Indexed OCR Text
Pages 1-14
عالم الكتب النقـد النسخة اليونينية من صحيح البخاري للأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر منذ بضع عشرة سنة فكرتُ في طبع ((صحيح البخاري)، بطلب أحد الناشرين إذ ذاك. ثم لم يقدَّو أن يتحقق ما أردنا . وكانت الفكرة مبنية على إخراج الكتاب إخراجاً صحيحاً متقناً موثقاً، عن أصح نسخة وأجلها، وهي الطبعة السلطانية، التي أمر بطبعها «أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد رحمه الله))، وطبعتْ بمصر في المطبعة الأميرية، في سني ١٣١١ - ١٣١٣ هـ. ثم الطبعة التالية لها، التي طبعتْ على مثالها، في المطبعة الأميرية سنة ١٣١٤هـ. والطبعة السلطانية مطبوعة عن النسخة ((اليُونينية)). وهي أعظم أصل يوثق به في نسخ ((صحيح البخاري)). والنسخة ((اليونينية)) هي التي جعلها العلامة القسطلاني (المتوفى سنة ٩٢٣) عمدته في تحقيق متن الكتاب وضبطه، حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة. وهذه هي أكبر ميزة لشرح القسطلاني المسمى ((إرشاد الساري)،، وهو شرح معروف مشهور عند أهل العلم . فكتبت حينذاك مقدمة أعددتها لتقديمها بين يدي الكتاب عند طبعه، تعريفاً ١ بالنسخة ((اليونينية))، وبما فيها من مزايا يحرص عليها طالب العلم المتوثق المتثبت. وتعريفاً بالحافظ «اليونيني، الذي اشتهرت النسخة بنسبتها إليه، وهذه هي: اليونيني: نسبة إلى قرية من قرى بَعْلَبَكَ، اسمها « يُونين)) بضم الياء وكسر النون الأولى، وسماها ياقوت في معجم البلدان والفيروزابادي في القاموس ((يونان)) بفتح النون الأولى، وقال الزبيدي في تاج العروس: ((ويقال فيها يونين أيضاً، وهو المعروف)). وفي هذه القرية نشأت أسرةُ الحافظ، قال الزبيدي: ((وهم بيت علم وحديث )). التقي اليونيني الكبير وأولاده ورأسُ هذه الأسرة وأولها : الشيخُ الفقيه الحافظ ، الإمام القدوة، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو عبد الله ((محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد ابن علي اليونيني البعلبكي الحنبلي، ولد سنة ٥٧٢ بيونين ، قال الذهي في تذكرة الحفاظ: ((ذكره الحافظ عمر بن الحاجب فأطنب في مدحه وصفته، فقال: اشتغل بالفقه والحديث إلى أن صار إماماً حافظاً ، إلى أن قال: لم يَرّ في زمانه مثل نفسه ، في كماله وبراعته، جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وكان حسن الخَلْق والخُلُق، نفّاعاً للخلق، مطرِحاً للتكلف)). ثم قال الذهي: ((وكان الأشرف يحترمه، وكذلك أخوه، وقدم في آخر عمره دمشق، فخرج الملك الناصر يوسف إلى زيارته بزاوية القزويني ، وتأدب معه. قلت : كان الشيخ الفقيه كبير القدر ، ويذكر بالكرامات والأحوال)). وقال ابن العماد في الشذرات: ((نال من الحرمة والتقدم ٢ ما لم ينله أحد ، وكانت الملوك تقبّل يده وتقدُّم مداسّهُ، وكان إماماً علامة زاهداً، خاشعاً لله، قانتاً له، عظيم الهيبة، منوّر الشيبة، مليحَ الصورة، حسنَ السَّمت والوقار، صاحب كرامات وأحوال». توفي بعلبك ليلة ١٩ رمضان سنة ٦٥٨ ، وله ترجمة حسنة في تذكرة الحفاظ للذهي (٤: ٢٢٣ - ٢٢٤) وشذرات الذهب لابن العماد (٥: ٢٩٤). وقد ذكر الزبيدي في شرح القاموس أن هذا الحافظ اليونيني