Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
رد القول بانه لم يفرض صوم قبل رمضان
فى الجاهلية ، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك
عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. رواه البخارى وسيأتى للمصنف فى ((باب فى صوم
عاشوراء ، وعن ابن عمر قال: صام النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عاشوراء وأمر بصيامه،
فلما فرض رمضان ترك . رواه البخارى ، وفى الدر المنشور عن قتادة علم الله أنكم كنتم تختانون
أنفسكم، وكان هذا قبل صوم رمضان ، أمروا بصيام ثلاثة أيام . من كل شهر من كل عشرة
أيام يوما، وأمروا بركعتين غدوة وركعتين عشية ، وكان هذا بدء الصلاة والصوم ، فكانوا
فى صومهم هذا وبعد مافرض الله عليهم رمضان إذا رقدوا لم يمسوا النساء والطعام إلى مثلها
من القابلة ، وكان أناس من المسلمين يصيبون من النساء والطعام بعد رقادهم ، وكانت تلك خيانة
القوم أنفسهم ، ثم أحل الله لهم ذلك الطعام والشراب وغشيان النساء إلى طلوع الفجر
﴿ص﴾ حَدّثَنَا أَحْدُ بْنُ عَمَدِّ بْنِ شَبُوبَةَ حَدَّثَى عَلىّبْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَقِدٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ
يَزِيدَ الْنَحْوِىُّ عَنْ عِكْرِمَ عَنِ أَبْنِ عَبٍَّ ◌َُهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَ كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكْ، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ اللَّيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلََّ
إذَا صَلَّوا الْعَمَةَ حُرُمَ عَلَيْهُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ ، فَاخْتَانَ رَجُلٌ
تَفْسَهُ ◌َامَعَ أْرَأْتُهُ وَقَدْ صَلَى الْعِشَاءَ وَلْ يُفْطِرْ، فَأَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَحْمَلَ ذلكَ يُسْرَا
لَّنْ بَقَ وَرُخْصَةٌ وَمَنْفَعَةً فَقَالَ سُبْحَانَهُ «عَلَ اللهُ أَنْكُمْ كُنْ تَخْتَنُونَ أَنْفُسَكُمْ)) وَكَانَهَذَا
يَمَّا تَفَعَ اللهُ بِهِ النَّاسَ وَرَخْصَ لَهُمْ وَيَسْرَ
(ش) يشير المصنف بذكرهذا الحديث إلى ترجيح القول بأن مبدأ فرض الصيام رمضان بهذه
الآية، وكذا أشار البخارى بها إلى ذلك، واستدل أيضا بحديث طلحة بن عبيد الله وفيه أن أعرابيا
قال للنبي صلى الله عليه وآ له وسلم: أخبرنى بما فرض الله علىّ من الصيام. فقال شهر رمضان إلا أن
تطوع. لكنه لا يدل على أنه لم يفرض صيام قبل رمضان لما تقدم من الأدلة الدالة على أن صوم
عاشوراء كان فرضاثم نسخ، ولحديث سلمة بن الأكوع قال أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا
من أسلم أن أذن فى الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه . ومن لم يكن أكل فليصم ، فإن اليوم
يوم عاشوراء. رواه البخارى. ولذا قال فى الفتح: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا

٢٢
الصوم غير خاص بهذه الأمة ، بيان التشبيه فى آية كتب عليكم الصيام
لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من
أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات ألا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت فى
مسلم (ولما فرض رمضان ترك عاشوراء، مع العلم بأنه ماترك استحبابه بل هو باق فدل على أن
المتروك وجوبه، وأماقول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقى مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه
بل تأكد استحبابه باق لاستمرار اهتمامه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بصومه ولترغيبه
فيه وأنه يكفر سنة، وأى تأكيد أبلغ من هذا اه (قوله يأيها الذين آمنوا كتب عليكم
الصيام الخ﴾ أى فرضه الله عليكم كما فرضه على الأمم الذين من قبلكم من لدن آدم إلى عهدكم،
فالصوم عبادة قديمة فرضها الله تعالى على جميع الأمم ، وهو شاق على النفوس، والشاق إذا عم
سهل. والتشبيه فى أصل الوجوب لا فى القدر والوقت والكيفية ، فقد كان الصوم على آدم
الأيام البيض ، وعلى موسى عاشوراء. وقيل إن التشبيه فى القدر والوقت أيضا ، فقد كان صوم
رمضان واجبا على النصارى كما فرض علينا، وربما وقع فى الحر الشديد فكان يشق عليهم فى
أسفارهم ومعاشهم فاجتمع رأى علمائهم على أن يجعلوه فى فصل معتدل من السنة بين الصيف
والشتاء، فجعلوه فى فصل الربيع، وزادوا عشرين يوما كفارة لما صنعوافكانوا يصومون خمسين
يوما ، فقد أخرج الطبرى فى التفسير بسنده إلى الشعبى أنه قال : لو صمت السنة كلها لأفطرت
اليوم الذى يشك فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم
شهر رمضان كما فرض علينا نحولوه إلى الفصل ((يعنى فصل الربيع)) وذلك أنهم كانوا ربما صاموه
فى القيظ يعدون ثلاثين يوما ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالثقة من أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما
وبعدها يوما ، ثم لم يزل الآخر يستن سنة القرن الذى قبله حتى صارت إلى خمسين ، فذلك قوله
( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، وأخرج أيضا بسنده إلى السدّى قال ((يأيها
الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، أما الذين من قبلنا فالنصارى
كتب عليهم رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء شهر
رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان وجعل يقلب عليهم فى الشتاء والصيف، فلما رأواذلك
اجتمعوا جعلوا الصيام فى الفصل بين الشتاء والصيف ، وقالوا نزيد عشرين يوما نكفر بها ماصنعنا
فجعلوا صيامهم خمسين ، فلم تزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر
أبى قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان ، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع (قوله
فكان الناس على عهد النبي إذا صلوا العتمة الخ﴾ وفى نسخة وكان الناس الخ أى كانوا على عهد
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى بدء الاسلام إذا صلوا العشاء الآخرة حرم
عليهم الطعام والشراب والنساء بقية الليل واليوم كله إلى غروب الشمس من الليلة القابلة، ثم

٢٣
التشديد فى الصيام أولا وسبب التخفيف فيه
يحل لهم ماذكر إلى صلاة العشاء ﴿قوله فاختان رجل نفسه الخ) أى خان نفسه وجامع امرأته
بعد صلاة العشاء واستمر على صومه ولم يفطر. وذلك الرجل هو عمر بن الخطاب رضى الله
عنه كما جاء فى رواية ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن
أبيه قال: كان الناس فى رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء
حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة وقد
سمر عنده فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت ، قال مانمت ، فوقع عليها ، وصنع كعب بن مالك مثل
ذلك فغدا عمر إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى ((علم الله أنكم
كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ، الآية، وقد تقدم للمصنف فى ((باب الأذان)) وفيه
بفجاء عمر فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت فظن أنها تعتل فأناما (الحديث) (قوله فأراد الله عز
وجل أن يجعل ذلك يسرا الخ) وفى نسخة فأراد الله سبحانه، أى جعل الله فعل ذلك الرجل
سببا للتسهيل لمن بقى من الناس ومنفعة لهم فأنزل قوله تعالى ((علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم،
الآية أى تخونونها بالجماع فى الوقت الذى لا يحل لكم فيه الجماع من الليل وكان هذا الترخيص
مما نفع الله به المسلمين
﴿فقه الحديث) دل الحديث على أن الصيام من الشرائع القديمة. وعلى أنه فى بدء الإسلام
كان من العتمة إلى الغروب ثم خفف الله عن الأمة وأكرمها بإباحة الطعام والشراب وإتيان
النساء طول الليل إلى الفجر
﴿ص﴾ حَدَّثَ نَصْرُ بْنُ عَلَى بْنِ نَصْرِ الْجَهْضَِىُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ أَنَا إِسْرَاءِيُ عَنْ أَبِى إِشْحَاقَ
عَنْ الْبَاء قَالَ: كَانَ الَّّجُلُ إِذَا صَامَ فَنَامَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى مِثْلِهَا، وَإِنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسِ الْأَنْصَارِىِّ
أَنَى أَمْرَأَتَهُ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ عنْدَكُ شَىْءٌ ؟ قَالَتْ لَاَ لَعَلَّى أَذْهَبُ فَأَطْلُبُ لَكَ، فَذَهَبَتْ
وَغَلَّهُ عَيْهُ بَجَاءَتْ فَقَالَتْ خَيَْةٌ لَكَ، فَلَمْ يَنْتَصِفِ الْهَارُ خَّ غُشَِ عَلَيْهِ وَكَانَ يَعْمَلُ يَوْمَّهُ
فِى أَرْضِهِ، فَذُ كِرَ ذلِكَ لِ صَلّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ قَتْ ((أُحِلْ لَكٌلَيْلَةَ
الصِّيَامِ الّقَكُ إِلَى نِسَائِكٌ» قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ مِنَ الْفَجْر
﴿ش﴾ ﴿أبو أحمد) محمد بن عبد الله الزبيرى. و﴿إِسراءيل) بن يونس. و﴿أبو إسحاق)
عمرو بن عبد الله السبيعى (قوله كان الرجل إذا صام الخ) أى كان الشخص من أصحاب

