Indexed OCR Text

Pages 21-40

المقدمة
تراجم أصحاب الروايات المعتمدة
عبدالرحمن بن القاسم
هو أبو عبدالله، عبدالرحمن بن القاسم بن خالد بن جناده العتقي
المصري.
ولد سنة (١٣٢ هـ)، وأصله من مدينة الرملة بفلسطين الشام.
أخذ العلم عن: بكر بن مضر، وسعد بن عبدالله المعافري، وسفيان
ابن عيينة، وسليمان بن القاسم الاسكندراني الزاهد، وأبي شريح
عبدالرحمن بن شريح، وأبي مسعود عبدالرحمن بن مسعود بن أشرس
الأفريقي -مولى الأنصار-، وعبدالرحيم بن خالد بن يزيد المصري -مولى
بني جمح-، ونافع بن عبدالرحمن القارئ، ويزيد بن عبدالملك النوفلي،
والليث بن سعد، وعبدالعزيز بن الماجشون.
لزم الإمام مالكًا عشرين سنة، وتفقه عليه، وكتب عنه علماً كثيراً،
فقد كان عنده ثلاث مئة جلد - أو نحوه - عن مالك مسائل، وكان من
أثبت أصحاب مالك، وروايته في ((الموطأ)) صحيحة قليلة الخطأ، وهو
أول من حمل «الموطأ» إلى مصر.
كان ثقة متفقًا على إمامته.
توفي - رحمه الله- سنة (١٩١ هـ) (١).
(١) ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (٣٣٤/١٧)، و((وفيات الأعيان)» (١٢٩/٣)، و (سير
أعلام النبلاء)) (١٢٠/٩)، و((تذكرة الحفاظ)) (٣٥٦/١).
- ٢١ -

تراجم أصحاب الروايات المعتمدة
المقدمة
محمد بن الحسن الشيباني
هو أبو عبدالله، محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني الکوفي، صاحب
أبي حنيفة، أصله من دمشق من قرية يقال لها: (حرستا)، قدم أبوه
العراق، فولد محمد بـ (واسط)، ونشأ بالكوفة.
أخذ العلم عن: أبي حنيفة، وتفقه عليه، وإليه نسب، وتَمَّم الفقه
على يعقوب القاضي أبي يوسف، ومسعر، ومالك بن مغول،
والأوزاعي، وسفيان الثوري، وربيعة بن صالح، وابن المبارك، والربعي
ابن صبیح وغیرهم.
لزم الإمام مالكًا ثلاث سنين؛ فسمع ((الموطأ».
كان إماماً من بحور العلم في الفقه والعربية، حتى قال الشافعي: لو
أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن؛ لقلت لفصاحته.
لكن غلب عليه الرأي وعرف به، وتقدم فيه.
وليّنه النسائيُّ وغيره من قبل حفظه.
توفي -رحمه الله- في (الري) سنة (١٨٩ هـ)(١)
(١) ترجمته في: ((تاريخ خليفة)) (٤٥٨)، ((الجرح والتعديل)) (٢٢٧/٧)، و((المجروحين»
(٢٧٥/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٣٤/٩)، و((وفيات الأعيان)) (١٨٤/٤)، و((تاريخ
بغداد» (١٧٢/٢ - ١٨٢)، و((الأنساب)) (٤٣٣/٧)، و ((ميزان الاعتدال)) (٥١٣/٣)،
و((شذرات الذهب)) (٣٢١/١)، و((الفوائد البهية)) (١٦٣)، و((تهذيب الأسماء واللغات))
(٨٢/١).
- ٢٢ -

