Indexed OCR Text

Pages 1-20

النَّكَتِ الْوَفِيَّة
بْعَمَا فِي شَرَةُ الْأَلِفِيَّة
لِلإِمَاءُ
بَرَّهَكَانِ الدِّيْنِ إِبْرَاهِيمِ بْعُمَ البَقَاعِي
المتوفى ٨٨٥هنه
حقّقَ نصُوصَه وَضَرَّحِ أُحَادِيْنِه وَعَلَّ عَلَيْه
الدكتورُ مَاهِ لا محُيُ اَلَكُ
الجُزُ لأوّ
مَكَتَبَةُ الرُّسَاد
ناشرون

3
ـبـ
13
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧م
مكتبة الرشد - ناشرون
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن ((طريق الحجاز)
ص.ب .: ١٧٥٢٢ الرياض: ١١٤٩٤ - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٢٢٨١
E-mail: alrushd@alrushdryh.com
Website: www.rushd.com
فروع المكتبة داخل المملكة
الرياض: فرع طريق الملك فهد - هاتف: ٢٠٥١٥٠٠ - فاكس: ٢٠٥٣٣٠١
فرع مكة المكرمة - شارع الطائف - هاتف: ٥٥٨٤٠١ - فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦
فرع المدينة المنورة - شارع أبي ذر الغفاري - هاتف: ٨٣٤٠٦٠٠ - فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧
فرع جدة - مقابل ميدان الطائرة - هاتف: ٦٧٧٦٣٣١ - فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤
فرع القصيم بريدة - طريق المدينة - هاتف: ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس: ٣٢٤١٣٥٨
فـرع أبها - شارع الملك فيصل - تلفاكس: ٢٣١٧٣٠٧
فرع الدمام - شارع الخزان - هاتف: ٨١٥٠٥٦٦ - فاكس: ٤٨١٨٤٧٣
فرع حائل - هاتف: ٥٢٢٣٢٤٦ - فاكس: ٥٦٦٢٢٤٦
فـرع الاحسـاء - هاتف: ٥٨١٣٠٢٨ - فاكس: ٥٨١٣٠١٥
٠
مكاتبنا بالخارج
القاهرة - مدينة نصر - هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ - موبايل: ١٦٢٢٦٥٣-٠١
بيروت - هاتف: ٠١/٨٥٨٥٠١ - موبايل: ٠٣/٥٥٤٣٥٢ - فاكس: ٠١/٨٥٨٥٠٣

المُكَتِ المُفِيَّة
بِعَمَا فِي شَرْعُ الأَلِفِيّة

1

٥
مقدمة التحقيق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا مُحَمَّد وَعَلَى آله
وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .
أما بعد :
فإن علم الحَدِيث دراية ورِوَايَة من أشرف العلوم وأجلها، بل هو أجلها عَلَى
الإطلاق بعد العلم بالقرآن الكريم الذي هُوَ أصل الدِّين ومنبع الطّرِيق المستقيم،
فالحديث هُوَ المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعضه يستقل بالتشريع، وكثيرٌ منه
شارح لكتاب اللَّه تَعَالَى مبين له، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَا
نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾(١).
وعلم الحَدِيث تتفرع تحتهُ علوم كثيرة، ومن تِلْكَ العلوم: علم مصطلح
الحَدِيث: وَهُوَ العلم الذي يكشف عن مصطلحات المحدّثين التي يتداولونها في
مصنفاتهم ودروسهم. وَكَانَ من أحسن تِلْكَ الكُتب كِتابُ الحافظ أبي عَمْرو عُثْمَان
ابن عبد الرَّحْمَانِ الشهرزوري (ت ٦٤٣هـ) المسمى ((مَغْرِفَة أنواع علم
الحَدِيث))(٢)، قَالَ الحافظ ابن حَجَر: ((هذب فنونه وأملاه شيئًا بعد شيء،
فلهذا لَم يحصل ترتيبه عَلَى الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخَطِيب المتفرقة
فجمع شتات مقاصدها وضمّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما
تفرق في غيره، فلهذا عكف النَّاس عَلَيْهِ، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم لَّهُ
(١) النحل : ٤٤.
(٢) طبع بتحقيقنا عَنْ دار الكتب العلمية ، بيروت ٢٠٠٢م.

٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ومُخْتَصر، ومستدرك عَلَيْهِ ومقتصر، ومعارض لَهُ ومنتصر))(١).
وَكَانَ من أحسن تِلْكَ الكتب التي اعتنت بكتاب ابن الصلاح، كِتَابُ الحافظ
العراقي (( شرح التبصرة والتذكرة))(٢)، إذ نظم الحافظ العراقي كتاب ابن الصلاح
بألفية من الشعر سماها: ((التبصرة والتذكرة))، ثُمَّ شرَح الألفية بكتابه: ((شَرْح
التبصرة والتذكرة)). ومنذ ظهور ذَلِكَ الكتاب النفيس اهتم العلماء بِهَذَا النظم
والشرح .
ومن أولئك الذين اعتنوا بـ ((شرح التبصرة والتذكرة)) الحافظ ابن حَجّر
العسقلاني ، وهذا الكتاب الذي بیْنَ یدیك، إنما هُوَ من نتاج ابن حجر، جمعه ورتبه
تلميذه النجيب البقاعي وأضاف عَلَيْهِ؛ حَتَّى خرج بِهَذه الحلة الطيبة المباركة .
إذ صرح البقاعي نفسه في أول مقدمته فَقَالَ: ((قيدت فِيهَا مَا استفدته من
تحقيق تلميذه، شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر أبي الفضل شِهَابِ الدِّين أحمد بن
عَلَيٌّ بن حَجَر الكناني العسقلاني، ثُمَّ المصري الشَّافِعِيّ قاضي القضاة بالديار
المصرية أيام سماعي لبحثها عَلَيْهِ، بارك اللَّه في حياته وأدام عموم النفع ببركاته
سميتها ((النكت الوفية بما فِي شَرْح الألفية))، واعلم أن مَا كَانَ منها من بحثي
صدرته في الغالب بـ ((قلتُ))، وختمته بقولي: ((واللَّهُ أعلم)) ... ))(٣). ومن يطالع
الكتاب لأول وهلة يجد أن مَا لَمْ يصدره بـ((قُلْتُ)) أكثر بكثير مِمَّا صدره بـ((قلتُ)).
مِمَّا يدلنا عَلَى أن غالب الكتاب منقول عن لسان الحافظ ابن حَجَر زيادة عَلَى
النصوص الكثيرة التي صرح فيها بالنقل عنه .
ولأهمية هذا الكتاب ونفاسته ومعرفتي بقيمته العلمية من خلال تحقيقنا
(١) نزهة النَّظَّرِ: ٤٦- ٥١ تحقيق على الحلبي.
(٢) طبع بتحقيقنا عَنْ دار الكتب العلمية ٢٠٠٢.
(٣) ويظهر لمن يطالع الكتاب أن ما صدره بـ ((قلت))، وختمه بـ ((اللَّه أعلم)) لا يمثل عشر الكتاب.

٧
مقدمة التحقيق
((لشرح التبصرة والتذكرة)) أردت إخراج هَذَا الكتاب من حيز المخطوطات إِلَى عالم
المطبوعات، وقد منَّ اللَّه عليَّ بأن وقفت عَلَى أربع نسخ خطيّة من الكتاب،
إحداهما نسخة نفيسة مقروءة عَلَى المؤلف، وعليها خطه في مواضع كثيرة من
حواشي المخطوط، وقد كتبها الشيخ العالم شِهَاب الدِّين أحمد بن مُحَمَّد بن عُمَرَ
الحمصي سنة (٨٨٠هـ).
وبعد: فهذا كِتَابُ: ((النكت الوفية بما فِي شَرْح الألفية)) للبقاعي، أقدمه
لمحبي المصطفى وَلّ السائرين عَلَى هديه الراجين شفاعته يَوْم القيامة، قد خدمته
الخدمة التي توازي تعلقي بسنة سيدنا المصطفى السّير، وبذلت فِيهِ مَا وسعني من
جهد ومال ووقت ، ولم أبخل عَلَيْهِ بشيء من الوقت، وكان الوقت الذي قضيته فیه
كله مباركًا .
و کتب
ماهر بن ياسين بن فحل الدكتور
شيخ دار الحديث في العراق
٢٦ شعبان ١٤٢٥ هـ

٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية

٩
ترجمة المصنف
البقاعي وكتابه ((النكت))
اسمه ونسبه(١) :
هُوَ إبراهيم بن عُمَرَ بن حَسَن الرباط بن أبي بَكّر البقاعيُّ الشَّافِعِيُّ، برهان الدِّين
أبو الحسن .
ولادته(٢) :
وُلِدَ إبراهيمُ بن عُمَّرَ بن الحسن البقاعي سنة (٨٠٩هـ) في قرية ((خربة روحا))
من عمل البقاع(٣) في سوريا.
وقد ذكر البقاعي ولادته بقوله: ((في ليلة الأحد تاسع شعبان سنة إحدى
وعشرين وثمان مئة أوقع ناس من قريتنا (خربة روحا) من البقاع يقال لَهُم: بنو مزاحم
بأقاربي بني الحسن من القرية المذكورة فقتلوا تسعة أنفس ... وضُربتُ أنا بالسيف
ثلاث ضربات ، إحداها في رأسي فجرحتني وكنت إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة))(٤).
(١) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ١/ ١٠١، ووجيز الكلام فِي الذيل عَلَي دول
الإسلام للسخاوي ٩٠٩/٣، ونظم العقيان في أعيان الأعيان لجلال الدِّين السيوطي: ٢٤،
وشذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن عماد الحنبلي ٧/ ٣٣٩، والبدر الطالع بمحاسن من بعد
القرن السابع لمحمد بن علي الشوكاني ١٩/١، وتاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ٣/
١٦٨، والأعلام للزركلى ٥٦/١.
وانظر: مقدمة كتاب الإعلام بسن الهجرة إلى الشام للبقاعي: ٥٥.
(٢) انظر: الضوء اللامع ١/ ١٠١، ونظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤، وشذرات الذهب ٣٣٩/٧،
والبدر الطالع ١٩/١، وتاريخ آداب اللغة العربية ١٦٨/٣، والأعلام ١/ ٥٦.
(٣) البقاع: جمع بقعة موضع يقال لَهَا: بقاع كلب، قريب من دمشق، وَهُوَ أرض واسعة تَيْنَ بعلبك
وحمص ودمشق، فِيهَا قرى كثيرة ومياه غزيرة نميرة. انظر: مراصد الاطلاع ٢١١/١.
(٤) انظر: شذرات الذهب ٣٣٩/٧ - ٣٤٠.

١٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
فبناءً عَلَى هَذَا الكلام تكون سنة ولادته (٨٠٩هـ).
طلبه للعلم (١) :
بدأ البقاعي طلبه للعلم بعد بلوغه الثانية عشرة من عمره وَكَانَ أول طلبه للعلم
في دمشق بعد أن غادر قريته بقاع.
وها هو البقاعي يحدثنا عَنْ طلبه للعلم بقوله: ((فخرجنا من القرية المذكورة -
خربة روحا - واستمرينا نتنقل في قرى وادي التيم والعرقوب وغيرهما إلَى أن أراد الله
تَعَالَى بإقبال السعادتين الدنيوية والأخروية فنقلني جدي إلَى دمشق))(٢).
فقد درس القراءات عَلَى بَعْض المشايخ، ثُمَّ درسها عَلَى يد الشيخ الشمس
الجزري لما قدم إلَى دمشق سنة (٨٢٧هـ) وقد أخذ الحَدِيث عَن الحافظ ابن حجر،
ودرس الفقه عَلَى يد الشيخ التقي ابن قاضي شهبة .
وقد استمر البقاعي في طلب العلم، فقد لازم القاياني والونائي وأخذ العلم عن
سائر شيوخ عصره، حَتَّى مهر وبرع في العلم والفنون .
ودأب البقاعي في طلبه الحَدِيث، ورحل من أجل ذَلِكَ. فقد سمع من البرهان
الحلبي والبرهان الواسطي، والتدمري، والمجد البرماوي، والبدر البوصري، وخلق
يجمعهم معجمه الذي سماه ((عنوان الزمان بتراجم الشيوخ الأقران)).
شيوخه :
أخذ البقاعي العلم عَلَى يد عدد من الشيوخ، نذكرهم عَلَى سبيل الذكر لا
الحصر مرتبين حسب وفياتهم، ولم نتوسع في الكلام عنهم إلا شيخه ابن حجر :
(١) انظر: الضوء اللامع ١/ ١٠٢، ونظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤، وشذرات الذهب ٣٤٠/٧،
والبدر الطالع ١٩/١ - ٢٠.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٧/ ٣٤٠.

