Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
ترجمة المصنف
دائم الخفقانِ
لها القلب امسى
ويا رب شخص قد دهمته مصيبة
ولو كنت جلتها يدي ولساني
فيطلب من يجلو صداها فلا يرى
لنصرة مظلوم ضعيف جنانٍ
وكم ظالم نالته مني غضاضة
أعيدت بضرب من يدي وطعانٍ
وكم خطة سامت ذويها معرة
بتشتيت شملي مَا الوفاء رثاني
فإن يرثني من كنت أجمع شمله
وإلا نعاني كل خلق ترفعت به هممي عن شائن وبكاني

٢٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
دراسة كتاب ((النكت الوفية بما في شرح الألفية))
لعلنا لا نغادرُ أرض الواقع والحقيقةِ إذا قلنا: إنَّ شرحَ الحافظِ العراقيّ من أكثرٍ
الشروحِ أصالةً في مادتهِ العلميةِ، وأوفرِها إغناءً لجوانبِ البحثِ العلميّ ، فقد حوى
الكتابُ الكثيرَ من النقولاتِ لأئمة هذا الفنّ وعُمَدِه فاستغنى بها، وأجادَ وأفادَ مع
الأصالة التامة والإبداع الفائق والأسلوب الرصين؛ حتى أصبح هذا الكتّاب منَ
المراجعِ الجليلةِ لعلمٍ مصطلحِ الحديثِ، ولا غنيةَ لطّالبِ العلمِ عنه.
ولا ريب أن لا حفظَ لكتابٍ عن الخطأ والتحريفِ والتصحيفِ خلا كتاب اللَّهِ
تعالى، فمنَ البَدهي أنْ يعتريّ هذا الجهد البشري - الذي لا يخلو من نقصٍ مُبِلَت
عليهِ فطرة الناس التي فطرهم اللَّهُ عليها - بعضَ الهناتِ هنا وهناكَ، وفي هذا يقولُ
العمادُ الأصبهانيُّ: ((إِنَّهُ لا يكتبُ إنسانٌ كتابًا في يومه إلا قال في غدهِ: لو غُيِّرَ هذا
الكان أحسن، ولو زِيدَ هذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل، ولو تُركَ هذا
لكان أجمل، وهذا من أعظم العبرِ، وهو دليلٌ على استيلاءِ النقصِ على جملةٍ
البشرِ)). وقدْ دأبَ أهلُ العلمِ الفضلاء في تتبع أمهاتِ الكتبِ نفيًا لما جاءَ فيها من
تقصيرٍ، وتصحيحًا لبعضٍ ما شابها من أخطاء خدمةً لدينِ اللهِ، وابتغاءً لمرضاتهِ جلَّ
في علاه المتمثل بخدمَةٍ سنةِ الرسولِ وَ لِّ الدليل الثاني منْ أدلةِ الدينِ الحنيفِ؛ لذا
جاءَ كتابُ ((النكتِ الوفية بما في شرح الألفية)) للعلامةِ البقاعيّ على هذا النهجِ،
وهذا المنوالِ ليُتممَ فوائدَ هذا الشّرحِ الجليلِ العلمية، ويحل بعضَ ما غمضَ وأبهم
من عباراتِه وجمله، فاكًا لكلِّ لبسٍ قد يظهرُ للقارئ حولها ، ومستدركًا لبعضٍ ما ورد
فيهِ منَ الهفوات التي لا يخلو منها عملُ إنسانٍ - وكما قدَّمت قبلَ قليلٍ - ومنبها
على جوانب علميةٍ فريدة حواها هذا السفرُ العظيمُ، وفيما يأتي أوجزُ بعضَ هذه
السماتِ التي تمتعَ بها كتابُ ((النكتِ الوفية بما في شرح الألفية)) وبعضَ ما امتازً
بهِ ، فأقول ، وبالله التوفيق :

٢٣
دراسة كتاب ((النكت الوفية بما في شرح الألفية ))
١- تَضمَّنَ كتاب ((النكتِ الوفيةِ بما في شرح الألفية)) اعتراضات على بعضٍ
الأبياتِ الشعريةِ من ألفيةِ الإمامِ العراقيّ موردًا ما يراهُ أولى بالنَّظم وأتمَّ للفائدةِ
وأشمل، انظر على سبيل المثال: ٨٠/١ و١٣٤ و١٣٩ و٣١٥ و٣٤٨ و ٣٦٣
و ٤٤٥ و ٤٥٧ و ٥٤١ و٥٤٤ و٦١٥و ١٠/٢ و٦٢ و١٠١ و١٤٤
و ١٤٧ و ٢٣٥ و ٢٧٧.
٢- لم يتقيد العلامةُ البقاعيُّ في حرفيةِ النقلِ حينما ينقلُ من الكتبِ الأخرى مستدلاً
بهذه النقولاتِ أو موضحًا لرأيٍ أو عبارةٍ، بل تصرَّفَ في كثيرٍ منَ الأحيان ،
ولكن مع المحافظةِ على روحِ النَّصِ والتقيدِ بمعناه، وكثيرًا ما كان يصرّحُ
بذلكَ عقب انتهاءٍ نقله، انظر على سبيلِ المثالِ: ٦٨/١ و٨٩ و ١٥٣ و
٢٠٨ و ٤٤٢ و ٢ /١٤١.
٣- نقلَ كثيرًا من الفوائدِ العلميةِ في علمٍ مصطلحِ الحديثِ ومناهجٍ المحدّثينَ عن
شيخهِ الحافظ ابنٍ حجر، انظر على سبيل المثال: ٧٥/١ و٧٧ و٨٩ و١٢٤
و ١٢٦ و ١٤١ و ١٤٢ و ١٤٥ و١٤٦ و ١٤٨ و١٤٩ و١٥٦ و١٥٩ و
١٦٨ و١٦٩ و٢٩١ و ٤٠٩، وبعضها لا نجده عند غير البقاعي مما يعطينا
مادة علمية إضافية عن الحافظ ابن حجر.
٤- أورد العلامة البقاعي في ((النكت الوفية بما في شرح الألفية)) ذكرًا لكثيرٍ منْ
نوادرِ الكتبِ والتي لم تصلْ إلينا لسبب ما ، ناقلًا منها عباراتٍ متنوعة، واصفًا
بعضها بأبرزِ سماتها وموضحًا أثرها العلمي، انظر على سبيل المثالِ: ٦٣/١
و٨٧ و٩٠ و١٠٢ و١٧٠ و٢٠٣ و٣١٧ و٥٤١.
٥ - تكررت في كتابهِ عبارات: ((وبخطّ بعضٍ أصحابنا))، و((قالَ بعضُ أصحابنا))،
و((قال صاحبنا))، وقد أبهمَ فيها اسمَ من نقَل عنه، انظر على سبيلِ المثالِ:
٧٧/١ و١١٥ و١١٦ و١٢٠ و١٢١ و١٨٤ و٣١٣ و٣١٤ و٣٣٣