بيان ماقيل فى اسم قيس بن صرمة والصواب فيه
النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا صام رمضان وجاء وقت الإفطار حل له الطعام
والشراب وإتيان النساء مالم ينم، فإذا نام حرم عليه ذلك بقية ليله ويومه حتى تغرب الشمس ،
ففى رواية النسائى من طريق زهير عن أبى إسحاق عن البراء أن أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشى
لم يحل له أن يأكل شيئا ولا يشرب ليلته ويومه من الغد حتى تغرب الشمس . وفى رواية
ابن حبان من طريق زكريا بن أبى زائدة عن أبى إسحاق عن البراء قال : كان المسلمون إذا أفطروا
يأكلون ويشربون ويأتون النساء مالم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها .. وفى
رواية الطبرى من حديث معاذ قال: كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا
ناموا تركوا الطعام والشراب وإتيان النساءاهـ فدات روايات حديث البراء ومعاذ على أن
المنع من ذلك كان بالنوم سواء أكان قبل العشاء أم بعدها ، أما تقييده فى حديث ابن عباس
السابق بصلاة العشاء فلا ينافى ذلك، لاحتمال أن يكون ذكر صلاة العشاء بالنظر للغالب من
أن النوم يكون بعدها ، والمعتبر فى المنع إنما هو النوم كما فى سائر الأحاديث ﴿قوله وإن صرمة
ابن قيس) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء، وبفتح القاف وسكون المثناة التحتية هو هكذا
فى رواية المصنف . ولأبى نعيم فى المعرفة من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس مثله
قال: وكذا رواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس . وقال أبو نعيم فى كتاب الصحابة
صرمة بن أبى أنس ، وقيل ابن قيس الأنصارى يكنى أبا قيس كان شاعرا نزلت فيه ((وكلوا
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ورواه حماد بن سلمة عن
محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان ((بفتح الحاء المهملة)) صرمة بن قيس اهو فى أسباب النزول
للواحدى عن القاسم بن محمد أن عمررضى الله عنه جاء إلى امرأته، فقالت قد نمت ، فوقع عليها وأمسى
صرمة بن قيس صائما فنام قبل أن يفطر الحديث، وما ذكرهو الصواب . قال ابن عبد البرصرمة
ابن أبى أنس قيس بن مالك بن عدى البخارى ، وقال بعضهم صرمة بن مالك نسبة إلى جده اهـ
أما ما فى رواية البخارى والترمذى وغيرهما من أنه قيس بن صرمة فقلوب . وما فى النسائى من
أنه قيس بن عمر فغلط فى اسمه واسم أبيه . وما تقدم عن الطبرى من رواية السدى من أنه
أبو قيس بن صرمة فهو صواب فى الكنية خطأ فى اسم أبيه، وكأنه أراد أن يقول أبو قيس
صرمة فزاد فيه ابن . وما فى ابن الأثير من حديث قيس بن سعد عن عطاء عن أبى هريرة نام
ضمرة بن أنس الأنصارى فهو تصحيف والصواب صرمة بن أبى أنس (قوله عندك شئ إلخ)
بكسر الكاف وهو على تقدير همزة الاستفهام أى أعندك كما صرح به فى رواية البخارى .
وظاهره أنه لم يحضر معه شيئا، لكن فى رواية الطبرى من حديث السدى أنه أتى أهله بتمر فقال
لامر أته استبدلى بهذا التمر طحينا فاجعليه سخينا لعلى أن آ كله فإن التمر قد أحرق جوفى. وروى

٢٥
سبب نزول آية ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم،
أيضا من طريق ابن أبى ليلى: أن صرمة بن مالك قال لأهله أطعمونى، فقالت حتى أجعل لك شيئا
سخنا فغلبته عينه فنام . ولا تنافى بين هذه الروايات لإ مكان الجمع بينها، فيحتمل أن يكون أحضر
معه تمرا وطلب منها طعاما غيره، فلما أخبرته بأنه ليس عندها غيره أمرها أن تستبدل التمر بدقيق
وتجعله سخينة ﴿ قوله فأطلب لك) وفى نسخة فأطلب لك شيئا ( قوله فقالت خيبة لك ) أى
حرمانالك يقال : خاب خيبة إذا لم يظفر بما طلبه، وهو منصوب على المفعولية المطلقة حذف عامله
وجوبا (قوله فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه) أى أغنى عليه فلم يستطع الحركة . وفى رواية
البخارى والترمذى ((فلما انتصف النهار غشى عليه)) وفى رواية أحمد «فأصبح صائما فلما انتصف النهار
غشى عليه ، وفى رواية النسائى ((فلم يطعم شيئا وبات وأصبح صائما حتى انتصف النهار فغشى
عليه)) (قوله وكان يعمل يومه فى أرضه) وفى رواية الطبرى (وكان يعمل فى حيطان المدينة
بالأجر، ولا تنافى بينهما ، لأن الاضافة فى قوله فى أرضه للاختصاص لا للملك ، أو أن الاضافة
فيه لأدنى ملابسة (قوله فذكر ذلك للنبي) وفى نسخة فذكرت ذلك للنبي (قوله أحل لكم
ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ أى أبيح لكم الجماع فى ليلة الصيام من الغروب إلى طلوع
الفجر . وفى رواية البخارى فنزلت ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، ففرحوا بها
فرحا شديدا ، ونزلت وكلوا واشربوا الخ. قال الحافظ كذا فى هذه الرواية ، وشرح الكرمانى
على ظاهرها . فقال: لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالا بعد أن كان حراما كان الأكل
والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة . هذا وجه مطابقة ذلك
لقصة أبى قيس . قال ثم لما كان حلهما بطريق المفهوم ، نزل بعد ذلك وكلوا واشربوا ليعلم
بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحا. ثم قال أو المراد من الآية هى بتمامها (قلت) وهذا هو المعتمد
وبه جزم السهيلى وقال: إن الآية بتمامها نزلت فى الأمرين معا وقدم ما يتعاق بعمر لفضله (قلت)
وقد وقع فى رواية أبى داود فنزلت ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى قوله من الفجر، فهذا يبين
أن محل قوله ((ففرحوا بها، بعد قوله (( الخيط الأسود، ووقع ذلك صريحا فى رواية زكريا بن
أبى زائدة ولفظه: فنزلت أحل لكم إلى قوله من الفجر ففرح المسلمون بذلك اه (قوله قرأ إلى
قوله من الفجر) أى قال أبو إسحاق قرأ البراء بن عازب الآية إلى قوله من الفجر، وظاهر هذه
الرواية أن الآية بتمامها نزلت فى قصة صرمة فقط، لكنها نزلت فيه وفى غيره، ومنهم عمر لما
واقع امرأته كمامر فى رواية ابن جرير الطبرى عن السدّى، وفى رواية له عنه أيضا قال: كتب
على النصارى رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء
شهر رمضان، فكتب على المؤمنين كما كتب عليهم فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع
النصارى حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة وكان يعمل فى حيطان المدينة
(م ٤ - المنهل العذب المورود - ج ١٠)