المقدمة
تراجم أصحاب الروايات المعتمدة
يحيى بن عبد الله بن بکیر
هو أبو زكريا، يحيى بن عبدالله بن بكير القرشي المخزومي
المصري:
ولد سنة (١٥٥ هـ).
أخذ العلم عن: بكر بن مضر، وحماد بن زيد، وشعيب بن الليث
ابن سعد، وضمرة بن ربيعة، وعبدالله بن السمح التجيبي، وعبدالله بن
سويد المصري، وعبدالله بن لهيعة، وعبدالله بن وهب، وعبدالعزيز بن
أبي حازم، وعبدالعزيز بن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون، وعبدالعزيز
ابن محمد الدراوردي، وعمرو بن يزيد الفارسي، والليث بن سعد،
والمغيرة بن عبدالرحمن الحزامي، ويعقوب بن عبدالرحمن القارئ، وهقل
ابن زیاد.
لزم الإمام مالكاً، وسمع ((الموطأ) مرات كثيرة، بلغت سبع عشرة
مرة:
کان ثقة احتج به الشيخان.
توفي - رحمه الله- سنة (٢٣١ هـ)(١).
(١) ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) (٨/ ترجمة ٣٠١٩)، و((الجرح والتعديل)) (٩/ ترجمة
٦٨٢)، و((ترتيب المدارك)) (٥٢٨/١)، و((سير أعلام النبلاء)) (٦١٢/١٠)، و((تهذيب
الكمال)) (٤٠١/٣١)، و((هدي الساري)) (٤٥٢)، و((شذرات الذهب)) (٧١/٢)، و((تذكرة
الحفاظ».
- ٢٣ -

تراجم أصحاب الروايات المعتمدة
المقدمة
يحيى بن يحيى الليثي
هو أبو محمد، يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال بن
منغايا، الليثي البربري المصمودي الأندلسي القرطبي.
ولد سنة (١٢٥ هـ).
أخذ العلم عن: زياد بن عبدالرحمن شبطون، ويحيى بن مضر،
والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن وهب، وعبدالرحمن بن
القاسم العتقي، والقاسم بن عبدالله العمري، وأنس بن عياض الليثي.
أخذ («الموطأ)) أولاً من زياد بن عبدالرحمن، المعروف بشبطون، الذي
أدخل مذهب مالك الأندلس، ثم ارتحل يحيى إلى المدينة سنة (١٧٩ هـ)؛
فسمع ((الموطأ)) بلا واسطة إلا ثلاث أبواب في كتاب الاعتكاف: (باب
خروج المعتكف إلى العيد)، و(باب قضاء الاعتكاف)، و(باب النكاح في
الاعتكاف)؛ فرواها عن زياد شبطون عن مالك، ولازم ابن وهب، وابن
القاسم، ثم حج ورجع إلى المدينة؛ ليزداد عن مالك، فوجده في مرض
الموت؛ فأقام إلى أن توفاه الله، وشهد جنازته، ورجع إلى قرطبة بعلم
حجة، وتصدر للاشتغال وبعد صيته، وانتفع العباد بعلمه، وهديه،
و سمته.
ونسخته المعنية عند إطلاق ((الموطأ))، وقد طغت روايته على نسخ
((الموطأ)) جميعها في المشرق والمغرب، وفي بلاد الإسلام باعتبار أنه آخر
الروايات، وأكثره انتقاء وتنقيحاً.
- ٢٤ -

المقدمة
تراجم أصحاب الروايات المعتمدة
وكان كبير الشأن، وافر الجلالة، عظيم الهيبة، إمام أهل بلده،
والمقتدي به منهم، والمنظور إليه، والمعول عليه، ثقة عاقلاً؛ لكنه لم يكن
من فرسان الحديث، بل كان متوسطاً فيه (١).
(١) ترجمته في: ((تاريخ علماء الأندلس)) (١٧٩/٢ - ١٨١)، و((الانتقاء)) (ص٥٨)،
و((طبقات الشيرازي)) (١٥٢/١)، و((جذوة المقتبس)) (ص٣٨٢)، و((ترتيب المدارك))
(٥٣٤/٢-٥٤٧)، و((بغية الملتمس)) (١٤٩٧)، و((المغرب في حلي المغرب)) (١٦٣/١ -
١٦٥)، و((وفيات الأعيان)) (١٤٣/٦-١٤٦)، و ((العبر في خبر من عبر)) (٤١٩/١)، و(«مرآة
الجنان)) (١١٣/٢)، و((الديباج المذهب)) (٣٥٢/٢ و ٣٥٣)، و((تهذيب التهذيب))،
(٣٠٠/١١ و٣٠١)، و«نفح الطيب)) (٩/٢)، و(«شذرات الذهب)) (٨٢/٢)، و ((سير أعلام
النبلاء)» (٥١٩/١٠ - ٥٢٥)، و((شجرة النور الزكية)) (٦٣-٦٤).
- ٢٥ -