١١
ترجمة المصنف
أولاً: شمس الدِّين أبو الخير مُحَمَّد بن محمد بن عليّ بن يُوسُف المعروف
بابن الجزري الشَّافِعِيّ(١). مقرئ المماليك الإسلامية، ولد بدمشق وتفقه بها ولهج
بطلب الحديث والقراءات وبرز فيها، وعمر للقراء مدرسة سماها دار القرآن ، وأقرأ
الناس ، وعين لقضاء الشام مرة ولم يتم ذلك لعارض، توفي بشيراز في ربيع الأول
سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة، ودفن بمدرسته التي بناها .
ثانيًا: تاج الدِّين مُحَمَّد بن ناصر الدِّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُسْلِم
ابن عَليّ بن أبي الجود الغرابيلي. قال ابن حجر: ولد سنة ست وتسعين بالقاهرة،
حيث كان جده لأمّه حاكمًا ونقله أبوه إلى الكرك عمل أمرتها، ثم تحول به إلى
القدس سنة سبع عشرة، فاشتغل وحفظ عدة مختصرات كالكافية لابن الحاجب،
والمختصر الأصلي، وغيرها ، توفي بالقاهرة في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين
وثمان مائة(٢) .
ثالثًا: شمس الدِّين مُحَمَّد بن عَلَيٍّ بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب القاياتي(٣) -
والقايات بلد قرب الفيوم وإليها نسب - ثم القاهري الشافعي قاضي القضاة ومحقق
الوقت وعلامة الآفاق ، برع في الفقه والعربية والأصلين والمعاني، وسمع الحديث
وحدث باليسير، وولي تدريس البرقوقية والأشرفية، وغيرها، توفي ليلة الاثنين الثامن
عشر من المحرم سنة خمسين وثمان مائة بالقاهرة .
رابعًا: تقي الدِّين أبو بَكْر بن شِهَابِ الدِّين أحمد بن مُحَمَّد بن قاضي شهبة
الشَّافِعِيّ ، صاحب طبقات الشافعية، كان إمامًا علامة تفقه بوالده وغيره، وسمع من
(١) انظر: شذرات الذهب ٢٠٤/٧ - ٢٠٦، والأعلام ٧/ ٤٥، ومعجم المؤلفين ٢٩١/١١ - ٢٩٢.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٢١٥/٧، ومعجم المؤلفين ٢٩٦/١١.
(٣) انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ١٥٤، وشذرات الذهب ٢٦٨/٧، ومعجم المؤلفين
٦١/١١.

١٢
النكت الوفية بما في شرح الألفية
أكابر أهل عصره، وأفتى ودرس وجمع وصنف، من مصنفاته: شرح المنهاج،
ولباب التهذيب ، والذيل على تاريخ ابن كثير، وغير ذلك، توفي ليلة الجُمُعَةِ ثاني
عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمان مائة(١).
خامسًا : شِهَاب الدِّين أبو الفضل أحمد بن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ
ابن أحمد بن حَجَر الكناني العسقلاني الشّافِعِيّ .
وُلد في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة عَلَى شاطئ النيل بمصر القديمة .
نشأ الحافظ ابن حَجَر يتيمًا، إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين
وسبعمائة ، وماتت أمه قبل ذَلِكَ وَهُوَ طفل، وَ كَانَ أبوه قد أوصی پِهِ إلَی رجلين ممن
كَانَت بينه وبينهم مودة هما: زكي الدِّين أبو بَكّرٍ بن نور الدِّين عَليّ الخروبي و کان
تاجرًا كبيرًا بمصر. وثانيهما: العلامة شمس الدِّين بن القطان ، الذي كان له بوالده
اختصاص فنشأ في كَنَف الوصاية في غاية العفة والصيانة، وكان الحافظ ابن حَجَر
قد راهق ولم تعرف لَهُ صبوة ولم تضبط له زلة .
حفظ القرآن وَهُوَ ابن تسع سنين، وصلى بالناس التراويح إمامًا في المسجد
الحرام، وَهُوَ ابن اثنتي عشرة سنة إبان مجاورته مَعَ وصيه الخروبي بمكة المكرمة،
وحفظ بعد رجوعه إلى مصر ((عُمْدَة الأحكام)) لعبد الغني المقدسي، و((الحاوي
الصغير)) للقزويني، و((مُخْتَصَر ابن الحاجب الأصلي والملحة)) وغيرها .
وكان قد أُعطي حافظة قوية، فكان يحفظ كل يَوْمٍ نصف حزب من القرآن،
وكان في غالب أيامه يصحح الصحيفة من الحاوي الصَّغِير، ثُمَّ يقرؤها مرة أخرى،
ثُمَّ يعرضها في الثالثة حفظًا، لازم كثيرًا من الشيوخ من المحدّثين والفقهاء والقراء
-
(١) انظر: نظم العقيان فِي أعيان الأعيان: ٩٤، وشذرات الذهب ٢٦٩/٧، والأعلام ٢/ ٦١، ومعجم
المؤلفين ٥٧/٣ - ٥٨.