٢٦
نسخ آية «وعلى الذين يطيقونه فدية ،
بالأجر فأنى أهله بتمر فقال لامر أته استبدلى بهذا التمر طحينا فاجعليه سخينة لعلى أن آ كله فإن
التمر قد أ حرق جوفى، فانطلقت فاستبدلت له ثم صنعت فأبطأت عليه فنام فأيقظته، فكره أن يعصى
الله ورسوله وأبى أن يأكل وأصبح صائما، فرآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
بالعشى فقال مالك ياأبا قيس أمسيت طليحا ؟ ( أى ٠هزولا ) فقص عليه القصة . وكان عمر بن
الخطاب وقع على جارية له فى ناس من المؤمنين لم يملكوا أنفسهم ، فلما سمع عمر كلام أبى قيس
رهب أن ينزل فى أبى قيس شىء فتذكر هو فقام فاعتذر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم فقال: يارسول الله إنى أعوذ بالله إنى وقعت على جاريتى ولم أملك نفسى البارحة. فلما
تكلم عمر تكلم أولئك الناس ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كنت جديراً بذلك يابن
الخطاب، ففسخ ذلك عنهم فقال «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم
لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ، يقول إنكم تقعون عليهن خيانة «فتاب عليكم وعفا
عنكم، فالآن باشروهنّ وابتغوا ماكتب الله لكم، يقول جامعوهنّ، ورجع إلى أبى قيس فقال
(((وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)» ( والحديث)
أخرجه أيضاً أحمد والبخارى والنسائى فى الصيام والترمذى فى التفسير وقال حديث حسن صحيح
باب نسخ قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية
أى فى بيان رفع حكم هذه الآية يعنى بالآية التى بعدها : والنسخ لغة الإبطال والإزالة .
وشرعا رفع حكم شرعىّ بدليل آخر. وهو جائز عقلا وواقع شرعا بالإجماع
﴿صح حَدْتَ قَُّةُ بْنُ سَعِدِ نَا بَكُرْ يَعِى أَبْنَ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ
بُكَيْرِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَةَ عَنْ سَلَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَ لَّا نَزَهْ هُذِهِ الآيَةُ « وَعَلَى الَّيْنّ
يُطِيقُونَهُ فِيَّةٌ طَعَامُ مِسْكِينِ، كَنَ مَنْ أَرَادَ مَنْا أَنْ يُفْطَرَ وَيَفْتَدَىَ فَعَلَ حَتّى نَزَتِ الْآيَةُ
الََّى بَعْدَهَا فَسَخَتْهَا
﴿ش) (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصارى. و(بكير) مصغرا ابن عبدالله بن الأشج
و﴿يزيد مولى سلمة) هو ابن أبى عبيد (قوله وعلى الذين يطيقونه فدية الخ) فدية مبتدأ مؤخر خبره
الجاروالمجر ورقبله، وطعام بدل من فدية، أى ويجب على الذين يقدرون على الصوم ولا عذر لهم من سفر
ونحوه إن أفطروا أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من برّ أوصاعا من غيره عندالحنفية،
ومدّا عند الجمهور، وذلك أنه لما شق عليهم صوم رمضان رخص لهم بهذه الآية فى الإفطار مع القدرة

٢٧٠
بيان ناسخها
على الصوم، فكان من شاء صامه ومن شاء أفطر وافتدى حتى نسخ ذلك بقوله ((فمن شهد منكم
الشهر فليصمه)) وهى المرادة بقول المصنف حتى نزلت الآية التى بعدها فنسختها ، فقد أخرج
الطبرى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة قال حدثنا أصحابنا ((وفى رواية قال سمعت ابن أبى ليلى، أن
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم عليهم ((المدينة) أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر
تطوعاغير فريضة ، ثم نزل صيام رمضان ، وكانواقو مالم يتعودوا الصيام وكان يشتد عليهم الصوم ،
فكان من لم يصم أطعم مسكيناً، ثم نزلت هذه الآية ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً
أو على سفر فعدة من أيام أخر ، فكانت الرخصة للمريض والمسافر وأمرنا بالصيام. وتقدم
نحوه للمصنف فى ((باب الأذان)) من حديث طويل عن معاذ. وقيل إن الناسخ قوله تعالى ((وأن
تصوموا خير لكم)) لما أخرجه البيهقى من حديث ابن أبى ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله
عليه وعلى آله وسلم قالما أحيل الصوم على ثلاثة أحوال قدم الناس المدينة ولا عهد لهم بالصيام،
فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل شهر رمضان فاستكثروا ذلك وشق عليهم ،
فكان من أطعم مسكيناً كل يوم ترك الصيام من يطيقه ورخص لهم فى ذلك ثم نسخه قوله تعالى
(وأن تصوموا خيرلكم)) فأمروا بالصيام اهـ وفيه نظرلأنه إذا تقررأن الإفطار والإطعام كان
رخصة لزم أن يكون الصيام واجباً، وقوله ((وأن تصوموا خيرلكم، لا يدل على وجوبه بل على أنه
خير من الافتداء، فهو يدل على جواز الافتداء فلا يصلح ناسخا له بل هو منسوخ أيضاً. والحديث
قد اختلف فى إسناده اختلافا كثيرا فلا يصلح للاحتجاج به . وأجاب الكرمانى بما حاصله أن
المراد أن الصوم خير من التطوع بالفدية والتطوع بها كان سنة ، والخير من السنة لا يكون إلا
واجبا ، ولا يخفى بعده وتكلفه، فإن الفدية ليس متطوعا بها وإنما هى من قبيل الواجب المخير فيه
﴿فقه الحديث) دل الحديث على وقوع النسخ فى القرآن. وعلى أن رمضان كان مخيرا فيه
بين الصيام والاقتداء. وعلى أن هذا نسخ بقوله تعالى. فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، فصار
الصيام متعينا على القادر المقيم
﴿ والحديث) أخرجه أيضا مسلم والنسائى والحاكم والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب
وأخرجه البخارى معلقا فى الصيام وموصولا فى التفسير ، وأخرجه ابن جرير الطبرى فى تفسيره
﴿صِ﴾ حَدََّ أَحْدُ بْنُ مَّ نَ علىّ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ يَزِيدَ النّحْوِىِّ عَنْ عِكْرِمَةً
عَنْ أَبْنِ عَبَّاسِ ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينِ، فَكَانَ مَنْ شَاءَمِنْهُمْ أَنْ يَقْتَدِىّ
يَطَامٍ مِسْكِين أُقْتَدَى وَتََّهُ صَوْمُهُ فَقَالَ (( فَنْ تَطَوِّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، ((وَأَنْ تَصُومُوا

٢٨ التدرج فى فرض الصيام: هل ابن عباس يقول بنسخ ((وعلى الذين يطيقونه فدية))؟
خَيْرٌ لَكْ)) وَقَالَ ((فَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرَ فَعَدَّةٌ مِنْ
أَّمِ أُخَرَ ،
﴿ش﴾ ﴿أبو علىّ) حسين بن واقد. تقدم بالسادس صفحة ٢٧٣ (قوله وتم له صومه)
أى أعطى أجر الصيام كاملا وإن كان مفطرا (قوله فقال فمن تطوع خيرا الخ) أى بأن أطعم
مسكينين أو أكثر عن كل يوم أو أطعم المسكين أكثر من القدر الواجب أو صام مع الفدية
فهذا التطوع أكثر ثوابا (قوله وأن تصوموا خير لكم) أى صومكم أيها المطيقون متحماين
مشاق الصيام خير لكم من الافطار والفدية ، ويجوز أن يكون الخطاب شاملا للمريض
والمسافر عند من يرى أن الصوم لهما أفضل ، فقد رغبهم الله تعالى فى الصوم ليعتادوه ﴿قوله فمن
شهد منكم الشهر الخ) أى من كان حاضرا مقيما غير مسافر وعلم بدخول الشهر فليصم، ومن كان
مريضا مرضا يشق معه الصوم أو كان مسافرا سفر قصر فأفطر فعليه صوم عدّة ما أفطر من
أيام أخر غير أيام شهر رمضان (وفى الحديث ) دلالة على أن الله تعالى لما فرض صيام
رمضان على الأمة وشق عليهم لكونهم لم يعتادوه، خيرهم بين الفدية والصيام تسهيلا عليهم ثم
رغبهم فى الصيام بقوله ((وأن تصوموا خير لكم، فلما اعتادوه وألفته نفوسهم أوجب الصيام
على الصحيح المقيم بقوله ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) وبقى الترخيص فى الفطر للمريض
والمسافر. فمن أفطر منهما ثم صح أو أقام لزمه قضاء ما أفطر (وظاهر هذا الحديث) أن ابن عباس
يقول بنسخ قوله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)) ولكن ينافيه مارواه البخارى
عن عطاء سمع ابن عباس يقول: وعلى الذين يطوقونه « بضم المثناة التحتية وفتح الواو المشددة
بالبناء للمفعول)، فدية طعام مسكين قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة
الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا اهـ ويمكن الجمع بين روايتى البخارى
والمصنف بأن قوله فى رواية المصنف يطيقونه (( بضم المثناة التحتية وفتح الطاء المهملة وتشديد
التحتية المفتوحة مبنيا للمفعول، من طيق ((أصله طيوق، لامن أطاق يطيق: يدل عليه ما أخرجه
السيوطى فى الدرّ المنثورقال: أخرج ابن جرير وابن الأنبارى عن ابن عباس أنه قرأ وعلى الذين
يطيقونه قال يكلفونه . أو أن المراد بقول ابن عباس فى رواية البخارى ليست بمنسوخة يعنى فى
حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة ، فأما فى حق غيرهم فهى منسوخة. يؤيده ماذكره السيوطى
فى الدرّ المنثور: أخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية ((وعلى
الذين يطيقونه، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم نزلت هذه الآية ,فمن شهد
منكم الشهر فليصمه، فنسخت الأولى إلا الفانى إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر اهـ

