Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه : (ويقالُ: إنهُ أولُ مسندٍ صنّفَ)(١) الذي حمل قائلَ هذا القولِ عليهِ
تقدّمُ عصر أبي / ٨٠ب/ داودَ على أعصارٍ منْ صنَّفَ المسانيدَ، وظَنَّ أَنَّهُ هوَ الذي
صنَّفْهُ، وليسَ كذلكَ ، فإِنَّهُ ليسَ مِنْ تصنيفٍ أبي داودَ ، وإنَّما هوَ جمعُ بعض الحفّاظِ
الخراسانيينَ، جمعَ فيهِ ما رواهُ يونسُ(٢) بنُ حبيبَ خاصةً عن أبي داودَ، ولأبي داودَ
منَ الأحاديثِ التي لم تدخلْ هذا المسندَ قدره أو أكثر، بلْ قدْ شذَّ عنهُ کثیرٌ منْ روايةِ
يونسَ، عنْ أبي داودَ، قالَ: وشبية بهذا ((مسندُ الشافعيِّ)) فإنَّهُ ليسَ تصنيفهُ، وإنما
لَقَطَه بعضُ الحفّاظ النيسابوريينَ من مسموع الأصمِّ منَ ((الأُمِّ)) وسمعه عليهِ، فإِنَّهُ
كان سمعَ ((الأُمَّ))، أو غالبها على الربيعِ، عن الشافعيّ(٣)، وعُمِّرَ، فكانَ آخرُ مَنْ
رَوَى عنهُ، وحصلَ لهُ صممٌ، فكانَ في السماعِ عليهِ مشقةٌ(٤).
قولُه: (فيدعى)(٥) فاؤهُ سببيةٌ، أي: فبسببٍ جعلهِ على المسانيدِ لَزِمَ أَنْ
يدعى الحديث إليهِ الجفلى؛ لأنَّهُ إذا ذكرَ صحابيًّا، فكأنَّهُ قالَ: ذكرُ ما لهذا
الصحابيٌّ منَ الحديثِ(٦).
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٠. قلت: قال الكتاني في الرسالة المستطرفة: ٦١: ((وقيل: وهو
أول مسند صنف، ورد بأن هذا صحيح لو كان هو الجامع له؛ لتقدمه، لكن الجامع له غيره، وهو
بعض حفاظ خراسان، جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة، وله من الأحاديث التي لم
تدخل هذا المسند قدره أو أكثر)).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) زاد بعدها في (ك): ((رضي اللَّه عنه)).
(٤) ذكر السيوطي هذا الكلام في البحر الذي زخر ٣ / ١٢٠٢ - ١٢٠٤ وعزاه إلى العراقي. وقد
فصلت الكلام عن مسند الإمام الشافعي تفصيلاً وافرًا عند تحقيقي لمسند الإمام الشافعي بترتيب
سنجر فراجعه تجد فائدة .
(٥) التبصرة والتذكرة (٨١).
(٦) من قوله: ((قوله: فيدعى ... )) إلى هنا وردت في (ك) بعد قوله: ((والمنقطعة والمعضلة =

٢٨٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: (وعده للدارمي)(١) أجابَ بعضُهم عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّهُ يحتملُ أنْ
يكونَ أرادَ دارميًّا آخرَ، قالَ: فذكرَ الشيخُ أنَّهُ وجدَ حاشيةً بخطُ ابنِ الصلاح أنَّهُ أرادَ
بالدارميّ: عبدَ اللَّه بنَ عبدِ الرحمانِ ، فانتفى ذلكَ .
قلتُ : لكنْ قدْ قالَ الخطيبُ - فيما رأيتهُ بخطّ المصنفِ في القطعةِ التي وجدتُها
منْ ((شرحهِ الكبيرِ)) - في ترجمةِ الدارميّ(٢): ((إنَّهُ صنَّفَ المسندَ، والتفسيرَ،
والجامعَ))(٣) فلعلَّ ابنَ الصلاح اطّلعَ على المسندِ، ودَرسَت نسخُهُ بعدَ ذلكَ، فلمْ نرَ
شيئًا منها، كغيرِهِ منَ الكتب التي لم نرّ/ ١٨١/ غيرَ أسمائها، واللَّهُ أعلمُ.
قالَ شيخُنا: ((وأما هذا السننُ المسمى بـ((مسندِ الدارميِّ)) فإنَّهُ ليسَ دونَ
السننِ في المرتبةِ، بل لو ضُمَّ إلى الخمسةِ لكانَ أولى منٍ (٤) ابن ماجه، فإِنَّهُ أمثلُ منهُ
بكثيرٍ)). قالَ الشيخُ في ((النكتِ))(٥): (( واشتهرَ تسميتهُ بالمسندِ، كما سَمَّى
البخاريُّ كتابَهُ: ((المسندَ الجامعَ الصحيحَ)) وإنْ كانَ مرتبًا على الأبوابِ؛ لكونٍ
أحاديثه مسندة، إلّا أنَّ ((مسندَ الدارميّ)) كثيرُ الأحاديثِ المرسلةِ، والمنقطعةِ،
والمعضلةِ، والمقطوعةِ ) واللَّهُ أعلمُ(٦).
قولُه: (كنى بهِ عنْ كونِ المسانيدِ)(٧) كانَ منْ حقِّ العبارةِ أنْ يقالَ فيها :
كنى بهِ عنْ سببٍ كونِ المسانيدِ .. إلى آخرِهِ، هكذا كانتْ في نسختي، ثمَّ رأيتُ
= والمقطوعة، والله أعلم)) وما في (أ) أصح؛ لأنه جاء على الترتيب.
(١) التبصرة والتذكرة (٨٢).
(٢) زاد بعدها في (ك): ((وهذا)).
(٣) تاريخ بغداد ١٠ / ٢٩.
(٤) عبارة: ((إلى الخمسة لكان أولى من)) لم ترد في (ك).
(٥) التقييد والإيضاح: ٥٦.
(٦) من قوله: ((قال الشيخ في النكت ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٠.

