Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
( كتاب الصلاة) مذاهب الفقهاء فى وقت صلاة الجمعة
صلاة الظهر ويكون معنى قوله إلا يوم الجمعة لاتكره الصلاة فى ذلك الوقت يعنى فى أول
الوقت الذى يلى وقت الزوال من غير تأخير لعدم العلة الموجبة للكراهة وهى تسجير جهنم
فتكون الصلاة فى وقتها بعد الزوال بهذا التقدير اهـ يبعض تصرّف (قوله وهو مرسل الخ)
لعل مراده بالإرسال الانقطاع فإن الصحابى مذكور وقد بين المصنف وجه الإرسال بقوله
أبو الخليل لم يسمع من أبى قنادة ﴿ والحديث) أخرجه البيهقى
باب وقت الجمعة
وفى بعض النسخ (( باب فى وقت الجمعة ))
﴿ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلَىّنَا زَيْدُ بْنُ الْحَابِ حَدََّى فُلَيْحُ بْنُ سُلِمَنَ حَدَّقَى ◌َُْنُ
ابْنُ عَبْدِ الَّْنِ الَِّى سَمِعْتُ أَنْسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُتَعَلَى
عَلَيْهِ وَعَلَى أَلِهِ وَسَلَمْ يُصَلَى الْجُمْعَةَ إِذَا مَالَتْ الشَّمْسُ
﴿ش) وفى نسخة يصلى يوم الجمعة إذا مالت الشمس يعنى إذا زالت عن كبد السماء. وفى رواية
البخارى كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس أى يتحقق ميلها (وفيه إشعار) بأنه صلى الله عليه وآله
وسلم كان يواظب على صلاة الجمعة عقب الزوال (وإلى هذا) ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعى
والجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم مستدلين بحديث الباب وبما رواه مسلم عن سلمة بن
الأكوع قال كنا نجمع مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا زالت الشمس
ثم نرجع تتبع الفى ((وهو يفيد، أن الفيء كان موجودا لكنه قليل لأن الجدران كانت قصيرة
لا يستظل بظلها إلا بعد توسط الوقت (قال النووى) قال الشافعى صلى النبى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال (وذهبت الحنابلة)
وإسحاق إلى جواز الجمعة قبل الزوال مستدلين بما رواه أحمد ومسلم والنسائى عن جابر قال كان
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فتريحها حين تزول
الشمس . وبما رواه الدار قطنى وأحمد عن عبد اللّه بن سيدان السلمى قال شهدت الجمعة مع أبى
بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن
أقول انتصف النهار ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار فما رأيت
أحدا عاب ذلك ولا أنكره (قال أحمد) وكذلك روى عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية
أنهم صلوا قبل الزوال فلم ينكر عليهم فكان كالإجماع اهـ (وأجاب الجمهور) عن حديث
جابر بأنه محمول على المبالغة فى تعجيل الصلاة بعد الزوال من غير إبراد وأن الصلاة وإراحة
(٣١ - المنهل العذب المورود - ج ٦)

٢٤٢
ترجمة يعلى بن الحارث وإياس بن سلمة بن الأكوع
الجمال كانتا تقعان عقب الزوال . وعن الأثر المذكور عن أبى بكر وعمر وعثمان بأنه ضعيف
لأن عبد الله بن سيدان تكلم فيه غير واحد. قال الحافظ تابعى كبير غير معروف العدالة
وقال ابن عدى یشبه المجهول وقال البخارى لا يتابع على حديثه وقد عارضهماهو أقوى منه اهـ
((يعنى به حديث الباب عند المصنف والبخارى وما تقدم عند مسلم ومارواه ابن أبى شيبة عن
سويدبن نففلة أنه صلى مع أبى بكر وعمر حين زالت الشمس،
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى والترمذى والبيهقى
﴿ص﴾ حَدَّثَ أَحَدُ بْنُ يُونُسَ نَا يَعْلَى بْنُ الْخَارِثِ سَعْتُ إِيَاسَ بْنَ سَلَةَ بْنِالْأَكْوَعِ
يُحَدِّثُ عَنْ أَبِهِ قَالَ كُنَّا نُصَلّ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ الْجُمُعَةَ
ثُمَّ تَصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِطَانِ فِىٌ
﴿ش﴾ ﴿رجال الحديث) (يعلى بن الحارث) بن حرب بن جرير بن الحارث المحاربى
أبو حرب الكوفى. روى عن إياس بن سلمة وسليمان بن حبيب وإسماعيل بن أبى خالد وأشعث
ابن أبى الشعثاء وغيرهم. وعنه أحمد بن عبد الله ويحيى الحمانى ويحيى بن آدم وأبو الوليد الطيالسى