١٣
ترجمة المصنف
واللغويين والأدباء، واستفاد من علومهم، وحُبّب إليه الحَدِيث النبوي فأقبل بكليته
عليه وأخذ عَن مشايخ عصره، ولازم الحافظ العراقي عشر سنين وتخرج بِهِ وتنفع
بملازمته. كَمَا لازم شيوخًا آخرين في الحَدِيث وفي فنون أخرى.
كَانَ ابن حَجَر واحدًا من هؤلاء الأفاضل الشغوفين بالعلم والتضلع فيه، فجال
في طلب العلم في مصر والشام والحجاز واليمن، والتقى بعدد كبير من العلماء في
هذه البلدان، وحمل عنهم شيئًا كثيرًا من العلم، واستفاد مِنْهم وأفاد .
اهتم الحافظ ابن حَجّر بذكر شيوخه، وذكر أسمائهم في كثير من كتبه،
وأعطى عنهم معلومات قيمة إلى جانب ذَلِكَ فقد أفرد ذکرهم في كتابين عظیمین :
الأول: ((المجمع المؤسس للمعجم المفهرس)) ترجم فيه لشيوخه وذكر
مروياتهم بالسماع، أو الإجازة، أو الإفادة عنهم.
وَالثَّاني: ((المعجم المفهرس)) وهو فهرس لمرويات الحافظ، ذكر فيه شيوخه
خلال ذكرهٍ لأسانيده في الكتب والأجزاء والمسانيد.
بلغ عدد شيوخه - سماعًا وإجازة وإفادة - نَحْوَ الخمس مائة شيخ عَلَى
اختلاف بَيْنَ كتبٍ التراجم .
وتتلمذ على يد الحافظ ابن حجر عدد كبير، قد توافدوا عَلَی مجالسه من كل
حدب وصوب، وکثر طلبته حَتَّى كان رءوس علماء كل مذهب من تلامذته، حَتَّی
ضاقت بهم مجالسه وامتلأت بجموعهم مدارسه .
بلغت مصنفات الحافظ ابن حجر أكثر من اثنين وثلاثين ومائة تصنيف من
أهمها :
أ - فَتْح البَارِي بشرح صَحِيحِ البُخَارِيّ .
ب - تَهْذِيب التَّهْذِيب .
ج - لسان الميزان .

١٤
النكت الوفية بما في شرح الألفية
د - التخليص الحبير .
هـ - الدرر الكامنة .
و - تغليق التعليق .
ز - إنباء الغمر بأنباء العمر.
توفي رحمه اللَّه بعد حياة حافلة بالعلم النافع والعمل الصالح، في أواخر شهر
ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة(١).
سادسًا : علاء الدين أبو الفتوح عليّ بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن
إسماعيل بن علي القلقشندي الشافعي القرشي وُلد في القاهرة في ذي الحجة سنة
ثمان وثمانين وسبع مائة، ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم وعدة متون في مذهبه،
وتفقه بعلماء عصره كالسراج البلقيني، وولده جلال الدين، والعز بن جماعة،
وغيرهم، برع في الفقه والأصول والعربية والبيان والقراءات، وشارك في عدة علوم،
وتصدى للإفتاء والتدريس والأشغال وانتفع به الطلبة وتفقه به جماعة من الأعيان ،
توفي في محرم سنة ست وخمسين وثمانمائة(٢).
سابعًا : المشدالي(٣) محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الصمد، أبو عبد
اللَّه مفتي بجاية (بالمغرب) وخطيبها، من مصنفاته: تكملة حاشية الوانوغي على
المدونة، ومختصر البيان لابن رشد، والفتاوى، توفي سنة خمس وستين
وثمانمائة (٤)
(١) انظر: الضوء اللامع ٣٦/٢، وشذرات الذهب ٢٧٠/٧ - ٢٧٣، والبدر الطالع ١/ ٦١.
(٢) انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ١٣٠، وشذرات الذهب ٢٨٩/٧.
(٣) ورد في الأعلام ٥/٧، ومعجم المؤلفين ١٤٤/١١ بلفظ المشذالي بالذال المعجمة .
(٤) ورد في الأعلام ٥/٧، ومعجم المؤلفين ١٤٤/١١ بأنه توفي في سنة (٨٦٦هـ).
وانظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ١٦٠.