٢٩
المذاهب فيما يلزم الحامل والمرضع إذا شق عليهما الصوم
(وفى سند حديث المصنف) على بن الحسين وقد ضعفه بعضهم
-. 00
باب من قال هى مثبتة للشيخ والحبلى .
-
أى فى بيان من قال إن آية ((وعلى الذين يطيقونه فدية)) ثابتة فى حق الشيخ الكبير والحبلى
وليست منسوخة
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنَ اسَمَا عيلَ نَا أَبَانُ نَاقَتَادَةُ أَنْ عَكْرِمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبْنَ عَّبَاسِ قَالَ
أُنْتَتْ لْلُحْبَى وَالْمَرْضِعِ
﴿ش﴾ ﴿أبان) بن يزيد العطار. و (قتادة) بن دعامة. ﴿قوله أثبتت للحبلى والمرضع)
يعنى بقيت آية ((وعلى الذين يطيقونه)) فى حقهما ولم تنسخ، وذلك أنهما وإن كانا يطيقان
الصوم ، رخص لهما فى الفطر إذا خافتا على ولدهما وعليهما الفدية بلا قضاء . وهو مذهب
ابن عباس وعكرمة وقتادة وابن عمر ، فقد أخرج ابن جرير الطبرى من حديث سعيد بن جبير
عن ابن عباس قال : إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها فى رمضان يفطران ويطعمان
مكان كل يوم مسكيناولا يقضيان صوما . وأخرج عن نافع عن ابن عمر مثل قول ابن عباس . وقال
أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور: يباح الفطر للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما وعليهما
القضاء عند القدرة ، ولافدية عليهما . لأنهما أفطرتالعذر كالمريض وليس عليه إلا القضاء لقوله
تعالى ((ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)). ووافقهم مالك فى الحامل. وقال فى المرضع
إذا خافت على ولدها أو نفسها ولم تجد أجرة ترضعه بها عليها الفطر و القضاء والفدية لكل يوم
مد. وقال الشافعى وأحمد يباح لهما الفطر وعليهما القضاء فقط إن خافتا على أنفسهما فقط أومع
ولدهما . أما إن خافتا على الولد فقط فعليهما القضاء والفدية لكل يوم مدّ . أما وجوب القضاء
فلأن حالهما لا ينقص عن حال المريض. وأما وجوب الفدية فلأنهما يطيقان الصوم وقد قال
الله تعالى ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين،
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا أَمْن أْخَّ نَا ابْنُ أَبِى عَدىّ عَنْ سَعيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عن سعيد
ابْنِ جَبْرٍ عَنِ آبْنِ عَبَّاسٍ (( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ فِدْيَةٌ طَامُ مِسْكِينِ، قَالَ كَانَتْ رُخْصَةً
للشّيْخِ الْكَبِيرِ وَالمَرْأَةُ الْكِيرَة وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطَرَا وَيُطْعَمَا مَكَانَ كُلّ
يَوْمٍ مِسْكِّ وَالْحَى وَالْمُرْضِعِ إذَا خَفَقَالَأَبُودَاوُدَ يَعْنَى عَلَى أَوْلَادِهَ،أَفْطَرْنَا وَأَطْعَمْتَ

٣٠ بيان قول ابن عباس كانت ((أى وعلى الذين يطيقونه فدية)) رخصة للشيخ الكبير
(ش) (ابن المثنى) محمد. و﴿ابن أبى عدى) محمد بن إبراهيم. و(سعيد) بن أبى عروبة
و﴿عزرة﴾ بن عبد الرحمن بن زرارة (قوله قال كانت رخصة الخ) أى قال ابن عباس كانت
آية وعلى الذين يطيقونه الخ رخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة القادرين على الصوم رخص
لهما أن يفطرا إن شاءا ويطعما لكل يوم مسكينا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى , فمن شهد منكم
الشهر فليصمه )) وثبتت فى حق الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة العاجزين ، وفى حق الحبلى
والمرضع إذا خافتا على أولادهما . ففي رواية المصنف حذف بدليل ما أخرجه الطبرى من طريق
قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة
وهما يطيقان الصوم رخص لهما أن يفطرا إن شاءا ويطعما لكل يوم مسكينا، ثم نسخ ذلك بعد
ذلك . فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)) وثبتت
للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم وللحبلى والمرضع إذا خافتا اه وبهذا
يندفع ماقيل: إن قول ابن عباس ((أى فى رواية المصنف)) بظاهره يخالف الآية. فإنها تدل على
أن المطيقين للصيام إذا أفطروا فعليهم فدية طعام مسكين فلا يدخل فيهم الشيخ الكبير والمرأة
الكبيرة اهـ. أو يقال إن يطيقونه فى الآية بضم المثناة التحتية وفتح الطاء المهملة وتشديد التحتية
المفتوحة مبنياً للمفعول من طيق لامن أطاق كما تقدم فى رواية ابن جرير وابن الأنبارى عن
ابن عباس أنه قرأ ((وعلى الذين يطيقونه، قال يكلفونه، وحيكذ ((يلثم)، فوله كانت رخصة
للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام، أى بالجهد والمشقة ((بالآية)، وتقدم تمام
الكلام فى شرح حديث عكرمة آخر الباب السابق ﴿قوله وهما يطيقان الصبام) هكذا فى جميع
النسخ بدون لا النافية ، فإما أن يقال وهما يطيقان الصوم بالجهد والمشقة، أو إن حرف
((لاء سقط من النساخ، أو مقدر كما قيل فى الآية. يدل لذلك ما رواه السيوطى عن سعيد بن
منصور وعبد بن حميد والبيهقى عن ابن عباس فى الآية قال: كانت مرخصة للشيخ الكبير والمرأة
العجوز وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا ثم نسخت بعد ذلك فقال
الله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) وأثبتت للشيخ الكبير ولعجوز الكبيرة إذا كانا
لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرنا وأطعمتا مكان كل يوم
مسكينا، وما أخرجه الدار قطنى عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس فى قوله تعالى ((وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، واحد ((فمن تطوع خيرا)) فزاد مسكينا آخر ليست
بمنسوخة ((فهو خير له وأن تصوموا خير لكم)) فلا يرخص فى هذا إلا الكبير الذى لا يطيق
الصيام أو مريض يعلم أنه لا يشفى. قال الدار قطنى هذا الإسناد صحيح. وما أخرجه البخارى عن
عطاء أنه سمع ابن عساس رضى الله عنهما يقرأ ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، قال