الكبير رزق أربعة أولاد، كانوا من المحدِّثين، وهم : شرفُ الدين عليّ ، وقطب الدين موسى، وبدرُ الدين حسن، وأمَّةُ الرحيم. أما البدرُ حسن وأمة الرحيم فإني لم أجد ترجمة لهما. وأما قطبُ الدين موسى فإنه مؤرخ معروف، اختصر المرآة في نحو النصف، وذَيّل عليها ذيلاً في أربع مجلدات. ولد سنة ٦٤٠، وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة : ((كان عارفاً بالشروط كبير الصورة ، عظيم الجلالة والمروءة والكرم ، صار شيخ بعلبك بعد أخيه أبي الحسين عليّ ، ثم شاخ وعمر، ومات في شوال سنة ٧٢٦)). انظر الدرر الكامنة (٤: ٣٨٢) وشذرات الذهب (٦: ٧٣ - ٧٤). وأما الشرفُ علىّ فإنه هو الذي نحن بصدد الترجمة له، وهو الذي ◌ُني بتصحيح البخاري . الحافظ شرف الدين اليونيني هو شرف الدين أبو الحسين (١) على بن محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني (١) القسطلاني يذكره بكنية ((أبي الحسن)) وتبعه على ذلك كثيرون، وهو خطأ، صوابه ((أبو الحسين)). ٣ البعلبكي الحنبلي «الإمام العالم المحدث الحافظ الشهيد، كما وصفه الحافظ الذهى في تذكرة الحفاظ. ولد ببعلبك في ١١ رجب سنة ٦٢١ سمع من الزبيدي والإربلي والزكي المنذري والرشيد العطار وابن عبد السلام وغيرهم . قال ابن العماد في الشذرات: ((وقال البرزالي: وكان شيخاً جليلاً، حسن الوجه بهيّ المنظر، له سمت حسن، وعليه سكينة، ولديه فضل كثير، فصيح العبارة، حسن الكلام، له قبول من الناس، وهو كثير التودّد إليهم، قاضٍ للحقوق. قال ابن رجب : سمع منه خلق من الحفاظ والأمة، وأكثر عنه البرزالي والذهبي)). وذكر الذهي في التذكرة أنه انتفع به وتخرج، ثم قال: ((ولزمته نيفاً وسبعين يوماً ، وأكثرت عنه ، وكان عارفاً بقوانين الرواية، حسن الدراية، جيّد المشاركة في الألفاظ والرجال ... وكان صاحب رحلة وأصول وأجزاء وكتب ومحاسن)). وقال الحافظ ابن حجر في الدور الكامنة: «عُني بالحديث وضبطه، وقرأ البخاريّ على ابن مالك تصحيحاً، وسمع منه ابن مالك روايةً، وأملى عليه فوائد مشهورة(١). وكان عارفاً بكثير من اللغة، حافظاً لكثير من المتون، عارفاً بالأسانيد. وكان شيخ بلاده، والرحلة إليه، ودخل دمشق مراراً، وحدّث بها. وكان وقوراً مهاباً، كثير الودّ لأصحابه ، فصيحاً مقبول القول والصورة. قال الذهي. حصّل الكتب النفيسة، وما كان في وقته أحدٌ مثله. وكان حسنَ اللقاء، خيّراً ديناً متواضعاً، منوّر الوجه، كثير الهيبة ، جَمَّ الفضائل، انتفعتُ بصحبته، وفد حدَّث بالصحيح (١) مرات)). (١) هي كتاب ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) وسيأتي ذكره إن شاء الله. (٢) يعني صحيح البخاري . ٤ قال ابن العماد في الشذرات: ((وكان موته شهادة، فإنه دخل إليه يوم الجمعة خامس رمضان، ( هو في خزانة الكتب بمسجد الحنابلة(١)، شخص (٢) فضربه بعصا على رأسه مراتٍ ، ولجرحه في رأسه بسكين ، فاتّقى بيده فجرحه فيها ، فأمسك الضاربُ، وضرب وُجُبس، فأظهر الاختلال، وحُمل الشيخُ إلى دره، فأقبل على أصحابه يحدّ ثهم وينشدهم على عادته، وأتم صيام يومه، ثم حصل له بعد ذلك حتّى واشتد مرضه، حتى توفي)). وكانت وفاته ليلة الخميس ١١ رمضان سنة ٧٠١. وانظر تذكرة الحفاظ (٤: ٢٨٢) والدرر الكامنة (٣: ٩٨) وشذرات الذهب (٦: ٣ -٤). النسخة اليونينية : كان الحافظ أبو الحسين شرف الدين اليونيني كثير العناية بصحيح البخاري ، طويل الممارسة له، مهتماً بضبطه وتصحيحه ومقابلته على الأصول الصحيحة التي رواها الحفاظ: ((حتى إن الحافظ شمس الدين الذهيّ حَكَى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرةً مرة")» .. وقد عقد الحافظ اليونيني مجالسَ بدمشقَ، لإسماع ((صحيح البخاري)) بحضرة ابن مالك، وبحضرة («جماعة من الفضلاء))، وجمعَ منه أصولاً معتمدة، وقرأ (١) في الدرر الكامنة أنه كان بخزانة كتبه . (٢) في الدرر الكامنة ((فقير يقال له موسى)). * نقل ذلك القسطلاني في شرحه (١ : ٣٤) ٥ اليونينيّ عليهم صحيح البخاري في واحد وسبعين مجلساً ، مع المقابلة والتصحيح ، فكان اليونيني في هذه المجالس شيخاً قارئاً مُسْمِعاً، وكان ابنُ مالك - وهو أكبر منه بأكثر من ٢٠ سنة - تلميذاً سامعاً واوياً، هذا من جهة الرواية والسماع، على عادة العلماء السابقين الصالحين، في التلقي عن الشيوخ الثقات الأثبات ، وإن كان السامعُ أكبرَ من الشيخ. وكان اليونيني ، في هذه المجالس نفسها، تلميذاً مستفيداً من ابن مالك ، فيما يتعلق بضبط ألفاظ الكتاب، من جهة العربية والتوجيه والتصحيح. وقد أرّخ القسطلانيُّ في شرحه السنةَ التي تُقدت فيها مجالس السماع بحضرة اليونيني وابن مالك بأنها سنة ٦٧٦ وكتبها بالحروف لا بالأرقام ((ست وسبعين وستمائة)) وهذا خطأ قطعاً، لأن ابن مالك مات سنة ٦٧٢، وكنت ظننت أولاً أن هذا خطأ مطبعي، ثم رجعت إلى النسخ المخطوطة من شرح القسطلاني بدار الكتب المصرية، فوجدت هذا التاريخ فيها كما في النسخة المطبوعة، فأيقنت أنه خطأ من المؤلف ، اشتبه عليه الأمر حين الكتابة ، ولعل صوابه سنة ٦٦٦ أو سنة ٦٦٧ فتكون مكتوبة فيما نقل عنه ((ست وستين، فقرأها «ست وسبعين)) ونقلها كذلك، أو تكون مكتوبة أمامه بالرقم هكذا ٦٦٧ ، فحين أراد أن ينقل انتقل نظره فقرأ رقم السيعة متوسطاً بين الرقمين الآخرين المتماثلين، والله أعلم بصحة ذلك، فإني قد بذلت جهدي في تعرف التاريخ الصحيح لذلك، فلم أجده منصوصاً عليه في شيء من المراجع التي وصلتُ إليها. ٦ و «جماعة الفضلاء)» الذين كانوا حاضري هذه المجالس، للسماع والتصحيح والمقابلة، لم أجد أيضاً أسماءهم في شيء محليين يديّ من المصادر، ولا أدري أكتبت أسماءهم في ثبت السماع على النسخة اليونيتية أم لم تكتب ؟ وأما الأصول المعتمدة التي قابل عليها الحافظ اليونيني ومن معه، فقد بيَّنها هو في ثبت السماع، الذي نقله القسطلاني في شرحه، ونقله عنه مصححو الطبعة السلطانية . وهذا مثال ما كتبه العلامة ابن مالك بخطه بحاشية ظاهر الورقة الأولى من المجلد الأخير ، وهو النصف الثاني من النسخة اليونينية ، فيما رآه القسطلاني فيها ونقله عنها . ((سمعتُ ما تضمنه هذا المجلدُ من صحيح البخاريّ رضي الله عنه بقراءة سيدنا)) («الشيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدين أبي الحسين عليّ بن محمد بن)) ((أحمد اليونينيّ رضي الله عنه وعن سلفه، وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء)) ((ناظرين في نسخ معتمد عليها، فكلما مر بهم لفظ ذو إشكال بَيَّنتُ فيه