الاحتمال وهو
أن الأصل في الوضوء الغسل لا المسح لقال ((عليها)) ولم يقل ((فيها)) قوله :
(٣٨٣) فتح الباري (٢٦٨/١)
(٣٨٤) عمدة القاري (٢٤/٣)
- ١٩٣ -
( ١٣ - انتقاض الاعتراض جـ ١ )

ولا يمسح على النعلين يدل على عدم الإِجزاء بالإجماع على أن الخفين إذا
انخرقا حتى يبدو القدمان أن المسح لا يجزىء عليهما [وكذلك] النعلان.
قال (ح) في نقله الإجماع نزاع (٣٨٥).
قال (ع): مذهب الجمهور أن مخالفة الأقل لا يقدح في الإجماع ولا
يشترط فيه عدد التواتر عند الجمهور(٣٨٦).
(٣٨٥) فتح الباري (٢٦٨/١).
(٣٨٦) عمدة القاري (٢٥/٣).
- ١٩٤ -

٦٥ - باب
التيمن في الوضوء والغسل
قال (ح) في قوله: كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله: أي في تمشيط
الشعر وهو تسريحه ودهنه(٣٨٧).
قال (ع): اللفظ لا يدل على الدهن فهو تفسير من عنده ولم يفسره أهل
اللغة بذلك (٣٨٨).
قلت: بل فسروه بذلك ونقله عنهم صاحب المشارق ومن تبعه، وقال
رجل شعره إذا مشطه بدهن أو ماء أو شيء يلينه ويرسل بأثره ويمد . . .
ولا شك أن الدهن أمكن من غيره لذلك ولا يعدل إلى غيره غالباً إلا عند
فقده (٣٨٩) .
قوله في الكلام على حديث أبي هريرة: ((إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ في إِنَاءِ
أُحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً)) وقد ذكر الطريق الذي فيه التراب.
قال (ح): خالف ظاهر هذا الحديث المالكية والحنفية، فأما المالكية
فلم يقولوا: بالتثريب أصلاً مع استحبابهم التسبيع، وأما الحنفية فلم يوجبوا
السبع أصلاً بل قالوا: يغسل ثلاثاً(٣٩).
(٣٨٧) فتح الباري (٢٦٩/١).
(٣٨٨) عمدة القاري (٣٠/٣).
(٣٨٩) كذا في نسخة الظاهرية وجستربتي بياض وفي نسخة الآثار هكذا [سععسه]
ولا تقرأ. وليس عندنا نسخة المشارق حتى نراجعها.
(٣٩٠) فتح الباري (٢٧٦/١-٢٧٧).
- ١٩٥ -

قال (ع): إنما قالوا لذلك لأن أباهريرة أدرى به(٣٩١).
(٣٩١) عمدة القاري (٤٠/٣-٤١) وفي النسختين الست بدل السبع وهو مخالف لما
في الفتح والعمدة ونسخة جستربتي فلذلك كتبنا مكانها التقبع .
-١٩٦

٦٦ - باب
من لم ير الوضوء إلا من المخرجين
لقول الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}
قال (ع): نحن نسلم ذلك لكن دعواه الحصر على الخارج مردودة(٣٩٣).
قلت: لم يدع الحصر وإنما فصل أسباب النقض كما سيتضح.
قوله: ﴿أو لا مستم النساء﴾.
قال (ح): هذا دليل الوضوء من الملامسة (٣٩٤).
قال (ع): الملامسة كناية عن الجماع، ثم ذكر كلام من فسر الآية
بذلك (٣٩٥)
قلت: هذا لا يرد على (ح) لأن (ع) يظن أن (ح) يوافق على ما تضمنته
الترجمة وليس كذلك، بل خالف ظاهرها وأي عبارة غير صريحة في المخالفة،
وحاصل كلامه ليس في الجملة الأولى حصر بدليل الثانية، وإنما تضمنت
الآية الأمر بالوضوء من الخارج ومن الثلاثة.
ثم قال (ح): وفي معنى الأمر بالوضوء من الملامسة مس الذكر (٣٩٦).
(٣٩٢) كأنها سقط في النسختين قول الحافظ ابن حجر الذي رد عليه العيني فقد قال
الحافظ في الفتح (١/ ٢٨٠) فهذا دليل الوضوء مما يخرج من المخرجين.
(٣٩٣) عمدة القاري (٤٧/٣).
(٣٩٤) فتح الباري (٢٨٠/١).
(٣٩٥) عمدة القاري (٤٧/٣).
(٣٩٦) فتح الباري (٢٨٠/١).
- ١٩٧ -