٣١
جملة ما قيل فى آية ((وعلى الذين يطيقونه فدية))
ابن عباس ليست منسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان
مكان كل يوم مسكينا اهـ (فتلخص) مما تقدم فى أحاديث هذا الباب والذى قبله أن الآية فيها قولان
(أحدهما) أنها كانت رخصة مطلقا فى حق القادر على الصيام وغيره ثم نسخت فى حق من
يطيق الصيام بقوله تعالى ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) وهو قول الجمهور. وقالوا حكم الإطعام
باق فى حق من لم يطق الصيام . وقال جماعة منهم مالك وأبو ثور وداود: إن جميع الإطعام منسوخ
وليس على الكبير إطعام إذا لم يطق الصوم (ثانيهما) أنها خاصة بالشيخ والمرأة الكبيرين اللذين
كانا يطيقان الصيام والحامل والمرضع م نسخت فى حق الشيخ والمرأة الكبيرين اللذين يطيقان
الصيام وبقيت فى الحامل والمرضع. وكذا الشيخ والمرأة اللذين لا يطيقان الصوم. وهو قول
ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال ابن جرير: وقال آخرون لم ينسخ ذلك وهو حكم مثبت من لدن نزات
إلى قيام الساعة. وقالوا إنما تأويل ذلك (وعلى الذين يطيقونه)، فى حال شبابهم وحداثتهم وفى حال صحتهم
وقوتهم إذا مرضوا وكبروا فعجزوا عن الصوم ((فدية طعام مسكين، لا أن القوم كان رخص لهم فى
الإفطار وهم على الصوم قادرون إذا افتدوا اهـ وقال مالك وزيد بن أسلم والزهرى: إن الآية
محكمة نزات فى المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضى حتى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضى
ويطعم عن كل يوم مدا من حنطة، فإن اتصل مرضه برمضان الثانى فليس عليه إطعام بل عليه
القضاء فقط ﴿فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يباح للحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما
أو ولدهما الفطر وعليهما القضاء باتفاق . وفى لزوم الفدية خلاف تقدم بيانه. وعلى أنه يباح
للشيخ الكبير والمرأة العجوز إذا عجزا عن الصوم الفطر وإطعام مسكين عن كل يوم عند أبى حنيفة
نصف صاع من برأو دقيق أوسويق وصاعا من تمر أو شعير أو زبيب أو قيمته إن قدر عليه وإلا
استغفر الله تعالى. وقال مالك لا تجب الفدية بل تستحب وهى عنده وعند الشافعى مدّ من طعام
﴿ والحديث) أخرجه أيضاابن جرير. وكذا البزار وزاد فى آخره وكان ابن عباس يقول لأم
ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذى لا يطيقه فعليك الفداء ولاقضاء عليك وأخرجه البخارى بلفظ تقدم
باب الشهر يكون تسعا وعشرين
﴿ص﴾ حَدَّثَ سُلْمَتُ بْنُ حَرْبٍ نَ شُعَةُ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ فَيْسِ عَنْ سَعِيدٍ بِنْ عَمْرِو
يَعْنِى أَبْنَ سَعِيد بْن الْعَاص ◌َن أَبْن عُمَرَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ أَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلمْ
١٠٠٠١١
إِنّا أمة أميةٌ لَانَكْتُبُ وَلَاَحسب الشَّهْرُ هَكَذَا وَهُكَذَا وَهَكَذَا وَخَسَ سَلْمَانَ أَصْبِعَهُ

٣٢
جواز الاستدلال بالإشارة والعمل بمقتضاها
فى الثَّالَثَة يَعْنِى تَسْعًا وَعِشْرِينَ وَثَلاَئِينَ
﴿ش﴾ ﴿رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج. و﴿سعيد بن عمرو) أبو عثمان
الأموى . روى عن الحكم بن عتيبة وخالد بن سعيد وأبى هريرة وعائشة وغيرهم. وعنه أولاده
خالد وإسحاق وشعبة والأسود بن قيس وجماعة. وثقه أبوزرعة والنسائى وقال أبو حاتم صدوق
وقال الزبير كان من فقهاء الكوفة . روى له البخارى ومسلم والنسائى وأبو داودوابن ماجه
﴿المعنى﴾ ﴿قوله إنا أمة أمية الخ﴾ أى إنا معشر العرب جماعة أمية. أراد أنهم على أصل ولادة
أمهم لم يتعلموا الكتابة ولا الحساب فهم على جبلتهم الأولى. فالأمية نسبة إلى الأم، وقوله لا نكتب
ولا تحسب بضم السين المهملة من باب قتل من الحسب بمعنى الإحصاء. يقال حسبت المال حسبا
أحصيته عددا . وهاتان الجملتان بيان لكونهم أمية . وهذا بالنظر للغالب وإلا فقد كان فيهم من
يكتب ويحسب. وقيل المراد بالحساب حساب النجوم وتسييرها ، وهذا أيضا لم يكونوا يعرفونه
إلا النذر اليسير (قوله الشهر هكذا الخ) وأشار بأصابع يده كلها مرتين وفى الثالثة عقد واحدا
منها وأشار بتسعة كما فى رواية لمسلم من طريق سعد بن عبيدة قال: سمع ابن عمر رجلا يقول الليلة
النصف فقال له وما يدريك أن الليلة النصف ؟ سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم يقول: الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصابعه العشر مرتين وهكذا فى الثالثة وأشار بأصابعه
كلها وحبس أو خفس إبهامه (قوله وخفس سليمان أصبعه الخ) وفى نسخة وحبس. وهو من كلام
أبى داود، أى قبض سلمان بن حرب أصبعه فى المرة الثالثة حين التحديث يعنى بذلك أن الشهر
قد يكون تسعا وعشرين لاأنه يكون دائما كذلك ﴿قوله وثلاثين﴾ هكذا فى أكثر النسخ
وهو تصريح من المصنف باللازم، وقد رواه مسلم والنسائى مرفوعا عن ابن عمر عن النبى صلى اللّه
تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إنا أمة أمية لانحسب ولا نكتب والشهر هكذا وهكذا وهكذا
وعقد الإبهام فى الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا تمام الثلاثين . ففي رواية المصنف
اختصار. وفى نسخة الخطابى إسقاط قوله وثلاثين وهى الأولى. قال الخطابي: قوله الشهر هكذا الخ
يريد أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين، وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون، وإنما احتاج
إلى بيان ما كان يتوهم أن يخفى عليهم، لأن الشهر فى العرف وغالب العادة ثلاثون فوجب أن
يكون البيان فى الحديث مصروفا إلى النادر دون المعروف منه اهـ(وفى الحديث) دلالة على أن
الأحكام تؤخذ من إشارة المشرع لها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما تؤخذمن قوله صريحا
قال الخطابي: وفى الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالاشارة وإعمال دلالة الإيماء كمن قال امرأتى
طالق وأشار بأصابعه الثلاث فإنه يلزمه ثلاث تطليقات على الظاهر من الحال اهـ