٢٨٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
في غيرها: (( كنّى بهِ عنْ بيانٍ كونِ .. )) إلى آخرِهِ، فاستقامَ حينئذٍ؛ لأنَّ معناهُ أنَّ
الدعاءَ الجفَلَی مبینٌ لنزول رتبة المسندٍ ؛ لأنَّهُ بصددِ انْ یذکر کلّ حدیث ژُوِي عنِ
الصحابيّ مسندًا كيفَ كانَ(١).
قولُه : (فإنَّ الدعوةَ عندَ العربِ على قسمينٍ)(٢) الدعوةُ عندَهم على أقسامٍ
كثيرةٍ، وأمّا الذي على قسمينٍ فهوَ المدعوُّ، فتارةً يكونُ عامًّا، وتارةً يكونُ خاصًا .
قلتُ: كذا قالَ شيخُنَا، والذي يظهرُ أنَّ كلامَ المصنّفِ أحسنُ، وأنَّ(٣) الذي
هوَ أنواعٌ إنما هوَ الطعامُ المدعوُّ إليهِ، والاسمُ العامُ لجميعِ أنواعهِ المَأْدُبةُ، وأمّا الدعوةُ
بفتحِ الدالِ وضمِّهَا، التي هي من(٤) دعاءِ الناسِ إلى الطعامِ، فهي قسمانٍ: خاصةٌ
وعامةٌ، وهذا أمرٌ لغويّ، يرجعُ فيهِ إلى كلامِ أهلِ اللغةِ، وهأنا أذكرُ لكَ/٨١ب/ ما
رأيتُهُ من ذلكَ عنِ الإمامِ أبي الفتحِ عثمانَ بنِ جنّي، وفي ((القاموسٍ)) للإمامِ مجدٍ
الدينِ الفيروزآبادي، وكتابٍ ((الأسماءِ والصفاتِ)) للحسنِ بنِ عبدِ اللَّهِ العسكري،
وما كانَ عنِ ابنِ جنّي فمن خطّهِ نقلتُهُ، قالَ: قالَ أبو عبيدٍ: سمعتُ أبا زيدٍ يقولُ:
يُسمَّى الطعامُ الذي يصنعُ عندَ العرسِ: الوليمة، والذي عندَ الإملاكِ: النّقيعة، نَقعتُ
نقوعًا، وأَولمتُ إيلامًا. ((العسكري)) الوليمةُ: ما يُطعمُ في الإملاكِ. ((القاموسُ)):
والوليمةُ : طعامُ العُرسِ، أو كلُّ طعامٍ صُنِعَ لدعوةِ وغيرِها، وأَولَمَ: صَنعَها(٥).
((ابنُ جني والفرّاءُ)). والنقيعةُ: ما صنَعه الرجلُ عندَ قدومهِ من سفرٍ، يقالُ:
أنقعتُ إنقاعًا ((القاموس)) في مادةِ ((نقعَ)) وكسفينةٍ: طعامُ القادمِ من سفَرٍ، وكلُّ
(١) من قوله: ((هكذا كانت في نسختي ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٠.
(٣) زيادة من(ف) فقط.
(٤) لم ترد في (ف).
(٥) القاموس المحيط مادة ((ولم)).

٢٨٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
جزورٍ مُزِرَتْ للضيافةِ، وطعامُ الرجلِ ليلةَ يملكُ(١).
((ابن جني)): وعندَ البناءِ بينيهِ الرجلُ في دارهِ ((العسكري)): وعندَ بناءِ الدورِ ،
الوَكِيرةُ وقد وكّرتُ تَوكيرًا. ((القاموس)): والوَكرَةُ - وتُحرّكُ - والوَكِيرُ والوَكيرةُ :
طعامٌ يُعمَلُ لفَراغِ البُنيانِ، وقد وكَرَ لهم كوَعَدَ(٢).
((ابن جني)): وعندَ الخِتانِ إعذارٌ. ((القاموس)): العِذارُ: طعامُ البناءِ،
والخِتانِ، وأَنْ تستفيدَ شيئًا جديدًا، فتخذَ طعامًا تدعو إليهِ إخوانك كالإعذارِ ،
والعَذيرة، والعَذير فيهما(٣).
((ابنُ جني)): وعندَ الولادةِ الخُرسُ، فأمّا الذي تطعمُهُ النفساءُ نَفسها، فهوَ
الخُرسَةُ، وقد خَرستُ، أي: تخريسًا. ((القاموس)): الخُرسُ بالضمّ: طعامُ الولادةِ/
٨٢أ/ وبهاءٍ: طعامُ النُّفساءِ، وَخَرّسَ على المرأةِ تخريسًا أطعمَ في ولادتِها،
وتَخَّسَتْ هي اتخذتْهُ لنفسِها، ومنهُ: ((تَخَرَّسِي يا نَفسُ، لا مُخَرِّسَةً لكِ)) قالتهُ امرأةٌ
وَلَدتْ ولم يكنْ لها مَنْ يهتَمُّ لها، يُضربُ في اعتناءِ المرءِ بنفسهِ (٤).
((ابنُّ جني)): وكلَّ طعامٍ بعدُ صُنعَ لدعوةٍ فهوَ مَأْدُبةٌ ومَأْدَبةٌ، وقد آدَبتُ أُودِبُ
إندابًا . غيرهُ، أي: غير أبي عبيدٍ، وأدَبتُ أَدَبًا. ((العسكري)): والمأدُبةُ: الدّعوةُ.
((القاموس)): الأذبُ بالفتح - أي: ثم سُكونٍ - مصدرُ أَدَبَهُ تَأْدِبهُ: دعاهُ إلى طعامهِ ،
كآدبهُ إِئداًا ، وأَدَبَ يأدِبُ أَدَبًا مُحرّكَةً، عَمِلَ مَأْدَبَةً، والأُذْبَةُ بالضمّ والمأدُّبَةُ
والمأدَبَةُ: طعامٌ صُنعَ لدعوةِ أو عُرسٍ (٥) .
(١) القاموس المحيط مادة (نقع).
(٢) القاموس المحيط مادة (وكر).
(٣) القاموس المحيط مادة (عذر).
(٤) القاموس المحيط مادة (خرس).
(٥) القاموس المحيط مادة (أدب).

٢٨٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
((ابنُ جني: أبو زيدٍ)) يقالُ للطعام الذي يتُعلّلُ بهِ قبلَ الغداء: السُّلفةُ واللّهنةُ ،
وقد سَلَّفتُ للقومٍ، ولهنتُ لهم، أي: تسليفًا، وتلهينًا. ((القاموس)): والشلفةُ:
بالضمّ، اللُّمْجَةُ، أي: بالضمّ والجيمِ، وهي ما يُعلَّلُ بهِ قبلَ الغداءِ(١)، والتَّسليفُ:
أكلُ السّلفَةِ (٢)، واللهنةُ: بالضمّ، ما يُهديهِ المسافرُ، واللَّمجةُ(٣). ((العسكري))
واللَّهنةُ ما يهديهِ الرجلُ إذا قدمَ من سفرٍ، يقالُ: لهنونا مما عندَكم. وقال أبو زيدٍ :
اللهنةُ ما يتعلَّلُ بهِ الضيفُ قبلَ الطعامِ .
((ابنُ جني)): الأمويُّ: ولهجتُهم أيضًا بمعناهُ، أي: تلهيجًا. ((القاموسُ)):
واللُّهَجَةُ - أي: بالضمّ - اللمجَةُ، ولهجتهم تلهيجًا أطعمتهم إياها (٤).
((ابنُ جني)): غيره - أي: غير أبي زيدٍ - : القَفِيّ، أي: بوزنٍ غَني : الذي
يُكرمُ بهِ الرجلُ، يقالُ: قفوتهُ. ((القاموس)): والقفيّ كغني الضيفُ المُكرمُ، وما
يكرمُ بهِ من الطعامِ وأَقَفَى/٨٢ب/ أكَلَها(٥).
((العسكري)): والخبيرةُ، الدعوةُ على عقيقةِ الغلام. ((القاموس)»: والخُبْرةُ
بالضمِ - أي: والخاءِ المعجمةِ والموحدةِ -: الطعامُ واللّحمُ، وما قُدّمَ من شيءٍ،
وطعام يحملُهُ المسافرُ في سفرتِهِ(٦).
والخُترَةُ أي: بضمّ المهملة، وإسكانِ الفوقانيةِ الوكيرةُ كالحتيرِة، وحتّرَ لهم
تحتيرًا: اتخذَّ لهم وَكِيرةٌ(٧)، ثمّ قالَ: والحثرةُ - أي: بمهملة ثمَّ مثلثة - الوكيرةُ والعقيقُ
(١) القاموس المحيط مادة (لمج).
(٢) القاموس المحيط مادة (سلف).
(٣) القاموس المحيط مادة (لهن).
(٤) القاموس المحيط مادة (لهج).
(٥) القاموس المحيط مادة (قفا).
(٦) القاموس المحيط مادة (خبر).
(٧) القاموس المحيط مادة (حتر).