عصر الإمام مالكـ
المقدمة
عصر الإمام مالك
ولد الإمام مالك قبل انتهاء القرن الأول الهجري بسبع سنين،
ومات قبل انتهاء القرن الثاني بنحو عشرين سنة، بعد أن سطر من
صفحات هذه الحياة نحو سبع وثمانين سنة.
وكان نصف عمره في عهد بني أمية، والنصف الآخر في عهد بني
العباس، فأدرك الدولتين، اللتين اتسعت رقعة الإسلام في عهدهما،
واستقرت فيهما أحكامه في البلاد المترامية الأطراف، التي لا تغيب عنها
الشمس، إذ من الشرق وصل حكم الإسلام إلى الصين، ومن المغرب
وصل إلى بحر الظلمات.
ولو نظرنا في العصر الذي شهده الإمام مالك؛ لوجدناه يمتاز بكثرة
الاتجاهات الفكرية، والحركات السياسية، وحدثت فيه فتن واضطرابات،
وظهرت النزعات القبلية.
إن هذه العصبيات التي نفاها الإسلام من مراكزه وحواضره؛ لجأت
إلى بادية العرب، ثم عادت إلى نشاطها ونفوذها، وأصبحت هذه العصبية
الذميمة، والنخوة الأليمة، والأثرة القبلية والطائفية والنسبية، فضيلة في
هذه الحياة، ومفخرة من مفاخر الإنسان، بعدما كانت رذيلة من رذائل
الجاهلية، وسبة على الرجل المؤمن، وقد تهيأ المجتمع لألوان من
المؤامرات والدسائس.
وأخذت الحياة المادية والاجتماعية تتسع وتتفسَّخ، بعد أن فتح اللَّه
- ٢٦ -

المقدمة
عصر الإمام مالكـ
-تعالى- على المسلمين ما فتح من أقطار، وهيأ لهم ما هيأ من خيرات،
وكانت هناك محاولات للتوفيق بين حياة المجتمع والنصوص الدينية؛
فكثرت الأقوال في الفقه الإسلامي، وظهرت الآراء والمذاهب، وبرز في
الحياة العلمية والدينية مذهبان أو منهجان:
المنهج الأول: منهج أهل الحديث، أو مذهب أهل الأثر؛ وهو
المنهج المتقيد بنصوص القرآن والسنة النبوية، وكان لهذا المنهج أنصار
کثیرون.
المنهج الآخر: هو منهج أهل الرأي؛ وهو المنهج الذي يضيف إلى
تقبُّل النص واحترامه إعمالاً للفكر، واستنباطاً للحكم، واجتهاداً في
تفسير النص أو تأويله.
وقد ساعد على تأييد هذا المذهب نموُّ المجتمع واتساعُه.
وتغلّب منهج أهل الرأي على بيئة العراق؛ لأنها كانت في ذلك
العصر أقوى البيئات العلمية الإسلامية.
وتغلب منهج أهل الحديث والنقل على بيئة أهل الحجاز بعامة،
وعلى بيئة أهل المدينة النبوية بخاصة.
وقد قضى ((الإمام مالك)) حياته في المدينة النبوية، متأثراً بما فيها
ومَن فیھا.
ولد ((الإمام مالك)) في عهد الوليد بن عبدالملك، وتوفي في عهد
هارون الرشيد، وشهد ما شهد من دولتي الأمويين والعباسيين، وما كان
بينهما من صراع، وما ثار في المجتمع من ثقافات.
- ٢٧ -

المقدمة
عصر الإمام مالكـ
ومرَّ عليه في حياته الممتدة الكثير؛ فرأى الصراع بين العباسيين
والعلويين، ورأى حركة الخوارج بما فيها من عنف، وشهد الجدال بين
الشيعة وأهل السنة، وبين الخوارج وغيرهم، ولا بد أن يكون لكل هذا
أثر بارز في حياة الإمام مالك.
هذه كلمة موجزة عن عصر الإمام مالك لا سيما في ناحيتيه
السياسية والعلمية، ثم ننتقل بعدها إلى أبرز جوانب شخصية مالك
وأدعاها إلى التحليل والتفصيل.
- ٢٨ -