وآخرون. وثقه ابن معين وابن المدينى ويعقوب بن شيبة والنسائى وابن حبان وقال فى التقريب
ثقة من الثامنة. مات سنة ثمان وستين ومائة . و ﴿إياس بن سلمة بن الأكوع) الأسلى أباسلمة
أو أبا بكر المدنى. روى عن أبيه وابن عمار. وعنه ابناه سعيد ومحمد ويعلى بن الحارث وعمرو
ابن راشد وابن أبىذئب وغيرهم. وثقه ابن معین والعجلى والنسائى وابن حبان وقال فى التقريب
ثقة من الثالثة. توفى سنة تسع عشرة ومائة
(معنى الحديث) ﴿قوله وليس للحيطان فى.) يعنى يستظل به كماصرّح به فى رواية البخارى
والنسائى كنا نصلى مع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الجمعة ثم تنصرف وليس
للحيطان ظل يستظل به . وفى رواية مسلم وابن ماجه كنا نصلى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم الجمعة فنرجع وما نجد للحيطان فيئا نستظل به ((وليس المراد)) نفى الظل مطلقا لأن
الظل لا ينتفى فى وقت مالا قبل الزوال ولا بعده (وهذه) الروايات تدل على المبادرة بصلاة الجمعة
عقب الزوال لأن النفى فى قوله وليس للحيطان فى متوجه إلى القيد فقط وهو قوله يستظل به
فتكون دليلا للقائلين إن وقت الجمعة بعد الزوال
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخاري ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والدار قطنى

٢٤٣
أقوال العلماء فى صلاة الجمعة قبل الزوال
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد قَالَ كُنَّا
نَقِيلُ وَنَتَغَدَّى بَعْذَ الجُمْعَةِ
(ش) وفى رواية الترمذى ماكنا نقيل ولا تتغذى إلا بعد الجمعة فى عهد النبى صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم. والقيلولة النوم نصف النهار وتطلق على الاستراحة فى هذا الوقت
وإن لم يكن معها نوم. والغداء الطعام الذى يؤ كل أول النهار (واحتج به) من قال بجواز صلاة الجمعة
قبل الزوال لأن الغذاء والقيلولة محلهما نصف النهار. وحكوا عن ابن قتيبة أنه لا يسمى غذاء
ولا قائلة بعد الزوال (وحمله الجمهور) على أن المراد به التبكير بالصلاة أول الزوال فكانوا
لا يتغذون إلا بعد الجمعة لاشتغالهم بالتهيؤ للجمعة والتهجير وليس المراد أنه يقع تغذّيهم ومقيلهم
وقت الزوال حتى تكون الصلاة وقعت قبله (لكن) قال فى النيل قد ثبت أن النبى صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس كما فى مسلم من
حديث أم هشام بنت حارثة أنها قالت ماحفظت ق والقرآن المجيد إلا من فى رسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يقرؤها على المنبر كل جمعة. وعند ابن ماجه من حديث أبىّ
ابن كعب أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم يذكرباً يام
الله وكان يصلى الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث على وأبى هريرة
وابن عباس. ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظل
يستظل به وقد خرج وقت الغداء والقائلة (وأصرح) من هذا حديث جابر المذكور فى الباب
فإنه صرّح بأن النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم
فيريحونها عند الزوال (ولا ملجىَّ) إلى التأويلات المتعسفة التى ارتكبها الجمهور (واستدلالهم)
بالأ حاديث القاضية بأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفى الجواز قبله
(وقد أغرب) ابن العربى فنقبل الإجماع على أنها لا تجب حتى تزول الشمس إلا مانقل عن أحمد
(وهو مردود) فإنه قد نقل ابن قدامة وغيره عن جماعة من السلف مثل قول أحمد وأخرج ابن أبى
شيبة من طريق عبد الله بن سلمة أنه قال صلى بنا عبد الله بن مسعود الجمعة ضحى وقال خشيت
عليكم الحرّ. وأخرج من طريق سعيد بن سويد قال صلى بنامعاوية الجمعة ضحى (وفيما قاله) نظر فإن
خطبته وصلاته صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كاننا معتدلتين فما كان يزيد اشتغاله صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم بهما على ساعة فلكية وبمضيها لا يمكن أن يكون لجدران المدينة فى.