٢٨٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
شَعَرُ كلِّ مولودٍ من الناسِ والبهائم، كالعِقَّةِ بالكسرِ، وكسفينةٍ ، والعقيقةُ أيضًا الشاةُ
التي تذبحُ عندَ حلقٍ شَعَرِ المولودِ (١)، وغُزْلَةُ الصبيّ، وعقَّ عنِ المولودِ ذَبحَ عنهُ .
((القاموسُ)) أيضًا، و((العسكريُ)): والوَضِيمةُ طعامُ المأتم. ((القاموسُ)): حذقَ
الصبيُّ القرآنَ والعملَ كضَرَبَ وعملَ (٢) حَذْقًا وحَذاقًا وحَذاقةً ويُكسو(٣) الكلِّ،
والحِذاقةُ بالكسرِ الاسمُ، تَعلَّمَهُ كلَّهُ، مَهَرَ فيهِ، ويومُ حذاقِهِ يومُ ختمهِ للقرآن (٤).
وقالَ : التُّحفةُ بالضم البرّ واللّطفُ والطُّرفةُ جمعه تُحَفٌ، وقد أتحفتهُ تحفةً(٥).
والنّزلُ بضمتينٍ المنزلُ، وما هيئَ للضيفِ أَنْ يَنْزِلَ عليهِ كالنزلِ جمعه أنزالُ،
والطعامُ ذو البركة كالَّزيلِ، والفضلُ والعطاءُ والبركةُ. والقومُ النازلونَ(٦).
وقرَى الضيفَ يقريهِ قرىّ بالكسرِ والقصرِ ، والفتح والمدّ أضافةُ كاقتراهُ، واستقرَى
واقترى وأقرَى: طلبَ ضيافةً، وهو مقرى للضيفِ ومِقراءٌ، وهي مقراً، ومقراءٌ.
والمقراةُ أيضًا: القصعةُ يقرى فيها، والمقَاري القُدورُ(٧). وقد نظمَ بعضُ
الفضلاءِ أكثرَ ذلكَ، فقالَ :
أسَامي الطعامِ اثنانٍ من بعد عشرةٍ سأُسرُدُها مقرونةً ببيانٍ
عقيقةُ مولودٍ وكيرةُ باني
وليمةُ مُرْس ثم خرسُ ولادةٍ
وضيمةُ ذي موتٍ نقيعةُ قادمٍ عذيرةُ أو إعذارُ يوم خِتانٍ
(١) القاموس المحيط مادة (عقق).
(٢) في القاموس : (وعلم).
(٣) في المخطوط: ((بكسر)) والصواب ما أثبته كما في القاموس.
(٤) القاموس المحيط مادة (حذق).
(٥) القاموس المحيط مادة (تحف).
(٦) القاموس المحيط مادة (نزل).
(٧) القاموس المحيط مادة (قرى).

٢٨٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ومأدبةُ الخلانِ لا سبب لها حِذاقُ صغيرٍ يوم ختمٍ قرانٍ
وعاشرها في النّظمِ تحفةُ زائرٍ قِرى الضيفِ مع نُزلٍ له بقرانٍ(١)
وقد(٢) علمتَ من كلامِ العسكري و((القاموسِ)) أنَّ قولُه: ((لا سببَ لها))
معناه : أنها غيرُ مقيدةٍ بسببٍ، دونَ سببٍ ، لا بمعنى أنها مقيدةٌ بنفي السببٍ، فهي
أعمُّ الكل. انتهى .
وكلٌّ من هذهِ الأنواع ينقسمُ إلى قسمي الدعوةِ الخاصِّ والعامّ: فالدعوةُ العامةُ
الجفلى بجيمٍ وفاءٍ محرّكًا، ومادتها تدورُ على التقطّع والتبدّدِ ، فالمرمي يلزمهُ ذلكَ،
وكذا الكثيرُ في الغالبِ، وكذا المرسعُ ينقطعُ، ويفترقُ من كلِّ ما يمرُ عليهِ. قالَ
الإمامُ عبدُ الحقِّ في كتابهِ ((الواعي)): ((جَفلتُ المتاعَ، أي: رميتُ بعضَه على
بعضٍ، ويقالُ: انجغلَ القومُ كلُّهم، أي: تقطّعوا وتبدّدوا، وفي صفةِ الدجّالِ:
مُجُفالُ الشَّعْرِ، أي: كثيرهُ)).
قال أبو عبدِ الله: الجفالُ: الكثيرُ من الشَّعْرِ، والجفالةُ: الجمعُ الكثيرُ من
الناسٍ. وقال قاسم: الجفالُ الصوفُ.
قال أبو عبدِ الله: يقالُ: جفلَ الرجلُ وأجفلَ إذا أسرعَ في عَدْوِهِ خوفًا، فهوَ
جافلٌ ومجفِلٌ، ويقالُ: فلانٌ يدعو الجفلى إذا كانَ يعمُّ بالدعوةِ، أي: هوَ يدعو
الكثيرَ من الناسِ، ويقالُ: الأجفَلَى، وتروى كذلكَ في شِعرٍ طرفةً، أي: المذكور،
وهي لغةٌ، وقد أنكرها بعضَهم .
وقال ابنُ فارسٍ في ((المجملِ)): ((والجفلى أن تدعو الناسَ إلى طعامِكَ عامةً
من غيرِ اختصاصٍ))(٣).
(١) البيت الأخير من المقطوعة الشعرية لم يرد في(ف).
(٢) لم ترد في (ف).
(٣) مجمل اللغة مادة (جفل).

٢٨٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وفي ((القاموسٍ)): ودعاهم الجغلى محرّكةً، والأُجفَلَى، أي: بجماعتهم
وعامَّتهم، والأجفَلَى/٨٣ب/ الجماعةُ من كلِّ شيءٍ (١). وقال العسكريُّ: والجفَلَى
والأجفَلَى أن تدعو القومَ كلَّهم، والنَّقَرَى - أي: بنونٍ وقاف ومهملةٍ مُحرّكًا
مقصورًا - أنْ تخصَّ قومًا دونَ قومٍ، وقدِ انتقرَ.
في ((القاموسٍ)): ودعوتهم النَّقْرَى، أي: دعوةً خاصةً، وهو أنْ يدعوَ بعضًا
دونَ بعضٍ، وهوَ الانتقارُ أيضًا(٢).
وقالَ عبدُ الحقِّ في ((الواعي)): «ونَقرَ الرجلُ باسم صاحبهِ ينقرُ إذا دعاهُ
استخصاصًا(٣) له، وكذا إذا سمّاه من بينهم، وقدٍ انتقرَ انتقارًا إذا فعلَ ذلكَ، وهي
النَّقَرَى، وفلانٌ يدعو النَّقَرَى إذا خصَّ في دعوتِهِ، والانتقارُ الاختصاصُ)).
وقالَ ابنُّ فارس: ((نَقَرت بالرجلِ إذا دعوتَهُ إليكَ من بينِ الجماعةِ، ومنه
النَّقَرى)) (٤) انتهى .
وهوَ مأخوذٌ من قولهم: رجلٌ نقّارٌ ومنقِرٌ إذا كانَ ينقرُ عنِ الأمورِ والأخبارِ،
أي: يبحثُ، والمادةُ كلَّها تدورُ على الحفر منَ النقيرِ، وهو النكتةُ التي في ظهرِ
النواةٍ ، ومنهُ تنبتُ النخلةُ .
والآدبُ - اسمُ فاعل من الأدبِ - في البيتِ بفتحِ ثمَّ سكونٍ، وهوَ الدعوةُ إلى الطعامِ .
قال ابنُ فارسٍ في ((المجمل)): ((والأذبُ دعاءُ الناسِ إلى طعامِكَ، والآدِبُ
الداعي إليه))(٥) انتهى .
(١) القاموس المحيط مادة (جفل).
(٢) القاموس المحيط مادة (نقر).
(٣) هكذا في الأصل.
(٤) مجمل اللغة مادة (نقر).
(٥) مجمل اللغة مادة (أدب).