الصوابَ» ((وضبطته على ما اقتضاء علمي بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارةٍ وإقامة دلالة)» : أخرت أمره إلى جزء أستوفي فيه الكلامَ مما يحتاج إليه من نظير وشاهد ، ليكون » ((الانتفاع به عاماً، والبيان تاماً، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمد بن عبد الله)) ((ابن مالك، حامداً لله تعالى)). وهذا مثال ما كتبه الحافظ اليونيني في آخر الجزء السابق ذكره ، مما نقله ٧ القسطلاني أيضاً : (( بلغْتُ مقابلة وتصحيحاً وإسماعاً بين يدي" شيخنا شيخ الإسلام، حجة العرب، » « مالكِ أزمّة الأدب، لإمام العلامة أبي عبدالله بنَ مالك الطائيّ الجيّانيّ أمدَّ الله)) (تعالى عمره في المجلس الحادي والسبعين، وهو يُراعي قراءتي، ويلاحظُ نطقي، فما)، :(( اختاره ورّجحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصححتُ عليه، وما ذكّرَ أنه يجوز فيه)» ((الإعرابان أو ثلاثة فأعملت ذلك على ما أمر ورجّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ)) (أبي ذر، والحافظ أبي محمد الأصيلي، والحافظ أبي القاسم الدمشقي، ما خلا الجزء» ((الثالث عشر والثالثَ والثلاثين فإنهما معدومان، وبأصل مسموع على الشيخ)) ((أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي منصور السّمعاني وغيره من الحفاظ وهو وقف » ((بخانكاه السميساطي. وعلاماتُ ما وافقت أبا ذرّ (هـ) والأصيلي (ص) والدمشقي)) (((ش) وأبا الوقت (ظ) فيعلم ذلك، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب في فرخة، ((لتُعَلَم الرموز. كتبه علي بن محمد الهاشميّ اليونينيّ عفا الله عنه)». وقد نقل العلماء بعد ذلك عن نسخة اليونيني نسخاً كثيرة قابلوها بها ، وصححوها عليها، وأسمَوْها فروعاً، إذ اعتبروا نسخة اليونيني أصلاً، وقد كانت أصيلاً-وحجة، قال القسطلاني: ((ولقد وقفتُ على فروع مقابلة على هذا الأصل الأصيل، فرأيت مِن أجلّها الفرع الجليل ، الذي لعله فاقَ أصله، وهو الفرع المنسوب للإِمام المحدّث شمس الدين محمد بن أحمد المزَّيّ الغزولي، وقف التنكزية بباب المحروق خارج القاهرة، المقابل على فرعي وقف مدرسة الحاجّ مالك وأصل اليونينيّ ٨ ٠٫٠ المذكور غير مرة، بحيث إنه لم يغادر منه شيئاً كما قيل، فلهذا اعتمدتُ في كتابة متن البخاريّ - في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه - إسناداً ومتناً ـ إليه، ذا كراً جميع ما فيه من الروايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمات. ثم وقفت في يوم الاثنين ١٣ جمادى الأولى سنة ٩١٦ بعد ختمي لهذا الشرح على المجلد الأخير من أصل اليونيني المذكور،، ثم قال: «وقد قابلت متن شرحي هذا إسناداً وحديثاً على هذا الجزء المذكور من أوله إلى آخره، حرفاً حرفاً، وحكيته كما رأيته ، حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرم سنة ٩١٧ نفع الله تعالى به، ثم قابلته عليه مرة أخرى)). ثم قال: «ثم وُجد الجزء الأول من أصل اليونيني المذكور ◌ُنادى عليه للبيع بسوق الكتب ، فعرف وأحضر إلىّ ، بعد فقده أزيد من خمسين سنة، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكملت مقابلتقي عليه جميعه حسب الطاقة، ولله الحمد». ولم يذكر لنا القسطلاني ماذا تم على الجزء الأول الذي رآه معروضاً للبيع، وما مصيره ومآله؟ وأين مستقرُّه؟ ولكنه ذكر ما يُفهم منه أن الجزء الثاني الذي رآه هو قبل الأول كان موقوفاً في عصره «بمدرسة أقبغا آس بسويقة العزّي خارج باب زويلة من القاهرة المعزية»، وأنه رأى مكتوباً بظاهر بعض نسخ البخاري الموثوق بها، الموقوفة برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة: (( أن أقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينار)). والمفهوم لي من هذا أن أقبغا حصل على الأصل كله كاملاً ووقفه في مدرسته، ثم فقِد النصف الأول نحو خمسين سنة، إمّا بالسرقة، وإمّا بالعارية في معنى السرقة، ثم وجد في عصر القسطلاني . والمفهوم من التقرير الذي كتبه شيخ الإسلام الشيخ حسونة النواوي شيخ الجامع الأزهر في ٢٠ صفر سنة ١٣١٣، وهو المطبوع في مقدمة الطبعة السلطانية، أن أصل اليونيني محفوظ في ((الخزانة الملوكية بالآستانة العلية)) وأنه أرسل إلى مشيخة الأزهر للتصحيح عليه. على يد ((صاحب السعادة عبد السلام باشا المويلحي)). والذي أرجحه أن هذا الأصل أعيد بعد التصحيح عليه إلى مقره في « الخزانة الملوكية بالآستانة العلية » . ثم بعد ذلك بسنين، في صفر سنة ١٣٦١، وقع لي النصف الثاني من نسخة من فروع اليونينية، في مجلد واحد متوسط الحجم. وهو قريب العهد ليس بعتيق، تمت كتابته في ٢٤ ذي القعدة سنة ١٢١٥، كتبه كما وصف نفسه («السيد الحاجّ محمد الملقّب بالصابر، بن السيد بلال، بن السيد محمد، العينتاني وطناً)). ويظهر لي من كتابته أنه كان رجلاً أميناً متقناً متحرياً، لم يدع شيئاً - فيا يبدو لي- مما في أصل اليونينية إلا أثبته بدقة تامة، من ضبط واختلاف نسخ وهوامش علمية نفيسة . وقد أظهرني هذا المجلد على أن النسخة السلطانية لم يُثبت طابعوها كل ما أثبت من التعليقات على هامش اليونينية، بل تركوا أكثرها ولم يذكروا إلا أقلها. بل وجدت فيه أشياء أثبتها لم يذكرما القسطلاني في شرحه. ١٠ الطبعة السلطانية : هي التي أمر بطبعها ((أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد رحمه الله، بالمطبعة الأميرية ببولاق في سنة ١٣١١، وشرعت المطبعة في ذلك تلك السنة، وأتمت طبعها ((في أوائل الربيعين سنة ١٣١٣)»، في تسعة أجزاء، واعتمد مصححو المطبعة في تصحيحها «على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة ، من فروع النسخة اليونينية، المعوّل عليها في جميع روايات صحيح البخاري الشريف"، وعلى نسخ أخرى خلافها، شهيرة الصحة والضبط، كما قالوا في مقدمة الطبع، ولم يذكروا وصفاً النسخ التي صححوا عنها غير ذلك، ولكن المتتبع للنسخة يعلم أنهم كانوا معتمدين أيضاً على شرح القسطلاني ، وقد ذكروا في آخرها ما يشعر بأنه كانت بيدهم نسخة عبد الله ابن سالم. 1 وأصدر السلطان عبد الحميد أمره إلى مشيخة الأزهر « بأن يتولى قراءة المطبوع بعد تصحيحه في المطبعة جمع من أكابر علماء الأزهر الأعلام ، الذين لهم في خدمة الحديث الشريف قدم راسخة بين الأنام، وكان شيخ الأزهر إذ ذاك الشيخ حسونة * ظاهر الكلام الذي نقلناه عن مقدمة الشيخ حسونة شيخ الأزهر رحمه الله، أن الطبع كان عن النسخة اليونينية نفسها، وكلام مصححي الطبعة