٢٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
و ٦١٥ و٦١٨ و٦٢٨ و٦٥٨ و٦٦٤ و٢/ ٣٥ و٤٣٥، وفي بعض
الأماكن يترجح الظن أنه أراد السخاوي، ولعله أبهمه لما حصل بينهما من
جفوة، واللَّهُ أعلم .
٦- ردَّ في كتابِهِ هذا على كثيرٍ منَ الاعتراضاتِ التي اعتُرضَ فيها على ابنِ الصَّلاحِ
على بعضٍ ما أورده في كتابهِ ((معرفة أنواع علم الحديثِ))، انظر على سبيلٍ
المثال: ٧٩/١ و٨٦ و١٣٥ و١٣٨ و١٣٩ و٣١٢ و٦٩/٢.
٧- تَعقبَ شيخَه الحافظ ابنَ حجر في عدةٍ مواطنَ مِنْ هذا الكتابِ بعدَ أنْ يَنْقلَ
رأيه في بعض المسائل، انظر على سبيلِ المثالِ: ١/ ٣٦٧.
٨- استطردَ كثيرًا في ذكرِ الفوائدِ اللغويةِ والبلاغيةِ، وأخذَ ينقلُ الكثيرَ من العباراتِ
من معاجمِ اللغةِ والغريبِ، مبينًا وموضحًا لما استُعجمَ أو أُبهم من الكلماتِ أو
العباراتِ؛ مما أثرى هذا الكتابَ بمادةٍ لغويةٍ جميلةٍ، انظر على سبيل المثال :
٦٥/١ و٦٧ و٦٨ و٦٩ و٧٢ و١٣٥ و١٤٧ و٢٦٤ و٢٨٣ - ٢٨٩ و٣١٧
و٣٥٨ و٣٨٥ و ٤٠٥ و٤٥٥ و ٤٩٩ و٥٠٠ و ٥٠٩ و٥١٢ و٥٢٥ و٥٣٨
و٥٤٣ و٥٤٩ و٥٥٠ و٥٥٩ و٥٧٥ و٥٧٦ و٥٩٢ و٦٠٠ و٣٤/٢ و٦٥
و٦٧ و٦٨ و٨٢ و٨٦ - ٩٠ و٩٨ و١٠٦ و١٣٣ و١٣٤ و١٤١ و١٤٢
و١٤٧ و١٦٤ و١٧١ و١٧٣ و١٨٠ و١٨٤ و٢٢٥ و٢٢٦ و٢٥٤ و٣١٤
و٣١٦ و٣٢٠ و٣٤٥ و٣٧٢ و٣٨١ و٤٣٧ و٤٤٨ و٤٤٩ و ٤٥٥.
٩- ذكرَ بعضَ الفوائد الأصولية، والقواعد الفقهية في أصول الفقهِ، انظر على سبيلٍ
المثال: ٩٠/١ و١٦٥ و١٧٤ و٢٩٢ و٣٢٧ و٣٤٤ و٤١٨ و ٥٨٨.
١٠ - أوردّ بعضَ العباراتِ المنطقية، انظر على سبيلِ المثالِ: ١٣٩/١ و٤١٧
و ٥٩٠ و ٥٩١.
١١- أورَد عبارات جميلة في المصطلح لخَّصَ فيها الكثيرَ من الكلامِ، وترى فيها

