Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
حكمة نهيه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم أولا عن زيارة القبور
آباء الأنبياء وأمهاتهم مؤمنون وأنهم فى الجنة مخلدون. وهذا هو الذى نعتقده ونلقى الله إن شاء
الله تعالى عليه والحمد لله رب العالمين اهـ (قوله فإنها تذكر بالموت) أى فإن القبور أو زيارتها
تذكركم الموت فتزهدون فى الدنيا وترغبون فى الآخرة
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية زيارة القبور ولو كانوا من أهل الفترة ولا سما
الأقارب لما فيها من صلة الرحم والاعتبار . وعلى جواز البكاء حال الزيارة بلا صوت ولا نوح
وعلى مزيد شفقته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على والديه وقيامه بحقوقهما حق القيام
﴿ والحديث) أخرجه أيضا أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والحاكم وصححه هو
والحازمى والثورى
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا أَحَدُ بْنُ يُونُسَ نَامُعَرَّفُ بْنُ وَاصِلٍ عَنْ مُحَرِبِ بْنِ دِثَارِ عَنِ ابْنٍ
بَيْدَ عَنْ أَبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُتَعَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَمَ: فَتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ
الْقُبُور فَزُورُوهَا فَإِنَّ فى زِيَارَتَهَا تَذْكَرَةً
﴿ش﴾ (رجال الحديث﴾ ﴿ معرف) كمحمد (ابن واصل) السعدى الكوفى. روى عن
أبى وائل وإبراهيم النخعى والشعبى والأعمش وجماعة. وعنه محمد بن مطرف ووكيع وابن مهدى
وعبدالله بن صالح وطائفة. وثقه أحمد وابن معين والنسائى وقال ابن عدى هو من يكتب حديثه
ولم يذكر فيه جرحا. روى له مسلم وأبو داود ﴿وابن بريدة) سليمان بن بريدة بن الخصيب
﴿معنى الحديث) (قوله نهيتكم) كذا فى رواية مسلم. وفى رواية للترمذى قد كنت نهيتكم
ونهاهم صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أولا لقرب عهدهم بالجاهلية فربما يتكلمون بما اعتادته
الجاهلية من خش القول فلما استقرت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه واشتهرت معالمه أمرهم
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بالزيارة مع مراعاة الآداب الشرعية حيث قال صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم فى رواية النسائى فمن أرادأن يزور فليزر ولا تقولوا حجرا . بضم الهاء
وسكون الجيم أى قولاسوءا ﴿قوله فزوروها) الأمر فيه للندب وعليه الجمهور للتعليل بعده. وادعى
ابن حزم أنه للوجوب فقال بوجوب الزيارة ولو مرة فى العمر (قوله فإن فى زيارتها تذكرة﴾
أى عظة وتذكرا للموت واعتبارا بما آل إليه أهل القبور . وفى رواية ابن ماجه من حديث
ابن مسعود («كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد فى الدنياوتذكر الآخرة، وفى
رواية الحاكم من حديث أنس فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا
تقولوا هجرا . وفى رواية الطبرانى من حديث أم سلمة فزوروها فإن لكم فيها عبرة . (وفى هذه)

١٠٢
التنفير من زيارة النساء للقبور واتخاذ المساجد والسرج عليها
الأحاديث دلالة على مشروعية زيارة القبور والترغيب فيها . وقد أجمع العلماء على أن زيارتها
سنة للرجال . وفى زيارة النساء خلاف يأتى بيانه فى الباب الآتى إن شاء الله تعالى
﴿ والحديث) أخرجه أيضا مسلم وابن حبان والترمذى والحاكم والبيهقى
باب فى زيارة النساء القبور
﴿ص﴾ حَدَّا مُحَدُ بنُ كَثِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَدِ بْنِ جُحَادَةَ قَالَ: سَمَعْتُ أَبْصَالِ مُحَدِّثُ
عَنِ آَبْنِ عَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُتَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمْ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ
وَالْتَّخِذِينَ عَلْهَا الْمَسَاجِدَ وَالُّرُجَ
(ش﴾ ﴿ رجال الحديث﴾ ﴿ أبو صالح) باذان بالنون أو باذام بالميم. روى عن
على وابن عباس وأبي هريرة وأم هانئ. وعنه الأعمش وسماك بن حرب وأبو قلابة والثورى
وغيرهم. وثقه العجلى وقال الجوزجاني متروك ونقل ابن الجوزى عن الأزدى أنه قال كذاب
وقال ليس بالقوىّ عندهم، وقال ابن عدى عامة مايرويه تفسير وما أقل ماله من المسند وفى ذلك
التفسير مالم يتابعه عليه أهل التفسير ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه ، وقال النسائى ليس بثقة
وقال أبو حاتم یکتب حديثه ولا يحتج به . روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى
﴿ معنى الحديث﴾ ﴿قوله لعن رسول اللّه الخ) أى دعا على من ذكر بالطرد عن
رحمة الله تعالى. أما زائرات القبور فلما يقع منهن حال الزيارة من الجزع وشق الجيوب
ولطم الخدود وتضييع حق الزوج والتبرج ، وأما المتخذون عليها المساجد فلما يقع منهم
من تعظيم القبور والتشبه بعباد الأوثان. وأما المتخذون عليها السرج جمع سراج وهو
المصباح فلما فيه من تضييع المال بلا منفعة ومن المبالغة فى تعظيم القبور كاتخاذها مساجد
(وفى الحديث) دلالة على تحريم زيارة النساء للقبور. وبه قال بعض الشافعية والمالكية
والحنفية. واحتج به أكثر الشافعية وبعض الحنفية على الكراهة . وهو مشهور مذهب الحنابلة
قالوا وصرفه عن التحريم ما تقدم للمصنف عن أم عطية قالت نهينا عن اتباع الجنازة ولم يعزم
علينا. وقال أكثر الحنفية. بجوازها وهو قول المالكية ورواية عن أحمد . قالوا إن منعهن من
الزيارة كان قبل الترخيص فلما رخص فيها عمت الرخصة الرجال والنساء. واستدلوا بدخولهن
تحت قوله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فزوروها. وعبر بضمير المذكر تغليبا. ولأن
النساء شقائق الرجال . ويؤيده مارواه ابن عبد البر فى التمهيد من طريق عبد الله بن أبى مليكة
أن عائشة أقبلت يوما من المقابر فقلت لها ياأم المؤمنين من أين أقبلت ؟ قالت من قبر أخى

١٠٣
أدلة من قال بجواز زيارة النساء للقبور. الجمع بينها وبين أدلة المنع
عبد الرحمن فقلت أليس كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينهى عن زيارة
القبور ؟ قالت نعم كان ينهى عن زيارتها ثم أمر بزيارتها . ومن أدلة القائلين بالجواز حديث
مسلم عن عائشة قالت كيف أقول يارسول اللّه إذا زرت القبور؟ قال قولى السلام على أهل
الديار من المؤمنين . فتعليمها هذا القول إذن منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لها
فى الزيارة. ومنها ما تقدم من أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من بامرأة تبكى
عند قبر فقال لها اتقى الله واصبرى. ولم ينكر عليها الزيارة. ومنها مارواه الحاكم من حديث
الحسين أن فاطمة بنت النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة
فتصلى وتبكى عنده وقال هذا الحديث رواته عن آخر هم ثقات. ويمكن الجمع بين الأدلة: بأن الإذن
فى الزيارة لمن خرجت متسترة خاشعة متذكرة أمر الآخرة معتبرة بما صار إليه أهل القبور تاركة
النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب وسوء القول. وبأن المنح لمن فعلت شيئا مما ذكر كما يقع من
كثير من نساء زماننا ولا سيما نساء مصر : قال النووى فى شرح المهذب قال صاحب المستظهر
وعندى إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديدوالبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن حرم
قال وعليه يحمل الحديث ((لعن الله زوارات القبور)) وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد
ولا نياحة كره إلا أن تكون عجوزا لا تشتهى فلا يكره حضور الجماعة فى المساجد. وهذا الذى
قاله حسن، ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة لظاهر الحديث اهـ. وقال صاحب المدخل
المالكى قد اختلف العلماء فى خروجهن على ثلاثة أقوال بالمنع والجواز على ما يعلم فى الشرع
من الستر والتحفظ عكس ما يفعل اليوم، والثالث يفرق بين الشابة والمتجالة ((أى العجوز))
واعلم أن الخلاف فى نساء ذلك الزمان أما خروجهن فى هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من
العلماء أو من له مروءة أو غيرة فى الدين بجوازه اهـ. وتقدم تمام الكلام على هذا فى «باب اتباع
النساء الجنائز، من الجزء الثامن
﴿ والحديث) أخرجه أيضا النسائى والحاكم وكذا ابن ماجه مختصرا. ورواه أحمد وابن
ماجه والترمذى وابن حبان والبيهقى عن أبى هريرة مختصرا
باب ما يقول إذا زار القبور أو مر بها.
﴿ص﴾ حَدّثَنَا الْقَعْنَِّ عَنْ مَالِكِ عَنِ الْعَلَاءِبْنِ عَبْدِ الْنِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَمَ خَرَجَ إِلَى الْقَبْرَةِ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ
دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنَ وَإِنّ إِنْ شَ اللهُبِكُمْ لاَ حِقُونَ

١٠٤
بعض ما ورد فيما يقوله زائر القبور
﴿ش﴾ ﴿القعنى﴾ عبد الله بن مسلمة. و﴿أبو العلاء) عبد الرحمن بن يعقوب (قوله السلام
عليكم) وفى رواية أحمد سلام عليكم. وفيه دلالة على أن السلام على الموتى يقدم فيه المبتدأ
على الخبر كالسلام على الأحياء ويقدم الدعاء على المدعوّ له فإن السلام متضمن للدعاء ونظيره
قوله تعالى ((رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت)) ولا ينافيه ما سيأتى للمصنف فى ((باب كراهية أن
يقول عليك السلام، من كتاب الأدب عن أبى جرىّ الهجيمى ((بالتصغير فيهما، قال أتيت رسول اللّه
صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت عليك السلام يا رسول اللّه فقال لا تقل عليك السلام فإن
عليك السلام تحية الموتى. لأن معناه أن هذه الصيغة تختص بالموتى، وأما السلام عليكم فمشترك
((وما قاله)، بعض العلماء من لزوم تقديم المبتدأ على الخبر فى السلام على الأحياء والأموات
وإجابته عن حديث أبى جرىّ بأنه إخبار عن عادة أهل الجاهلية من تقديم الخبر على المبتدأ فى
تحية الموتى كما قال شاعرهم
عليك سلام الله قيس بن عاصم ، ورحمته ما شاء أن يترحما
((بعيد)) لأنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ما كان يقر أحدا على ما يخالف
الشريعة. فتحصل أن السنة فى السلام على الأحياء والأموات تقديم المبتدا على الخبر
وأنه يجوز فى تحية الأموات تقديم الخبر (قوله دار قوم مؤمنين) بالنصب على النداء، والكلام
على حذف مضاف أى يأهل دار قوم مؤمنين . وسميت القبور دارا تشبيها لها بمساكن.
الأحياء لأنهم يجتمعون فى القبور كما يحتمع الأحياء (قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) ذكر
المشيئة للتبرك كما فى قوله تعالى ((لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين)) أو ذكرت لتحسين
الكلام وتزيينه وليست لتعليق الموت على المشيئة لتحققه وعدم الشك فيه . ويحتمل أنها للتعليق
بالنسبة للموت على الإيمان. أو أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل المقابر ومعه
قوم مخلصون فى الإيمان وآخرون منافقون. فكان الاستثناء تنويها بشأنهم ( وفى هذا
الحديث) دلالة على مشروعية ذكر هذه الكلمات عند زيارة القبور: وقد ورد فى ذلك
أحاديث أخر. منها ما رواه مسلم عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر («السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء
الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية ، ومنها ما رواه الترمذى وحسنه عن ابن عباس قال
مر رسول الله صلى اللّه تعالى عليه وعلىآله وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام
عليكم يأهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر. ومنها ما رواه مسلم عن عائشة
أنها قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلما كانت ليلتها من رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم

١٠٥
صفة زيارة القبور. ما يلزم الزائر اجتنابه
مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع
الغرقد. وقوله أتاكم ما توعدون الخ. أى جاءكم ماوعدكم الله تعالى من الثواب محملا وأنتم
مؤجلون باعتبار حصوله يوم القيامة مفصلا : ومنها ما رواه مسلم عنها أيضا قالت : ألا
أحدثكم عنى وعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ قلنا بلى. قالت: لما كانت ليلتى
التى كان النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فيها عندى انقاب فوضع رداءه وخلع نعليه
فوضعهما عندرجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلاريثما ظن أن قد رقدت،
فأخذ رداءه رويدا ، وانتعل رويدا ، وفتح الباب رويدا، مخرج ثم أجافه رويدا ، جعلت درعى
فى رأسى واختمرت وتقنعت إزارى، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فأقام فأطال القيام،
ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت ، فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت، فأحضر
فأحضرت ((من الإحضار وهو العدو، فسبقته فدخلت. فليس إلا أن اضطجعت فدخل
فقال مالك ياعائش حشيا (نفسك متتابع)) رابية (مرتفعة البطن) قلت لا بى شىء. قال لتخبرتى
أو ليخبر نى اللطيف الخبير، قلت يا رسول اللّه بأبى أنت وأمى فأخبرته ، قال فأنت السواد الذى
رأيت أمامى؟ قلت نعم ، فلهدنى (دفعنى) فى صدرى لهدة أوجعتنى ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك
ورسوله؟ قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله . نعم، قال فإن جبريل عليه السلام أتانى حين رأيت
فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن
قد رقدت، فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشى، فقال إن ربك يأمرك أن تأتى أهل
البقيع فتستغفر لهم ، قالت قلت كيف أقول لهم يا رسول الله ؟ قال قولى السلام على أهل الديار
من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ومنها
ما أخرجه ابن ماجه عنها أيضا قالت: فقدته تعنى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإذا هو
بالبقيع. فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنافرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحر منا أجرهم
ولا تفتنا بعدهم. وعن الحسن البصرى قال: من دخل المقابر فقال: اللهم رب الأجسام البالية
والعظام النخرة التى خرجت من الدنيا وهى بك مؤمنة، أدخل عليها روحا «بفتح فسكون رحمة،
منك وسلامامنى، استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق الله آدم . رواه ابن أبى شيبة . وصفة الزيارة
المشروعة كما أفاده النووى أن يخرج الشخص متواضعا مراقبا لله تعالى معتبرا بمن تقدمه من
الموتى قاصدا وجه الله تعالى ونفع الميت بالسلام عليه والدعاء له، فإذا وصل القبر استقبل الميت
واستدبر القبلة وسلم ودعا بما شاء ما تقدم من الأحاديث قائما كما كان يفعل رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند الخروج إلى البقيع. ولا بأس بالجلوس إذا كان لضرورة.
وليحذر مما اعتاده بعض الجهلة من التمسح بالقبر وتقبيله والطواف حوله ودعاء صاحب القبر
(م ١٤ - المنهل العذب المورود - ج ٩)