المقدمة
خصائصه العلمية
خصائصه العلمية
أ - إنّ الإمام مالكاً لم تؤهله معارفه الفقهية وحدها لإمامة المدينة
وإنما اجتمع له بالإضافة إلى ذلك معرفة متميزة في الحديث رواية ودراية،
وإحاطة بقضاء الصحابة المفتين ومن بعدهم من التابعين، ومعرفة بعلوم
عصره في التفسير والسيرة واللغة؛ فلقد قرأ القرآن عرضاً على نافع بن أبي
نعيم أحد القراء السبعة(١).
وأخذ من الزهري التفسير وغريب القرآن والحديث.
أما السنة وأقضية التابعين والصحابة فقد أخذها مع الفقه من
الفقهاء السبعة المعروفين وأئمة الحديث المشهورین.
ب - إن العلوم السابقة يمكن أن توجه عقل العالم إلى أن تصنع منه
علامة بها أحيانًا، ولكن تعاملها الخاص مع العقلية العلمية وتعامل العالم
معها في سبيل اجتهادي تجمع بين تحمل النص وفهمه ومجالات تطبيقه في
المواقع المناسبة تنقل العالم إلى مستوى الإمامة الحقة، ويساعد على هذا
تفوق تلك القدرات الذاتية الفطرية من سرعة الحفظ ونمو الذكاء، والقدرة
العقلية على الفهم والاستنباط التي تدفع العالم إلى توظيف هذه القدرات
في حل المشاكل الواقعة، وإيجاد حلول عملية لحاجات الناس تتلاءم مع
الإسلام.
ويتبع هذا قدرات مكتسبة من الحرص على العلم وملازمة
(١) الذهبي في ((السير)) (٨/ ٨٥ و٩٩).
- ٢٩ -

خصائصه العلمية
المقدمة
العلماء، واختيار مصادر العلم وتنوعها، وتميز البيئة العلمية الخاصة
والعامة، وذلك حين توضع في خدمة تلك القدرات الفطرية لتستفيد منها
في أدق فهم وأعمق نظر وأوسع مدی.
ج- إن الإمام مالكاً رُزق قدرات فطرية نامية. ففي الحفظ أعطي
سرعة وضبطًا.
ومن القدرات المكتسبة أن مالكاً كان يتحين انصراف الطلاب عن
أساتذتهم ليتفرغوا إليه، فيأتي نافعاً في رابعة النهار ليأخذ عنه السنة
وقضاء عمر وابنه عبدالله -رضي الله عنهما (١)-، أو يأتي الصبح فلا
يكون عنده أحد وهو واقف في البرد على درج بيته (٢)، ويضع في كمّه
تمرات يعطيها لخادم (ابن هرمز) ليصرف طلابه عنه ويبقى هو معه طول
النهار وشطراً من الليل ويسبق إلى مجلسه(٣).
د- إن الطالب في عصر مالك وبعده يقتبس من معارف شيخه
وأخلاقه معاً، فالشيخ كان يُعَدّ مدرسة علمية وتربوية لتلاميذه فيعرفون
بها ثم تعرف بهم كما أنه يندفع بدوافع الإخلاص والأبوة والمحبة في
الحرص على تعليم طلابه وتأديبهم، وبخاصة حين يجد الشيخ في تلميذه
أمارات التفوق والنبوغ.
(١) ((ترتيب المدارك)) (١/ ١٢٠).
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) (٨/ ٩٦).
(٣) ((ترتيب المدارك)) (١ / ١٢١): كنت آتي ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى
الليل، وفي رواية: وكنت أجعل في كفي تمرًا، وأناوله صبيانه وأقول لهم: إن سألكم أحد عن
الشیخ، فقولوا: مشغول.
- ٣٠ -