٢٥
دراسة كتاب «النكت الوفية بما في شرح الألفية )»
خلاصة ما استقرَّ عليهِ علمُ مصطلحِ الحديثِ، انظر على سبيلِ المثالِ: ٨١/١
و١٧١ و٣٠٧ و٥٨٨ و ٦٢٥.
١٢- أورَد مسائلَ لنفسِه عرضها أو سألَ عنها شيخَه ابنَ حجرٍ، وأوردَ بعدها أجوبةً
الحافظ ابنٍ حجر عليها. انظر على سبيلِ المثالِ: ١١٣/١ و٣٤٨ و٤٥٣ و
٤٨٨ و٤٨٩.
١٣ - نَقلَ عبارات من كتابٍ العراقيّ ((الشرح الكبير))، وهو مِنَ الكتب النفيسةِ التي
ألفها الحافظُ العراقيُّ وفُقدتْ ولم تصلْ إلينا - وكما تَقْدمَ بيانُه - انظر على
سبيلِ المثالِ: ١٠٨/١ و١٥٤ و١٦٠ و١٦٦ و١٨٦ و٢٠١ و٢٨٢ و ٦٦١.
١٤- أورَد عبارات أو أحاديث من كتبٍ موجودةٍ ومطبوعةٍ، وحينَ الرجوع إليها
كنّا لا نرى هذهِ العبارات فلعلها مما سقطَ من مخطوطاتِ تلكَ الكتبِ، انظر
على سبيلِ المثالِ: ١١٨/١ و٤٦٤.
١٥ - قامَ بإيضاح عبارات أو أسماء وردت في ((شرح التبصرة والتذكرة)) عن طريقٍ
إيرادِ ما يوضحها من كتابٍ ((التقييد والإيضاح)) ولقد أكثرَ المصنّفُ من هذا،
وهو صنيعٌ حسنٌ؛ لأَنَّ أولى ما يزيلُ إبهامَ عبارات أي كاتبٍ هو الكاتبُ
نفسه، وانظر على سبيلِ المثالِ: ١٣٧/١ و٣٧٠ و٣٨٩ و٤٠٢ و٤٠٣
و ٤٢٣ و ٤٥٢ و ٥١٣ و٥١٧ و٥٧٧ و٥٩٥ و٥٩٧ و٦٠٢ و٦٢٨ و٦٣٤
و٩/٢ و ٢٣ و٢٥ و٣٠ و٤١ و٥٣ و٥٦ و٥٧ و٧٢ و٩٤ و١١٣ و٤٤٦
و ٤٧٤.
١٦- نَقلَ اعتراضاتٍ شيخِه الحافظِ ابنِ حجر على بعضِ الأبياتِ الشعريةِ من ألفيةٍ
العراقيّ ، انظر على سبيلِ المثالِ: ٢١٦/١.
١٧ - قَامَ بضبطِ بعضِ الأسماءِ في كتابِه وخاصةً تلكَ التي فيها خلاف أو وقعَ فيها
تصحيف، انظر على سبيل المثال: ٢٥٣/١ و٢٦٢ و٣٧١ و٣٧٢ و٤٤٤

٢٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
و٥٥٩ و٥٦٣ و٥٦٦ و٦٣٢ و٢٣٧/٢ و٣١٤.
١٨- أوضَح أسماءَ بعضِ العلماءِ أو الشخصياتِ الذينَ ورَد ذكرهم في الشرحٍ من
غيرِ إيضاحٍ أو ترجمةٍ لهم، انظر على سبيلِ المثالِ: ٣٣٤/١ و٣٧٠ و٤١٩
و ٥٢٣ و٥٦٠ و٥٧٣ و٦١٦ و ٦١٧ و٦١٨ و٦١٩ و٣٠/٢ و٦٠ و ٦٢ و٧١
و١٠١ و١٤٤ و١٦٧ و٣١٢ و٣١٣ و٣١٩ و٣٩٢ و٤٧٢ و٤٨٨.
١٩- نَقلَ في مواطنَ كثيرةٍ من كتابِهِ استدراكاتٍ لشيخِهِ البرهان الحلبي وقد أورد
بعضًا منها على شكلٍ أبياتٍ شعريةٍ، وانظر على سبيلِ المثالِ: ٣٧٩/١ و٣٨٠
و٣٨٦ و٤٠١ و٩١/٢ و١٩٧ و١٩٨.
٢٠- تكلمَ في كتابِه هذا عن بعضِ الفرقِ الإسلاميةِ، موضحًا سماتها، وبعض
معالمها الرئيسةِ، وأبرز رجالاتها، انظر على سبيل المثال: ٥٥١/١ و٥٥٢
و ٥٥٣ و ٥٦٢ و٦٥٦ و ٦٥٧.
٢١- وجدت بينَ ثنايا كتابِهِ هذا بعض العباراتِ الفلسفيةِ وخاصةً فيما يخصّ القولَ
في الإيمانياتِ والعقائدِ ومعظمها لا يركنُ إلى دليلِ نقليٌّ إنما هو العقلُ والظنّ
لا غير، وهذا مما يعابُ عليه - رحمهُ اللَّهُ وغفَر له، انظر على سبيلِ المثالِ :
٦٤٩/١ - ٦٥٢.
٢٢- غالب مادة الكتاب من الحافظ ابن حجر، لكنه بتعبير البقاعي أخذه من
شيخه الحافظ ابن حجر في الدرس، وبعضه على سبيل المذاكرة والسؤال .
٢٣- لم يكن البقاعي يملك بعض الكتب عند تأليفه هذا الكتاب، من ذلك أنه
كان يستخدم لاختصار علوم الحديث لابن كثير نقولات بعض أصحابه .
٢٤- كان البقاعي كثير الاعتماد على شيخه الحافظ ابن حجر في نقولاته في بعض
الأشياء من بعض كتبه، وربما قلده أحيانًا ببعض الغلط، وكان عليه في بعض
الأحيان أن يرجع إلى المصادر الأصلية .

٢٧
دراسة كتاب «النكت الوفية بما في شرح الألفية »
٢٥- لم تكن عناية البقاعي قاصرة على تأليف الكتاب فحسب، بل إنه درس
الكتاب، وقرئ عليه، كما كتب هو ذلك نفسه وبخطه على نسخة أوقاف
بغداد، انظر على سبيل المثال: ٧٨/١ و١٦٢ و٣٠٥ و٣٥٨ و٤١٤ و٤٤٠
و٤٧٠ و٥٠٢ و٥٢٢ و٦٠٥ و٦٥٢، وكتب الناسخ في الحاشية: ((بلغ على
المؤلف)) انظر: ٢٨٠/١ و٣١٥ و٤١٢ و١٤٨/٢.
٢٦ - ألف البقاعي هذا الكتاب في حياة الحافظ ابن جر، انظر دليل ذلك ١/
١٣٠، وكذلك مما يعلم من مقدمة البقاعي نفسه.
٢٧- تضمن الكتاب فوائد عزيزة ونفيسة ودراساتٍ جادة قل أن نجد مثلها مبسوطًا
في موضع آخر، انظر على سبيل المثال ٣٥١/١ و٤٥٩ و ٤٦٠.
٢٨- كان يتصرف في أسماء الكتب فعلى سبيل المثال كتاب ((التقييد والإيضاح))
كان يسميه (النكت)، مع أنه صرح في المجلد الأول صفحة ٧٦ أن اسم
الكتاب ((التقييد والإيضاح)).
٢٩- أضاف عددًا من الأبيات على الألفية في أماكن متفرقة من نظمه ومن نظم
غيره .
هذا ما تيسر لي بإيجاز سريع، والذي يطالع الكتاب من أوله إلى آخره مع
تعليقاتي واستدراكاتي عليه سيجد الكثير من الملاحظات المتعددة، إذ لكل مقام
مقال .