١٠٦
بطلان النذر للأولياء . مضاره ومفاسده
وطلب ما يحتاجه منه فإن ذلك من عادة المشركين . وفى الحديث الصحيح إذاسألت فاسأل الله
وإذا استعنت فاستعن بالله رواه الترمذى. وقد يفضى ذلك إلى ما كانت عليه الأمم السابقة من
عبادة الأوثان . وفى المنع من ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المؤدية إلى فساد العقيدة، وهو
المناسب لحكمة مشروعية الأحكام من جلب المصالح ودرء المفاسد. وليحذر أيضا مما يقع من
بعض من لا خلاق لهم من اعتقادهم فى قبور الصالحين والأولياء وبعض الأشجار والأبواب
أنها تنفع أو تضر أو تقرب إلى الله تعالى أو تقضى الحوائج بمجرد التشفع بها إلى الله تعالى، فإن
من فعل ذلك فقد أشرك بالله تعالى واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون فى الأوثان
فإنهم يعاملونها معاملة المشركين الأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج بيت الله الحرام
ويخاطبون الميت بالكلمات المكفرة كقولهم ((اقصم ظهره يا سيد وخذ عمره وتصرف فيه
يا إمام، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد، ولكل جهة رجل ينادونه ، فأهل مصر يدعون الشافعى
والرفاعى والبدوى والبيومى. وأهل العراق والهند والشام يدعون عبد القادر الجيلى، وأهل مكة
والطائف يدعون ابن عباس ، وينذرون لهم النذور ويذبحون لهم الذبائح ، ويوقدون لهم السرج
ويضعون الدراهم فى صناديقهم، ولا ريب أن هذا من أعمال الجاهلية ومخالف لدين الله تعالى ورسوله
وما كان عليه سلفنا الصالح رضى الله تعالى عنهم. ولو عرف الناذر بطلان ذلك ما أخرج درهما
فإن الأموال عزيزة عند أهلها قال تعالى (( ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا
ويخرج أضغانكم، فالواجب على كل عاقل تحذير من يفعل ذلك لأنه إضاعة المال ولا ينفعه
ما يخرجه ولا يدفع عنه ضررا ، بل فيه المخالفة والمحاربة لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم، ويجب رد المال إلى من أخرجه، وقبضه حرام لأنه أكل مال الناذر بالباطل، وقد
قال تعالى (( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)) وفيه تقرير للناذر على قبح اعتقاده وشنيع مخالفته
فهو كلوان الكاهن ومهر البغىّ، ولأنه تدليس من هؤلاء القوم وإيهام له أن الولى ينفعه ويضره
فأى تقرير لمنكر أشد من قبض النذر على الميت وأى تدليس أعظم من هذا ؟ قال الإمام محمد
.ابن إسماعيل الصنعانى صاحب سبل السلام فى رسالته ((تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد)،
بعد كلام جليل طويل فى هذا الموضوع ((فإن قلت، هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان
الأغوار والأنجاد ، وطبق الأرض شرقا وغربا، ويمنا وشاما وجنوبا وشمالا، بحيث لا بلدة من
بلاد الإسلام ولا قرية من قراه إلا وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها
وينذرون لها ويهتفون بأسمائها، ويحلفون بها ويطوفون بفناء القبورويسرجونها ويلقون عليها
الوردوالرياحين ويلبسونها الثياب. ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها وما فى معناها
من التعظيم والخشوع والتذلل والافتقار إليها ، بل هذه مساجد المسلمين غالبا لاتخلو عن قبر

١٠٧
سكوت العالم على المنكر لا يفيد جوازه
أو مشهد يقصده المصلون فى أوقات الصلاة يصنعون فيه ما ذكر أو بعضه، ولا يسع عقل
عاقل أن منكرا يبلغ إلى ماذكرت من الشناعة والقباحة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين
ثبتت لهم الوطأة فى جميع جهات الدنيا ((قلت)) إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة
الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل لا مااتفق عليه العوالم جيلا بعد جيل وقبيلا
بعد قبيل ، فاعلم أن هذه الأمور التى ندندن حول إنكارها، ونسعى فى هدم منارها، صادرة عن
العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل ، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دفىّ ومثيل : ينشأ
الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه فى الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدون فيه
ويراهم ينذرون له ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه ويطوفون به على قبره
فينشأ وقد قر فى قلبه عظمة ما يعظمونه ، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه ، فنشأ على
هذا الصغير وشاخ عله الكبير ، ولا يسمعون من أحد إنكارا عليهم ، بل ترى من يتسم بالعلم
ويدعى الفضل وينتصب للقضاء أو الفتيا أو التدريس أو الولاية والمعرفة أو الإمارة والحكومة
معظما لما يعظمونه، مكرما لما يكرمونه، قابضا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين
الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام ، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر ويعرف بارقة من علم الكتاب
والسنة والأثر، أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر.
ولنضرب لك مثلامن ذلك، وهى هذه المكوس المسماة بالمجابى المعلوم من ضرورة الدين تحريمها
قد ملأت الديار والبقاع وصارت أمرا . أنوساً لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت
أيدى المكاسين فى أشرف البقاع فى مكة أم القرى، يقبضونها من القاصدين لأداء فريضة الإسلام
ويرتكبون فى البلد الحرام كل فعل حرام ، وسكانها من فضلا الأنام، والعلماء والحكام ساكتون
عن الإنكار معرضون عن بيان أنها ظلم وعدوان، أفيكون السكوت من العلماء بل من العالم
دليلا على جوازها وأخذها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك. بل أضرب لك مثلا آخر: هذا
حرم الله الذى هو أفضل بقاع الدنيا باتفاق وإجماع العلماء. أحدث فيه بعض ملوك الشراكة
الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التى فرقت عبادة العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله
عز وجل من الفساد ، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة فى الدين. بدعة قرت بها
عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها ووفد علماء الآفاق
والأقطار إليها ، وشاهدها كل ذى عينين، وسمع بها كل ذى أذنين . أفهذا السكوت دليل على جوازها؟
هذا لا يقوله من له إلمام بشىء من المعارف. وكذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من
القبوريين ( فإن قلت ) يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيث سكتت عن
إنكارها لأعظم جهالة ( قلت) الإجماع حقيقته اتفاق مجتهدى أمة محمد صلى الله تعالى عليه

١٠٨
المذاهب فى قراءة القرآن عند القبر
وعلى آله وسلم على أمر بعد عصره، وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأئمة
الأربعة ، وإن كان هذا قولا باطلا ، وكلاما لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلا، فعلى زعمهم
لا إجماع أبدا من بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال: فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن
على عهد أئمة المذاهب الأربعة. وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال، فإن الأمة المحمدية قد
ملأت الآفاق وصارت فى كل أرض وتحت كل نجم ، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون ولا يتم
لأحد معرفة أحوالهم ، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين فإنها دعوى
كاذبة كما قاله أئمة التحقيق اهـ. أما قراءة الزائر القرآن عند القبر فقال أبو حنيفة: تكره لأنه لم
يصح فيها شىء عن النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقال محمد تستحب لورود الآثار
وهو المذهب المختار كما صرحوا به فى كتاب الاستحسان. قال فى الدر المختار: ويقرأ عند زيارة
القبريس" اهـ قال محشيه ابن عابدين ((قوله ويقرأ يس، لما ورد ((من دخل المقابر فقرأ سورة
يسّ خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات)) وفى شرح اللباب ويقرأ من القرآن
ما تيسر له من الفاتحة وأول البقرة إلى المفلحون وآية الكرسى وآمن الرسول ويسّ
وتبارك الملك وسورة التكاثر والإخلاص اثنتى عشرة مرة أو إحدى عشرة مرة أوسبعا أو
ثلاثا ثم يقول: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه إلى فلان أو إليهم اهـ. وقالت الشافعية: يستحب
للزائر أن يقرأ ما تيسر من القرآن. قال النووى فى المجموع: ويستحب للزائر أن يسلم على المقابر
ويدعولمن يزوره ولجميع أهل المقبرة، ويستحب أن يقرأ من القرآن ماتيسر ويدعو لهم عقبها
نص عليه الشافعى واتفق عليه الأصحاب، وقالت الحنابلة لا بأس بالقراءة عند القبر. قال فى المغنى
قد روى عن أحمد أنه قال : إذا دخلتم المقابر فاقرء وا آية الكرسى ثلاث مرار وقل هو الله أحد
ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر. وروى عنه أنه قال القراءة عند القبر بدعة، وروى ذلك عن
هشيم ، قال أبو بكر نقل ذلك عنه جماعة ثم رجع عنه : فروى جماعة أنه نهى ضريرا أن يقرأ عند
القبر وقال له إن القراءة عند القبر بدعة ، فقال له محمد بن قدامة ما تقول فى مبشر الحلى ؟ قال ثقة
قال فأخبر نى مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال سمعت ابن
عمر يوصى بذلك قال أحمد فارجع فقل للرجل يقرأ . وقال الخلال: حدثنى أبو على الحسن بن
الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلى خلف ضرير يقرأ على القبور
وقدروى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال ((من دخل المقابر فقرأ سورة يس"
خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات)) وروى عنه عليه السلام ،من زار قبر والديه
فقرأ عنده أو عندهما يسّ غفر له)، وأى قربة فعلت وجعل ثوابها للبيت المسلم نفعه ذلك إن
شاء الله: أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلاأعلم فيها خلافا إذا كانت الواجبات