٢٨٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وقد تقدّمَ بسطُ ذلكَ. والمشتاةُ بفتح الميم الشتاءُ. قالهُ ابنُ فارسٍ في
(المجملِ))، والفارابي في ((ديوانِ الأدبِ)). واستشهدَ عليهِ في ((المجملِ)) ببيتٍ
طرفةَ هذا، وقالَ: ((قالَ الخليلُ: الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، أي: بفتحِ
الميمٍ، مقصورٌ))(١).
وقالَ في ((ديوانِ الأدبِ)) في بابٍ مَفعَل بفتحِ الميمِ والعينٍ منَ الواوي:
المَشتَّى: الشتاءُ. وقال في ((القاموس)): الشتاءُ ككساءٍ آخرُ(٢) أرباع الأزمنةِ
الأولى (٣)، واللَّهُ أعلمُ(٤).
قولُه :
٨٣- والحُكْمُ لِلإِسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ بِالْحُسْنِ دُونَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
٨٤- وَاقْبَلْهُ إِنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بِضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
/٨٤ أ/ قال شيخنا: ((أعيانا توجيهُ كلام ابنِ الصلاحِ في هذا الفصلِ؛ فإنَّ
آخرَهُ يدفعُ أولَهُ. مفهومُ قولِه: ((غير أنَّ المصنفَ المعتمدَ ... )(٥) إلى آخرِه، عدم
التفصيلِ(٦)، وإنما يحكمُ على الحديثِ بالصحةِ دائمًا إذا صححَ المعتمدُ إسنادهُ،
ولم يعقبه بقادح، وصدرُ كلامِه مصرّخ بالتفصيل(٧) :وهو أنّا نصحح الإسنادَ حينئذٍ
دونَ المتنٍ، ولا يتخيلُ أبدًا أنَّ الكلامَ الأُولَ فيمن لا يعتمدُ، والثاني: فيمن يعتمدُ؛
(١) مجمل اللغة مادة (شتو).
(٢) في القاموس مادة (أحد).
(٣) القاموس المحيط مادة (شتا).
(٤) من قوله: ((قلت: كذا قال شيخنا والذي يظهر)) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
(٦) كتب ناسخ (أ) صادًا صغيرة؛ للتفريق بينها وبين الضاد، وهذا دليل على جودة قريحته.
(٧) كتب ناسخ (أ) صادًا صغيرة؛ للتفريق بينها وبين الضاد.

٢٩٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
لأَنَّ غيرَ المعتمدِ لا يعتمدُ في الحكم على الإسنادٍ ولا غيره(١) اللهمَّ إلا أنْ يقالَ: إِنَّ
مرادَهُ بالمعتمدِ الغايةُ في العمدةِ ، وهمُّ النّقادُ الذينَ لهم اليدُ الطولَى في معرفةِ العللِ،
فإنهم قليلٌ جدًّا، وغالبُ المحدّثينَ - وإنْ سُمّوا حُفّاظًا - لا يبلغونَ هذهِ الدرجةَ،
فَهُم وإن كانت فيهم أهليةُ التصحيح والتضعيفِ، لا يصلونَ إلى رتبةِ أولئكَ، فيكونُ
المعنى أنَّ الناقدَ إذا قالَ: ((صحيحُ الإسنادٍ)) ولم يعقبهُ بقادح، فكأنَّهُ قالَ: فَتَّشتُ
فلم أجدْ لهذا الحديثِ علةً، وقد فرض أنَّهُ ناقدٌ ، وأنَّ فيهِ ملكةَ المعرفةِ التامةِ، وقد
علمتَ فيما مضى في بحثِ الصحيحِ أنَّ عدمَ اطلاعهِ بعدَ الفحصٍ كافٍ في نفي(٢)
الشذوذٍ والعلةِ ، إذ ليسَ المرادُ انتفاءَهما في نفسِ الأمرِ؛ فإنَّ ذلكَ مما يَقْصُرُ عنهُ علمُ
البشرِ، فانحلَّ ذلكَ إلى أنَّ قولُه تارةً: ((صحيحٌ)) وأخرى: ((صحيحُ الإسنادِ)) تفننٌ
في العبارةِ، ليسَ غير؛ إذ قد اتضحَّ أنَّ عدمَ وجدانِ الناقدِ العلةَ والشذوذَ بعدَ الفحصِ
كافٍ في التصحيح، أو يقالُ: إنَّ المفهومَ لقوله: ((المصنف)) لا لقوله: ((المعتمد))
ويكونُ معناهُ أنَّ المعتمدَ الذي/٨٤ب/ لم يبلغْ درجةَ التصنيفِ إذا قالَ: ((صحیحُ
الإسنادِ)) لا نستفيدُ منهُ صحةً المتنِ، ولو لم يعقبهُ بقادحٍ، وكذا الذي بلغَ أهليةً
التصنيفٍ، لكنْ قالَ ذلكَ في غيرِ تصنيفٍ)).
قلتُ : وقد كنتُ أرى أنَّ كلام ابنِ الصلاحِ فيهِ تقديمٌ وتأخيرٌ، إذا رتِّبَ اتضحَ
المعنى ، وتقديره: حكمُ المصنفِ المعتمدِ على إسنادٍ بالصحةِ من غيرٍ تعقيبٍ بقادحٍ
حكمٌ للمتنِ أيضًا بالصحةِ، غير أنَّهُ دونَ حكمهِ على المتنِ بالصحةِ من أولِ الأمرِ.
وأظُنُّ أنَّ ابنَ الصلاحِ أرادَ هذا المعنى، فلم توفٍ بهِ عبارتُهُ، وهذا لا يَنْقُصُ
من جلالتهِ - رحمهُ اللَّه - ثمَّ ظهرَ لي أنَّ الكلام صحيحٌ موفٍ بالمعنى ، ما فيهِ تقدیمٌ
(١) نكت ابن حجر ١ / ٤٧٤، وبتحقيقي: ٢٥٩.
(٢) من قوله: ((وقد علمت فيما مضى)) إلى هنا لم يرد في (ك).