٣٣
لزوم الصوم والإفطار لرؤية الهلال
( والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والنسائى، وأخرج ابن ماجه نحوه عن محمد بن
سعد بن أبى وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: الشهر هكذا
وهكذا وهكذا وعقد تسعا وعشرين فى الثالثة
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا سُلِّمَنُ بْنُ دَاوَدَ الْمَكِّنَحمَدْ نَ أَيُّبُ عَنْ نَفَعٍ عَنِ ابْ عُمَرَ قَلَ
قَالَ رَسُولُ الله صَلّى الله تَعَالَى عَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَسَمَّالشّهْرُ تَسْعُ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا
◌َّى تَوْمُوَلَا تُفْطِرُ وا حَتّى تَرَوْهُ، فَنْ عُمْ عَلَيْكُمْفَقْدِرُوا لَهُ. قَالَ فَكَانَ ابْنُ عُمرَ
إِذَا كَانَ شَعْبَنُ تِسْعَا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ غَنْ رُؤِىَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَُ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ
سَابٌ وَلَ قَتَرَةُ أَصْبَحَ مُفْطَرَاءَنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَابٌ أَوْقَرَةُ أَصْبَحَ صَائِمً قَالَ وَكَانَ
أبنُ عُمَ يُفْطُرْ مَعَ الَّاسِ وَلَا يَأْخُذُ بِهِذَا الْحِسَابِ
﴿ش﴾ ﴿حماد) بن زيد. و﴿أيوب) السختيانى ﴿قوله الشهر تسع وعشرون﴾ أى قد
يكون تسعا وعشرين، أو أقله تسع وعشرون، فلا ينافى أنه قد يكون ثلاثين . قال ابن العربى
قوله الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا الخ معناه حصره من جهة أحد طرفيه، أى أنه يكون
تسعا وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا
ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله اهـ
ويؤيده حديث أم سلمة وحديث أنس عند البخارى أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
قال ((إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما)) وإنما اقتصر على هذا نظرا للأغلب لقول ابن مسعود
رضى الله عنه: ماصمنا مع النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا
معه ثلاثين. رواه الترمذى. وسيأتى للمصنف فى الباب بعد (قوله فلا تصوموا حتى تروه الخ)
أى لا تصوموا رمضان حتى تروا هلاله ولا تفطروا حتى تروا هلال شوال ، وليس المراد
تعلبق الصوم والفطر بالرؤية فى حق كل واحد، بل المراد رؤية من يثبت برؤيته الهلال .
وفيه خلاف يأتى بيانه فى ((باب شهادة الواحد على هلال رمضان)) إن شاء الله تعالى. وظاهر
الحديث يدل على إيجاب الصوم لرؤية هلال رمضان وإيجاب الفطر لرؤية هلال شوال متى
ثبتت الرؤية ليلا ، وكذا نهارا قبل الزوال أو بعده، لكن يكون لليوم المقبل، فإذا رؤى الهلال
فى النهار لعارض يعرض فى الجو يقل به ضوء الشمس أو لقوة نظر الرائى فلا يجب صوم ذلك
(م ٥ - المنهل العذب المورود - ج ١٠)

٣٤
الخلاف فى لزوم إكمال شعبان إذا لم ير الهلال ليلة الثلاثين لمائع
اليوم أول الشهر ولا يباح فطره إن كان فى آخره ، وبهذا قال جمهور العلماء، لما روى عن أبى
وائل قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال
نهارا فلا تفطروا حتى تموا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية. أخرجه
الدار قطنى بسندرجاله ثقات. وخانقين بخاء معجمة ونون وقاف مكسورتين بلد بالعراق قريب
من بغداد. وقوله أهلاه يعنى رأياه. وقال أبو يوسف إذا رؤى الهلال قبل زوال يوم الثلاثين لزم
صومه إن كان فى أول الشهر وفطره إن كان فى آخره ﴿قوله فإن غم عليكم فاقدروا له) وفى
نسخة فإذا غم، أى إذا حال بينكم وبين رؤية الهلال سائر من غيام أو غبار («فاقدروا له ، بضم
الدال وكسرها يقال قدرت الشىء إذا قدرته تقديراً أى قدروا له عدد الشه وأكملوا عدته
ثلاثين يوما، لما أخرجه البخارى من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه،
فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، ولحديث أبى هريرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين. وعن ابن عباس أن النبى
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم
عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما، رواهما الدارمى. ولما يأتى فى((باب إذا أغنى الشهر)، وباب ((من
قال إذا أغنى عليكم فصوموا ثلاثين ) وإلى هذا التفسير ذهب جمهور الفقهاء. منهم أبو حنيفة
وأصحابه ومالك والشافعى والأوزاعى والثورى وعامة أهل الحديث إلا أحمد فقال: معنى اقدرواله
ضيقوا له وقدروا أن الهلال تحت السحاب، واحتج بأنه موافق لرأى الصحابى راوى الحديث
فقد قال نافع: فكان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رؤى فذاك
وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولاقتر أصبح مفطرا، وإن حال أصبح صائما. رواه أحمد
وذكر المصنف نحوه . ورد بأن العبرة برواية الراوى لابرأيه، فقد روى عبد الرزاق من طريق
أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فى هلال
رمضان: إذا رأ يتموه فصوموا، ثم إذا رأ يتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوما اهـ
وخير مافسرت بالوارد . قال الخطابى ، وقوله فاقدروا له معناه التقدير له بإكمال العدد ثلاثين
وكان بعض أهل العلم يتأوله على التقدير له بحساب سير القمر فى المنازل والقول الأول أشبه
ألا تراه يقول فى رواية أخرى: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما. وفى رواية فإن غم عليكم
فعدوا له ثلاثين يوما. وعلى هذا قول عامة أهل العلم. ويؤكد ذلك نهيه صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم عن صوم يوم الشك . وكان أحمد يقول إذا لم ير الهلال لتسع وعشرين من شعبان
لعلة فى السماء صام الناس. وإن كان صحوا لم يصوموا اتباعا لمذهب ابن عمراهـ ((ومانقل) عن

٣٥
عدم التعويل فى إثبات الشهور على حساب المنجمين
قوم منهم ابن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين: أن
معناه قدروه بحساب منازل القمر وسيره، فإن ذلك يدل على أن الشهر تسعة وعشرون يوما
أو ثلاثون ((غير مسلم)، قال ابن عبد البرّ لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة فليس هو من
يعرج عليه فى مثل هذا ((وما حكاه)) ابن سريح عن الشافعى أنه قال : من تبين له من جهة
النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصوم ويبيته ويجزئه ورده ابن عبد البرفقال
والذى عندنا فى كتبه (( يعنى الشافعى)) أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية أو شهادة عادلة
أو إكمال شعبان ثلاثين يوما، وهذا مذهب جمهور الفقهاء اهـ وقال ونقل ابن خويز منداد عن
الشافعى مسألة ابن سريج، والمعروف عن الشافعى ما عليه الجمهور ((وما نقل، عن ابن سريج:
أن قوله فاقدروا له خطاب لمن خصه الله بهذا العلم ، وأن قوله فأكملوا العدة خطاب للعامة
((رده ابن العربى)) قال فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس
والقمر وعلى آخرين بحساب العدد وهذا بعيد عن النبلاء اهـ أقول بل هو بعيد عن الصواب
لأن الشارع إنما عاق الصيام على الرؤية أو إكمال العدد، وقال صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم ((إنا أمة أمية لانكتب ولا نحسب)) ولذا قال الرملى فى شرحه على المنهاج عند
قول المصنف (( يجب صوم رمضان بإ كمال شعبان ثلاثين أو رؤية الهلال أو ثبوتها بعدل شهادة)،
شمل قول المصنف ((أو ثبوتها بعدل شهادة)) مالو شهد عدل برؤية الهلال ودل كلام الحسّاب على
عدم إمكان الرؤية فى تلك الليلة وانضم إلى قول الحساب أن القمر غاب الليلة الثالثة من الرؤية
قبل دخول وقت العشاء (( أى على خلاف العادة، لأن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية
وهو كذلك كما أفتى به الوالد اهـ وقال أيضا: وفهممزكلامه (أى المصنف) عدم وجوب الصوم بقول
المنجم بل لا يجوز، نعم له أن يعمل بحسابه ويجزئه عن فرضه على المعتمد، وإن وقع فى المجموع عدم
إجزائه عنه اهـ ويرد قوله: نعم له أن يعمل بحسابه الخ أن قواعد الشرع تأبى ذلك كماقال إمام الحرمين:
اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم النجمين وقواعد الشرع تأبى ذلكاه ولذا كتب الرشيدى
عليه ما نصه، قوله نعم له أن يعمل بحسابه، أى الدال على وجود الشهر وإن دل على عدم إمكان الرؤية كماهو
مصرح به فى كلام والده. وهو فى غاية الإشكال لأن الشارع إنما أوجب علينا الصوم بالرؤية لا بوجود
الشهر، ويلزم عليه أنه إذا دخل الشهر فى أثناء النهار أنه يجب الإمساك من وقت دخوله، ولا أظن
الأصحاب يوافقون على ذلك اه وقوله يجزئه عن فرضه على المعتمد. الذى اعتمده فى شرح
الإرشاد عدم الإجزاء ونصه: ولا يجوز اعتماد قول منجم ولا حاسب وإن عملا بحساب أنفسهما
لم يجزئهما عن فرضهما على المعتمد وإن صوب جمع خلافه اه وقد علمت النص عن الرملى بأن
الشارع ألغى الحساب بالكلية وعزاه إلى والده . وإجماع المجتهدين على ذلك. فالحق ما فى المجموع