١٠٩
ما يصنع بالمحرم إذا مات
مما تدخلها النيابة ((كالحج والصيام)) وقال أحمد الميت يصل إليه كل شىء من الخير للنصوص
الواردة فيه. ولأن المسلمين يجتمعون فى كل مصر ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير فكان
إجماعا اه بتصرف. وقالت المالكية: تكره القراءة على القبرلأنه ليس من عمل السلف . بل
كان عملهم التصدق والدعاء لا القراءة. وقال بعضهم لا بأس بقراءة القرآن وجعل ثوابه للميت
ويحصل له الأجر إن شاء الله ، قال ابن هلال: الذى أفتى به ابن رشد فى نوازله وذهب إليه غیر
واحد من أتمتنا الأندلسيين أن الميت ينتفع بقراءة القرآن الكريم ويصل إليه نفعه ويحصل له
أجره إذا وهب القارئ ثوابه له ، وبه جرى عمل المسلمين شرقا وغربا، ووقفوا على ذلك أوقافا
واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة أه والراجح أن قراءة القرآن عند القبر لم يثبت فيها حديث
مرفوع صحيح. وما تقدم للمصنف بالجزء الثامن فى ((باب القراءة عند الميت)) من قوله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقرءوا يس على موتاكم ((ففيه مقال)) وعلى فرض صحته فهو محمول
على المحتضر كما علمت هناك ((وما رواه الدار قطنى) عن علىّ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم قال: من مر على المقابر فقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرها للأموات
أعطى من الأجر بعدد الأموات ((فقد)) قال فيه ابن الجوزى فى التذكرة هو مأخوذ من نسخة
عبد الله بن أحمد فى الموضوعات اهـ ((وما ذكر)) من قراءة الفاتحة وآية الكرسى وتبارك الملك
وسورة التكاثر عند زيارة القبور ((فلا نعلم)) فيه رواية صحيحة ولاضعيفة. والله الموفق للصواب
﴿ والحديث) أخرج مسلم والنسائى وابن ماجه نحوه عن بريدة وعائشة
° باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات؟
وفى بعض النسخ باب المحرم يموت كيف يصنع به ؟
﴿ص) حَدَّثَ حَدُ بِنْ كَثِيرِ أَنَا سُفْيَانُ حَدََّى عَمْرُو بْ دِينَرِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ
آْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَنَ الَّ صَلَى اللهُتَعَلَى عَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَ بَرَجُلٍ وَقَصَتَهُ رَاحَةٌ فَمَاتَ
وَهُوَ مُحْرِمْ فَقَالَ: كَفَنُوُهُ فِى تَوْبَيْهِ وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرِوَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّالْهَبْنَهُ
يَوْمَ الْقَامَةَ يُلِىّ
(ش﴾ ﴿سفيان بن سعيد الثورى (قوله وقصته راحلته) يعنى صرعته فكسرت عنقه
وأصل الوقص الدق والكسر يقال: وقصت الناقة راكبها وقصا من باب وعد رمته فدقت

١١٠
أقوال الأئمة فى المحرم إذا مات كيف يجهز؟
عنقه. وفى رواية للبخارى: بينارجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعرفة إذ
وقع من راحلته فأوقصته. أى قتلته وهشمته (قوله كفنوه فى ثوبيه) يعنى بهما الإزار والرداء
لأن المحرم لا يلبس الثياب المخيطة، وفى رواية للبخارى والرواية الآتية وكفنوه فى ثوبين. قال القاضى
عياض. وأكثر الروايات فى ثوبين (قوله ولا تخمر وارأسه الخ) أى ولا تستروه لأن الله يبعثه يوم
القيامة على الهيئة التى مات عليها من الإحرام والتلبية ، كالشهيد يأتى يوم القيامة وجرحه يشخب دما
(وفى الحديث) دلالة على أن المحرم إذامات لا يكفن فى المخيط ولا تغطى رأسه لبقاء حكم إحرامه
كماهو ظاهر التعليل. وبه قال الشافعى وأحمد وإسحاق أخذا بظاهر الحديث، وهو قول عثمان وعلىّ
وابن عباس وعطاء والثورى وإسحاق . وقال أبو حنيفة ومالك وطاوس والأوزاعى إذا مات
المحرم انقطع إحرامه فيلبس المخيط وتغطى رأسه ويطيب، وهو مروى عن عائشة وابن عمر ، فقد
مات ابنه واقد وهو محرم فكفنه وخمر وجهه ورأسه وقال : لولا أنا محرمون لحنطناك ياواقد
رواه مالك فى الموطأ، وروى عبد الرزاق فى مصنفه بأسانيد جياد عن عطاء وقد سئل عن المحرم
يغطى رأسه إذا مات فقال: غطى ابن عمر وكشف غيره . وقال طاوس يغيب رأس المحرم إذا
مات. وقال الحسن إذا مات المحرم فهو حلال . وفى حديث مجاهد عن عامر الشعبي إذا مات
المحرم ذهب إحرامه. وفى حديث إبراهيم عن عائشة إذا مات المحرم ذهب إحرام صاحبكم
وحكى ابن حزم أنه صح عن عائشة تحنيط الميت المحرم إذا مات وتطبيبه وتخمير رأسه، قالوا
لأن الإحرام عبادة تبطل بالموت كالصلاة والصوم . وأجابواعن حديث الباب بأنه خصوصية
لهذا الرجل لأن إخباره صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه يبعث ملبيا شهادة منه بأن حجه
قد قبل وذلك غير محقق لغيره ، وبأن عمله قد انقطع بموته لقوله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد
صالح يدعو له)، رواه مسلم والبخارى فى الأدب ، وليس هذا منها وفى الحديث اغسلوه
بسدر. والمحرم لا يجوز غسله بالسدر. لكن يقال عليه إن الأصل عدم الخصوصية
وأن قوله صلى اللّه تعالى عليه وعلىآله وسلم: يبعث ملبيا. لا ينحصر فيما قالوا ، بل هو ظاهر فى
بقاء حكم الإحرام فإن التلبية شعار المحرم فالحكم عام لكل محرم . يؤيده مارواه النسائي عن ابن
عباس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ((اغسلوا المحرم فى ثوبيه اللذين أحرم
فيهما واغسلوه بماء وسدر وكفنوه فى ثوبيه ، ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث
يوم القيامة محرما) فظاهره يعم كل محرم، وكونه جاء فى رجل مخصوص لا يقدح لأن العبرة بعموم
اللفظ ((وتمسكهم)، بقوله تعالى ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)) وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث «ليس على ما ينبغى)) لأن ما يصنع به بعد