٢٩١
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ولا تأخيرٌ، فالجملةُ الأولى(١) ادّعَى فيها أنَّ الحكمَ على الحديثِ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ
دون الحکم علیهِ بأنّهُ نفسَهُ صحیحٌ، فهذا كما ترى ظاهرهُ القول منه باشتراكهما في
الصحةِ، غير أنَّ أحدَهما أعلى؛ لطروقهِ احتمالَ كونِ المصنفِ أرادَ أنَّ السندَ
صحيحٌ، وأنَّ المتنَ شاذٌّ، أو معللٌ.
والجملةُ الثانيةُ من كلامه، وهي قولُه: ((غيرَ أنَّ المصنفَ ... )) إلى آخره،
كالتعليلِ لتصحيحِ الحديثِ الذي قيل فيهِ: ((صحيحُ الإسنادِ)) معَ أَنَّهُ قد قررَ أَنَّهُ لا
ملازمةَ بينَ صحةِ المتنِ وصحةِ السندِ .
قالَ شيخُنا: ((والذي(٢) لا أشكُّ فيهِ أنَّ الإمامَ منهم لا يعدلُ عن قولِه:
((صحيح)) إلى قوله: ((صحيح الإسنادٍ)) إلا لأمرٍ ما))(٣).
قلتُ: وقد بانَ لكَ أنَّ هذا مرادُ ابنِ الصلاحِ، واللّهُ أعلمُ .
قال: وأكثرُ من يستعملُ ذلكَ/٨٥أ/ الحاكمُ في ((مستدركهِ)) فتارةً يقول:
((صحيح على شرطهما)، وتارةً: ((على شرطِ أحدِهما))، وتارةً يقولُ: ((صحیحُ
الإسنادٍ، ولا علة له))، وتارةً: ((صحيح الإسنادِ)) ويسكتُ .
قال(٤): وثمّ مناقشةٌ أخرى في قوله: ((لأنَّ عدمَ العلةِ والقادح هوَ الأصلُ
والظاهرُ))(٥) فإِنَّهُ هنا حكمَ بالصحةِ من غيرِ بحثٍ عن عدمِ العلةِ، وجعلَ في قسمِ
الصحيحِ انتفاءَ العلةِ شرطًا لهُ، وقضیةُ کونٍ عدمها فیه شرطًا انْ يبحثَ عن حالٍ حتى
يغلبَ على الظنِّ أنَّه لا علةَ لهُ.
(١) لم ترد في (ك).
(٢) لم ترد في (ك).
(٣) لم ترد في (ك).
(٤) جاء في حاشية (أ): ((أي ابن حجر)).
(٥) معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.

٢٩٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قلتُ(١): وحاصلُ الاعتراضِ أنَّهُ اكتفى هنا بالعدمِ، وجعلَ الشرطَ هناك إثباتَ
العدمِ، والفرقُ بينَ الأمرينِ مقررٌ في بحثِ الموجبةِ المعدولةِ، والسالبةِ البسيطةِ من
علمِ الميزانِ، وعندي: أَنَّهُ(٢) لا منافاةَ بينَ الموضعينِ.
وقولُه : (لأنَّ الأصلَ)(٣)، أي : الأصلَ هنا، وفي كلِّ مدعِ العدمُ حتى يثبتَ
الوجودُ. والظاهرُ هنا - أي: المغلبُ على الظنِّ - عدمُ العلةِ والقادح، من شذوذٍ
ونحوه، لأجلِ سكوتٍ هذا الإمامِ المعتمدِ الذي من شأنه البحثُ والإرشادُ،
وعندهُ(٤) غايةُ الملكةِ لذلكَ، فهوَ لم يصححْ إِسنادَه إلا بعدَ أنْ بحثَ ، فلم يجدْ علةً
ولا قادحًا، فلم يَمِلِ ابنُ الصلاحِ إلى تصحيحِ ما وصفَ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ إلا لظنِّ
أنَّ هذا الإمامَ المعتمدَ بحثَ عنِ القادحِ فلم يجد، وهذا معنى ما تقدّمَ(٥).
وقد عرفَ أنَّ الشرطَ غلبةُ الظنِ، لا القطعُ في نفسِ الأمرِ، واللَّهُ أعلمُ .
قولُه :
مَتْنِ ، فَإِنْ لَفْظًا يُرِدْ فَقُلْ: صِفٍ
٨٥- وَاسْتُشْكِلِ الحِسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في
سَنَدَهُ، فَكَيْفَ إِنْ فَرْدٌ وصِفْ ؟
٨٦- بِهِ الضَّعِيفَ، أوْ يُرِدْ مَا يَخْتَلِفْ
أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُو اصْطِلاحٍ
٨٧- وَ( لأبي الفَتحِ) في الأقْتِرَاحِ
كُلُّ صَحيح حَسَنٌ لا يَنْعَكِسْ
٨٨- وَإِنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَسْ
٨٩- وَأَوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أَقْرَادِ حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إِسْنَادٍ
(١) لم ترد في (ك).
(٢) عبارة: ((وعندي أنه)) أبدلها في (ك) بـ(قلت)).
(٣) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧١، والعبارة تعود لقول ابن الصلاح: ((لأن عدم العلة والقادح هو
الأصل)). معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
(٤) في (ك): ((وغيره)).
(٥) جاء في حاشية (أ): ((في الصحيح من أنه لا بد من البحث)).

٢٩٣
النكت الوفية بما في شرح الألفية
قولُه: ( كقولِ الترمذيِّ وغيرهِ)(١) إنما قالَ: ((وغيرهِ)) حتى لا يظنَّ أنَّ الجمعَ
بينَ/٨٥ب/ الوصفينٍ إنما وقَع في كلامه فقط، فقد جاء في كلامٍ غيره، کعلي بنٍ
المديني ، ويعقوب بن شيبةً.
قولُه: (إذا كانَ حسنَ اللفظِ أنه حسنٌ)(٢) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ بعد ذلكَ:
((وذلكَ لا يقوله أحدٌ من المحدّثينَ(٣) إذا جروا على اصطلاحهم)) (٤). نقلهُ عنهُ
الشيخُ في ((النكت))(٥)، ثمّ قالَ: ((قلتُ: قد أطلقوا على الحديثِ الضعيفِ بأنَّهُ
حسنٌ، وأرادُوا حسنَ اللفظِ، لا المعنى الاصطلاحي، فرَوَى ابنُ عبدِ البرِّ في كتابٍ
((بيانِ آدابِ العلمِ)) حديثَ معاذ بنِ حبلٍ مرفوعًا: ((تعلّموا العلمَ؛ فإنَّ تعلّمَه للَّهِ
خشيةٌ، وطلبهُ عبادةٌ، ومذاكرتهُ تسبيحٌ، والبحثَ عنهُ جهادٌ، وتعلمهُ لمن لا يعلمهُ
صدقةٌ، وبذلهُ لأهلهِ قربةٌ؛ لأَنَّهُ معالمُ الحلال والحرامِ، ومنارُ سُبْلٍ(٦) أهلِ الجنةِ،
وهو الأنس في الوحشةٍ، والصاحبُ في الغربةِ، والمحدثُ في الخلوةِ ، والدليلُ على
السراءِ والضراءِ، والسلامحُ على الأعداءِ، والزينُ عندَ الأخِلاءِ، يرفعُ اللَّه بهِ أقوامًا،
فیجعلهم في الخیرِ قادةً، وأئمةً تُقتصُّ آثارهم، ويُقتدى بفعالھم، ويُنتھی إلی رأيهم،
ترغبُ الملائکةُ في خلّتھم، وبأجنحتها تمسحھم، یستغفرُ لھم کلّ رطْبٍ ویاہسٍ،
وحيتانُ البحرِ وهوامّهُ، وسبائحُ البرّ وأنعامُه؛ لأنَّ العلمَ حياةُ القلوبِ منَ الجهلِ؛
ومصابيحُ الأبصارِ منَ الظلم، يبلغُ العبدُ بالعلمِ منازلَ الأخيارِ، والدرجاتِ العلى في
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧١.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٢، وهي عبارة ابن دقيق العيد في الاقتراح: ١٩٩.
(٣) في الاقتراح: ((أهل الحديث)).
(٤) الاقتراح: ١٩٩.
(٥) التقييد والإيضاح: ٦٠ - ٦١.
(٦) في التقييد: ((سبيل))، وفي جامع بيان العلم ((سبل)) كما هو في المخطوط.