٢٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
نشأة علم مصطلح الحديث وتطوره حتى زمن البقاعي
إن علم مصطلح الحديث له أهمية كبيرة؛ إذ به يعرف صحيح الحديث من
ضعيفه، وعدله من معوجه؛ ولعل أهمية ذلك تدرك من أهمية الحديث النبوي
الشريف ، الذي هو المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم الذي هو أصل الدين،
ومنبع الطريق المستقيم. ومصطلح الحديث بيين من خلاله الحديث المعل من
السليم، والصحيح من الضعيف، والموقوف من المرفوع، والمقبول من المردود،
وعليه يقوم استنباط الأحكام من السنة الطاهرة، وبواسطة هذا العلم الجليل - الذي
تفرد به المسلمون - يتم حسن الاقتداء بالرسول واله، وقد نشأ هذا العلم الشريف
مبكرًا بعد ظهور الرواية، وقد وردت عن التابعين ومن بعدهم عبارات من هذا الفن،
كما ورد من قول محمد بن سيرين: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت
الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى
أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم))(١). وقال عبد الله بن المبارك: ((الإسناد من الدين،
ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء))(٢). لكن وجود مثل هذه العبارات لم يكن مؤلفًا
عند السابقين بمؤلفات خاصة، فقد سبق تدوينُ الحديث التدوينَ بعلم مصطلح
الحديث، ولا غرابة أن يكون علم مصطلح الحديث متأخرًا في التدوين عن علم
الحديث، وربما أن المتقدمين جدًّا لم يريدوا إفراد هذا الفن بالتصنيف لعدم حاجتهم
إليه آنذاك، وقد احتيج إليه فيما بعد، فبدئ بالتدوين في هذا العلم الشريف، فكان
أول من ألف فيه الإمام الشافعي المتوفى سنة (٢٠٤هـ) في كتابه ((الرسالة)) إذ تكلم
عن شروط الحديث الصحيح، وشروط الراوي العدل، وبحث الكلام عن الحديث
(١) مقدمة صحيح مسلم ١٥/١.
(٢) المصدر السابق .

٢٩
نشأة علم مصطلح الحديث وتطوره حتى زمن البقاعي
المرسل وشروطه، وتكلم عن الانقطاع في الحديث، وتكلم عن جمع السنة، وأنكر
على من رد الحديث ، وتكلم عن تثبيت خبر الواحد وشروط الحفظ، وتكلم عن
الرواية بالمعنى، وعن التدليس ومن عرف به، وتكلم عن زيادة التوثيق في الرواية
بطلب إسناد آخر، وتكلم عن أصول الرواية(١).
ثم تلاه في التأليف في هذا الفن الحميدي عبد الله بن الزبير المتوفى سنة
(٢١٩هـ) وهو صاحب المسند وشيخ البخاري، إذ يظهر من سوق الخطيب في
كفايته بإسناد واحد إلى الحميدي عدة مسائل في المصطلح أن له رسالة في علم
مصطلح الحديث .
ثم تبع هذين العالمين الجليلين في الكتابة في قضايا المصطلح الإمام مسلم بن
الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة (٢٦١هـ) فضمّن كتابه ((الجامع)) مقدمة
نفيسة تكلم فيها عن بعض القضايا المهمة في علم مصطلح الحديث؛ إذ تكلم عن
تقسيم الأخبار، وعن تقسيم طبقات الرواة من حيث الحفظ والإتقان، وتكلم عن
الحديث المنكر، وعن تفرد الرواة، وعن حكم الأحاديث الضعيفة والروايات
المنكرة، وتكلم عن وجوب الرواية عن الثقات ، وترك الكذابين والتحذير من الكذب
(١) قلت في مقدمتي لمسند الإمام الشافعي ١/ ٢٤: ((والشافعي من العلماء الأوائل الذين كتبوا في علم
المصطلح، ووضعوا تعاريف لبعض ما اصطلح عليه المحدثون، كما ورد بعض ذلك في كتابه
(الرسالة))، وفي سبري لكتب مصطلح الحديث نجد ذكر الإمام الشافعي كثيرًا . انظر على سبيل
المثال طبعتنا لشرح التبصرة والتذكرة الجزء الأول: ١٠٧ و١٠٨ و١١٥ و١٥٨ و١٨٥ و١٨٦
و١٩٧ و٢٠٨ و٢٠٩ و٢١٠ و٢١١ و٢٣٨ و٢٣٩ و٢٤٠ و٢٤٢ و٢٤٥ و٢٤٦ و٢٦٦ و٢٨١
و ٢٨٣ و٢٨٤ و٢٨٥ و٢٨٦ و٣٢٧ و٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٩ و٣٤٧ و٣٤٨ و٣٥٥ و٣٥٦ و٣٦٤
و٣٦٧ و٣٩٤ و٣٩٨ و٤١٧ و٤١٨ و٤٣٢ و٤٤٠ و٤٥٩ و٥٠٣. والجزء الثاني: ٢٠ و٢٨
و٢٩ و٣٥ و٣٩ و٩٧ و٩٨ و٩٩ و١٠٨ و١٢٠ و١٣٨ و٢١٢ و٢٧٦ و٣١٧.