١١١
بيان الأحكام المأخوذة من حديث المحرم الذى وقصته دابته
موته من الغسل والتكفين وغيرهما من عمل الحى لا من عمله ((وما قيل، لو كان إحرامه باقيا
لوجب أن يكمل به أعمال الحج ولا قائل به «مدفوع، بأن هذا ورد على خلاف الأصل فيقتصر
فيه على مورد النص، ولاسيما وأن الحكمة فى ذلك استبقاء شعار الإحرام ولو تمعت به أعمال
الحج ما بقيت له هذه الحكمة ، وما أحسن ما اعتذر به الداودى عن مالك حيث قال: إنه لم يبلغه الحديث
﴿ فقه الحديث) دل الحديث بمفهومه على أنه يباح للمحرم الحىّ أن يغتسل بالماء والسدر، وبه
قال الشافعى وعطاء وابن المنذر ومجاهد وطاوس، وكرهه أبو حنيفة ومالك وآخرون . وعلى
أن الكفن من رأس مال الميت لأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بتكفينه فى ثوبه ولم
يستفصل أعليه دين يستغرق ماله أم لا. وعلى أن المحرم يكفن فى ثياب إحرامه: وعلى أن
الوتر فى الكفن ليس شرطا فى صحته بل هو الأفضل كما تقدم. وعلى أن من مات محرما يبقى
حكم إحرامه، فلا يكفن فى المخيط ولا يغطى رأسه إن كان رجلا
﴿ والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والترمذى والبيهقى
﴿ص﴾ قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمْتُ أَحَ بْنَ خْبَلِ يَقُولُ فِ هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسُ سُنَنَ: كَغْنُوهُ
فِى ◌َوَيْهِ، أَّى يُكَّنَ الَيْكُ فِ تَوَبَيْنِ. وَأَغْسِلُوهُ بِمَاءِ وَسِدْرِ،أَىْ أَنَّ فِى الْغَسَلَاتِ كُلُّهَاذْرًا
وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ. وَلَ تُقَرِبُوهُ طِيبًا. وَكَانَ الْكَفَنُ مِنْ جَميعِ الْمَالِ
﴿ش) غرض المصنف بهذا بيان الأحكام التى تؤخذ من الحديث صراحة وضمنا
﴿قوله فى هذا الحديث خمس سنن الخ) أما الثلاثة الأول فمأخوذة من الحديث صراحة
والآخران ضمنالان: قوله لا تقربوه طيبامأخوذ من معاملته معاملة المحرم، وقوله كان الكفن
من جميع المال، أى من رأسه لأنه ضرورى ، أخذ من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
فى الحديث كفنوه فى ثوبيه. ولم يستفسر أعليه دين أم لا؟ كما تقدم
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا ◌ُلْمَانُ بْنُ حَرْبِ وَ مَّدُ بْنُ عَيْدِ المعْنَى قَلَ نَ حَدٌ عَنْ عَمْرو وَأَيُوبَ
عَنْ سَعِدِ بْنِ جُبَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ تَحَوَهُ قَالَ : وَكَفْتُوهُ فِ ثَوْبَيْنِ قَالَ أَبُودَاوُدَ، قَالَ سُلِمَانُ
قَالَ أَيُوبُ تَّوْبَيْهِ. وَقَالَ عَمْرُو نَّوْبَيْنِ، وَقَالَ أَبْن عَبَيْد: قَالَ أَيْوبُ فِى ثَوْبَيْن، وَقَلَ عَمْرُوفِى نَوْبَّهُ
زَادَ سُلْمَانُ وَحْدَهُ وَلَا تُحِنَّطُوُهُ

١١٢
روايات أخر لحديث المحرم الذى وقصته دابته
(ش) ﴿قوله نحوه) أى روى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار وأيوب السختياني نحو
رواية سفيان الثورى عن عمرو المذكور (قوله قال وكفنوه فى ثوبين الخ﴾ أى قال حماد فى
روايته وكفنوه فى ثوبين بالتنكير ، وهذا محمل فصله بقوله: قال سليمان الخ وحاصله أن سليمان
ابن حرب روى عن أيوب ثوبه بالإضافة وعن عمرو ثوبين بالتنکیر ،وروى محمد بن عبيد
عهماعكس مارواه سليمان، فنكر فىالأول وعرف فىالثانى. وزادسلمان فى روايته عن
محمد بن عبيدقوله: ولا تحنطوه أى لا تجعلوا فى كفنه حنوطا. وهو أنواع من الطيب تجمع وتجعل
فى أكفان المؤنى وأجسامهم خاصة
﴿ص) حَدَّثَ مُسَدَّدٌ نَاحَّادٌ عَنْ أَيُوبَ عَنْ سَعِيدِ بْن ◌ُبَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ بِمَعْنَ
سُلْمَنَ فِى ثَّوْبِين
(ش) يعنى أن مسددا روى الحديث عن حمادبن زيد نحو مارواه عنه سلمان بن حرب إلا أن
مسددا قال فى روايته عن حماد و کفنوه فى او بینبالتنکیر ، فوافق محمد بن عبيد فى روايته عن
أيوب السختيانيّ، والفرق بين رواية التعريف والتنكير أن رواية التعريف تفيد الاقتصار على
ثوبيه اللذين كانا عليه بخلاف رواية التنكير فإنها تصدق بهما وبغيرهما
﴿ص) حَدَّثَنَ عْمَانُ بْنُ أَبِ شَيَ نَا جَرِبْرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِدِ بْنِ جَيْرِ
عَنِ ابْنِ عَّاسِ قَالَ: وَقَصَْ بِرَجُلٍ مُحْرِمِ نَاقُ وَهُ فَأْتِى بِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَ
عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَسَلَّمَقَالَ: أْسِلُوهُ وَكَفْنُوهُ وَلَا تُغَطُوا رَأْسَهُ وَلَا تُقْرِّبُوهُ طِيّاً فَإِنَّهُ
يُبْعَثُ يُهْلْ
٤٠٠٫٠٠
(ش) (جرير) بن عبد الحميد و﴿ منصور) بن المعتمر. و ﴿الحكم) بن عتيبة (قوله
ولا تقربوه طيبا) هو حجة لمن قال إن الميت المحرم لا يطيب لبقاء حكم إحرامه كما أشار له بقوله
فإنه يبعث يهل «يعنى يلبى، وقال أبو حنيفة ومالك يطيب لانقطاع إحرامه (والحديث) حجة عليهم
وأخرج مسلم هذه الرواية عن إسراءيل عن منصور عن سعيد. قال القاضى عياض هذا الحديث
ما استدركه الدار قطنى على مسلم وقال: إنما سمعه منصور من الحكم، وكذا أخرجه البخارى عن
منصور عن الحكم عن سعيد وهو الصواب اهـ