المقدمة
خصائصه العلمية
ويظهر أن الإمام مالكاً قد اقتبس في أول دراسته من أدب ربيعة بن
عبد الرحمن ومن علمه، فقد كان ربيعة متنوع الأبعاد العلمية، فهو
صاحب سنة يلتزم بها علماً وعملاً، وهو صاحب رأي اشتهر به، وابن
هرمز الذي لازمه مالك سبع سنين أو ثماني سنين ملازمة شَغَلَتْ معظم
يومه وأطلعته على صور من النقاش والرد على أهل الأهواء والبدع،
بالإضافة إلى الصدق والغيرة على مصالح المسلمين.
ومالك هو (العاقل) عند ربيعة، وهو (عالم الناس) عند ابن هرمز،
و(وعاء العلم) عند الزهري.
هـ - إن إدراك المعارف المتنوعة وترتيب العلاقات بينها وتنظيمها
وَفْقَ نسق معين في مصنف مستقل في الحديث والفقه: ((الموطأ)) مؤشر
على وجود طاقة ذهنية خاصة، لا من حيث الأمانةُ العلميةُ ونخل
الأحاديث وإبعاد بعضها كل سنة واختيار أصحها فحسب؛ وإنما هو
إدراك منظم لمنافع الناس في الناحيتين العلمية والعملية، وهو تنظيم يبرز
قدرته على تصنيفه العلوم المتعارَف عليها في عصره؛ كعلوم الحديث،
والتفسير، واللغة، والسير، والفلك، والرد على أهل البدع والأهواء، كما
يتحقق في حلقاته ومجالسه، حيث خصص للحديث مجلساً وللفقه مجلساً
وللرد على المبتدعين مجلساً، ولدرس الخلاف مجلساً، ولكل مجلس منها
طلابه الذين يكثرون ويقلون، ويتخصصون في مجلس، أو يجمعونه مع
مجالس أخرى، ولكن من الثابت أن للعلماء والمحدثين مجالسَهم الخاصة
وللعامة مجالسهم العامة. وهو أمر يقدره هو أحياناً، ويُبقي أمر تعيينه
لطلابه أحياناً أخرى؛ فقد يُقبل عليه زمرة من الطلاب، ويرسل مالك
- ٣١ -

خصائصه العلمية
المقدمة
إليهم خادمه ليستعلم عن رغبتهم، فإذا كان جوابهم طلب الحديث؛ تهيَّأ
له بالاغتسال، ولُبس البياض والتَّعَمُّم، والتزام الوقار، ثم خرج إليهم
وحدثهم(١).
وقد رُزق مالك أمرين لم يرزقهما أحد:
أولهما: تطاول العمر على امتداد القرن الثاني للهجرة، قرن الأئمة
الجهابذة مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، منه ثلاثون عاماً
تفرد فيها مالك بإمامة الأمة، ومنه سبعون عاماً أو تقل شيئاً تفرد فيها
بزعامة الفقه بالمدينة والأصقاع كلها تتبعها؛ إلا قلّة في بقعة أو أخرى.
فللمدينة زعامة السنن في كل بلاد الإسلام، يقول أبو الحسن
الدار قطني: لا أعلم رجلاً تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع، وذلك أنه
روى عنه رجلان حديثاً واحداً بين وفاتيهما نحو (١٣٠ سنة): محمد بن
شهاب الزهري مات (سنة ١٢٤)، وأبو حذافة السهمي مات (سنة
٢٥٠)، ورويا عنه حديث ((الفريعة بنت مالك)) في سكنى المعتدة(٢).
ويقول جعفر الفريابي: لا أعلم أحداً روى عنه الأئمة الجُلّة ممن
مات قبله بدهر طويل إلا مالكاً، فيحيى بن سعيد مات قبله بخمس
وثلاثين سنة، وابن جريج بثلاثين، والأوزاعي بعشرين، والثوري بثماني
عشرة، وشعبة بسبع عشرة، وأضاف غيره: وأبو حنيفة بثلاثين، وهشام
بأكثر من ذلك (٣).
(١) ((أدب الإملاء والاستملاء)» للسمعاني (ص ٢٧).
(٢) ((الموطأ)) (٢/ ٥٩١) في الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها حتى تحل.
(٣) ((ترتيب المدارك)) (١/ ١٤٣).
- ٣٢ -