٣٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
على الرسول وَ له، ونصب الأدلة على ذلك، وساق ما يدل على التغليظ في النهي
عن الرواية عن الكذابين والضعفاء، والتساهل في الرواية عن كل ما يسمع، فتكلم
عن أهمية الإسناد، وعن وجوب جرح الرواة الضعفاء، وأنه ليس من الغيبة المحرمة ،
بل من الذب عن الشريعة المكرمة، ثم تكلم بإسهاب وتفصيل عن صحة الاحتجاج
بالحديث المعنعن، حتى أثخن في الجواب عمن اشترط ثبوت اللقيا فيه، وكذلك
كتابه ((التمييز)) لا يخلو من بعض قضايا مصطلح الحديث بسبب أن مسلمًا مشهور
ومعروف بتبسيط العلم مما أداه إلى شرح بعض المصطلحات .
ثم تبعه بالكلام عن بعض قضايا المصطلح أبو داود السجستاني المتوفى سنة
(٢٧٥هـ) في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه، إذ تكلم عن المراسيل وعن
حكمها، وتكلم عن عدد السنن عن النبي ◌َّير، وتكلم عن الاحتجاج بالحديث
الغريب، وعن حكم الاحتجاج بالحديث الشاذ، وتكلم عن الحديث الصحيح وعن
المنقطع والمدلس، ومثّل لذلك، وتكلم عن صيغ السماع والحديث المعلول. وما
ذکرته في كلامه عن هذه الأنواع إنما هي رموز .
ثم تبع هؤلاء في التأليف الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى
سنة (٢٧٩هـ) - تلميذ الإمام البخاري وخريجه - في كتابه النفيس ((العلل
الصغير)) (١)، وهذا الكتاب ألفه الترمذي ووضعه في آخر ((الجامع الكبير))(٢)، تكلم
فيه هذا الإمام الجهبذ الجليل عن قضايا مهمة في مصطلح الحديث، فقد تكلم عن
أنواع التحمل، وخص الإجازة بتوسع، وتكلم عن مسألة الرواية باللفظ والرواية
(١) يبدو لي أن وسم هذا الكتاب بالصغير، تعريف وصفي لم يكن من قبل الإمام الترمذي ، إنما من قبل
من جاء بعده، من أجل التمييز بين هذا الكتاب والعلل الكبير.
(٢) رأى بعضهم أن الترمذي وضعه في آخر ((الجامع)) ولم يضعه في البداية تأدبًا مع كلام النبي اَلله
حتى لا يكون كلامه قبل كلام النبي وَلتر .

٣١
نشأة علم مصطلح الحديث وتطوره حتى زمن البقاعي
بالمعنى، وتكلم على زيادة الثقة، ونقل اختلاف العلماء في جواز الكلام على الرجال
جرحًا وتعديلًا، ثم رجح وجوب نقد الرجال؛ لأنه السبيل الوحيد إلى معرفة ما يقبل
وما يرد من الحديث النبوي الشريف، وقسم أجناس الرواة من حيث الضبط وعدمه،
وتكلم عن تفاوت الرواة في ذلك، وتكلم عن مفهوم الحديث الحسن عنده، وعن
مفهوم الحديث الغريب، وتكلم عن المعلل والمرسل مع ذكر بعض أسباب رد
المحدّثين له، وكتابه ((الجامع الكبير)) فيه كثير من القضايا المهمة في مصطلح
الحديث .
ثم جاء من بعدهم الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي
المتوفى سنة (٣٢١هـ) إذ ألف رسالة في الفرق بين التحديث والإخبار، والفرق
بين المعنعن والمؤنأن، وهي موجودة في ((شرح مشكل الآثار))، ثم جاء من
بعدهم الحافظ محمد بن حبان البستي المتوفى سنة (٣٥٤هـ) إذ كتب بعضًا من
مسائل مصطلح الحديث في عدد من كتبه، فقد ذكر في مقدمة كتابه ((الثقات))
الرواة الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم، وساق شروطهم، ثم قال: ((فكل من
ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل، يجوز
الاحتجاج بخبره)). ثم ذكر شروط الموثق عنده .
أما كتابه ((المجروحين)) فقد ذكر في مقدمته أنواع الجرح، فكانت عشرين،
أما كتابه الأعظم ((الصحيح على التقاسيم والأنواع)) فقد ضمنه بعض قضايا
المصطلح المهمة في مقدمته النفيسة، إذ أجمل شرطه في عنوان الكتاب ، ثم بسط
كلامه عن هذه الشروط، ودافع عن منهجه في التصحيح، ثم تكلم عن أقسام
الأخبار من حيث طرقها، وتكلم عن اختلاف الرفع والوقف، والوصل والإرسال،
وتكلم على زيادات الثقات في الأسانيد والمتون، ثم تكلم عن الرواية عن أهل
البدع، وعن حكم الرواية عنهم، وتكلم عن المختلطين وعن حكم الرواية عنهم،