٣٦
نصوص الفقهاء على أنه لا يعمل بقول المنجمين فى لزوم الصيام والافطار
ونحوه من عدم الإجزاء موافقة لقول وفعل صاحب الشريعة صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم وأصحابه . وقال البرماوى عند قول المصنف ((أو رؤية هلال)) أى لا بواسطة نحومرآة ولا
عبرة برؤيا نائم له صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قائلا له : إن غدا من رمضان أونحوه من
سائر المرائى لأن النائم لا يضبط وإن كانت الرؤياحقا. ويثبت أيضا بالاجتهاد فى حق الأسير
ونحوه لامطلقا. ولا يجوز اعتماد قول منجم ولا حاسب، نعم لها أن يعملا بحمابهما ويجزئهما عن
فرضهما على المعتمد. ويجب على غيرهما إذااعتقدصدق هما اه وقد علمت ما فى قوله نعم لهم أن يعملا
بحسابهما ((أما قوله)، يجب على غيرهما إذا اعتقد صدقهما ,فمر دود، بقوله فى أول كلامه ((لا يثبت
الشهر إذا رؤى الهلال بواسطة المرآة ونحوها، فإنه لا فرق بين التصديق المرتب على الحساب والتصديق
المرتب على رؤية الهلال بواسطة نحو مرآة بل رؤية الهلال بذلك أقوى. وكذلك إخبار النبى صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شخصافى النوم أن غدا من رمضان، فإنه يقع به فى القلب صدق مادلت
عليه الرؤياصدقا أقوى وأتم من إخبار الحاسب. وروى ابن نافع عن مالك فى الإمام الذى يعتمد
على الحساب لا يقتدى به ولا يقبع اهـ وقال ابن دقيق العيد: الحساب لا يجوز الاعتماد عليه فى
الصيام اهـ وقال النووى فى شرح مسلم قال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم ((فاقدرواله، على أن المراد إ كمال العدة ثلاثين كما فسره فى حديث آخر. قالوا
ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه
إلا أفراد . والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم اهـ وقال ابن المنذر فى الأشراف
صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة . وقد صح
عن أكثر الصحابة والتابعين كراهيته اه فقد أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره فمن فرق
بينهما كان محجوجا بالاجماع قبله. وقال فى الدر المختار : ولا عبرة بقول الموقتين ولو عدولا
على المذهب اهـ وكتب عليه ابن عابدين مانصه: قوله ولا عبرة بقول الموقتين . أى فى وجوب الصوم
على الناس، بل فى المعراج لا يعتبر قولهم بالاجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه. وفى النهر
فلا يلزم بقول الموقتين إن الهلال يكون فى السماء ليلة كذا وإن كانوا عدولا فى الصحيح كما فى الايضاحاهـ
(فتحصل) بماذكر أنه لا يعول على حساب ولا تنجيم لا فى صيام ولا فى إفطار ولو بالنسبة إلى نفس
الحاسب والمنجم، بل لابد فى ذلك من الرؤية أو إكمال العدد ثلاثين يوما كما هو صريح قوله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تقدم وا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم
صوءوالرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا. رواه أحمد والترمذى مرفوعا
من حديث أبى هريرة. ويأتى للمصنف مختصراً فى (باب فيمن يصل شعبان برمضان، خلافالمن زعم أن
الحديث المذكور لا يدل على إناطة ثبوت صحة الصوم والإفطار برؤية الهلال وقال: المقصود العلم أو

٣٧
المذاهب فى صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال
الظن بدخول الشهر وخروجه وغفل عن كون الشارع لم يجعل الحساب ولا التنجيم طريقا معولا
عليه فى حصول العلم أو الظن بدخول الشهر أو خروجه حتى يصح الصيام أو الإفطار حينئذ
ولو كان المقصود من الحديث العلم أو الظن بدخول الشهر أو خروجه كما زعم لقال صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم: صوموا لعلمكم أو ظنكم بدخول الشهر أو خروجه مثلا. وحسبك
فى إبطال العمل بالحساب والتنجيم قوله تعالى (قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب
إلا الله، وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من أتى عرافا أو كاهنا نصدقه بما يقول، فقد
كفر بما أنزل على محمد صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم. رواه أحمد والحاكم. وقال فى روح
البيان فى تفسير قوله تعالى ((ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، مانصه: ومن أحاديث المصابيح
من اقتبس علمامن النجوم اقدس شعبة من السحراهـ (قوله قال فكان ابن عمر الخ﴾ أى
قال نافع كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما بعث من ينظر الهلال،
((فقد كف بصره أخيراً،، فإن ثبتت رؤيته أصبح صائما، وإن لم تثبت ولم يمنع من ذلك غيم
ولا قترة ((بفتحتين أى غبار)) أصبح مفطراً، وإن منع من رؤية الهلال سحاب أو غبار أصبح صائما
لاحتمال أن الهلال مستور تحت السحاب أو الغبار. ووافق ابن عمر على هذا أحمد فى رواية
وطائفة . وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والثورى والأوزاعى: لا يجوز صومه عن فرض رمضان
ويجوز عن غيره ، لقول مالك فى الموطأ: سمعت أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذى يشك فيه
من شعبان إذا نوى به صيام رمضان، ولا يرون بصيامه تطوعا بأساً. قال مالك وهذا الأمر عندنا
والذى أدركت عليه أهل العلم بلدنا اهـ فلعل ابن عمر كان يصومه تطوعا، ويبعد أن يصومه عز رمضان
وقدنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صومه كما سيأتى فى ((باب كراهية صوم يوم الشك)) وقال الشافعى
لا يجوز صومه عن أداء رمضان ولا نفلا مطلقا، ويجوز صومه قضاء وكفارة ونذراونفلا يوافق
عادة، وهو رواية عن أحمد. وقال الحسن البصرى وابن سيرين والشعبى الناس فيه تبع للإمام: إن
صام صاموا وإن أفطر أفطروا، وهو رواية عن أحمد أيضا (قوله قال وكان ابن عمر يفطر
مع الناس الخ) وفى نسخة قال فكان الخ. أى كان ابن عمر يصوم إذا لم ير الهلال لغيم ونحوه
فى آخر شعبان احتياطا للصوم، ولا يأخذ بهذا فى آخر رمضان، فكان إذا لم يرالهلال بعد الثلاثين
منه لنحوغيم يصبح صائما احتياطا ولا يفطر إلا مع الناس ولا يعمل على حساب نفسه ولو زاد
صيامه على الثلاثين . ويكون الزائد تطوّعا
﴿فقه الحديث) دل الحديث على أن الشهر يكون تاما ويكون ناقصا. وعلى أن وجوب
الصوم والإفطار إنما يتعلقان برؤية الهلال أو تمام العدد ثلاثين لا فرق بين حالة الصحو والغيم
خلافا لابن عمر ومن تبعه الذين فرقوا بينهما لشبهة فى المراد من قوله صلى اللّه تعالى عليه وعلى