المقدمة
خصائصه العلمية
والأمر الثاني: أن السنين التي راحت تتزاحف نحو التسعين من عمر
مالك كانت امتداداً لقرن سابق كلَّه السنة، وتطبيقها الدقيق. فمالكٌ لم يجئ
على فترة أو انقطاع من العلماء ممن سبقوه ليسلمه بعده، ولم يكن قد
مضى عشر سنوات على توقف ينبوع زكي من ينابيع التيار السني؛ عمر
بن عبدالعزيز، وقد توج عمله وعلمه علمَ الفقهاء السبعة وعملهم؛ إذ
أثبت نجاح جهودهم، وتأثيرهم في القرن الأول الذي نقلوا آثاره إلى
الوجود كله.
وأما ظرف المكان؛ فموافق لظرف الزمان، إن كان هو المكان الذي
صنع فيه الصنيع العظيم نفسه دون أن تطرأ عليه من طوارئ الحدثان إلا
نوادر في العدد والقيمة والأثر، فكان خليقاً أن ينقل الشيء نفسه من
الرجال أنفسهم ومن أبنائهم ومواليهم؛ من أبي بكر، وعمر، وعثمان،
وعلي، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن
مسعود، ومن أبنائهم الفعليين أو العلميين؛ كمدرسة عائشة، وأم سلمة -
رضي الله عنهما-، أو من الأصهار والآل.
وكانت هذه الفيوض العلمية فرصة يدخرها الله - تعالى - لمالك،
فتناهى إليه كل موجات المدينة ليحدث بسلسلة الذهب (مالك عن نافع
عن ابن عمر)، أو بغيرها؛ مثل: (مالك عن الزهري عن سالم عن ابن
عمر)، أو عن (أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة)، أو عن (هشام بن
عروة عن أبيه عن الزبير)، أو (عن عائشة)(١).
ومن الجدير أن نتحدث في:
(١) ((ترتيب المدارك)) (١٤٣/١).
- ٣٣ -

المقدمة
مقوماته العلمية
مقوماته العلمية
تقوم خاصية العلمية على مقومات خارجية تتفاعل مع قدرات
ذاتية، توجّه العالم إلى استيعاب التيارات الفقهية والقضايا العلمية
وانضاجها في نفسيّته، وتمثلها في تفكيره، ثم تشقيق الفروع عنها واستنباط
الأحكام من كلياتها في الاجتهاد المطلق، أو اجتهاد الإمام.
والإمام مالك شهد بإمامته المطلقة آثارُه العلميةُ، وتلاميذه الكثيرون
على الرغم من بطء حركة الترجمة والتأليف، وقلة الكتابة والتدوين،
وعدم توافر الوسائل العلمية الحديثة.
والعلمية التي تمتع بمزاياها الإمام مالك اتخذت مقومات خارجية
وأخرى ذاتية.
- ٣٤ -

المقدمة
مقوماته العلمية
أولاً: المقومات الخارجية:
(أ) إرث البيئة النبوية: وأعني بها: البيئة العلمية الخاصة في أسرته من
أعمام وإخوة وأجداد، كانت لهم مجالاتهم العلمية، ومن أب وأم أعدًّا
لولديهما ما يحتاج إليه من دعم مادي ومعنوي.
ومن بيئة دار الهجرة التي سبق الحديث عنها، وشهد هو نفسه
بخصائصها المكانية والزمانية والعلمية، وأكد ذلك عزلتها السياسية عن
المجتمعات الأخرى، وأنها مهوى أفئدة العلماء والخلفاء والولاة بدوافعهم
المتنوعة، وتجمع أجناس من البشرية مختلفة الأعراق واللغات والخبرات،
معهم تجاراتهم وأنماط سلوكهم الديني والدنيوي.
ومن بيئة العصر الذي عاش فيه والممتد في ثلاث قارات وأكثر، وقد
كان مالك ملتقى علم المشرق البعيد خراسان وما وراء النهر، وعلم
المشرق القريب في العراق والشام ومصر، وعلم المغرب الذي بدأ يأخذ
ويقتبس أكثر مما يعطي، تحدو علماءهم عواطف دينية إلى دار الهجرة
النبوية، وتدفع إلى تطواف ورحلات علمية عرف بها علماؤنا شرقاً
وغرباً.
وما رافق ذلك كله من أنشطة علمية حية معاينة، وما شهدت فيه
بدايات معارف حالية موفقة، وما حفزت إليه همم العلماء في إرساء
نهضة علمية مزدهرة متوقعة.
(ب) كثرة شيوخه: وهي منقبة علمية في عصر الإمام مالك، ونيفه
بعضهم على (٩٠٠) شيخ. وهذا يعني أن تلقي العلم عن هذه الجمهرة
- ٣٥ -

