Indexed OCR Text
Pages 21-40
اللّهِ وَليّ فقط بل كان محدثاً وفقيهاً. وكان ((يميل إلى مذهب الشافعي وأئمة السند والحديث، لكن ليس هو في تقليد الشافعي كالبيهقي، مع أن البيهقي له اجتهاد في كثير من المسائل، واجتهاد الدارقطني أقوى منه فإنّه كان أعلم وأفقه منه))(١). ((ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، فإن كتاب السنن الذي صنفه يدل على أنه كان ممن اعتنى بالفقه، لأنه لا يقدر على جمع ما تضمّن ذلك الكتاب إلاّ من تقدَّمت معرفته بالاختلاف في الأحكام))(٢). وقال ابن خَلِّكان: ((كان عالماً حافظاً فقيهاً على مذهب الإِمام الشافعي))(٣). ٣ - الأدب والشعر واللغة والنحو : قال الخطيب وهو يتحدث عن علوم الدارقطني: ((ومنها أيضاً المعرفة بالأدب والشعر، وقيل: إنه كان يحفظ دواوين جماعة من الشعراء، وسمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق يقول: كان أبو الحسن الدَّارقُطْني يحفظ ديوان السَّيِّد الحِمْيَري في جملة ما يحفظ من الشعر))(٤). وسيرى القارئ الروايات الكثيرة في الشعر والأدب وهو يطالع كتاب ((المؤتلف والمختلف)) والتي تدل على عمق ثقافة الدَّارقطني، وعدم توقفه على علم الحديث فقط. قال الخطيب: ((وحدَّثني الأزهري، أَنَّ أبا الحسن لما دخل مصر كان بها شيخ علوي من أهل مدينة رسول الله وَ لايقال له: مُسَلَّم بن عبيد الله، وكان عنده كتاب ((النسب)) عن الخضر بن داود، عن الزبير بن بكّار، وكان مُسَلَّم أحد الموصوفين بالفصاحة المطبوعين على (١) مجموع الفتاوى الكبرى: ٤١/٢٠. (٢) تاريخ بغداد: ٣٥/١٢. (٣) وفيات الأعيان: ٢٩٧/٣. (٤) تاريخ بغداد: ٣٥/١٢. ٢١ العربية، فسأل الناس أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب ((النسب))، ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم إلى ذلك، واجتمع في المجلس مَن كان بمصر من أهل العلم والأدب والفضل فحرصوا على أنْ يحفظوا على أبي الحسن لَحَنَةٌ، أو يَظفروا منه بسقطة، فلم يقدروا على ذلك. حتى جعل مُسَلَّم يعجبُ ويقول له: وعربية أيضاً))(١). وقال له المعيطي الأديب بعد القراءة: ((يا أبا الحسن، أنت أجرأ من خاصي الأسد، تقرأ مثل هذا الكتاب مع ما فيه من: الشعر والأدب، فلا يؤخذ فيه عليك لحنة! وتعجب منه))(٢). وقال ابن خَلِّكان ((وكان عارفاً باختلاف الفقهاء، ويحفظ كثيراً من ٤% دواوين العرب))(٣). وكان شيخ الدارقطني الذي درس عليه اللغة وعلومها أبو بكر بن الأنباري وهو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار المُتوفّى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة الذي وصفه الخطيب بقوله: ((كان من أعلم الناس بالنحو، والأدب، وأكثرهم حفظاً))(٤). وكان الدارقطني حريصاً على حضور مجالس أبي بكر الأنباري. قال الخطيب: (( .. حكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضره في مجلس أملاه يوم. الجمعة فَصَحَّف اسماً أورده في إسناد حديث إمَّا كان حِبَّان، فقال: حَيَّن، أوٍ. حَيَّن فقال: حِبَّان، قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم وهِبته أن أوقفه على ذلك، فلمَّا انقضى الإِملاء تقدمت إلى المُسْتَملي وذكرت له وهمه، وعَرَّفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه، فقال أبو بكر للمُستملي: عَرِّف جماعة - (١) تاريخ بغداد: ٣٥/١٢ (٢) سير أعلام النبلاء: ٤٥٣/١٦، تاريخ دمشق: ٢٤١/٢٢ ب. (٣) وفيات الأعيان: ٢٩٥/٣ (٤) تاريخ بغداد: ١٨٢/٣. ٢٢ الحاضرين أنَّا صَحَّفنا الاسم الفلاني لَمَّا أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونَبَّهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعَرِّف ذلك الشاب أنّا رجعنا إلى الأصل، فوجدناه كما قال))(١). إِنَّ هذه الحادثة بقدر ما تدل على عِلم الدَّارَقُطْني رحمه الله تعالى فإنَّها تدل على سمو أخلاق الشيخ وتلميذه رحمهما الله تعالى. إنَّ معرفة الدارقطني للعربية قد جعلته يتصدر الأمر ويؤلف في ((تصحيف المحدثين» (٢). ووصف ابن الصلاح هذا الكتاب بأنه: ((تصنيف مفيد)) (٣). وقال الإِمام العراقي : والعسكري والدارقطني صَنْفَا فيما له بعض الرُّواة صَحَّفا (٤) وضرب ابن الصلاح أمثلة من كتاب ((التَّصحيف)) للدَّارقطني، فقال: ((وبلغنا عن الدارقطني أنَّ محمد بن المثنى أبا موسى العنزي، حدَّث بحديث النَّبِي وَ ل ((لا يأتي أحدكم يوم القيامة ببقرة لها خوار)). فقال فيه: ((أو شاة تنعر)» بالنون، وإنّما هو ((تَيْعَر)» بالياء المثناة من تحت. وأنه قال لهم يوماً: ((نحن قوم لنا شرف، نحن مِن عَنَزة، قد صلَّى النّبِيُّ ﴿ّ إلينا))، يريد ما روى: ((أَنَّ النبي ◌َّصلَّى إلى عَنَزَة)) توهم أنَّه صلى إلى قبيلتهم، وإنَّما العَنْزَة ها هنا حربة نصبت بين يديه فصلَّى اليها (٥). ((وقال الدَّارقطني في كتاب ((المصحفين)): قال النّقّاش: كسرى أبو شروان جعلها، كنية، وهو بالنون . (١) تاريخ بغداد: ١٨٣/٣. (٢) فهرست ابن خير: ٤٨١. (٣) مقدمة ابن الصلاح: ٢٥٢. (٤) فتح المغيث: ٦٧/٣. (٥) مقدمة ابن الصلاح: (٢٥٤-٢٥٥). ٢٣ وقال : كان يدعو فيقول: ولا رجعت يد صَفراء من عطائك بالفتحِ والمد، والصواب: صِفْراً. ويقول: وفقت قوماً فأفلجوا، يقولها بالجيم)) (١) .. ولا شك أنَّ من يتعرض لهذا الفن الدَّقيق ويذكر تصحيفات المُحَدِّثين لا بد أن يكون عالماً باللغة واختلاف اللهجات والروايات، متضلعاً بالعربية وعلومها .. وهذا ما توفر في الإِمام الحافظ الدارقطني، قال الحاكم أبوا عبد الله وهو يصف الدارقطني وعلومه: ((وإماماً في القُرَّاءِ والنَّحويينَ))(٢). ٤ - التاريخ والسِّيَر، والأنساب: لقد جال الدارقطني في نواحي كل فَن، وكان له حظ وافر بمعظم الفنون، وضرب فيها جميعها بسهم، حتى أصبح: ((فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته))(٣) ومعرفته للتاريخ والسِّير والأنساب تتجلى: واضحة في كتابه ((المؤتلف والمختلف)). فقد اقتبس من ((جمهرة النسب الكبير)» لابن الكلبي مئات المرات. ومن ((نسب قريش)) للمُصْعَب في أكثر من موضع، ومن ((تاريخ دمشق)) لأبي زُرْعة الدِّمشقي في أكثر من موضع، ومن ((تاريخ مصر)) لابن يونس في أكثر من موضع، ومن ((سيف بن عمر)) في: أكثر من موضع، ومن محمد بن حبيب في ((مختلف القبائل ومؤتلفها)» في: أكثر من موضع، ومن محمد بن إسحاق في ((السِّيرة))، ومن ((الطبقات الكبرى» لابن سَعْد في أكثر من موضع، وغير ذلك من المصادر العديدة التي سأذكرها في ((موارد الدارقطني في الكتاب))، وهذه تعطينا فكرة واضحة عن أنَّ الدارقطني كان ((موسوعة)» علميّة، لم يترك فناً من الفنون إلَّ أخذ منه، فهو القارىء الذي قرأ القرآن وصَنَّف في علومه، وهو المحدِّث الذي ((انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال))(٤)، وأحوال الرواة، وهو (١) معرفة القراء الكبار: ٢٩٧/١. (٢) طبقات الشافعية الكبرى: ٤٦٣/٩. (٣) تاريخ بغداد: ١٢ /١٣٤ : (٤) تاريخ بغداد: ١٢ /٠٠٣٤ ٢٤ الفقيه الذي ((تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام))(١)، وهو اللغوي والمؤرخ، والنسابة . وصدق الأزهري حين قال: ((كان الدارقطني ذكياً إذا ذُوكر شيئاً من العلم أي نوع كان وجد عنده منه نصيب وافر»(٢). وقال الذَّهبي: ((وكان مِن بُحور العلم، ومن أئمّة الدُّنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس، وغير ذلك))(٣). وقال ابن خَلِّكان: ((وكان مُفَنَّناً في علومٍ كثيرة، وإماماً في علوم كثيرة، وإماماً في علوم