١١٣
تعريف الزكاة. متى فرضت. سبيها. حكمة مشروعيتها . شروطها
مر.
كتاب الزكاة
-
ذكرت عقب الصلاة لقرنها بها فى الكتاب والسنة قال الله تعالى ((وأقيموا الصلاة
وآتوا الزكاة ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم ((بنى الاسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة الحديث)) والزكاة لغة تطلق على الطهارة
والنماء والبركة : قال اللّه تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، ويقال
زكا الزرع إذا نما وزاد. وفى عرف الشرع اسم للقدر المخرج من المال حقالله تعالى. سمى
بذلك، لأنه مطهر للمال باخراج حق الغير منه، ومطهر للشخص المزكى من دنس البخل والآثام
وبه يبارك فى المال ويخلف على المتصدق قال تعالى ((وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه)) أو تمليك
جزء مقدر من مال لواحد أو أكثر من الأصناف الثمانية المذكورة فى قوله تعالى ((إنما
الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، الآية وذلك على وجه مخصوص يأتى بيانه .
وهى فرض ثابت بالكتاب والسنة والإجماع من جحد فرضيتها كفر. فرضت فى السنة الثانية
من الهجرة بعد زكاة الفطر ، وقيل فرضت بمكة إجمالا وبينت بالمدينة تفصيلا، جمعا بين الآيات
الدالة على فرضيتها بمكة كقوله تعالى ((وآتوا حقه يوم حصاده)) فى سورة الأنعام، وقوله
(وفى أموالهم حق معلوم السائل والمحروم) فى سورة الذاريات، فإنهما مكيتان والآيات الدالة
على فرضيتها بالمدينة كقوله تعالى ((وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فى سورة البقرة، وقوله تعالى
«خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، فى سورة التوبة فإنهما مدنيتان. وسبب وجوبها
ملك النصاب وتمام الحول فى غير الزرع . وحكمة مشروعيتها التطهير من أدناس الذنوب
والبخل . والاحسان الى المحتاجين والرفق بهم وارتفاع الدرجات بفعل القربات لله تعالى، وأيضا
فإن المالى محبوب بالطبع، فإذا استغرق القلب فى حبه اشتغل به عن حب الله وعن الطاعة المقربة
إليه تعالى ، فاقتضت الحكمة إيجاب الزكاة فى ذلك المال ليصير سببا للقرب منه تعالى .
وأيضا فإن إخراج المال شاق على النفس فأوجب الله الزكاة لامتحان أرباب الأموال ليتميز
بذلك المطيع المخرج لها عن طيب نفس من العاصى المانع لها ، وفيها أيضا تطبيب قلوب الفقراء
واطمئنان نفوسهم بما يأخذونه من مال الأغنياء، فلا يطمعون فى الاستيلاء عليها بوجه غير
مشروع. وشروط افتراضها الإسلام والحرية وكمال النصاب وعلم فرضيتها لمن أسلم بعيدا عن
دار الإسلام. وشروط صحة أدائها نية مقارنة للأداء أو لعزل القدر الواجب. ثم إن الزكاة
تكون فى الإبل والبقر والغنم ، وفى الذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة على
التفصيل الذى سيمر بك بعد إن شاء الله تعالى
(م ١٥ - المنهل العذب المورود - ج ٩)

١١٤
وفاة النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم واستخلاف أبى بكر
﴿ص﴾ حَدَّثَنَ قُتَّةَ بْنُ سَعِيدِ الثَّفِىّ ◌َا الّيْثُ عَنْ عُقَلْ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرِفِى عَبْدُ الله
ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَنْبَةَ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ: لََّتُوفّىَ رَسُولُ الله صَلَّىاللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَلَمْ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرِ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِى
بَكْر: كَيفَ تُقَاتِلُ النَّسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله صَلى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلم أُمِرْتُ أَنْ
◌ُقَ الََّسَ خَّى يَقُولُوالَا إِلهَإِّ له، فَمَنْ قَالَ لَا إِلََّ إِلَّ اللهُ عَصَ مِّ مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّ بِقْهِ
وَحِسَابُهُ عَلَى الله عَزَّ وَجَلْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْهِ لَأُقْتِنَّ مَرْ فَرْقَ بَيْنَ الصَّلاَةَ
وَالَّكَةِ، فَنَّ الَّكَ حَقُّ الْمَالِ، وَالله لَوْ مَعُوْفِى عِقَلَا كَانُ يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول الله
صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّ لَتْهُمْ عَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَالْهِ مَاهُوَ
إلَّا أَنْ رَأَيْتُ الله عَزْ وَجَلْ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِ بَكْرِ لِلْعَالِ. قَالَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الَفُّ
﴿ش﴾ ﴿الليث) بن سعد. و (عقيل) بالتصغير ابن خالد (قوله لما توفى رسول الله)
كان ذلك ضحوة يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، ودفن
يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء (قوله واستخلف أبو بكر) أى تولى الخلافة بعد وفاة النبى
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وذلك أن الأنصار والمهاجرين اجتمعوا فى ثقيفة بنى ساعدة
(ناديهم، فبعد مشادة بين الفريقين بايع عمرأبا بكر، ثم تتابع الناس يبايعونه، وتم له الأمر
يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المذكور ، فقد أخرج البخارى من طريق عروة بن الزبير
عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مات وأبو بكر
بالسنح ((بضم السين وسكون النون وقيل بضمهما)، تعنى بالعالية فقام عمر يقول: والله مامات
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت: وقال عمر والله ما كان يقع فى نفسى إلا ذاك ((أى
عدم موته ، وليبعثنه اللّه فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم. بهاء أبو بكر فكشف عن رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقبله وقال: بأبى أنت وأمى. طبت حيا وميتا، والذى نفسى بيده
لا يذيقك اللّه الموتتين أبدا. ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر
جلس عمر. محمد اللّه أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت. وقال (( إنك ميت وإنهم

١١٥
سبب تعجيل مبايعة أبى بكر قبل استشارة علىّ رضى الله عنه
ميتون)). وقال «وما محمد إلا رسول قدخلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم،
ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين)) فنشج (١) الناس يبكون
قال واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فى ثقيفة بنى ساعدة. فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فذهب
إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته
أبو بكر. وكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلا أنى قد هيأت كلا ما قد أعجبنى خشيت أن لا يبلغه
أبو بكر. ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال فى كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال
حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم
الوزراء. هم «يعنى قريشا، أوسط العرب داراوأعربهم أحساب (٢)، فبايعوا عمر بن الخطاب أو أباعبيدة
ابن الجراح. فقال عمر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم ، فأخذ عمر رضى الله عنه بيده فبايعه وبايعه الناس . فقال قائل قتلتم سعد بن
عبادة (٣) . فقال عمر: قتله اللّه وفى رواية للبخارىّ أيضا عن عائشة: فما كان من خطبتهما من
خطبة إلا نفع الله بها: لقد خوف عمر الناس، وإن فيهم لنفاقا فردهم الله تعالى بذلك . ثم لقد
بَصَرَ أبو بكر الناس الهدى وعرفهم الحق الذى عليهم وخرجوا به يتلون ((وما محمد إلا رسول
قد خلت من قبله الرسل إلى قوله الشاكرين) اهـ وتأخر الإمام على وجماعة منهم الزبير
فلم يبايعوا أبا بكر إلا بعد ستة أشهر لما ماتت فاطمة رضى الله عنها. ولم يكن تأخره لقدح فى
بيعة أبى بكر ، إنما كان يرى أنه لا ينبغى إبرام أمر إلا بمشورته وحضوره، ولكن كان أبوبكر
وعمر وسائر الصحابة معذورين فى عدم انتظار استشارته، لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم
المصالح وخافوا من تأخرها خلافا يترتب عليه مفاسد عظيمة . فقد أخرج الشيخان من
حديث ابن عباس الطويل وفيه فقال: عمر والله ماوجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة
أبى بكر رضى الله عنه: خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلامنهم ((أى من الأنصار،
بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا ترضى،وإما أن تخالفهم فيكون فسادا اه ولذا أخروا تجهيز النبى صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى عقدت البيعة كى لا يقع نزاع فى تجهيزه وليس لهم حاكم يفصل
فى الأمر ، وروى مسلم قصة بيعة علىّ من حديث عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير
عن عائشة أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه تعالى وعلى آله وسلم أرسلت إلى
أبى بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بما أفاء الله عليه
(١) قوله فنشج الناس بفتح النون والشين المعجمة والجيم أى بكوا بغير انتحاب (٢) أى أشبه
العرب أفعالا (٣) يعنى خذلتموه وأعرضتم عنه، وقوله قتله الله يريد به الدعاء عليه حقيقة لما فى
حديث مالك فقلت وأنا مغضب: قتل الله سعدا فانه صاحب شروفتنة