المقدمة
مقوماته العلمية
العريضة مشافهة وكتابة يدل على قدرة محيطة بعلومهم، وبخاصة من لزمه
منهم مدة طويلة، وقدرة على استيعاب طرائق المنهج العلمي،
واختصاصاتهم العلمية العامة والخاصة، واختيار نوعية العلماء الذين
يتصفون بالعلمية ويمارسون وسائلها بضبط وإتقان. فقد أثر عنه قوله: ((إن
هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون عنه، لقد أدركت سبعين ممن يقول:
قال رسول اللَّه وج ليل عند هذه الأساطين -وأشار إلى المسجد-، فما أخذت
عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيتٍ؛ لكان أميناً، إلا أنهم لم
يكونوا من أهل هذا الشأن))(١).
ويظهر أن شيوخه الذين كان تأثره بهم عميقاً ومتنوعاً هم:
ربيعة بن أبي عبدالرحمن (ت ١٣٦)، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج
(ت١١٧)، ونافع المدني (ت ١١٧)، ومحمد بن مسلم، ابن شهاب
الزهري (ت ١٢٤)، وجعفر بن محمد الصادق (ت ١٤٨)، ومحمد بن
المنكدر (ت ١٣٠) وغيرهم.
(١) ((الترتيب)) (١ / ١٣٣).
- ٣٦ -

المقدمة
مقوماته العلمية
ثانياً: المقومات الذاتية:
علمت عناية الإمام مالك بالأثر وحفظه الذكي، في مجلس واحد أو
في مجالس متعددة، ولكن الذاكرة التي كان يعتمد عليها هو وأمثاله من
حفاظ الحديث لم تكن الوسيلة الوحيدة في التعامل مع العلم وأخذه من
أفواه المحدثین.
فقد كانت كتابة النصوص طريقاً آخر لنشر العلم، وتدوين الآثار
على الألواح وسيلةً مستعملة منذ عصر الرسول - عليه الصلاة
والسلام- لدى الصحابة الذين كانوا يُتقنون الكتابة، وهم قادرون على
تمييز القرآن من الحديث، وبقي الأمر كذلك حتى عصر مالك الذي شاع
فيه أمر الكتابة، وكان (مالك) من المجيزين له والمنفذّين، بيد أن القوى
المعنوية الذاتية الأخرى كانت لها آثارها في إمامة مالك ومنها (الفقه).
فالفقيه يستند إلى النصوص الصحيحة التي يستنبط منها أحكام
الإسلام، وإذا كانت النصوص محدودة والقضايا غير محدودة؛ فلا بد
للفقيه المجتهد أن يتعمق في معرفة حِكَم التشريع ودلائل النص وإشارته
ومفهوم مخالفته؛ ليكون قادراً على القياس والاجتهاد والمصالح المرسلة
التي هي حصيلة إعمال العقل وشحذه في مواجهة الأحداث المتطورة
والأمور المستجدة، وعرضها على الإسلام نصاً وروحاً .. والتفكير يعين
الفقيه على فهم النصوص، ويوجه إلى حسن تطبيقها، ويفرق بين
النصوص المتشابهة وغير المتشابهة، ويحمل الأحداث عليها إن كانت
قابلة للحمل، مدركاً مقاصد الشريعة في رفع الحرج وإزالة الضرر
- ٣٧ -