القرآن)) (٤). أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه : ١ - قال الخطيب البغدادي: ((كان فريد عصره، وقريعَ دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب، والاضطلاع بعلومٍ سوى علم الحديث ... ))(٥). ٢ - وقال الأزهري: «كان الدارقطني ذكياً إذا ذُوكر شيئاً من العِلْم أي نوع كان وجد عنده منه نصيب وافر. ولقد حدَّثني محمد بن طلحة النَّعالي أنه حضر مع أبي الحسن في دعوة عند بعض الناس ليلة، فجرى شيء من ذِكْرِ (١) تاريخ بغداد: ٣٥/١٢. (٢) تاريخ بغداد: ١٢ /٣٦. (٣) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٠. (٤) وفيات الأعيان: ٢٩٨/٣. (٥) تاريخ بغداد: ٣٤/١٢. ٢٥ الأكلة ، فاندفع أبو الحسن يورد أخبار الأكلة وحكاياتهم ونوادرهم حتى قطع ليلته - أو أكثرها - بذلك))(١). ٣ - وقال أبو الطَّيِّب طاهر بن عبد الله الطَّبَري: ((كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، وما رأيت حافظاً وَرَد بغداد إلَّ مضى إليه، وسَلَّم له يعني فَسَلَّم له التقدمة في الحفظ وعلو المنزلة في العلم)) (٢). ٤ - وقال عبد الغني الأزدي: ((أحسن الناس كلاماً على حديث رسول اللّه ◌َي ثلاثة: عَليّ بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، وعَلَيّ بن عمر الدَّارَقُطْنيّ في وقته))(٣). ٥ - وقال البَرْقَاني: ((كنت أسمع عبد الغني بن سعيد الحافظ كثيراً إذا : حكى عن الدارقطني شيئاً يقول: قال أستاذي، وسمعتُ أستاذي. فقلت له في ذلك، فقال: وهل تُعلَّمنا هذين الحَرفين مِن العلمِ إِلَّ مِن أبي الحسن: الدارقطني)»(٤). ٦ - قال البَرْقَاني: ((وما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني بن سعید»(٥). ٧ - وقال الأزهري: ((بلغني أنَّ الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصَّفَّار، فجلس ينسخ جزءاً كان معه وإسماعيل يُملي. فقال له. بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال له الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثم قال تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثاً، فعدت الأحاديث. : فوجدت كما قال. ثم قال أبو الحسن: الحديث الأول منها عن فلان، عن: (١) تاريخ بغداد: ٣٦/١٢. (٢) تاريخ بغداد: ١٢ /٣٦. (٣) تاريخ بغداد: ٣٦/١٢. (٤) تاريخ بغداد: ١٢ /٣٦. (٥) تاريخ بغداد: ٣٦/١٢. ٢ فلان، ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان، عن فلان، ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث بمتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فتعجَّب الناس منه - أو كما قال .. ))(١). ٨ - وقال البَرْقَاني: ((سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول: كتبت ببغداد من أحاديث السُّوداني(٢) أحاديث تَفَرَّد بها، ثم مضيتُ إلى الكوفة لأسمع منه، فجئت وعنده أبو العباس بن عُقْدَة، فدفعت إليه الأحاديث في ورقة، فنظر فيها أبو العباس ثم رمى بها واستنكرها، وأبى أن يقرأها، وقال: هؤلاء البغداديون يجيئونا بما لانعرفه. قال أبو الحسن: ثم قرأ أبو العباس عليه فمضى في جملة ما قرأه حديث منها، فقلت له: هذا الحديث من جملة الأحاديث، ثم مضى آخر، وهذا أيضاً من جملتها، ثم مضى ثالث، فقلت: وهذا أيضاً منها، وانصرفت وانقطعت عن العود إلى المجلس لحمَّى نالتني فبينما أنا في الموضع الذي كنت نزلته إذا أنا بداقٍ يدقُ على الباب، فقلت: مَن هذا؟ فقال: ابن سعيد، فخرجت وإذا بأبي العَبَّاس، فوقعت في صدره أُقَبِّله، وقلت: يا سيديٍ لِمَ تَجْشَّمت المجيء؟ فقال: ما عرفناك إلَّ بعد انصرافك، وجعل يعتذر إليَّ، ثم قال: ما الذي أخّركَ عن الحضور؟ فذكرت له: أَنِّي حممت. فقال: تحضر المجلس لتقرأ ما أحببت. فكنت بعد إذا حضرت أكرمني ورفعني في المجلس - أو كما قال -(٣)). وهذه الحادثة والتي سبقتها مع شيخه أبي بكر الأنباري وتصويب الدارقطني له بقدر ما تدل على منزلة الدارقطني عند شيوخه، فإنّها تدل على سمو أخلاق الدَّارقطني وتواضعه وهيبته لشيوخه رحمه الله تعالى. ٩ - وقال أبو محمد رجاء بن محمد بن عيسى: «سألت أبا الحسن (١) تاريخ بغداد: (٣٦/١٢-٣٧). (٢) هو (الشيخ المحدث أبو عبد الله محمد بن القاسم بن زكريا الكوفي السوداني توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة)، ترجمته في الميزان: ١٤/٤، سير أعلام النبلاء: ٧٣/١٥، العبر: ٢٧/٢، لسان الميزان: ٣٢٧/٥. (٣) تاريخ بغداد: ٣٧/١٢. ٢٧ الدارقطني فقلت له: رأى الشيخ مثل نفسه؟ فقال لي: قال الله تعالى: ﴿فلا تُزَكُوا أَنْفُسَكم﴾(١). فقلت له: لَمْ أرد هذا، وإنَّما أردت أن أعلمه لأقول :. رأيت شيخاً لم يُرَ مثله. فقال لي: إنْ كانَ في فن واحد فقد رأيت من هو أفضل مني، وأمَّا مَن اجتمع فيه ما اجتمع فِيٍّ فلا))(٢). ١٠ - وقال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ - وسُئِلَ عن الدارقطني -: ((فقال: ما رأى مثل نفسه))(٣). ١١ - وقال محمد بن أبي الفوارس - وقد سأل أبا الحسن الدارقطني عن عِلَّةِ حديث، أو اسم فيه فأجابه، ثم قال له: ((يا أبا الفتح ليس بين: الشرق والغرب من يعرف هذا غيري))(٤) . .. ١٢ - وقال القاضي أبو الطَّب الطَّبَري: ((حضرت أبا الحسن. الدار قطني، وقد قرأت عليه الأحاديث التي جمعها في الوضوء من مَسِّ الذَّكَرِ، فقال: لو كان أحمد بن حنبل حاضراً لاستفاد من هذه الأحاديث))(٥). ١٣ - قال الخطيب البغدادي: ((حدَّثني الخَلَّاّل: قال: كنت في مجلس بعض شيوخ الحديث - سماه الخَلَّل ونسيت - وقد حضره أبو الحسين بن المظفر، والقاضي أبو الحسن الجَرَّاحي، وأبو الحسن الدارقطني، وغيرهم من أهل العلم، فحلَّت الصلاة، فكان الدارقطني إمام. (١) سورة النجم آية: ٣٢. (٢) تاريخ بغداد: ٣٥/١٢. (٣) تاريخ بغداد: ٣٦/١٢. (٤) تاريخ بغداد: ٣٩/١٢. (٥) تاريخ بغداد: ٣٨/١٢، انظر المحاورة بين علي بن المديني ويحيى بن معين حول الوضوء من مس الذكر، وكان المحكم فيها أحمد بن حنبل رحمهم الله جميعاً في سنن الدارقطني: ١٥٠/١. ٢٨ الجماعة، وهناك شيوخ أكبر أسناناً منه فلم يقدم أحد غيره)) (١). ١٤ - وقال الحاكم: ((صار الدارقطني أوحد عصره، في الحفظ والفهم والورع وإمام القراء والنحويين، وفي سنة سبع وستين أقمت ببغداد أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا بالليل والنهار فصادفته فوق ما وُصِفَ لي، وسألته عن العلل والشيوخ)» (٢). ١٥٠ - قال الخطيب : قرأت بخط حمزة بن محمد بن طاهر الدَّقاق في أبي الحسن الدارقطني : وسيطاً فلم تظلم ولم تَتَحوب جعلناكَ فيما بيننا ورسولنا - ولو جَهدوا - ما صادق من مكذب (٣). فأنت الذي لولاك لم يعرف الورى ١٦ - وكان رحمه الله تعالى يشعر أنه المدافع عن سنة رسول الله اله الحامل لواءها فقد قال: ((يا أهل بغداد لا تظنوا أنَّ أحداً يقدر يكذب على رسول الله وَّ وأنا حي)) (٤). ١٧ - وقال السَّمعاني: ((كان أحدَ الحفاظ المتقنين المكثرين، وكان يضرب به المثل في الحفظ)» (٥). ١٨ - وقال الذهبي: ((الإِمام الحافظ المُجَوّد شيخ الإِسلام، علم الجهابذة))(٦). وقال أيضاً: ((وكان من بحور العلم، ومن أئمة الدنيا انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس، وغير ذلك)) (٧). (١) تاريخ بغداد: ٣٨/١٢. (٢) طبقات الشافعية الكبرى: ٤٦٣/٣. وقد طبعت سؤالات الحاكم للدَّارقطني بتحقيقنا. (٣) تاريخ بغداد: ٣٩/١٢. (٤) الموضوعات لابن الجوزي: (٤٥-٤٦). (٥) الأنساب: (٢٤٥/٥-٢٤٦). (٦) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٤٩. (٧) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٠. ٢٩ وقال أيضاً: ((الإِمام شيخ الإسلام حافظ الزمان))(١). وقال أيضاً: ((أحد الأعلام ، وصاحب التصانيف»(٢). ١٩ - وقال ابن كثير: (( .. الحافظ الكبير أستاذ هذه الصنعة، وقبله وبعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير وصَنَّف وألّف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل، والانتقاد والإعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام. دهره ... وكان من صغره موصوفاً بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب والبحر. الزاخر ... ))(٣) .. ٢٠ - وقال السُّبكي: (( ... الإِمام الجليل أبو الحسن الدارقطني البغدادي الحافظ المشهور الاسم، صاحب المصنفات، إمام زمانه وسيِّد أهل عصره، وشيخ أهل الحديث .. )) (٤). ٢١ - وقال ابن خلَّكان: ((الحافظ المشهور، كان عالماً حافظاً فقيهاً .. ))(٥). ٢٢ - أصبح الدارقطني رحمه الله تعالى يضرب به المثل في الحفظ والعلم، فإذا أراد العلماء أن يثنوا على حافظ شبهوه بالدارقطني، قال ابن ماكولا يصف شيخه الخطيب البغدادي: ((ولم يكن للبغداديين بعد أبي : الحسن علي بن عمر من يجري مجراه .. )) (٦). وقال المؤتمن السَّاجي: ((ما أخرجت بغداد بعد الدارقطني أحفظ من الخطيب»(٧). (١) تذكرة الحفاظ: ٩٩١/٣. (٢) معرفة القراء الكبار: ٣٥٠/١. (٣) البداية والنهاية: ٣١٧/١١. (٤) طبقات الشافعية الكبرى: ٤٦٢/٣. (٥) وفيات الأعيان: ٢٩٧/٣. (٦) تهذيب مستمر الأوهام: (١-٢)، وانظر طبقات الشافعية الكبرى: ٣١/٤. (٧) معجم الأدباء: ١٨/٤، طبقات الشافعية الكبرى: ٣١/٤. ٣٠ وقال أبو إسحاق الشِّيرازي: ((الخطيب يُشَبَّه بالدارقطني، ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه)) (١). وقال أبو إسحاق الشِّيرازي في الخطيب أيضاً: ((هذا دارقطني عهدنا))(٢). ٢٣ - ولقد كان الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى يعرف قيمة الدارقطني حق المعرفة، قال أبو نصر محمد بن سعيد المؤدب، عن أبيه أنه قال: ((قلت لأبي بكر الخطيب عند لقائي إيَّاه: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: انتهى الحفظ إلى الدارقطني، أنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب)) (٣). ٢٤ - وقال محمد بن طاهر المقدسي: ((وكان رحمه الله في زمانه بمنزلة يحيى بن معين في زمانه، أخذ عنه حفاظ عصره معرفة الحديث، وسألوه عن الرجال، ودَوَّنوا ذلك ... فلا نعلم أحداً أخذ هذا العلم إلّ عنه)) (٤). ٢٥ - وقال ابن العِمَاد الحَنْبلي: ((الإِمام الكبير، شيخ الإِسلام، إليه النهاية في معرفة الحديث وعلومه، وكان يُدعى فيه أمير المؤمنين)»(٥). (١) تذكرة الحفاظ: ٣١٤/٣، طبقات الشافعية الكبرى: ٣٢/٣. (٢) طبقات الشافعية الكبرى: ٣٦/٣. (٣) تذكرة الحفاظ: ١١٤١/٣. (٤) أطراف الغرائب: (٣/١ ١ - ٣ ب). (٥) شذرات الذهب: ١١٦/١. ٣١ ملامح الإمَام الدّار قطني الشخصِيَّة "مزايَا، وَصِفَاته" ١ - هيئته : لم يكن المحدِّثون يهتمون كثيراً بذكر هيئة المترجم له إلا قليلاً .. لذا لم أقف على ذكر لوصف هيئة الدارقطني غير أن محمد بن طاهر المقدسي نقل عن أبي القاسم بكربن علي بن بكربن علي بن حماد البُنْدار قوله: (سمعت مِن علي بن عمر الدارقطني، وأخذت كُتبي وحضرت جنازة الدَّار قطني وصُلَّ عليه في المسجد الذي في دار القُطن سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وكان طوالاً أبيض))(١) . إذن فالدارقطني رحمه الله تعالى كان طويل القامة أبيض اللون . ٢ - كثرة تلاوته للقرآن الكريم وحسن صوته : إنَّ المتأمل لحياة الدار قطني يتبيَّن له أنَّ الدارقطني كان يُكْثر من تلاوة كتاب الله تعالى، وكان حَسن الصوت حتى تصدَّر للاقراء في آخر حياته. وقد تقدم