١١٦
مبايعة علىبن أبى طالب لأبی بکر رضى الله عنهما
بالمدينة وفدك وما بقى من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
قال: لا نورث ماتركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فى هذا
المال، وإنى والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن حالها
التى كانت عليها فى عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ولأعملن فيها بماعمل به
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا فَوَجَدَت
فاطمة على أبى بكر فى ذلك، قال فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علىّ بن أبى طالب ليلا ، ولم يؤذن
بها أبا بكر وصلى عليها علىّ، وكان لعلىّ من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علىّ
وجوه الناس فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبى بكر أن
ائتنا ولا يأتنامعك أحد كراهية محضر عمر بن الخطاب، فقال عمر لأبى بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك
فقال أبوبكر: وماعساهم أن يفعلوا بى، واللّه لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر فتشهد على بن أبى طالب
ثم قال: إنا قدعرفنا ياأبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم نْفَس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكن
استبددت علينا بالأمر، وكنا نحن نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبى بكر ، فلما تكلم أبوبكر قال: والذى نفسى بيده
لقرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتى، وأما الذى
شجر بينى وبينكم من هذه الأموال فإنى لم آل فيها عن الحق ، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصنعه فيها إلا صنعته، فقال على لأبى بكر موعدك العشية
للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علىّ وتخلفه عن البيعة، وعذره
بالذى اعتذر اليه ثم استغفر، وتشهد على بن أبى طالب فعظم حق أبى بكر وأنه لم يحمله على الذى
صنع نفاسة على أبى بكر ولا إنكار الذى فضله اللّه به، ولكنا كنانرى لنا فى الامر نصيبا فاستبد
علينا به فوجدنا فى أنفسنا، فسر بذلك المسلمون ، وقالوا أصبت وكان المسلمون إلى علىّ قريباحتى
راجع الامر المعروف اهـ. ((والنفاسة، الحسدوروى أيضا من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن
عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر إنى سمعت رسول
اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم، وساق الحديث بمثل معنى حديث عقيل عن الزهرى، غير
أنه قال: ثم قام على فعظم من حق أبى بكر وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه فأقبل
الناس إلى على فقالوا أصبت وأحسنت فكان الناس قريبا إلى على حين قارب الأمر المعروف
وما تقدم من الأحاديث تعلم مافى قول البدر العينى: وبايعه يعنى أبا بكر جميع الصحابة حتى علىّ

١١٧
قتال من ارتد ومن تنبا بعد وفاة النبي صَلّ
ابن أبى طالب والزبير بن العوام . وما قيل من أن عليا بايعه بعد موت فاطمة وقد ماتت بعد
أبيها بستة أشهر، فذاك محمول على أنه بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشته بسبب الكلام
فى الميراث اهـ فان الأحاديث الصحيحة صريحة فى أنه لم يبايع مع السابقين ، وبهذا تم إجماع
الصحابة على بيعة أبى بكر. وأدى الطاعة إليه وإلى الخلفاء من بعده علىّ رضى الله عنه إلى أن انتهت
الخلافة إليه ، فقام بها على أحسن وجه وأكمل حال. وقد تحزب قوم للبيعة لعلى وادعوا أنه أحق
بالخلافة من غيره، وأنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أوصى إليه بها، وتعاموا عن الدلائل
الكثيرة الصحيحة الصريحة فى خلافة أبى بكر : أقواها بعد الاجماع إنابته صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم أبا بكر إماما فى الصلاة . وقد قال علىّ رضى الله عنه رضينا لدنيانا من رضيه
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لديننا ﴿قوله وكفر من كفر من العرب ) أى
ارتد عن الدين من أراد الله كفره، فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة ومنعوا الزكاة وعادوا إلى
ما كانوا عليه فى الجاهلية . وبمن ارتد أسد وغطفان وبنو حنيفة باليمامة وأهل البحرين وأزدعمان
ومن قاربهم من قضاعة وعامة بنى تميم وبعض بنى سليم . وثبث على الإسلام أهل المدينة : ثبتهم
اللّه بأبى بكر. وأهل مكة: ثبتهم الله بسهيل بن عمرو، فانه قد خطبهم بمثل ما خطب أبو بكر
يوم وفاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقد أخبر صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم بذلك يوم بدر، فقد قال لعمر حين أراد نزع ثنية سهيل المذكور : دعه ياعمر فعسى
أن يقوم مقاما تحمده عليه ولا تذمه. وثبتت ثقيف بالطائف: ثبتهم الله بعثمان بن أبي العاص
فقد قام فيهم بمثل ماقام به سهيل. ومن ثبت على الاسلام أسلم وغفار وجهينة ومزينة
وأشجع وهوازن وجشم وأهل صنعاء وغيرهم . وظهر بادعاء النبوة مسيلمة الكذاب من بنى
حنيفة وطليحة الأسدى وسجاح بنت الحارث وأسود العنسى باليمن . وأقرقوم بالصلاة ومنعوا
الزكاة إما لشبهة لهم فى المنع ، فقد روى أنهم قالوا إنما كنا نؤدى زكاتنا لمن كانت صلاته
سكنا لنا لآية «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم،
وقد توفى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا: لا تؤديهالغيره فهم مسلمون أهل بغى، وعليه
فإطلاق الكفر عليهم تغليظ ، وإما منكرين وجوبها. ومنهم من لم يمنع الزكاة إلا أن رؤساءهم
صدوهم عن دفعها وقبضوا على أيديهم كبنى يربوع ، فقد جمعوا صدقاتهم وأرادوا إرسالها إلى
أبى بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم ، فعظم الأمر على المسلمين واشرأبت أعناق
المشركين، فأسرع أبو بكر رضى الله عنه فى تلافى الأمر وأمر بعقد أحد عشر لواء لأحد عشر
قائدا : منهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص، فقاتلوا أهل الردة حتى رجعوا
إلى الإسلام. وقاتلوا المتنبئين حتى قتل مسيلمة باليمامة والأسود العنسى بصنعاء وهرب طليحة

١١٨
مراجعة عمر لأد بكر لما أراد قتال مانعى الزكاة
الأسدى وسجاح وأسلما بعدذلك . وكان لطليحة شأن فى نصرة الإسلام زمن عمر بن الخطاب
وقاتلوا مانعى الزكاة حتى أدوها، وقطع دابر القوم الذين ظلوا والحمد لله رب العالمين
﴿قوله قال عمر الخ﴾ أى لما أراد أبو بكر قتال مانعى الزكاة مع إقرارهم بالوحدانية اشتبه
عمر فى ذلك، وراجع أبابكر واحتج عليه بقول النبي صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم: أمرت
أن أقاتل الناس الخ تعلقا من عمر بأول الكلام وغير ناظر لقول النبي صلى اللّه تعالى عليه وآ له
وسلم فى آخره إلا بحقه، فقال له أبو بكر : إن الزكاة حق المال فلابد من قتالهم حتى يؤدوه (وفى
ذلك) دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان مجمعا عليه من الصحابة. وفيه الاحتجاج من عمر
بالعموم ومن أبى بكر بالقياس . فدل ذلك على أن العموم يخص بالقياس . وأيضا روى البخارى
عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا
أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا
منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله. فلو كان عمر رضى الله عنه ذاكرا لهذا
الحديث لما عارض أبا بكر، ولو كان أبو بكر ذاكرا له لأجاب به عمر، ولم يحتج إلى قياس الزكاة
على الصلاة (قوله عصم منى ماله ونفسه﴾ أى حفظهما فلا أستبيح واحدا منهما (وفى هذا) دلالة
على أنه أراد بلا إله إلا الله، النطق بالشهادتين بدليل حديث ابن عمر المتقدم، ففيه إطلاق الجزء
على الكل . قال القاضى عياض اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن
الإجابة إلى الإيمان وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا
أول من دعى إلى الاسلام وقوتل عليه. وأما غيرهم من يقر بالتوحيد فلا يكتفى فى عصمته
بقوله لا إله إلا اللّه إذا كان يقولها فى كفره وهى من اعتقاده، فلذلك جاء فى الحديث الآخر
وأنى رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة اهـ وقال النووى ولابد مع هذا من الايمان
بجميع ماجاء به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما جاء فى الرواية الأخرى
لأبى هريرة وهى مذكورة فى الكتاب (يعنى صحيح مسلم)) حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا
بى وبما جئت به اه و الرواية التى أشار إليها رواها مسلم فى كتاب الإيمان بسنده إلى أبى هريرة
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن
لا إله اللّه ويؤمنوا بى وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها
وحسابهم على الله (قوله إلا بحقه) أى حق الإسلام المأخوذ من المقام، وقد صرح به فى رواية
البخارى. وهو استثناء من عام محذوف أى فلا يجوز استباحة شىء من أموالهم ودمائهم بسبب من
الأسباب إلا بحق الإسلام كقتل النفس المحرمة والزنا ومنع الزكاة (قوله وحسابه على الله ) أى فيها
يسره من الكفر والمعاصى ، والمراد أن من نطق بكلمة التوحيد يحكم عليهم بالا يمان نظرا لظاهر