٢٩٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الدنيا والآخرة ، التفكرُ فيهِ يعدلُ الصيامَ، مدارستُهُ تَعدلُ القيامَ، بِهِ تُوصَلُ الأرحام،
وبه يُعرَفُ الحلالُ/٨٦أ / منَ الحرامِ، هوَ إِمامُ العملِ، والعملُ تابعُهُ، يُلهَمُهُ السَّعداءُ،
ويُحرَّمُهُ الأشقياءُ))(١). قالَ ابنُ عبد البرّ: وهو حديثٌ حسنٌ جدًّا، ولكن ليسَ له
إسناد قويٌ(٢). انتھی کلامُهُ.
فأرادَ بالحسنِ حسنَ اللفظِ قطعًا، فإنَّهُ من روايةٍ موسى بن محمدٍ البلقاويِّ،
عن عبد الرحيمِ بنِ زيدِ العَمِّي. والبلقاويُّ هذا كذابٌ كذبه أبو زرعةً، وأبو حاتم(٣)،
ونَسبَهُ ابنُ حبانَ(٤) والعقيلي(٥) إلى وضعِ الحديثِ - والظاهرُ أنَّ هذا الحديثَ مَّا
صنعت يداهُ - وعبدُ الرحيم بنُ زيدِ العَمِّي متروكٌ أيضًا (٦) ورُؤَّينا عن أميةَ بنِ خالدٍ
قالَ: ((قلتُ لشعبةَ: تُحدِّثُ عن محمدٍ بن عبيدِ اللَّه العرزمي، وتدعُ عبدَ الملكِ بنَ
أبي سليمانَ، وقد كانَ حسنَ الحديثِ؟ قالَ: من حسنِها فررتُ))(٧) انتهى . ولابنٍ
دقيقِ العيدِ أنْ ينفصلَ عن ذلكَ بقوله: ((إذا جروا على اصطلاحهم))(٨)، والإلزام
(١) جامع بيان العلم ١ / ٥٤ - ٥٥، وكذلك أسنده من قبله أبو نعيم في حلية الأولياء ١ / ٢٣٩.
(٢) جامع بيان العلم ١ / ٥٥، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١ / ٨٩: ((قوله: حسن، أراد
به الحسن المعنوي، لا الحسن المصطلح عليه بين أهل الحديث ... )).
(٣) الجرح والتعديل ٨ / ١٨٥ (٧١٥).
(٤) المجروحين ٢ / ٢٥٠ (٩١٦).
(٥) الضعفاء الكبير ٤ / ١٦٩.
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٤٠١/٥ (١٦٠٣)، والتاريخ الكبير ١٠٤/٦، والتاريخ الصغير ٢ / ٢٥٤،
والضعفاء للنسائي (٢٦٨)، وتهذيب الكمال ٤ / ٤٩٥ (٣٩٩٤)، وانظر كلام الحافظ العراقي في
تخريج الإحياء ١٠ / ٨٩.
(٧) أسنده: ابن عدي في ((الكامل)) ٦ / ٥٢٥، والسمعاني في ((أدب الإملاء)»: ٥٩، والمزي في
(تهذيب الكمال)) ٤ / ٥٥٦ (٤١٢٠).
(٨) الاقتراح: ١٩٩.

٢٩٥
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الصحيحُ ما(١) قالَه شيخُنا من أَنَّهُ(٢) كان يلزمُ على قوله(٣): ألا يوصفَ حديثٌ
بصفةٍ إلا والحسنُ تابعه، فإنَّ كلَّ أحاديثِ النبيِ وَّةِ حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلما رأينا
الذي وقعّ هذا في كلامه، كثيرًا يفرقُ فتارةً يقولُ: ((حسنٌ)) ويطلقُ، وتارةً يقولُ:
(صحيح)) فقط، وتارةً يقولُ: ((حسنٌ صحيحٌ))، وتارةً يقولُ: ((صحيحٌ(٤) غريبٌ »
ونحوَ ذلكَ، عرفنا أنَّه لا محالةَ جارٍ معَ الاصطلاحِ، وأيضًا فهو قد قالَ في ((العللِ)» في
آخرِ كتابِهِ: (( وما قلنا في كتابنا حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا به حسنَ إسناده عندنا))(٥)
فقد صرَّح بأنَّه إنما أرادَ حسنَ الإسنادِ، فانتفى أنْ يريدَ /٨٦ب/ حسنَ اللفظِ، فقلتُ :
يمكنُ أن يجيبَ مدعي هذا بما أجبتمُ بهِ من أنَّ هذا الكلامَ خاصٌ بما يقولُ فيه:
((حسنٌ)) من غيرِ صفةٍ أخرى، فقالَ: بل هذا شاملٌ للجميع، والذي يختصُّ بما
يخصُّه بقوله: ((حسن))(٦) هوَ الكلامُ الذي بعدَ هذا، وهو قولُه: ((كلُّ حديثٍ
يروى .. ))(٧) إلى آخرِهِ، وإنما يَرِدُ تحسينُ أهلِ هذا الشأنِ للفظِ الضعيفِ مقيدًا، كما
يقولُ ابنُ عبدِ البرّ أحيانًا: ((حديثٌ حسن اللفظِ، وليسَ له إسنادٌ قائم))(٨).
قوله: (وهذا معنى قوله(٩): فكيفَ إنْ فردٌ)(١٠) قال الشيخُ في
(١) من قوله: ((قال ابن دقيق العيد بعد ذلك ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٢) عبارة: ((من أنه)) لم ترد في (ك).
(٣) عبارة: ((على قوله)) لم ترد في (ك).
(٤) عبارة: ((فقط، وتارة يقول: حسن صحيح، وتارة يقول: صحيح)) لم ترد في (ك).
(٥) العلل آخر الجامع ٦ / ٢٥١.
(٦) جاء في حاشية (أ): ((أي: الذي أراد به حسن الإسناد)).
(٧) العلل آخر الجامع ٦ / ٢٥١.
(٨) جامع بيان العلم وفضله ١ / ٥٤، وانظر: نكت ابن حجر ١ / ٤٧٥، وبتحقيقي: ٢٦١.
(٩) « قوله)) لم ترد في (ف).
(١٠) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٢.