السلطانية هذا يدل على أن الطبع كان عن فرع من فروعها . ولا أستطيع الجزم بصحة أحدهما حتى يوجد الأصل الذي طبع عنه، وحتى نعرف مصير النسخة اليونينية، إن وفق الله الباحثين البحث عنها، ثم وجودها . ١١ النواوي رحمه الله ، فجمع ستة عشر عالماً من الأعلام ، وقابلوا المطبوع على النسخة اليونينية التي أرسلها لهم ((صاحب الدولة الغازي أحمد مختار باشا المندوب العالي العثماني في القطر المصري ». نسختى الخاصة من الطبعة السلطانية : هي جديرة بالإفراد بالذكر ، فقد عُني بها والدي ثم عُنيت بها ، سنين طويلة، والكتاب إذا عني به صاحبه، وجالت بده فيه، وكان من أهل العلم متحرياً ، زاد صحة ونوراً، وهكذا ينبغي لصاحب الكتب. وقد قرأ والدي صحيح البخاري في هذه النسخة قراءة درس مرتين، أتمسه كله في إحداهما بالسودان، ولم يتمه في الأخرى بالإسكندرية ، وكتب في أولها في المرة الأولى ما نصه: ((في يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ١٣١٨ هجرية والخامس عشر من شهر أغسطس سنة ١٩٠٠ أفرنكية، شرعتُ في قراءة صحيح الإمام البخاري ، بمسجد أم دُرْمان، وأسأل الله أن يوفقني لإتمامه ، إنه سميع الدعاء. كتبه محمد شاكر قاضي قضاة السودان)). وكتب في آخرها ما نصه : ((بحمد الله تعالى قد فرغت من قراءته بمسجد أم درمان بعد عصر الأربعاء السابع من شهر ذي الحجة الحرام سنة ١٣١٨ - ٢٦ مارس سنة ١٩٠١)). ١٢ وكتب في أولها في المرة الثانية: ((في يوم الاحد التاسع عشر من شهر ربيع الثاني سنة ١٣٢٢ هجرية والثالث من شهر يوليو سنة ١٩٠٤ شرعت بمعونة الله تعالى في قراءة صحيح الإمام البخاري رضي الله تعالى عنه للمرة الثانية بمسجد الأستاذ أبي العباس المرسي بمدينة الإسكندرية، وأسأل الله أن يوفقتي لإتمامه، إنه سميع الدعاء. كتبه الفقير محمد شاكر شيخ علماء الاسكندرية). وقد قرأت فيها شيئاً من أول الكتاب وآخره على أستاذي الإمام الكبير ، حافظ المغرب، الحجة المجتهد ، العلامة السيد عبد الله بن إدريس السنوسي رحمه الله، وَرَدَ مصر في سنة ١٣٣٠ ولازمتُه وقرأت عليه، وتلقيت منه علماً جماً، ثم عاد إلى المغرب، وتوفي هناك منذ بضع سنين فيما سمعت، وقد قارب المائة، رضي الله عنه، وكتب في بخط يده إجازة على هذه النسخة نصها: ((الحمد لله، والصلاة على رسول الله، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله. أما بعد: فقد أسمعني محلُ ولدي الشابُ النجيب الأديب الأريب أحمد بن العلامة الأجل الشيخ شاكر وكيل مشيخة الأزهر: من صحيح علم العلماء ، وقدوة المحدثين الأنقياء، أوله وآخره، وكذلك أسمعني من سند إمام الأمة، وقدوة أتقياء أهل السنة)، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، رحمهما الله تعالى، وجزاهما عما أديا من نصيحة الأمة، وطلب مني الإجازة في صحيح الإمام البخاري، المكتوب هنا على ١٣ أول أجزائه ، فأجزته بروايته عني بسندي فيه وفي باقي كتب السنة ، وأوصيه بتقوى الله تعالى، وقوله فيما لا يدربه: لا أدري، وفقني الله وإياه لما فيه رضاه. كتبه بيده عبد الله بن إدريس السنوسي الحسني، كان الله له وتولاء، في تاسع جمادى الأولى سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف» . أحمد محمد شاكر ١٤