١٥
ترجمة المصنف
ثامنًا : أبو الفضل كمال الدين بن بهادر بن محمد بن محمد المؤمني الشافعي
من فضلاء الشافعية، ولد في طرابلس المغرب، وتعلم بالقاهرة وأقام فيها إلى أن
توفي، له مصنفات منها: فتوح النصر في تاريخ ملوك مصر، ورسالة في ترجمة
شيخه جلال الدين المحلي، والدرة المضية في الأعمال الجيبية، وغير ذلك، توفي
سنة سبع وسبعين وثمانمائة(١).
تاسعًا: تقي الدين أبو بكر بن محمد الحمصي المنبجي الحنبلي، قال
العيلمي : قرأ العمدة للشيخ الموفق والنظم للصرصري، ثم قرأ المقنع وأصول الطوفي
وألفية ابن مالك، وحفظ القرآن، واشتغل بالمنطق والمعاني والبيان وأتقن الفرائض
والجبر والمقابلة، وتفقه على ابن قندس وأذن له في الإفتاء، وكان مشتغلا بالعلم،
ويسافر بالتجارة، وصحب القاضي عز الدين الكناني بالديار المصرية، توفي بالقاهرة
في رجب سنة اثنتين وثمانين وثمان مائة (٢).
تلامذته :
تتلمذ على يد البقاعي طلاب كثيرون أخذوا عنه وتأثروا بعلومه نذكر عددًا
منهم على سبيل الذكر لا الحصر مرتبين حسب وفياتهم .
أولًا : محيي الدين أبو المفاخر عبد القادر بن محمد بن عمر الرحالة مؤرخ دمشق
وأحد محدّثيها، قرأ على البرهان البقاعي مصنفه المسمى بالإيذان ، وأجاز له به وبما
تجوز له وعنه روايته، وشيوخه كثيرون ذكرهم في تواريخه، وألف كتبًا كثيرة منها :
الدارس في تواريخ المدارس، وتذكر الأخوان في حوادث الزمان، وتحفة البررة في
الأحاديث المعتبرة، وغير ذلك، توفي سنة سبع وعشرين وتسعمائة(٣).
(١) انظر: الأعلام ٤٨/٧ - ٤٩، ومعجم المؤلفين ٢٩٧/١١.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٣٣٤/٧.
(٣) انظر: شذرات الذهب ١٥٣/٨، والأعلام ٣٤/٤، ومعجم المؤلفين ٥/ ٣٠١.

١٦
النكت الوفية بما في شرح الألفية
ثانيًا : شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن عثمان الأنصاري
الحمصي الدمشقي الشافعي المعتني بالحديث والعلم، أخذ عن جماعة من الشاميين
والمصريين وفوض إليه القضاء قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور، ثم سافر إلى
مصر وفوض إليه القضاء أيضًا قاضي القضاة زكريا الأنصاري، وكان يخطب مكانه
بقلعة الجيل، وكان الغوري يميل إلى خطبته، ويختار تقديمه لفصاحته ونداوة
صوته، ثم رجع إلى دمشق وخطب بجامعها عن قاضي قضاة الشافعية اللولوي بن
الفرفور . توفي يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وتسعمائة
ودفن بباب الفراديس(١).
ثالثًا : رضي الدين أبو الفضل محمد بن رضي الدين محمد بن أحمد الدمشقي
الشَّافِعِيّ كان رحمه اللَّه ممن قطع عمره في العلم طلبًا وإفادة وجمعًا وتصنيفًا، أفتى
ودرس وولي القضاء نيابة عن قريبه القطب الخيضري، وسنه آنذاك دون العشرين
سنة ، من مؤلفاته: الدرر اللوامع نظم جمع الجوامع في الأصول، وألفية في التصوف
سماها الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد، وغير ذلك، توفي سنة خمس
وثلاثين وتسعمائة ودفن بمقبرة الشيخ رسلان(٢).
رابعًا : شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدلجي العثماني
الشافعي وُلد سنة ستين وثمانمائة بدلجة، وحفظ القرآن العظيم بها، ثم دخل
القاهرة فقرأ ((التنبيه)) وغيره على علمائها، ثم رحل إلى دمشق وأقام بها نحو
ثلاثين سنة، وأخذ عن البرهان البقاعي، وغيره، وسافر إلى بلاد الروم واجتمع
بسلطانها أبي زيد وحج من بلاد الشام، ثم عاد إلى القاهرة، كتب شرحًا على
(١) انظر: شذرات الذهب ٢٠١/٨، والأعلام ٢٣٣/١، ومعجم المؤلفين ١٣٨/٢.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٢٠٩/٨، ومعجم المؤلفين ١٨٤/١١.