٣٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وتكلم عن المدلسين، وعن عدالة الصحابة .
ثم جاء من بعدهم القاضي الحسن بن عبد الرحمان الرامهرمزي المتوفى سنة
(٣٦٠ هـ)، فألف كتابه النافع الماتع ((المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي)) وهو
كتاب غير مختص لجمع أنواع علوم الحديث كلها، ولم يقصد من وضعه ذلك،
إنما هو كتاب متصل بسنن الرواية والطلب والكتابة ومناهجها ، فهو يبحث في أبوابه
الأولى في مقدمات عن علم مصطلح الحديث ، ثم أوصاف طالب الحديث وبعض
شروطه وما يتعلق به ، ثم تكلم عن العالي والنازل من الأسانيد وما يتعلق به من الرحلة
وعدمها، ثم تكلم عمن جمع بين الرواية وتكلم بإجادة وتفصيل عن طرق التحمل
وصيغ الأداء، ثم تكلم عن اللحن والرواية بالمعنى والمعارضة والمذاكرة والمنافسة
وغيرها ، واعتمد على نقل الأخبار عن السلف الماضين بالأسانيد، حتى امتدحه أئمة
هذا الشأن في صنيعه في هذا الكتاب، فقد قال فيه الذهبي: ((مصنف كتاب
المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي، وما أحسنه من كتاب، قيل: إن السّلفي كان
لا يكاد يفارق كمه، يعني في بعض عمره))(١).
ثم جاء من بعده أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحاكم النيسابوري
المتوفى سنة (٤٠٥ هـ)، فألف كتابه ((معرفة علوم الحديث)) وكتابه هذا أنفس
بكثير من كتاب الرامهرمزي، وأكثر جودة؛ لاستيعابه أغلب أنواع علم
الحديث، وتقسيمه ذلك وتفصيله لأنواعه حتى عده بعضهم أنه رائد التأليف في
مصطلح الحديث .
ثم جاء من بعده الحافظ أبو نعيم أحمد بن علي الأصفهاني المتوفى سنة
(٤٣٠ هـ)، فزاد على ما كتب الحاكم، وتعقبه في بعض الأمور، بكتاب أسماه:
((المستخرج على كتاب الحاكم)) لكنه لم يبلغ الغاية فيه فأبقى فيه - كما يقول
(١) سير أعلام النبلاء ٣٣/١٦.

٣٣
نشأة علم مصطلح الحديث وتطوره حتى زمن البقاعي
ابن حجر - أشياء للمتعقب .
ثم جاء من بعده الحافظ أبو يعلى الخليلي المتوفى سنة (٤٤٦هـ)، فألف كتابه
((الإرشاد في معرفة علماء الحديث))، وقد ذكر في مقدمة هذا الكتاب شيئًا من
دقائق علم مصطلح الحديث، فتكلم عن الحديث الصحيح، وشرح شيئًا عن العلة
وتكلم عن الشذوذ وعن الأفراد وعن المنكر والشاذ، وتحدث عن العلو والنزول ،
وتحدث عن طبقات الحفاظ وأئمة هذا الشأن ، ونقاد الأثر وطبقات فقهاء الصحابة
وغيرهم(١).
ثم جاء من بعدهم الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي المتوفى سنة
(٤٦٣ هـ)، فصنف في قوانين الرواية كتابه المسمى ((الكفاية في معرفة الرواية)) كما
كتب في آداب الرواية كتابًا سماه ((الجامع لآداب الشيخ والسامع))، وكان للخطيب
البغدادي دور واسع في مصطلح الحديث، وألف كتبًا مستقلة في أغلب فنون علم
مصطلح الحديث، وبذلك أجمع المنصفون على أن كل من جاء بعده كان عالة
علی کتبه .
ثم جاء من بعدهم الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المتوفى سنة
(٥٠٧هـ) فألف كتابًا في العلو والنزول(٢).
ثم ألف القاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤هـ) كتاب ((الإلماع))، وأبو
حفص الميانشي المتوفى سنة (٥٨١هـ) جزءًا لطيفًا سماه ((ما لا يسع المحدّث
جهله )) .
هذه هي المؤلفات التي تناولت علم مصطلح الحديث واستمر الحال عليها
حتى جاء الحافظ تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري المولود سنة
(١) وتضمن الكلام عن هذه المقدمات من ١٧٥/١ - ١٨٥.
(٢) كشف الظنون ٢/ ١٦٦١.

٣٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
(٥٧٧هـ) والمتوفى سنة (٦٤٣هـ) نزيل دمشق، فجمع لما ولي تدريس الحديث
بالمدرسة الأشرفية ما تفرق في مؤلفات من سبقه، وضم إليه ما يجب ضمه من
الفوائد، وذلك في كتابه النفيس (معرفة أنواع علم الحديث))، وهو من أجل كتب
مصطلح الحديث وأحسنها ، وكان هذا الكتاب حدثًا جديدًا ومحورًا دارت في فلكه
تصانيف كل من أتى بعده، وأنه واسطة عقدها، ومصدر ما تفرع عنها، ولم يكن
لمن بعده سوى إعادة الترتيب في بعض الأحيان ، أو التسهيل عن طريق الاختصار أو
النظم، أو إيضاح بعض مقاصده، وقد رزق اللَّه تعالى كتاب ابن الصلاح القبول بين
الناس، حتى صار مَدْرس من يروم الدخول بهذا الشأن ولا يتوصل إليه إلا عن طريقه
فهو الفاتح لما أغلق من معانيه، والشارح بما أجمل من مبانيه .
وقد اعتنی من جاء من بعد ابن الصلاح أشد العناية بکتابه حتى قال ابن حجر :
((فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر))،
وكان من أفضل ما اعتنى بهذا الكتاب صنيع الحافظ العراقي إذ خدمه مرات عديدة
كان أجلها حينما نظم الكتاب ثم شرح النظم بكتابه النفيس ((شرح التبصرة
والتذكرة))، وقد بينت في مقدمتي لشرح التبصرة والتذكرة قيمة الشرح وطريقة
الشارح(١)، ولنفاسة كتاب ((شرح التبصرة والتذكرة)) وأهميته خدمَه البقاعي الخدمة
التي تليق به وبمكانة مؤلفه، وقد تصدى فيه لما أشكل من نظم الألفية أو شرحها
مستفيدًا بشكل أساسي من مباحثاته مع شيخه الحافظ ابن حجر، واستدرك عليه
بعض المواطن التي لم يُوَضِّخها الحافظ العراقي، وما وقع في أبياتها من انكسار الوزن
أو صعوبة التعبير، ولا أريد أن أطيل بوصف كتاب البقاعي فقد بينت ذلك في
الدراسة عنه؛ لكن الذي أريده هو أن كتاب البقاعي متمم لفوائد وعوائد كتاب
((شرح التبصرة والتذكرة))، الذي هو امتداد لحسن صنيع الحافظ ابن الصلاح.
(١) والدراسة تضمنت الفصل الثاني من الدراسة من صفحة ٤٣ من المجلد الأول إلى صفحة ٧٣.