١١٩
بيان معنى العقال
حالهم فلا نتعرض لقتالهم ولا لأموالهم إلا بحق الإسلام، وندع أمر بواطنهم إلى الله تعالى، فهو يثيب
المخلص ويعاقب المنافق. وأفرد الضمير نظرا للفظ من، وفى رواية البخارى وحسابهم على الله بالجمع
نظرا لمعناها (قوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) فرق بالتشديد والتخفيف أى أقام الصلاة
ومنع الزكاة أو جحدها . وعزم أبو بكر رضى الله عنه على قتال من منع الزكاة لأنها أحد أركان الإسلام
مثل الصلاة، وخص الصلاة بالذكر لأنه قرن بينهما فى اثنتين وثمانين آية ، ولأنهما أصل العبادات
البدنية والمالية، ولذا كانت الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام (قوله فإن الزكاة حق
المال) أى أن الزكاة هى الفرض الذى فرضه الله فى المال كما أن الصلاة حق النفس، فكما أن
العصمة لا تتناول من لم يؤد الصلاة فكذلك لا تتناول من لم يؤد الزكاة . وعليه فهم داخلون فى
عموم أمرت أن أقاتل الناس (وفى هذا) بيان أن الحق فى قوله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بحقه،
يتناول حق المال وغيره، وكأن عمر فهم أنه لا يشمل الزكاة فأجاب أبو بكر بأنه شامل
لها أيضا، ويحتمل أن يكون عمر ظن أن أبا بكر أراد مقاتلتهم لكفرهم فاستشهد بالحديث
فأجابه الصديق بأنه إنما يقاتلهم لمنعهم الزكاة (قوله لو منعونى عقالا) بكسر العين الحبل
الذى يعقل به البعير وهو محكى عن مالك وابن أبى ذئب وغيرهما من المحققين، وهو مأخوذ
مع الفريضة لأن على صاحبها التسليم ، وإنما يقع قبضها برباطها. والصحيح أن المراد به ما يساوى
عقالامن حقوق الصدقة لأن الكلام وارد على وجه المبالغة . وقال النضر بن شميل إذا بلغت
الإبل خمسا وعشرين وجبت فيها بنت مخاض من جنس الإبل فهو العقال . وقال أبو سعيد
الضرير كل ماأخذ من الأموال والأصناف فى الصدقة من الإبل والغنم والثمار من العشر
ونصف العشر فهذا كله فى صنفه عقال، لأن المؤدى عقل به عنه طلبة السلطان وعقل عنه الإثم
الذى يطلبه اللّه تعالى به اهـ. قال العينى وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بالعقال زكاة عام،
وهو معروف فى اللغة بذلك ، واختاره أبو عبيد والمبرد والكسائى وغيرهم من أهل اللغة . وهو
قول جماعة من الفقهاء، واحتجوا فى ذلك بقول عمرو بن العلاء
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ، فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
أراد مدة عقال . وعمر و هذا هو ابن عتبة بن أبى سفيان الساعى ، ولاه عمه معاوية بن أبى سفيان
صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك . والسبد بفتحتين القليل من الشعر ، والمرادهنا لم يترك قليلا
من المال (قوله لقاتلتهم على منعه) أى على ترك أدائه للإمام وهو ظاهر فى أنه قاتلهم على
ترك تأدية الزكاة للإمام لا على إنكار فرضيتها (قوله فوالله ماهو إلا أن رأيت الخ) أى الحال
والشأن أنى علمت أن الله شرح صدر أبى بكر وفتح قلبه بالإلهام للقتال غيرة على أحكام الإسلام
فعلمت من الأدلة التى ذكرها والحجج التى أقامها أن رأيه هو الحق . ولعل النص الذى اعتمد عليه

١٢٠
تارك الزكاة وما يجب فى حقه . الزنديق . الخلاف فى قبول توبته
أبو بكر وعمل عليه مارواه الحاكم فى الإ كليل من حديث فاطمة بنت خشاف عن عبد الرحمن
الظفرى وكانت له صحبة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى رجل من أشجع لتؤخذ
صدقته ، فرده فرجع فأخبر النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ارجع فأخبره أنك رسول
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جاء إلى الأشجعى فرده، فقال له النبى صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم اذهب إليه الثالثة فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه . قال عبد الرحمن بن
عبد العزيز ((أحد رواة الحديث)) قلت لحكيم بن عباد بن حنيف ((أحد رواة الحديث أيضا))
ما أرى أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة إلا لهذا الحديث. قال أجل اهـ من العينى شرح البخارى
ببعض تصرف
﴿فقه الحديث) دل الحديث على فضل أبى بكر رضى الله عنه وما كان عليه من اليقين بالله
والتمسك بأوامر الدين وتنفيذها. وعلى مشروعية القياس والعمل به. وعلى جواز الحلف عند
الداعية. وعلى جواز المناظرة بين أهل العلم. وعلى ما كان عليه سيدنا عمررضى الله عنه من التمسك
بما يراه حقا والرجوع إلى الحق عند ظهوره. وعلى أنه يطلب من الإمام مقاتلة قوم ذوى منعة
امتنعوا من تأدية الزكاة ، وبالأولى من امتنع من تأدية الصلاة. أما التارك للزكاة بلا منعة فإن
كان منكرا وجوبها فإنه يقتل كفرا لإنكاره أمرامعلوما من الدين بالضرورة ، وإن كانتركها
بخلا مع اعتقاد وجوبها عزر وأخذت منه قهرا. ولا يؤخذ أزيد منها عند مالك وأبى حنيفة
والشافعى فى الجديد. وعند أحمد والشافعى فى القديم يؤخذ منه أيضا نصف ماله عقوبة له لحديث
بهز بن حكيم قال حدثنى أبى عن جدى قال: سمعت النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
يقول: فى كل إبل سائمة فى كل أربعين ابنة لبون لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله
أجرها، ومن أبى فأنا آخذها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد فيها شىء. رواه
النسائى. وسيأتى للمصنف فى ((باب زكاة السائمة)) وأجاب الجمهور عنه بأن الحديث لم يثبت. فقد
روى البيهقى عن الشافعى أنه قال : هذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ، وقال أبو حاتم بهز
یکتبحديثه ولايحتج به «ودعوى» أنه منسوخ بحديث«ليس فىالمال حق سوى الزكاة» رواه
ابن ماجه بسندضعيف ((غير مسلمة، لعدم العلم بالتاريخ. على أنه إنما يعمل بالناسخ إذا كان ثابتا
ودل الحديث على أن من أظهر الإسلام يقبل إسلامه وإن أسر الكفر. وهو المسمى بالزنديق
وعليه أكثر العلماء. واختلفت الشافعية فى قبول توبة الزنديق على أقوال . أحدها أنها تقبل مطلقا
الأحاديث الصحيحة المطلقة وهو أصح الأقوال. ثانيها عدم قبولها ويتحتم قتله لكنه إن صدق فى
توبته نفعه ذلك فى الدار الآخرة وكان من أهل الجنة . ثالثها أنه إن تاب مرة واحدة قبلت توبته
فإن تكرر ذلك منه لم تقبل . رابعها إن أسلم ابتداء من غير طلب قبل منه، وإن كانت وهو تحت