قوله: ((كنت أنا والكُتَاني نسمع الحديث، فكانوا يقولون: يخرج الكتّاني. محدِّث البلد، ويخرج الدار قطني مقرىء البلد، فخرجت أنا محدِّثاً والكُتَّاني. مقرئً)(٢). (١) أطراف الغرائب والأفراد: ٩/١ ب، طبقات الشافعية لابن الصلاح: ٦٨ أ. (٢) المنتظم: ١٨٤/٧. ٣٢ وقال الذهبي: (( .. وتَصدَّر في أواخر أيامه .. )(١). ووصفه الحاكم بقوله: ((وإماماً في القُرَّاء .. ))(٢). ٣ - ورعه : إنَّ العِلْم الغَزير الذي وهبه الله تعالى للإِمام الدارقطني يدل على تقوى الله تعالى، ويدل على ورعه وخشيته لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿واتّقُوا اللّه ويُعَلَّمْكُم الله واللهُ بكلَ شَيءٍ عليمٍ﴾(٣). لذا وصفه الخطيب بقوله: (( .. مع الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب .. )) (٤). وقال الحاكم: ((صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع .. )) (٥). وقال ابن خَلِّكان: ((وقبل القاضي ابن معروف شهادته في سنة ست وسبعينٍ وثلاثمائة، فندم على ذلك، وقال، كان يقبل قولي على رسول اللّه ◌َ﴿ بانفرادي فصار لا يقبل قولي على نقلي إلَّ مع آخر))(٦). ٤ - تواضعه : لم يكن الدارقطني رحمه الله تعالى مزهواً بنفسه، معجباً بما وصل إليه من العلم، بل كان متواضعاً يهاب شيوخه ويجلهم ولا يعترض عليهم إذا ما وهموا .. كما تقدم في علومه في ((الأدب والشعر واللغة والنحو)) أنَّ شيخه أبا بكر الأنباري صَحَّف كلمة، قال الدارقطني: ((فأعظمت أنْ يُحمل عن مثله (١) معرفة القراء الكبار: ١ /٣٥٠ وتصدر أي للاقراء. (٢) تذكرة الحفاظ: ٣ / ٩٩١. (٣) سورة البقرة آية (٢٨٢). (٤) تاريخ بغداد: ٣٤/١٢. (٥) تذكرة الحفاظ: ٩٩١/٣. (٦) وفيات الأعيان: ٢٩٧/٣. ٣٣ في فضله وجلالته وهم وهبته أن أوقفه على ذلك، فلمَّا انقضى الإِملاء تَقَدَّمت إلى المستملى، وذكرت له وهمه، وعَرَّفته صواب القول فيه .. ))(١) .. ولم يكن تواضع الدارقطني رحمه الله تعالى مقتصراً على شيوخه بل كان هذا هو خلقه وطبيعته .. فقد كان يخفض جناحه لطلابه الأمر الذي حَيِّبه إلى طلابه فأقبلوا عليه يسألونه ويقتبسون من علمه وخلفه، وقد تقدم في ((رحلاته العلمية))، قول منصور بن علي الطّرطوسي: ((لما أراد الدارقطني الخروج من عندنا من مصر خرجنا نودعه وبكينا، فقال لنا: تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد وفيه الخلف)) (٢). ٥ - ذكاؤه العجيب : كان ذكاء الدارقطني آية من آيات الله تعالى منذ صغره حتى وفاته لم يتغير ولم يتبدل .. قال ابنُ كثير: (( .. وكان من صغره موصوفاً بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر .. ))(٣). وقد تقدم في ((أقوال العلماء وثناؤهم عليه)) أنَّ الدَّارَقُطْني ((حضر فِيُّ حداثته مجلس إسماعيل الصَّفَّار، فجلس ينسخ أزءاً كان معه، وإسماعيل الصَّفَّار يُملي فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال له الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك .. )) (٤) وكيف أعاد الدارقطني ذلك المجلس وذكر كافة الأحاديث التي أملاها الشيخ ((فتعجب الناس منه)) (٥). (١) تاريخ بغداد: ١٨٣/٣ - وانظر فقرة ((أقوال العلماء فيه وثناؤهم عليه)) قصته مع شيخه. (ابن عقدة) فإنها تدل على مقدار احترام الدارقطني لشيوخه وهيبته لهم. (٢) تذكرة الحفاظ: ١٠٤٨/٣. (٣) البداية والنهاية: ٣١٧/١١. (٤) تاريخ بغداد: ٣٦/١٢. (٥) تاريخ بغداد: ٣٧/١٢. ٣٤ وقال الأزهري: ((كان الدارقطني ذكياً إذا ذُوكر شيئاً من العِلْم أيّ نوع كان وجد عنده منه نصيب وافر)»(١). قال الخطيب: ((سألت البَرْقَاني قلت له: هل كان أبو الحسن الدارقطني يُملي عليك ((العلل)) من حفظه؟ فقال: نعم. ثم شرحٍ لي قصةٍ جمع ((العلل))؟ فقال: كان أبو منصور بن الكَرْخي يريد أنْ يصنّف مسنداً معللاً، فكان يدفع أصوله إلى الدَّارقطني فُيُعَلَّم له على الأحاديث المُعَلَّلة، ثم يدفعها أبو منصور إلى الورَّاقين فينقلون كل حديث منها في رقعة، فإذا أردت تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن ثم أملى عَلَيَّ الكلام من حفظه، فيقول: حديث الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما فلان. ويذكر جميع ما في الحديث فأكتب كلامه في رقعة مفردة، وكنت أقول له: لم تنظر قبل إملائك الكلام في الأحاديث؟ فقال: أتذكر ما في حفظي بنظري ... ))(٢). قال الذهبي: ((قلت: إنْ كان كِتاب ((العلل)) الموجود قد أملاه الدَّارقطني من حفظه كما دَلَّت عليه هذه الحكاية، فهذا أمر عظيم ، يُقضى به للدارقطني أنَّهُ أحفظ أهل الدُّنيا .. ))(٣). وقال أيضاً: ((قلت: هنا يُخضع للدارقطني ولسعة حفظه الجامع لقوة الحافظة ولقوة الفهم والمعرفة، وإذا شئت أن تبين براعة هذا الإِمام الفَرْد، فطالع ((العلل)) له فإنك تندهش ويطول تعجبك)) (٤). إِنَّ ذكاء الدارقطني، وقوة حافظته، وسرعة بديهته جعلته يتصدَّر المكانة المرموقة بين الحفاظ والمحدِّثين. قال رجاء بن محمد المعدل: ((كنا (١) تاريخ بغداد: ٣٦/١٢. (٢) تاريخ بغداد: (٣٧/١٢-٣٨). (٣) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٥. (٤) تذكرة الحفاظ: (٩٩٣/٣ - ٩٩٤). ٣٥ عند الدارقطني يوماً والقارىء يقرأ عليه وهو قائم يصلي نافلة، فمر حديث فيه ذكر نُسَيْر بن ذُعْلوق، فقال القارىء: بشير، فقال الدارقطني: سبحان الله ، فقال القارىء: بشير بن ذعلوق. فقال الدارقطني: سبحان الله. فقال: القارىء يُسَيْر بن ذُعْلوق. فقال الدارقطني: ﴿نَ وَالقَلَمِ وما يَسْطِرون﴾(١)، فقال القارىء: نُسَيْربن ذُعْلوق، ومر في قراءته - أو كما قال .. ))(٢). وقال حمزة بن محمد بن طاهر: ((كنت عند أبي الحسن الدارقطني وهو قائم يتنفَّل فقرأ عليه أبو عبد الله بن الكاتب حديثاً لعمرو بن شعيب، فقال: عمرو بن سعيد. فقال أبو الحسن: سبحان الله. فأعاد الإِسناد وقال: عمرو بن سعيد. ووقف. فتلى أبو الحسن: ﴿يا شُعَيْبُ أصلاتُكَ تَأْمُرُك أَنْ نَتْرُكَ مِا يَعْبُدُ آباؤنا﴾ (٣). فقال الكاتب: عَمرو بن شُعَيْب))(٤). وقال البَرْقاني: ((وكنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مُسْلم بن مِهْزان الحافظ، فقال لي أبو مُسْلم: أراك تفرط في وصفه بالحفظ، فتسأله عن حديث الرَّضراض عن ابن مسعود؟ فجئت إلى أبي الحسن وسألته عنه؟ فقال: ليس هذا من مسائلك، وإنَّما قد وضعت عليه. فقلت له: نعم. فقال: مَنِ الذي وضعك على هذه المسألة؟ فقلت: لا يمكنني أن أسميه، فقال: لا أجيبك أو تذكره لي. فأخبرته، فأملى عَليَّ أبو الحسن حديث الرضراض باختلاف وجوهه . .))(٥). ٦ - فصاحته: بالإضافة إلى علوم الدارقطني المختلفة فإنّه كان يتمتع بفصاحة اللسان (١) سورة القلم آية رقم (١). (٢) تاريخ بغداد: (٣٨/١٢-٣٩)، سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٥. (٣) سورة هود آية رقم: (٨٧). (٤) تاريخ بغداد: ٣٩/١٢، سير أعلام النبلاء: ٤٥٥/١٦، طبقات الشافعية الكبرى: (٤٦٥/٣-٤٦٦). (٥) تاريخ بغداد: ٣٨/١٢. ٣٦ في نطقه ولهجته .. وهذا ما جعله يتصدر للإِقراء في صباه وشيخوخته ، وقد تقدم عند ذكرنا لعلوم الدارقطني في ((الأدب والشعر واللغة والنحو)) أنَّ الدارقطني قرأ كتاب ((النسب)) للزبير بن بكار، واجتمع في ذلك المجلس من كان بمصر من أهل العلم والأدب والفضل: ((فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنةً، أو يظفروا منه بسقطة فلم يقدروا على ذلك، حتى جعل مُسَلَّم يعجب، ويقول له: وعربية أيضاً))(١). وقال المعيطي الأديب بعد القراءة: ((يا أبا الحسن، أنت أجرأ من