يستظلّ به لقصر جدرانها إذ ذاك (وما ذكره) عن معاوية وابن مسعود لا يعارض الأحاديث

٢٤٤
(كتاب الصلاة) ترجمة السائب بن يزيد الصحابى رضى الله تعالى عنه
الصحيحة الثابتة عنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم الدالة على أنه كان يصليها بعد الزوال (قال)
فى سبل السلام ليس فيه ((يعنى حديث الباب)) دليل على الصلاة قبل الزوال لأنهم فى المدينة
ومكة لا يقيلون ولا يتغدّون إلا بعد صلاة الظهر كما قال تعالى ((وحين تضعون ثيابكم من
الظهيرة ، نعم كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسارع بصلاة الجمعة فى أول وقت الزوال
بخلاف الظهر فقد كان يؤخره بعده حتى يجتمع الناس اهـ
﴿ والحديث) أخرجه أحمد والشيخان والنسائى والترمذى وابن ماجه والدار قطنى والبيهقى
باب النداء يوم الجمعة
وفى نسخة باب فى النداء يوم الجمعة
﴿صح حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَةَ الْرَادِىُّ ◌َاأَبْنُ وَهْبِ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابِ أَخْبَرَفِىِ
السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ أَوَّلْهُ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِى عَهْدِ
النِّّ صَلَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ فَ كَانَ خَلَةُ عُمَنَ وَكَثُرَ
النَّاسُ أَمَرَ عْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْأَذَانِ الثَّالِثِ فَأُذَّنَ بِهِ عَلَى الَّوْرَاءِ فَبَتَ الْأَمْرُ عَلَى ذلكَ
﴿ش﴾ ﴿رجال الحديث) (ابن وهب) هو عبد الله. و(يونس) بن يزيد. و﴿ السائب
ابن يزيد) بن سعيد بن ثمامة الكندى . روى البخارى من طريق محمد بن يوسف عن السائب
أن خالته ذهبت به وهو وجع فمسح النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأسه ودعاله وتوضأ
فشرب من وضوئه ونظر إلى خاتم النبوة. روى عن النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
وعن أبيه وعمر وعثمان وعبد الله بن السعدى وطلحة وآخرين. وعنه الزهرى ويحيى بن سعيد
وإبراهيم بن قارظ. مات سنة إحدى أواثنتين وثمانين
﴿ معنى الحديث﴾ ﴿قوله أن الأذان كان أوله الخ) وفى رواية ابن خزيمة كان ابتداء
النداء الذى ذكره الله فى القرآن إذا خرج الإمام يعنى وجلس. وقوله فلما كان خلافة
عثمان يعنى ومضى مدة منها كما فى رواية أبى نعيم. وقوله وكثر الناس يعنى فى المسجد كما
جاء فى رواية للبخارى ﴿قوله أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث) وفى رواية وكيع عن
ابن أبى ذئب عند ابن خزيمة فأمر عثمان بالأذان الأول ونحوه الشافعى ولا تنافى بينهما
لأنه باعتبار كونه مزيدا على الأذان والإقامة فى المشروعية ثالثا وباعتبار كونه مقدما
عليهما فى الفعل جعل أولا فهو أول فى الفعل ثالث فى المشروعية . ووصف بالثانى فى رواية

٢٤٥
بيان أن ما يفعله المؤذنون يوم الجمعة من الأولى والثانية بدعة
للبخارى عن عقيل بالنظر إلى الأذان دون الإقامة . وهذه الرواية صريحة فى أن عثمان هو الذى
زاد هذا النداء ((وماجاء فى بعض الروايات ، عن برد بن سنان عن مكحول عن معاذ أن عمر هو
الذى زاده ((فغير ثابت)، لأن معاذا كان خرج من المدينة إلى الشام فى أول غزو الشام واستمرّ إلى
أن مات بها فى طاعون عمواس فى خلافة عمر ( قوله فأذن به على الزوراء) بالمد موضع
بالسوق بالمدينة كما قاله البخارى . وما قاله ابن بطال من أنه حجر كبير على باب المسجد مردود
بما فى رواية الطبرانى فأمر بالنداء الأول على دار يقال لها الزوراء. وما فى رواية ابن ماجه وابن
خزيمة من قوله زاد النداء الثالث على دار فى السوق يقال لها الزوراء . وأمر به فى ذاك المكان
ليعلم الناس به أن الجمعة قد حضرت. وكان يفعل عند دخول الوقت لا قبله (فما يفعله) الناس قبل
دخول الوقت مما يسمونه بالأولى والثانية (لا أصل له) لأنه لم يفعله النبى صلى الله عليه وعلى آله
وسلم ولا أمر به ولا فعله أحد من أصحابه ولامن السلف بل هو محدث أحدثه بعض الأمراء كما