٢٩٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
((النكتِ ))(١): ((وقد أجابَ بعضُ المتأخرينَ(٢) عنِ ابنِ الصلاح بأنَّ الترمذيَّ حيثُ
قالَ هذا يريدُ بهِ تفردّ أحدِ الرواةِ بهِ عنِ الآخرِ، لا التفردَ المطلقَ. قالَ: ويوضحُ ذلكَ
ما ذكّره في الفتنِ(٣) من حديث خالدِ الحذَّاءِ، عن ابنٍ سيرينَ، عن أبي هريرةً يرفعه:
((من أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ .. )) الحديثَ، قال فيهِ: (( هذا (٤) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
غريبٌ من هذا الوجهِ))، فاستغربهُ من حديثٍ خالدٍ، لا مطلقًا. انتهى.
وهذا الجوابُ لا يتمشى في المواضع التي يقولُ فيها: لا نعرفهُ إلا من هذا
الوجهِ (٥)، كحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمان)» هكذا قالَ الشيخُ، وستعرفُ ما فيهِ فيما
یلیە(٦) .
قولُه: (كحديثِ العلاءِ)(٧) ليسَ مثالًا صحيحًا، فإنَّ قولَ الترمذيِّ: ((على
هذا اللفظِ )) يشعرُ بأنَّهُ رُوِيَ من غيرِ هذا الوجهِ على غيرِ هذا اللفظِ، وهوَ كذلك،
فإنَّ أصلهُ: ((لا تَقدموا رمضانَ بصومٍ يومٍ، ولا يومينٍ))(٨) وهو مروي من غيرِ هذهِ
(١) التقييد والإيضاح: ٥٨ - ٥٩.
(٢) انظر: نكت الزركشي ١ / ٣٦٧، والبحر الذي زخر ٣ / ١٢٤٩ - ١٢٥٠، وتعليقنا على كتاب
معرفة أنواع علم الحديث: ١٠٩.
(٣) الجامع الكبير ٤ / ٣٦ (٢١٦٢)، والحديث أخرجه أيضًا أحمد ٢ / ٢٥٦، ٥٠٥، ومسلم ٨ /
٣٤ (٢٦١٦) من طرق عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به .
(٤) في ((التقييد والإيضاح)): ((هكذا)) خطأ.
(٥) جاء في حاشية (أ): ((أي: عن هذا الراوي)).
(٦) من قوله: ((قوله: وهذا معنى قوله ... )) إلى هنا لم يرد في (ك).
(٧) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٢. وحديث العلاء هذا رواه الترمذي في (الجامع الكبير)) (٧٣٨)
من طريقه، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا)).
(٨) من هذا الوجه أخرجه: البخاري ٣ / ٣٥ (١٩١٤)، ومسلم ٣ / ١٢٥ (١٠٨٢) (٢١)، ولمزيد
من التخريج انظر تحقيقي على ((مسند الشافعي)) حديث (٦٠٩).

٢٩٧
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الطريقٍ، وللترمذيٍّ في تعبيره عن ذلكَ أنواعٌ من التقييداتِ(١)/٨٧أ/ لا يتنبهونَ لها،
كأن يقولَ: ((غريبٌ من هذا الوجهِ))(٢)، ((غريبٌ بهذا السياقِ))، ((لا نعرفهُ إلا من
هذا الوجهِ بهذا التمامِ))(٣)، ونحوَ ذلكَ، فلا يمنعُ أنْ يكونَ رويَ من وجهٍ آخرَ، أو
أوجهٍ أُخرَ من غيرِ ذلكَ الوجهِ، وبغيرِ ذلكَ السياقِ، وبغيرِ ذلكَ التمامِ . ووراء ذلك
كله أنَّهُ إذا اقتصر على قوله: ((غريبٌ)) احتملَ أنْ يكونَ مرادهُ الغرابةَ النسبيةَ، أي :
إِنَّ ذلكَ الراوي تفرّدَ بهِ عن شيخه، وذلكَ مثل قوله: ((غريبٌ من هذا الوجهِ)) فلا
يمتنعُ أنْ يكونَ رواهُ العددُ الكثيرُ عن غيرِ ذلكَ الشيخِ، فليتنبه لذلكَ كلِهِ .
قولُه: (ولأبي الفتح)(٤) قال شيخنا: (( حاصلُ جوابٍ ابنٍ دقيقِ العيدِ: أنَّ
قولهم: ((حسنٌ صحيحٌ)) مثلُ قولهم: ((هذا الراوي صدوقٌ ضابطٌ))؛ فإنَّ صدوقًا
فقط قاصرٌ عن أوصافٍ رجالٍ الصحيحِ، وضابطًا من أوصافهم، فكما أنَّ الجمعَ بينَ
هذينٍ الوصفينٍ لا يضرُ ولا يشكلُ، فكذلكَ الجمعُ بينَ الحسنِ والصحةِ .
وظاهرُ قولِه: ((وأمّا إن ارتفعَ إلى درجةٍ الصحةِ، فالحسنُ حاصلٌ)) أنَّ مرادَهُ
بالحسنِ هنا غيرُ المعنى الاصطلاحىِّ؛ لأَنَّ الاستعمالَ الشائعَ في مثلِ ((إنْ كانَ كذا
فكذا، وأما إن كانَ كذا فكذا))، أنَّ ما بعدَ ((أمّا)) غيرُ ما قبلها، لكنَّ قولُه: ((لأَنَّ
(١) في (ك): ((التقديرات)).
(٢) انظر على سبيل المثال: الجامع الكبير (٥٨) و(٣٦٠) و(٤٢٨) و(٦١٤) و(١٠٤٦) و(١١٨٨)
و(١٣٠٣) و(١٣٢٦) و(١٦٨١) و(٢١٧١) و(٢٦٢٥) و(٢٨٤٢) و(٣٠٣٢) و(٣٣٧١)
و(٣٥٣٨).
(٣) في الجامع الكبير عبارة: ((لا نعرفه إلا من هذا الوجه)) دون قوله: ((بهذا التمام)) انظر على سبيل
المثال: (١٩٦) و(٤٧٣) و(٦٠٤) و(١٢٥٧) و(١٤٠٤) و(١٨٣٢) و(٢١٥٨) و(٢٤٠٥)
و(٢٦٥٤) و(٢٩١٦) و(٣٢٠٢) و(٣٥٠) و(٣٨٦٢).
(٤) التبصرة والتذكرة (٨٧).

٢٩٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وجودَ الدرجةِ العليا ... ))(١) إلى آخرِه ينفي ذلك، ويشعرُ بأنَّ المراد المعنى
الاصطلاحيُّ، وحينئذٍ يقال: إنْ كان الضبطُ الذي في راوي الحسنِ هو عينُ(٢)
الضبطِ الذي في راوي الصحيحِ، فالجوابُ مسلمٌ، وإنْ كانَ غيرَه وهوَ الحقُّ فليسَ
جوابًا صحيحًا، فإنَّ الضبطَ/٨٧ب/ الذي في راوي الحسنِ مشترطُ فيهِ القصورُ،
والذي في راوي الصحيحِ مشترطُ فيهِ التمامُ، فهما حقيقتانٍ مختلفتانٍ، وهذا مثلُ
قولٍ مَن جعلَ المباحَ جنسًا للواجبٍ ؛ لكونٍ كلٌّ منهما مأذونًا فيه، والجوابُ بما قالَ
ابن الحاجب: ((قلنا: تركتم فصلَ المباحِ، أي: وهو عدمُ الذمِّ لتاركهِ))، وهذا
كذلكَ سواءٌ من جعلهُ جنسًا للصحيحِ؛ للاجتماعِ في القبولِ، غفلَ(٣) عن فصلٍ
الحسن، وهو اشتراطُ قصورٍ ضبطٍ راویهِ، وقد تقدّم بأبسط من هذا، لكن يعتنی بابنٍ
دقيقِ العيدِ بأنَّ مرادهُ أنَّ الحسنَ حيثُ انفردَ يقصدُ معناه الاصطلاحيّ، وهوَ المشترطُ
فيهِ ذلكَ القصورُ، وإذا لم ينفرد يجوزُ أنْ يُرادَ المعنى الاصطلاحيُّ أيضًا، ويلاحظ
فيهِ القصورُ، لكنْ لا يلاحظُ أنَّهُ على وجهِ الشرطِ حتى يمتنعَ ارتفاعه عن تلكَ
الدرجةِ، وهذا كما تراهُ بحث بحثه، والباحثُ قد يجوزُ في توجيهِ الكلامِ ما لا يعتقدُ
أنه الظاهرُ من معناهُ، فضلاً عن أنْ يعتقدَ أنَّهُ الحقُّ .
قولُه: (ويلزمُ على هذا ... )(٤) إلى آخرِهِ يشعِرُ بعدمِ رضاهُ له، والمعتمدُ ما
قدمهُ في أولِ فصل الحسنِ في اعتراضهِ على الخطابيٌّ من اشتراطِ كونٍ الحسنِ قاصرًا
عن رتبةٍ الصحيح(٥)، فإنَّ ذاكَ الكلامَ في محلهِ، والقاعدةُ: أنَّ ما ذُكرَ في محلهِ هوَ
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٣، والكلام لابن دقيق العيد. انظر: الاقتراح: ٢٠٠.
(٢) في (ك): ((غير)).
(٣) في (ك): ((عندي)).
(٤) شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٣.
(٥) الاقتراح: ١٩١ - ١٩٢.