المقدمة
مقوماته العلمية
والتيسير على الناس، والتنزه عن أغراضه الخاصة؛ وهو أصل في
الاستنباط، ومقوم ذاتي لا غنى عنه في توالي العصور وتجدد الأحداث،
وهو من المبادئ التي حض عليها الإسلام في كل مكان وزمان.
ولكن؛ هل يترك إمام في الإسلام نصاً صريحاً إلى رأي أو قياس؟
وهل ينزع إلى اتخاذ الرأي النظري أو الجدلي ويدع الأمور العملية في حياة
الناس؟ وما هو موقف الإمام مالك من الأخذ بالرأي؟ وما منهج تفكيره
عموماً؟ وما الغاية من تفكيره وإعمال رأیه؟
فمالكٌ فقيه متصدر لوضع حلول عملية لتصرفات الناس في
حياتهم، فالفكرة الواضحة عن منهج تفكيره تُلقي أضواء لا بد منها
لفهم تدبيره التشريعي، وبقدر ما لهذا التدبير التشريعي من عمق وأصالة؛
يكون التقدير الصحيح له، كما أن المعرفة الصحيحة لمنهج تفكيره
وأصول تقديره هي وحدها التي تُعين على إدراك أصول تشريعه وأسس
تدبيره المنظم للحياة.
فهو يتحدث عن النظر العقلي، ويقول لمن سأله: انصرف حتى
أنظرَ فيها، فيتردد كثيراً .. على أن هذه العقلية ليس تفكيرها في التفكير
القائم على النظر وترتيب المقدمات والاتكاء على المنطق، بل هي مجرد
إعمال العقل طلباً للحقيقة وتقديراً للخطأ والصواب بالمعنى العام.
فيكون من ذلك رأيٌ ليس هو الرأي المنطقي القياسي الذي عُرف
لمدرسة الرأي الحنفية في العراق، وهذا الرأي بمعناه العام هو الذي
يستعمله مالك كثيراً في قوله وتأليفه، حينما نسمع مثل قوله: ((إنما أنا
بشر، أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي: فكلٌّ ما وافق الكتاب والسنة؛
- ٣٨ -

المقدمة
مقوماته العلمية
فخذوا به، وما خالف فاتركوه))؛ فهو الرأي بمعنى: مطلق الفهم، وهو
غير القياسي الخاص.
فأما العلم الذي يؤثره؛ فهو العلم النقلي، إذ يقول: ((ما قَلَّتِ الآثار
في قوم؛ إلا ظهر فيهم الأهواء))، وهو يلعن أصحاب التفكير المنطقي
الفلسفي في شخص (عمرو بن عبيد) شيخ المعتزلة.
وأما الغاية مما يسميه هو تفكيراً؛ فهي الفائدة العملية، إذ يقول: ((لا
أحبُّ الكلام إلا فیما کان تحته عمل)).
وكل ذلك يرجّح في جلاء أن مالكاً حينما يقول بإمكان المعرفة
يرتاح إلى أن مصدرها الأول والأكبر هو: الوحي، وأن طريق التعليم
الأوثق والأجدى هو تعليم الله -سبحانه -.
وليس من شك أن القدرة على التوفيق بين الحاجات العملية
ومصالح الناس وبين النصوص الشرعية يتطلب قدرة ذاتية خاصة في
تفهم النص وأبعاده المعنوية وحكمته، وكذلك تفهم المشاكل الواقعية،
والتعامل العملي وما يجوز منه وما لا يجوز، وما يمكن تصنيفه في الحلال،
وما يمكن تصنيفه في الحرام.
وكانت هذه المنازع -وما تزال- تُلِحُّ على العلماء أن يخرِّجوا
أعمال الناس وَفْقَ الشريعة، حين اتسعت الفتوحات الإسلامية والتقت
أجناس وحضارات متعددة تحت لواء الإسلام، والتزام أكثرهم بالإسلام
ديناً ومنهج حياة.
ومن غير ريب أن الإمام مالك الذي كان يتتبع خطى المسلمين
- ٣٩ -

المقدمة
مقوماته العلمية
وفتوحاتهم ويعاين أحوالهم بلقائه مع علمائهم وعامتهم، ذلك كله
بعقله، حاول أن يجد لذلك إجابات إسلامية تضع في حسبانها إبراز القيم
والمبادئ الإسلامية، وصرف لذلك كله حياته؛ لم يعرف فيها مداخلة
بالسياسة ولا مشاركة في الجيوش، ولا رحلة خارج الحجاز والمدينة
بصورة خاصة.
- ٤٠ -