١٧
ترجمة المصنف
الخزرجية، وشرحًا على الأربعين النووية وغيرها، توفي بالقاهرة سنة سبع وأربعين
وتسعمائة(١).
مصنفاته(٢) :
صنف البقاعي تصانيف متنوعة وكثيرة ، منها :
١- عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران .
٢- عنوان العنوان وهو مختصر عنوان الزمان .
٣- أسواق الأشواق اختصر به مصارع العشاق .
٤- الباحة في علمي الحساب والمساحة .
٥- الإباحة في علمي الحساب والمساحة.
٦- أخبار الجلاد في فتح البلاد .
٧- نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٣) يعرف بمناسبات البقاعي، أو تفسير
البقاعي .
٨- بذل النصح والشفقة للتعريف بصحبة ورقة .
٩- جواهر البحار في نظم سيرة المختار.
١٠- الإعلام بسن الهجرة إلى الشام، وهو كتاب مطبوع متداول.
١١- مصرع التصوف .
(١) انظر: شذرات الذهب ٢٧٠/٨، والأعلام ٥٦/٧ - ٥٧، ومعجم المؤلفين ٢٦٥/١١.
(٢) انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤، وتاريخ آداب اللغة العربية ١٦٨/٣، والأعلام ٥٦/١،
ومعجم المؤلفين ١/ ٧١.
(٣) ورد اسم هذا المصنف عند الحافظ جلال الدين السيوطي باسم الجوهر والدرر في مناسبة الآي
والسور. انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤.

١٨
النكت الوفية بما في شرح الألفية
١٢- تهذيب الجمل في مختصر نهاية الأمل في المنطق - للخونجي -(١).
١٣- مختصر في السيرة النبوية والثلاثة الخلفاء.
١٤- القول المفيد في أصول التجويد، وهو مطبوع.
١٥- سر الروح اختصره من كتاب الروح لابن القيم الجوزية، وهو مطبوع
ومتداول .
١٦- مصارع النظر للأشواق على مقاصد السور.
١٧- النكت الوفية بما في شرح الألفية(٢).
١٨- النكت على شرح العقائد .
١٩- كناية القارئ في رواية أبي عمرو.
٢٠- الاطلاع على حجة الوداع.
٢١- إشعار الواعي بأشعار البقاعي وهو ديوان شعر(٣).
٢٢- تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن العربي، وبسبب هذا التأليف تناولته
الألسن، وكثر الرد عليه، فممن رد عليه السيوطي بكتابه (( تنبيه الغبي بتبرئة ابن
العربي)).
ثناء العلماء عليه :
كان لتبكير البقاعي رحمه الله في طلب العلم، ولما خلفه لنا من ثروة هائلة من
المصنفات في شتى العلوم، الأثر البالغ في نفوس العلماء، فراحوا يثنون عليه بالأقوال
الحسان، وفيما يأتي ذكر لبعض أقوالهم:
(١) انظر: كشف الظنون ١/ ٦٠٢.
(٢) وهو الذي بين يديك.
(٣) انظر: أشعار البقاعي في كتاب نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٥.