ذكره ابن الحاج العبدرى فيتعين تركه لأن تركه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم إياه مع
وجود المقتضى وهو تشريع الأحكام فى حياته واستمراره على ذلك حتى فارق الدنيا يدل على
عدم مشروعيته. وكذلك إجماع الأمة من الصحابة والسلف الصالح على هذا الترك دليل على
أن تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة . ولا يقال إنها داخلة تحت الا وامر العامة كقوله تعالى
((وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، لأن تركه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم إياه وكذا الصحابة
دليل على عدم دخوله فى تلك الأوامر. على أن هذا ليس من الخير بل هو ضلال كما نصّ عليه
النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء المهديين الراشدين
تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة
ضلالة رواه المصنف فى باب فى لزوم السنة من حديث العرباض بن سارية (قال فى المدخل) يطلب
من إمام المسجد أن ينهى المؤذنين عما أحدثوه من التذكار يوم الجمعة لأن النبى صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم لم يفعله ولا أمر به ولا فعله أحد بعده من السلف بل هو قريب العهد بالحدوث
أحدثه بعض الأمراء وهو الذى أحدث التغنى بالأ ذان فى المدرسة التى بناها وبدعة هذا أصلها
يتعين تركها «فإن قيل) الناس مضطرون للتذكار لكى يقوموا من أسواقهم وأشغالهم ويخرجوا
من بيوتهم فيأتوا إلى المسجد «فالجواب، أنه لا يخلو حال من يأتى إلى الجمعة إما أن يكون بعيدا
أوقريبا من المسجد فإن كان قريبا فالأذان الأول الذى فعله سيدنا عثمان رضى الله تعالى عنه
يكفيه سماعه وإن كان بعيدا فهو لا يسمع الأ ذان الأول الذى للتذكار فيأخذ لنفسه بالاحتياط
ألاترى أن السعى إلى الجمعة يجب على الناس بحسب قرب مواضعهم وبعدها وقد يتعين على
بعضهم الإتيان إلى الجمعة من طلوع الشمس وعلى بعضهم من الزوال بحسب ماذكر من القرب

٢٤٦
الاقتصار على أذان واحد لصلاة الجمعة
والبعد وإذا كان كذلك فلاضرورة تدعو إلى ما أحدثوه. ثم مع ذلك ترتب عليه المفاسد أعنى
التشويش على من فى المسجد ينتظر الجمعة وهم على ما يعلم من حالهم منهم المصلى والذاكر والتالى
والمتفكر إلى غير ذلك (وهذه البدعة) قد عمت بها البلوى فى الأقاليم لكن كل أهل إقليم قد
اختصوا بعوائد ألاترى أن التذكار فى الديار المصرية على ماهو مشاهد وفى المغرب يجتمع جماعة
من المؤذنين فيرفعون أصواتهم على المنار بقولهم الوضوء للصلاة ويدورون عليه مرارا وذلك
مكروه لوجوه (الأول) أنه لم يكن من فعل من مضى (الثانى) أن العامة تسمعهم فيظنون أن
الغسل للجمعة غير مشروع لها والغالب أنهم لا يسألون العلماء فتندرس هذه السنةبينهم ولو قدرنا
أنهم ينادون الغسل للجمعة وهو الغالب فقد يكون ذلك سببا لترك الجمعة لجهله وهو لا يسأل
ويسمع الغسل للجمعة ولا يقدر عليه فيترك الصلاة لأجل ذلك (الثالث ) ما ترتب على ذلك
من التشويش على من فى المسجد كما تقدم بيانه اهـ كلام صاحب المدخل (وماذكره) توسيع فى
الدائرة وإلا فيكفى فى منع ذلك أنه بدعة لم يستحسنها أحد من السلف وأن فيها تشويشا وهو
حرام بالإجماع وأنه وسيلة إلى اعتقاد العوام أنه من الدين ومن الأمور الشرعية التى لابدّ
منها والآيات والأحاديث والآثار ناطقة بمنع ذلك كله ﴿ قوله فثبت الأمر على ذلك﴾ أى على
زيادة أذان ثان على الزوراء كما كان فى عهد سيدناعثمان. وهذا كان بالنسبة لزمن أبى داود (أماما يفعل)
الآن من وقوع الأذانين فى مكان واحد أوأحدهما فوق المسجد والآخر داخل المسجد فليس
موافقا لما كان عليه سيدنا عثمان ولاما كان عليه النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر
وعمر فإن الغرض الذى زاد سيدناعثمان الأذان لأجله وهو أنه لما كثر الناس وانتشرت المنازل
كان من عند الزوراء لا يسمع الأذان الذى عند المسجد زاد أذانا على الزوراء لإ سماعهم
فإذا اجتمع الناس فى المسجد وجلس الخطيب على المنبر أذن المؤذن ثانيا خارج المسجد على