٢٩٩
النكت الوفية بما في شرح الألفية
المعتمدُ، فاللائقُ ردُّ هذا الكلام إلى ذاكَ، لا (١) كما فعلَ التبريزيُّ حيثُ أرادَ ردَّ
ذلكَ إلى هذا (٢) .
قال شيخنا : ((هذا(٣) ما يتعلقُّ بما أوردهُ في النظم منَ الأجوبةِ، وبقي جوابٌ
رابع/١٨٨ /: وهو التوسطُ بينَ کلامِ ابنِ الصلاحِ، وابنٍ دقیقِ العیدِ ، فیخصُّ جواب
ابنِ الصلاحِ بما يكونُ لهُ إسنادانِ فصاعدًا، وجواب ابنٍ دقيقِ العيد بما يكونُ فردًا .
وجوابٌ خامسٌ - وهو الذي ارتضاهُ(٤) (٥)، ولا غبارَ عليهِ - : وهوَ أنَّ
الحديثَ إنْ كانَ متعددَ الإسنادٍ ، فالوصفُ راجعٌ إلى الحديثِ باعتبارِ الإسنادینِ، أو
الأسانيدِ، كأَنَّهُ قيلَ: ((حديثٌ حسنٌ بالإسنادِ الفلاني، صحيح بالإسنادِ الفلاني)»،
وإنْ كانَ الحديثُ فردًا فالوصفُ وقعَ بحسبٍ اختلافِ النقادِ في راويهِ، فيرى
المجتهدُ منهمُ - كالترمذيِّ - بعضهم يقولُ: صدوقٌ مثلًا، وبعضهم يقولُ: ثقةٌ،
ولا يترجّحُ عنده قولُ واحدٍ منهما، أو يترجحُ، ولكنهُ أرادَ أنْ يشيرَ إلى كلامِ الناسِ
فيهِ، فيقولَ: ((حسنٌ صحيحٌ))، أي: حسنٌ عندَ قومٍ؛ لأنَّ راويَهُ عندَهم صدوقٌ،
(١) لم ترد في (ك).
(٢) إذ قال التبريزي فيما نقله عنه العراقي في شرح التبصرة ١ / ١٥٢، وفي التقييد والإيضاح: ٤٤:
((فيه نظر؛ لأنه ذكر من بعد أن الصحيح أخص من الحسن، قال: ودخول الخاص في حدي العام
ضروري والتقييد بما يخرجه للحد))، قال العراقي: ((وهو اعتراض متجه)).
قال ابن حجر في نكته ١ / ٤٠٥ وبتحقيقي: ٢٠٠: ((بين الصحيح والحسن خصوص وعموم من
وجهٍ، وذلك بین واضح لمن تدبره، فلا يرد اعتراض التبريزي؛ إذ لا يلزم من كون الصحيح أخص
من الحسن من وجهٍ أن يكون أخص منه مطلقًا حتى يدخل الصحيح في الحسن ... )).
(٣) عبارة: ((قال شيخنا: هذا)) لم ترد في (ف).
(٤) في (ك) و(ف): ((ارتضيه)).
(٥) جاء في حاشية (أ): ((أي: ابن حجر)).

٣٠٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
صحيحٌ عندَ آخرينَ؛ لأَنَّ راويَهُ عندهم ثقةٌ، وهوَ نظيرُ قولِ الفقيهِ: في المسألةِ
قولانٍ ، أو بحسبٍ تردد المجتهد نفسه في الراوي ، فتارةً يؤديه اجتهادهُ باعتبارٍ حديثه
وعرضهِ على حديثِ الحفّاظِ ، ونحو ذلكَ إلى قصورٍ ضبطهِ، وتارةً إلى تمامهِ، فكأنَّه
حينئذٍ قالَ: حسنٌ أو صحيحٌ، وغايتهُ: أنَّهُ حذفَ كلمة ((أو))، وحذفُها شائعٌ في
كلامِهم، كما في أثرِ عمرَ رضي اللَّه عنه في ((الصحيحِ)) في أوائلٍ كتابٍ
الصلاةِ(١): ((صلى في قميصٍ وإزارٍ، في تبان ورداءٍ، في كذا وكذا ... ))(٢) إلى
آخرِه، وكما في حديثٍ عدي بن حاتم رفعهُ: ((تصدّقَ رجلٌ من درهمهِ، من
ديناره، من صاع تمرهٍ))(٣) إلى آخرِه، ذكره ابن مالك في ((شواهد/٨٨ب/
التوضيحِ)) (٤) وهذا الحديثُ رواهُ مسلمٌ في الزكاةِ عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّه رضي اللَّه
عنه: ((أنَّ ناسًا من الأعرابِ جاءوا، فرأى سوء حالهم، فخطبَ الناسَ، ثم حثّهُم
على الصدقةِ ))(٥)، وقالَ هذا الكلام.
في ((صحيح مسلمٍ)) أيضًا في البرّ والصلةِ عن أبي هريرةَ رضي اللَّه عنه، أنَّ
التّبيَّ وَ لّهِ قالَ: ((اللهمَّ إني أتخذُ عندكَ عهدًا، فأيُّ المسلمينَ آذيتُهُ، شتمتُهُ، لعنتُهُ،
جلدتُه، فاجعلها لَه صلاةٌ، وزكاةً، وقُربةً))(٦) .
(١) عبارة: ((في أوائل كتاب الصلاة)) لم ترد في (ف).
(٢) صحيح البخاري ١ / ١٠٢ عقب (٣٦٥).
(٣) أخرج الطبراني في ((الأوسط)) (٩٤٨١) بنحو هذا من حديث عدي بن حاتم، وذكره الهيثمي في
(( مجمع الزوائد)) ٣ / ١٠٦ - ١٠٧ وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسن بن أبي
جعفر الجفري، وهو ضعيف)).
(٤) شواهد التوضيح: ١١٧.
(٥) صحيح مسلم ٣ / ٨٦ (١٠١٧) (٦٩).
(٦) صحيح مسلم ٨ / ٢٦ (٢٦٠١) (٩٣).