٣٥
وصف النسخ المعتمدة في التحقيق
وصف النسخ المعتمدة في التحقيق
اعتمدت في تحقيقي لكتاب ((النكت الوفية بما فِي شَرح الألفية)) عَلَى أربع
نسخ خطية :
الأولى : نسخة من محفوظات مكتبة الأوقاف العامة في بغداد تحت الرقم
[١٥٧٠] وهي نسخة عتيقة واضحة ومقروءة خطها نسخي عادي، تقع في (٣٠٠)
ورقة، في كل صفحة (١٩) سطرًا، في كل سطر (١٠) كلمات تقريبًا، تبدأ من
أول الكتاب وتنتهي ببحث التسميع، كُتبت في حياة البقاعي سنة (٨٨٠هـ)، وعليها
خطه في مواضع كثيرة، قد أشرت لها في المواضع التي ورَد فيها .
(انظر على سبيل المثال: ٧٨/١ و١٦٢ و٣٠٥ و٣٥٨ و٤١٤ و٤٤٠ و٤٧٠
و٥٠٢ و٥٢٢ و٦٠٥ و٦٥٢، وكتب الناسخ في الحاشية: ((بلغ على المؤلف))
انظر: ٢٨٠/١ و٣١٥ و٤١٢ و١٤٨/٢)، وهي مقروءة عليه، وصاحبها شِهَاب
الدِّين أحمد الحمصي الشَّافِعِيّ، وهي التي جعلتها أصلًا ورمزت لَهَا بالرمز (أ)،
وهذه النسخة نفيسة جدًّا، تعرف نفاستها من خلال السماعات الكثيرة الموجودة
على الحواشي بخط البقاعي، وكذلك قلة الأخطاء الإملائية، مع ندرة التحريف
والسقط، إلا في بعض الأماكن التي طمست بسبب الرطوبة وغيرها .
وقد وضح لي من خلال عملي بهذه النسخة المتقنة أن كاتبها كان ممارسًا
وعالمًا بشأن النسخ والمخطوطات، إذ وجدت في مرات عديدة صنيعه صنيع
الجهابذة لاستخدامه مصطلحات أهل العلم المتقنين في التعامل مع المخطوطات ،
ففي صفحة ٣٠٨ من الجزء الأول حينما سها فقدم وأخر في كلمتين وضع فوق كل
كلمة حرف الميم إشارة إلى أن الصواب أن هذا مؤخر وهذا مقدم. وكان يصحح
على الكلمة المشكلة إشارة إلى صحتها، انظر ٣٠٨/١ وكان يضبب أحيانًا على

٣٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
الكلمة المشكلة ، انظر الموضع السابق، بل كان من مزيد دقته وجودة قريحته وشدة
إتقانه أنه كان يكتب حرفًا صغيرًا تحت الحرف الذي يخشى اشتباهه بحرف يشبهه،
وكان أحيانًا يضع علامة الإهمال على الحرف المهمل إشارة إلى أنه مهمل غير
معجم، وقد وضّح في كثير من الأماكن بعض العبارات، كأن يقال : الشيخ فيكتب
فوقها بحرف صغير: ((أي: العراقي))، أو يقال: شيخنا، فيكتب: ((أي: ابن
حجر)) وغيرها كثير، كذلك شرح الناسخ كثيرًا من المصطلحات التي كانت ترد في
الكتاب من غريب ونحوه، بل كان في بعض الأحيان ينقل في الحاشية فوائد عن
شيخه البقاعي كما جاء في ٤١٩/١: ((قال شيخنا: كان عنده ثمانون فراشًا
المحدّثين يحررون معه السند)). على أن هذه الفائدة قد جاءت في متن الكتاب في
المجلد الثاني صفحة ٣٩٧، ومن فوائده أيضًا أنه علق في صفحة ٤٦٧ من الجزء
الأول فقال في الحاشية: ((المنكر يقابله المعروف، والشاذ يقابله المحفوظ))، وفي
المجلد الأول صفحة ٦١٧ عرف الوجادة .
وإن مما يحزن أن هذه النسخة ليست كاملة بل هي تمثل الجزء الأكبر من
الكتاب وتنتهي في مطبوعتنا هذه في الجزء الثاني صفحة ١٩٤ وجاء في آخر
النسخة: (آخر الجزء الأول، ويتلوه في الثاني إن شاء اللَّه تعالى/٣٠١أ/: ((صفة
رواية الحديث وآدابه))، والحمد لله رب العالمين، وصلّ اللهم على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، فرغ من كتابته، في يوم الأحد
المبارك الخامس من شهر ذي الحجة الحرام من شهور سنة ثمانين وثمانمائة ،
والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وسلم)).
الثانية : نسخة من محفوظات دار المخطوطات العراقية تحت الرقم [ ٨٦٦٨]
وهي نسخة جيدة واضحة مقروءة، خطها نسخي عادي كتبت قبل (٨٥١هـ)، وجاء