الباب أو على السطح كما كان فى زمن النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبى بكر وعمر
وهذا الغرض الذى أحدث الأذان الثانى منأجله فىزمنسيدناعثمان رضى اللهعنه ليس موجودا
فى زماننا فإننا لم نر أذانا يفعل بعيدا عن المسجد فإذاً يطلب الاقتصار على أذان واحد
فى الجمعة فى زماننا کما کان فى زمن النی صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصاحبه أبى بكر
وعمر لعدم الغرض الذى أحدث الأذان الثانى من أجله ومن لم يقتصر على أذان واحد فقد
خالف سيدنا عثمان فضلا عن غيره وهذا معلوم لمن اطلع على ماهو مقرّر فى كتب السنة، وعلى فرض
أنه وجد الغرض الذى أحدث الأذان الثانى من أجله زمن سيدنا عثمان رضى الله تعالى عنه
يطلب أن يقتصر على أذان واحد أيضا كما صرّح بذلك الشافعى فى الأم قال وأحب أن
يكون الأذان يوم الجمعة حين يدخل الإمام المسجد ويجلس على موضعه الذى يخطب عليه

٢٤٧
(كتاب الصلاة) اتفاق الأئمة على أن الأذان يوم الجمعة خارج المسجد
خشب أوجريد أومنبر أوشىء مرفوع له أوالأرض فإذا فعل أخذ المؤذن فى الأذان فإذا
فرغ قام خطب لا يزيد عليه وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة مؤذنين
((قال الشافعى)) وقد كان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدثه ويقول أحدثه معاوية والله تعالى
أعلم (( قال الشافعى، وأيهما كان فالا مر الذى على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم أحب إلىّ اهـ باختصارٍ ﴿ والحديث) أخرجه البخارى والنسائى ورواه الترمذى
والبخارى والبيهقى من طريق ابن أبى ذئب عن ابن شهاب
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا النَّبِىُّنَا معَمَّدُ بْنُ سَةَ عَنْ حَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الرَّهْرِىِّ عَنِ
السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَلَ كَانَ يُؤَذّنُ بَيْنَ يَدَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ
إِذَا جَسَ عَلَى الْبَرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى بَابِ الْجِدِ وَأَبِ بَكْرٍ وَعُمَ ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ
حَديث يُونُسَ
﴿ش﴾ ﴿النفيلى) عبد الله بن محمد تقدم فى الجزء الأول صفحة ٤٣. وكذا (الزهرى﴾ محمد
ابن مسلم صفحة ٤٨ (قوله كان يؤذن بين يدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
الخ) المرادأنه كان لا يؤذن للجمعة إلا أذان واحد خارج المسجد حين يجلس صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم على المنبر وكذلك كان يفعل بين يدى أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما (وبه
يردّ) ماذكره صاحب الهداية وشرحه ((إذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذنون بين
يدى المنبر)) بذلك جرى التوارث ولم يكن على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلم إلا هذا الأذان فإن ظاهره أن الأذان يوم الجمعة المتوارث عن رسول الله صلى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم وأصحابه رضى الله تعالى عنهم يكون داخل المسجد أمام المنبر وليس كذلك
(وقداتفقت) المذاهب على أن الأذان يوم الجمعة يكون خارج المسجد (قال) فى الفتاوى الهندية
والسنة أن يؤذن المؤذن على المأذنة أو خارج المسجد ولا يؤذن فى المسجد اهـ (وقال) فى البحر
والسنة أن يؤذن فى موضع عال يكون أسمع لجيرانه اهـ (وقال الإمام العينى) الحنفى فى شرحه
على البخارى روى الزهرى عن السائب بن يزيد كان إذا جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم على المنبر أذن المؤذن على المسجد ثم كانت الصحابة على ذلك ( قال) وفى رواية
أبى داود كان يؤذن بين يدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على باب المسجد
وكذا فى رواية الطبرانى وفى رواية عبد بن حميد اهـ إلى غير ذلك ممافى كتب السادة الحنفية
١

٢٤٨
الدليل على أن أنان الجمعة خارج المسجد