١٩
ترجمة المصنف
أولًا: جلال الدين السيوطي: فقد وصفه بأنه: ((علامة محدّث حافظ، وبأنه
مهر وبرع في الفنون وله تصانيف كثيرة حسنة))(١).
ثانيًا: ابن عماد الحنبلي: فقد وصفه بأنه: ((المحدّث المفسر الإمام العلامة
المؤرخ، وبأنه كان من أعاجيب الدهر وحسناته))(٢).
ثالثًا: محمد بن علي الشوكاني: فقد وصفه بأنه: (( من الأئمة المتقنين
المتبحرين في جميع المعارف وأنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء، الجامعين
بين علمي المعقول والمنقول))(٣).
نقد العلماء له والكلام عليه :
أولاً: السخاوي: فقد وصفه بقوله: (( ... ولكن أضله التيه، وحب الشرف
والسمعة، وأنزل نفسه محلًا لم ينته لعشرة بحيث زعم أنه قيم العصرين بكتاب اللَّه
وسنة رسوله، وأنه أبدى بيديهته جوابًا مكث التقي السبكي واقفًا عنه أربعين سنة،
وأنه لا يخرج عن الكتاب والسنة بل هو متطبع بأطباع الصحابة مع رميه للناس بما
يقابله اللَّه عليه، حتى إنه طعن في حافظ الشام ابن ناصر الدين إلى غيره من الأكابر
کالقاياتي والنويري، وما سلم منه أحد وليس بثقة ولا صدوق))(٤).
وقد انتقده السخاوي أيضًا في كتابه ((الضوء اللامع)) عندما ترجم له ، فقد ملأ
ترجمته بالسب والعيب والانتقاص والمثالب فقد قال عنه: (( وركب البحر في عدة
غزوات، ورابط غير مرة، اللَّه أعلم بنيته في ذلك كله، وأنه رمى الناس بالقذف
والفسق والكذب والجهل، وذكر ألفاظًا لا تصدر من عاقل وأمورًا متناقضة وأفعالًا
(١) انظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان: ٢٤.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٣٤٠/٧.
(٣) انظر: البدر الطالع ١/ ٢٠.
(٤) انظر: وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام للسخاوي ٩٠٩/٣ - ٩١١.

٢٠
النكت الوفية بما في شرح الألفية
سيئة وحقدًا تامًا ، وما علمت أحدًا سلم من أذاه لا الشيوخ ولا الأقران ولا من يليهم
من كل بلد دخله))(١) .
ثانيًا: السيوطي: انتقده السيوطي بسبب تأليفه لكتاب ((تنبيه الغبي بتكفير
عمر بن الفارض وابن العربي)) فقد رد عليه السيوطي بكتابه ((تنبيه الغبي بتبرئة ابن
العربي))(٢) .
وفاته :
توفي برهان الدين البقاعي ليلة السبت ثامن عشر رجب سنة خمس وثمانين
وثمان مائة ، بعد أن تفتت كبده من مكابدة الشدائد ومناهدة العظائم، وصُلي عليه
من الغد بالجامع الأموي، ودفن بالحميرية خارج دمشق من جهة قبر عاتكة(٣).
وقد رثى نفسه في حياته لموته فقال(٤):
نعم إنني عما قريب لميت ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
ترى خبرًا صمت له الآذان
كأني بي أنعى إليك وعندها
فتنطق من مدحي بأي معانٍ
فلا حسد يبقى إليك وَلا قلى
علت عن مدان في أعز مكانٍ
وتنظر أوصافي فتعلم أنها
فمدمعهم لي دائم الهملانِ
ويمسي رجال قد تهدم رکنھم
ويطمع فيه ذو شقا وهوان
فکم من عزيز مي یذل جماحه
فيا رب من يفاجا بهوان بوده ولو كنت موجودًا إليه دعاني
(١) انظر: الضوء اللامع ١٠٢/١ - ١٠٣.
(٢) نقلاً من كتاب شذرات الذهب ٧/ ٣٤٠.
(٣) انظر: الضوء اللامع ١٠٧/١، وكشف الظنون ٥٧٤/٢، وشذرات الذهب ٣٤٠/٧، والبدر
الطالع ٢١/١، وتاريخ آداب اللغة العربية ١٦٨/٣، والأعلام ٥٦/١، ومعجم المؤلفين ١/ ٧١.
(٤) انظر: الضوء اللامع ١٠٧/١ - ١٠٨، والبدر الطالع ٢١/١ - ٢٢.