خاصي الأسد، تقرأ مثل هذا الكتاب مع ما فيه من الشعر والأدب، فلا يؤخذ فيه عليك لحنة! وتعجب منه))(٢). وقال أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة ت (٥٧٥ هـ) في ((الفهرست)) وهو يتحدث عن وظائف طالب العلم: ((ومن وظائفه العناية بتعلم علم اللسان لئلا يلحن في حديث رسول الله أو يصحف كلامه، فقد وقع في هذا كثير من المحدِّثين، وقد ألَّف أبو الحسن الدارقطني، رحمه الله، في تصحيف المحدِّثين كتاباً مفيداً))(٣). ٧ - جودة خطه : كان الدارقطني رحمه الله تعالى جيد الخط، ولا شك أن جودة الخط تقلل من التصحيف والتحريف. وتعين المحدِّث على فهم مادته العلمية .. كما أن جودة الخط تجعل لكتاب المحدث أهمية كبيرة عند تلاميذه أو من يأتي بعدهم (٤). وكان الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى يكثر النقل عن الدارقطني، وكان يعرف خطه، ولقد صرح في أكثر من موضع من ((تاريخ (١) تاريخ بغداد: ٣٥/١٢. (٢) سير أعلام النبلاء: ١٦ /٤٥٣. (٣) فهرست ابن خير: ١٧ . (٤) انظر كتاب الجامع لأخلاق الراوي والسامع للخطيب البغدادي: (٢٥٩/١ -٢٦٤) تحقيق الدكتور محمود الطحان . ٣٧ بغداد)) اطلاعه على خط الدارقطني ونقله من خطه مباشرة. قال الخطيب: (وقرأت بخط الدارقطني مكتوباً)(١) و((قرأت بخط أبي الحسن الدارقطني، وحدثنيه أحمد بن محمد عنه قال))(٢). ومن الكتب التي كتبها الدارقطني بخطه ووصلت الينا كتاب ((الكنى والأسماء)» للإِمام مسلم بن الحجاج كما جاء على الصفحة الأولى من النسخة. وتقع هذه النسخة في مكتبة شهيد على بتركيا تحت رقم: (١٩٣٢) وخطّها جَيِّد ومقروء. (١) تاريخ بغداد: ٧٤/٥. (٢) تاريخ بغداد: ٤ /١٢٢. ٣٨ وَفَّاة الدّارقطني بعد حياة حافلة بخدمة السنّة والدفاع عنها قولاً وعملاً وتعليماً وتأليفاً انتهت حياة الحافظ الدارقطني بلقاء ربه تبارك وتعالى ليبقى حياً بيننا بما تركه من المصنفات والآثار العملية(١). قال الخطيب البغدادي: ((حدثنا أبو الحسن بن الفضل، قال: قال لي الدارقطني في المحرم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة في يوم الجمعة: يا أبا الحسن اليوم دخلت في السنة التي توفى لي ثمانين. قال ابن الفضل: ((وتوفّ في ذي القعدة من هذه السنة))(٢). واختُلِفَ في الشهر الذي توفّي فيه هل هو شهر ذي القعدة أم شهر ذي الحجة؟ ورجّح الخطيب أنَّ وفاته كانت في شهر ذي القعدة. قال الخطيب: ((حدثني عبد العزيز بن علي الإِزَجِّيّ، قال: توفِّي الدارقطني يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة))(٣) . وقال : ((أخبرنا العتيقي، قال: سنة خمس وثمانين وثلاثمائة تُوقِّي أبو (١) الضعفاء والمتروكون للدارقطني: ٢٥. (٢) تاريخ بغداد: ١٢ /٤٠. (٣) تاريخ بغداد: ١٢ /٤٠. ٣٩ الحسن الدارقطني يوم الأربعاء الثاني من ذي القعدة .. ))(١). وقال الخطيب: (وقال لي العَتيقي مرة أخرى: توفّي الدارقطني ليلة الأربعاء، ودفن يوم الأربعاء الثامن مِنْ ذي الحجة سنة خمس وثمانين وقد بلغ ثمانين سنة وخمسة أيام. )) (٢). قال الخطيب: ((وقوله الأول هو الصحيح. وقد ذكر مثله محمد بن أبي الفوارس. ودفن أبو الحسن في مقبرة دار الدير(٣)، قريباً من قبر معروف الكرخي (٤)). وقال صدر الدين أبو عليّ الحسن بن محمد البكري المتوفى سنة (٦٥٦ هـ): ((وزرت قبره بها)»(٥). وبذلك يثبت لنا مكان دفنه. وقال ابن ماكولا: ((رأيت في المنام ليلة من ليالي شهر رمضان كأني". أسأل عن حال أبي الحسن الدارقطني في الآخرة وما آل إليه أمره، فقيل لي : ذالك يُدعى في الجنة الإِمام))(٦). (١، ٢) تاريخ بغداد: ١٢ /٤٠ (٣) تقع بجانب الكرخ وتدعى الآن مقبرة الشيخ معروف الكرخي . (٤) تاريخ بغداد: ٤٠/١٢ (٥) كتاب الأربعين حديثاً: ٨٤. (٦) تاريخ بغداد: ١٢ /٤٠ ٤