٣٨
المنهل العذب المردود: شرح سنن الامام أبى داود
آله وسلم ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) لاحتمال أن يكون المراد منه التفرقة بين الصحو والغيم
فيكون تعليق الصوم على الرؤية خاصا بالصحو ، وأما الغيم فله حكم آخر. وإلى هذا ذهب أكثر
الحنابلة . وقال الجمهور إنه مؤكد لما قبله وليس المراد منه التفرقة بين الصحو والغيم ، ويرجحه
الروايات المصرحة بإكمال العدة ثلاثين على ما تقدم بيانه . ودل أيضا على ما كان عليه ابن عمر
رضى الله تعالى عنهما من شدة الاحتياط فى أمر العبادة
﴿ والحديث) أخرجه أيضا أحمد والدار قطنى بطوله، وأخرجه مالك والبخارى ومسلم
والنسائى والدارمی بدون ذ کر رأی ابن عمر
﴿ص) حَدَّثَ حَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدْثَى أَيُوبُ قَالَ: كَتَبَ عُرُ بْنُ
عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِبَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَ نَحَوَ
حَدِيثِ آبْنِ عَمَ عَنِ النِّ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَمَ. زَادَ وَإِنَّ أَحْسَنَّ مَايَقْدُ لَهُ
إذَا رَأَيْنَا هِلَالَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا فَالصَّوْمُ إِنْشَاءَ اللهُ لِكَذَا وَكَذَا إلَّ أَنْ تَرُوا الْلَالَ
قَبْلَ ذلكَ
(ش) (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفى. تقدم بالخامس صفحة ١٤٦. و(أيوب)
السختياني (قوله بلغناعن رسول الله الخ) أى بلغنا أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قال
الشهر تسع وعشرون، وذكر نحو حديث ابن عمر السابق ، وزاد عمر بن عبد العزيز على الحديث
تفسیر فاقدروا له فقال: إن أحسن ما يراد به إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ، فإذا رؤى هلال
شعبان لمضى تسع وعشرين ليلة من رجب فصوم رمضان يكون بعد مضى ثلاثين يوما من تلك
الرؤية إلا أنيرى هلاله قبل ذلك يعنى بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان ، وهذا
التفسير ما تفيده الروايات الكثيرة المشار إليها سابقا وما عليه الجمهور (قوله وإن أحسن ما يقدر
له إذا رأينا الخ) وفى نسخة أنا إذا رأينا (قوله وكذا إلا أن تروا الهلال) وفى نسخة إلا أن
يروا الهلال
﴿ص) حَدَثَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِعِ عَنِ ابْنِ أَبِ زَائِدَةً عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَسِعَنْ عَمْرِو بْنِ
الْخَارث بن أبى ضرار عَن أَبْن مَسْعُود قَالَ: لَمَا صُمْنَا مَعَ النِّيِّ صَلَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آله

٣٩
الغالب فى رمضان أن يكون تسعة وعشرين يوما
وَسَلَتِسْعَ وَعِشْرِينَ أَكْثُ مَّا صُمْنَا مَعَهُ ثَلاثِينَ
﴿ش﴾ (رجال الحديث) (ابن أبى زائدة) يحيى بن زكريا بن أبى زائدة. و﴿ عيسى
ابن دينار) الخزاعى أبو على الكوفى. روى عن أبيه وجعفر وعبد الله ابى على بن الحسين وآخرين
وعنه وكيع وابن المبارك وأبو نعيم وابن قتيبة وغيرهم. قال أحمد لا بأس به ووثقه ابن معين وقال أبو حاتم
صدوق عزيز الحديث وذكره ابن حبان فى الثقات . روى له أبوداود والترمذى والبخارى فى
الأدب. و﴿أبوه) دينار الكوفى مولى عمرو بن الحارث. روى عن مولاه. وعنه ابنه عيسى
ذكره ابن حبان فى الثقات وفى التقريب مقبول من الثالثة: روى له أبو داودوالترمذى. و﴿عمرو
ابن الحارث بن أبى ضرار) بكسر الضاد ابن حبيب المصطلقى أخو جويرية زوج النبى صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم صحابى. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أبيه
وابن مسعود. وعنه مولاه دينار وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبو إسحاق السبيعى وغيرهم. وهو
غير عمرو بن الحارث الثقفي على الراجح. روى له الجماعة (المعنى) (قوله لما صمنا مع النبي الخ)
اللام واقعة فى جواب قسم مقدر وما مصدرية أو موصولة ، أى والله لصومنا معه صلى اللّه
تعالى عليه وعلى آله وسلم شهر رمضان تسعا وعشرين أكثر من صيامنامعه له ثلاثين يوما
أو للذى صمناه مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ وفى رواية الترمذى إسقاط
لام القسم . وفى هذا دلالة على أن الغالب فى شهر رمضان أن يكون تسعة وعشرين يوما
﴿ والحديث) أخرجه أيضا الترمذى بسند المصنف ، والدار قطنى من طريق عبد الأعلى بن
أبى المشاور عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. وقال: عبد الأعلى بن
أبى المشاور متروك. وأخرجه عن عائشة قالت: قيل لها ياأم المؤمنين أيكون شهر رمضان
تسعاوعشرين؟ فقالت ماصمت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعا وعشرين
أكثر ما صمت ثلاثين. وقال إسناده صحيح حسن. وأخرجه أحمد عن عائشة بإسناد جيد
﴿(ص) حَدَّثَ مُسَدّدٌ أَنْ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدْثَهُمْنَ خَلِدٌ الْحَدَاءُ عَنْ عَبْدِالرَّحْنِ بْنِ
أَبِ بَكْرَةَ عَنْ أَبِهِ عَنِ الّْ صَلّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَمْقَالَ: شَهْرَا عِدِ لَ يْقُصَان
رَمَضَانُ وَذُو الْحِجّة
﴿ش) (قوله حدثهم) أى أن يزيد بن زريع حدّث مسددا وغيره من التلاميذ فقال
حدثنا خالد الخ ﴿قوله شهرا عيد لا ينقصان الخ) أى لا ينقص أحدهما عن الآخر فى الثواب

٤٠
بيان معنى حديث ((شهرا عيد لا ينقصان»
والأجر وإن كانا ناقصين فى العدد. وقيل المراد منه تفضيل العمل فى عشر ذي الحجة وبيان
أنه لا ينقص فى الأجر والثواب عن شهر رمضان . وقيل معناه أنهما لا يكادان يوجدان فى
سنة واحدة ناقصين بل إن كان أحدهما تسعاوعشرين كان الآخر ثلاثين، وهذا بالنظر للغالب
وإلا فقد يجتمع نقصانهما فى سنة واحدة. هذا. ورمضان وذو الحجة بالرفع خبر لمبتدأ محذوف
أى أحدهما رمضان والآخر ذو الحجة. أو بدل أو عطف بيان من قوله شهرا عيد. وأطلق
على رمضان شهر عيد مع أن العيد فى شوال لقربه منه كما فى قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(المغرب وترالنهار)) أخرجه الترمذى عن ابن عمر. فسميت المغرب وترا للهار لقربها منه. وخص
هذين الشهرين بالذكر لوقوع الصيام فى أحدهما والحج فى الآخر ، وليس المراد أن ثواب الطاعة
فى غيرهما يكون ناقصا ، بل المراد أن كل ماورد فيهما من الفضائل والأحكام يحصل ثوابه كاملا
سواء أكان رمضان ناما أم ناقصاوسواء أصادف الوقوف بعرفة اليوم التاسع أم غيره، وهذا
محله إذا لم يحصل تقصير فى طلب الهلال . والغرض من الحديث رفع مايقع فى القلوب من توم
نقص فى الثواب لمن صام رمضان تسعة وعشرين يوما أو عدم إجزاء الوقوف بعرفة فى يوم
غير يوم عرفة بأن غم هلال ذي الحجة ووقع الغلط فيه بزيادة يوم أو نقصانه فيقع وقوفهم
بعرفة فى الثامن أو العاشر منه ، فأجر من وقف حينئذ لا ينقص عن أجر من وقف بلا غاط
والحج صحيح إذا لم يتبين خطؤهم، وكذا إن تبين أنهم وقفوا اليوم العاشر . أما إن تبين وقوفهم
يوم الثامن فلا يجزئهم وعليهم إعادة الوقوف من الغد إن أمكنهم ، وإلا فانهم الحج كمن التبست
عليه الشهور فصام شهراظنه رمضان ثم تبين له أنه بعده فإنه يصح صومه عن رمضان ويكون قضاء
وإن تبين أنه قبل رمضان فلا يجزئه. وكمن اجتهد وصلى ثم تبين أنه صلى قبل الوقت فلا تجزئه صلاته
﴿فقه الحديث) دل الحديث على تساوى الشهر الكامل والناقص فى الثواب، فقولهم إن
الجزاء على قدر المشقة أغلبى
﴿ والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم وابن ماجه والطحاوى والبيهقى والترمذى وقال
حديث حسن، وقد روى عن عبد الرحمن ابن أبى بكرة عن النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم مرسلااه وأخرجه أحمد بلفظ شهران لا ينقصان فى كل واحد منهما عيد. رمضان وذو الحجة
أحباب إذا أخطأ القوم الهلال
أى إذا غم عليهم الهلال فلم يروه ليلة الثلاثين من شعبان أو رمضان فأصبحوا مفطرين فى
الأول وصائمين فى الثانى ثم تبين أن الشهر تسعة وعشرون ، فلا إثم عليهم فى ذلك وإن لزمهم
قضاء يوم فى الصورة الأولى