٣٧
وصف النسخ المعتمدة في التحقيق
في بعض حواشي هذه النسخة ما يدل على نفاستها وجودتها ففي صفحة ٣٢٠ من
الجزء الأول جاءت عبارة: (( وكلام الحاكم ظاهر فيه)) وجاء في نسخة (ب) بدل
كلمة ((فيه)) ((يأباه))، وكذا هي في نسخة (ف) وكتب ناسخ (ب) فوق كلمة
((يأباه)) ((لا)) ثم كتب في الحاشية: («ضرب عليها شيخنا، وجعل موضعها ((ظاهر
فيه))))، وهذا إن دل على شيء دلّ على أن ناسخ النسخة هو تلميذ للبقاعي، وأن
النسخة مقروءة عليه، وكذا جاءت في النسخة حواشٍ أخرى، وقد نقلت بعضها في
الهامش انظر على سبيل المثال ٣٧٨/١ و٤٠٣؛ ومع ذلك فالنسخة لم تخل من
سقوطات يسيرة، ومما يؤسف له كذلك أنها ناقصة من أولها ومن آخرها، وقد
أشرت إلى ذَلِكَ فِي موطن النقص، وتقع في (١٢٧) ورقة، وهي تبدأ في مطبوعتنا
٣١٢/١ وتنتهي بـ ١٦١/٢، ورمزت لَها بالرمز (ب).
الثالثة: نسخة من محفوظات جامعة برنستون الأمريكية، تحت الرقم
(٣٩٤٣) فيلم ضمن مجموع (ق ١٠هـ)، وخطها نسخي جيد، حصل فيها سقط
كثير وتصحيف، ويوجد عليها عدد من التملكات، عدد أوراقها (٤١) ورقة، في
كل صفحة (١٩) سطرًا، في كل سطر (١٠) كلمات تقريبًا، تبدأ من أول الكتاب،
وتنتهي في مبحث الضعيف، وهي في المطبوع تنتهي في ١/ ٣١١، وقد رمزت لها
بالرمز (ك) .
الرابعة : نسخة من محفوظات مكتبة فيض اللَّه أفندي في إستانبول تحت الرقم
(٢٥٢)، وقد حصلت على نسخة من صورتها المحفوظة في مكتبة المخطوطات
بالجامعة الإسلامية (٤٣٠١) فيلم، خطها نسخي جيد وواضح مع قلة الأخطاء
الإملائية ، إلا أنه وقع فيها بعض التصحيفات والسقط، عدد أوراقها (٢٧٥) ورقة في
كل صفحة (٢١) سطرًا، وفي كل سطر (١٢) كلمة تقريبًا، تبدأ من أول الكتاب،

٣٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
وتنتهي بنوع المسلسل، وجاء في آخرها: ((انتهى ما وجد مكتوبًا في سادس شوال
المبارك (٨٥٩هـ)))، ورمزت لها بالرمز (ف).

٣٩
منهج التحقيق
منهج التحقيق
١- حاولت ضبط النص قدر المستطاع معتمدًا عَلَى النسخ الأربع، مَع مراجعة
الكتب المساعدة .
٢- اعتمدت على نسخة (أ) كأصل في تحقيق هذا الكتاب، إلا أنني لم أجمد على
هذه النسخة ، إنما غيّرت ما ارتأيت أنه صواب، وأكملت نقص الكتاب من
نسخة (ف)، التي تفردت بالزيادة، وأشرت إلى نهاية الصفحات في النسخة
(أ) بعد أن أعطيتها رمزًا، هكذا: (١/ أ)، (١/ ب)، وكذا فعلت في النسخة
(ف) في الزيادة التي أضفتها .
٣- خرجت الآيات الكريمات من موطنها من المصحف، مَعَ الإشارة إلى اسم
السورة ورقم الآية .
٤- خرجت الأحاديث النبوية تخريجًا متوسطًا، وبينت فِي الأعم الأغلب ما فِيهَا
من نكت حديثية، ونبهت عَلَى مواطن الضعف، وكوامن العِلَل.
٥- خرجت أكثر النقولات عن أهل العلم، وذلك بعزوها إلى كتبهم.
٦- في غالب الأحيان يذكر البقاعي عِنْدَ نقله أبيات الألفية جُزْءًا من الأبيات ثُمّ
يَقُولُ: الأبيات، أو البيتين، أو الْبَيْت اختصارًا، وقد نقلت ذَلِكَ من تحقيقنا
((لشرح التبصرة والتذكرة))، إذ لا داعي للاختصار، عَلَى أَنّا اعتمدنا ثلاث
نسخ خطيّة في ضبط متن الألفية، وقد فصلنا الكلام عنها في مقدمتنا ((لشرح
التبصرة والتذكرة)).
٧- ترجمت لبعض الأعلام المبهمين الذين ذكرهم المصنف في هذا الكتاب،
وعرفت بالأمكنة والفرق والكلمات الغريبة على وجه الإيجاز والاختصار.
٨- قدمت للكتاب بمقدمة أراها مناسبة كمدخل إليه .

٤٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
٩- وضعت كلام العراقي بين قوسين كبيرين، وباللون الأسود الغامق .
هكذا: قوله: ( ... ).
١٠- أضفت بعض العناوين، دون الإشارة إليها، وجعلتها باللون الأسود الغامق.
١١- ذكرت بعض التعليقات الواردة في الحاشية، في الهامش.
١٢- صنعت الفهارس اللازمة التي تخدم الكتاب .
١٣- قمت بشكل النص شكلًا متوسطًا.
١٤- علقت عَلَى بَعْض المواطن التي أعتقد أنها بحاجة إلى مزيد إيضاح وبيان.