قال (ع): هذا أبعد من الأول فإن الحديث وإن كان صحيحاً فلنا
أحاديث تدفعه(٣٩٧) .
قوله: وقال جابر بن عبدالله، إذا ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم
يعد الوضوء.
قال (ح): قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك لا ينقض خارج
الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها، فخالف من قال بالنقض القياس، وتمسكوا
بحديث لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله ﴿ الذين هم خير القرون
أن يضحكوا بين يدي الله خلف رسول الله ويتر. انتهى.
على أنهم لم يأخذوا بعموم الخبر مع صحة الحديث المروي في الضحك
بل خصوه بالقهقهة(٣٩٨).
قال (ع): هذا القائل أعجبه الكلام المشوب بالطعن على من قال
بالنقض من الأئمة، فأقره وفساده ظاهر، لأن الأصل التمسك بالأمر، فمن
ترك القياس لأجل الأمر لا يذم.
وقوله: إنه لا يصح غير مسلم لأن الأحاديث وإن كان فيها وهناً إذا
تعددت طرقها تتعاضد وأيضاً ضعف الراوي من المخالف لا يضر مخالفه.
وأما قوله: فحاشا أصحاب رسول الله وَلخير .... الخ فهو تشنيع
مردود، لأن من جملة من كان يصلي خلفه وعليه بعض المنافقين والأعراب
الذين لم يتفقهوا في الدين هذا مع كون الضحك في الصلاة ليس من الكبائر
سلمنا لكنهم غير معصومين.
قال: وأما قول (ح): لم يأخذوا بعموم الخبر المروي في الضحك ...
(٣٩٧) عمدة القاري (٥٧/٣).
(٣٩٨) فتح الباري (٢٨٠/١-٢٨١).
- ١٩٨ -

الخ هو کلام من لا ذوق له من دقائق الترکیب، وکیف لم يأخذوا بمفهوم
الخبر المروي في الضحك، ولو لم يأخذوا ما قالوا الضحك يفسد الصلاة ولم
يخصوه بالقهقهة، فإن لفظ القهقهة ذكر صريحاً في حديث ابن عمر، وجاء
بلفظ القرقرة في حديث عمران بن حصين، والأحاديث تفسر بعضها
بعضاً((٣٦).
قلت: يكفي في التعقيب عليهم دعواه الشهرة في هذا الخبر، والواقع
أن التقييد فيه بالقهقهة قيد غريب، ومن قواعدهم أيضاً إبقاء العام على
عمومه والعمل بكل فرد سواء كان خاصاً أو عاماً ولم يقولوا به هنا.
قوله: ويذكر عن جابر أن النبي # كان في غزوة فرمي رجل منهم
بسهم فنزل الدم فركع وسجد ومضى في صلاته.
قال الكرماني: ذكره البخاري بصيغة التمريض لأنه غير مجزوم به .
وقال (ح): لم يجزم به لكونه اختصره (٤٠٠).
قال (ع): هذا أبعد من تعليل الكرماني فإن الاختصار لا يستلزم أن
يكون بصيغة [التمريض](٤٠١).
قلت: والصواب فيه أن يقال: لأجل الإِختلاق في محمد بن إسحاق.
قلت: أخذ كلام (ح) فادعاه أولاً، ثم لما وصل إلى قوله: لم يجزم لكونه
مختصراً ساقه حذف بعض كلامه، واقتصر على ما ظن أنه يتعقب الذي
أورده (ح) إلى أن قال: وشیخه يعني صدقة شيخ ابن إسحاق ثقة، وعقيل
شيخ صدقة لا أعرف راوياً عنه غير صدقة، فلهذا لم يجزم به المصنّف أو
لكونه اختصره أو للخلاف في ابن إسحاق. انتهى.
(٣٩٩) عمدة القاري (٤٩/٣).
(٤٠٠) فتح الباري (٢٨١/١).
(٤٠١) عمدة القاري (٥٠/٣).
- ١٩٩ -

وإنكار (ع) أن يراد مختصراً يقتضي إيراده بغير صيغة الجزم كلام من لا
أنس له بعلم الحديث، قد نص عليه إمام الحديث في زمانه وهو شيخ هذا
المنكر في كتابه الذي نكت به على ابن الصلاح.
قوله: ومضى في صلاته، قيل احتج به من قال: أن الدم لا ينقض
الوضوء إذا خرج من غير السبيلين وإلا لفسدت صلاة الأنصاري لما نزفه
الدم، فلو کان أحدث بذلك لم يجز له أن یرکع ويسجد.
إلى أن قال: وقال الخطابي: لست أدري کیف یصح الإستدلال والدم
إذا أصیب البدن أو الثوب فلا يصح صلاته.
قال (ح): ولو لم يظهر الجواب عن كون الدم فالظاهر أن البخاري كان
يرى أن خروج الدم في الصلاة لا يبطلها بدليل أنه ذكر عقب هذا الحديث
أثر الحسن مازال المسلمون يصلون في جراحاتهم(٤٠٢).
قال (ع): هذا أعجب عن العقل كيف يجوز أن ينسب إلى البخاري
هذا من غير دليل قوي، لأنه لا يلزم من الصلاة في الجراحات أن يكون الدم
خارجاً، لأن الجراحة قد تكون معصبة ومربوطة ومع ذلك لو خرج شيء من
الدم لا يفسد الصلاة إذا لم يكن يسيل، وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند
صحیح عن الحسن أنه کان لا یری الوضوء من الدم إلا ما كان سائلاً(٤٠٣).
قلت: احتجاجه بهذا نظير احتجاج غيره بنقض الوضوء بالقهقهة من
أن الخبر مشهور لوروده في الضحك، وقد عاب لذلك ليلزمه أن يرجع عن
ذلك فأول راض ستره من يسترها .
قوله: فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أباهريرة؟ قال: الصوت،
(٤٠٢) فتح الباري (٢٨١/١)
(٤٠٣) عمدة القاري (٥٠/٣)
-٢٠٠ -