(وقال) فى نهاية المحتاج للرملى الشافعى ويستحب أن يؤذن على عال كمنارة وسطح للاتباع
ولزيادة الإعلام (وفى البحر) لو لم يكن للمسجد منارة سنّ أن يؤذن على الباب وينبغى تقييده
بما إذا تعذر فى سطحه وإلا فهو أولى اهـ وغير ذلك ممافى كتب السادة الشافعية (وقال الإمام)
أبو داود فى سننه عن السائب بن يزيد قال كان يؤذن بين يدى رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر زاد فى رواية
فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء
فثبت الأمر على ذلك اه و كذا فى غيره من كتب الحديث (وقال فى الكشاف) عند الكلام على
قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا، الآية والنداء الأذان
وقالوا المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر فكان إذا جلس النبى صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم على المنبر أذن المؤذن على باب المسجد فإذا نزل أقام الصلاة ثم كان أبوبكر
وعمر رضى اللّه تعالى عنهما على ذلك حتى إذا كان عثمان الخ ما تقدم (ومثله) فى روح المعانى وروح
البيان وحاشيتى الجمل والصاوى على الجلالين وفى البحر المحيط لأبي حيان وكتاب الدر اللقيط
لتاج الدين أحمد بن عبد القادر الحنفى وحاشية الشهاب على البيضاوى وغير ذلك من التفاسير
المشهورة (وقال) فى المدخل السنة فى أذان الجمعة إذا صعد الإمام على المنبر أن يكون المؤذن
على المنار ((أى أو السطح)) أو الباب كذلك كان على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
وأبى بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان رضى الله تعالى عنهم ثم زاد عثمان رضى الله تعالى عنه
أذانا آخر بالزوراء وهو موضع بالسوق لما كثر الناس وأبقى الأذان الذى كان على عهد
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنار والخطيب على المنبر إذ ذاك ثم إنه لما
تولى هشام بن عبد الملك جعل الأذان الذى فعله عثمان بالزوراء على المنار ثم نقل الذى كان
على المنار حين صعود الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
وأبى بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان بين يديه قال علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم وسنة النبي
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هى التى تتبع (فقد بان) أن فعل الأذان فى المسجدبين يدى الخطيب
بدعة تمسك بعض الناس بها ثم تطاول الأمر على ذلك حتى صار بين الناس كأنه سنة معمول
بها وهذا وماشا كله ليس له أصل فى الشرع. هذا ماهو من طريق النقل (وأما) ماهو من طريق
المعنى فلأن الأذان إنما هو نداء إلى الصلاة ومن هو فى المسجد لامعنى لندائه إذ هو حاضر
ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء الذى هو داخل المسجد وإنما هى عوائد وقع الاستئناس
بها فصار المنكر لها كأنه يأتى ببدعة على زعمهم فإنا لله وإنا إليه راجعون على قلب الحقائق
لأنهم يعتقدون أن ماهم عليه هو الصواب والأفضل ولو فعلوا ذلك مع اعتقادهم أنه بدعة

٢٤٩
بيان أن مؤذن الجمعة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واحد لا ثلاثة
لكان أخف أن يرجى لأحدهم أن يتوب اهـ ببعض تصرّف (وبهذا تعلم) أنه لاوجه لما يفعله كثير
من أهل زماننا من إقامتهم مؤذنا يؤذن داخل المسجد أمام المنبر زاعمين أن المراد بقوله بين
يدى الخطيب ما يصنعونه فابتدعوا بدعة ضلالة وزادوا فى الابتداع با قامتهم آخر على مكان
من تفع داخل المسجد أيضا يرفع صوته بالأذان عقب المؤذن الذى أمام المنبر كلمة بعد كلمة
﴿قوله ثم ساق نحو حديث يونس) أى ذكر محمد بن إسحاق عن الزهرى نحو حديث يونس عنه
﴿ص) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ الَّرِىِّ نَا عَبْدَةُ عَنْ مُحَمَّد يَعْنى أَبْنَ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِىُّ
عَنِ السَّائِبِ قَالَ لْ يَكُنْ لَرَسُولِ اللهِ صَلَّ ◌َلهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِلَّ مُؤَذِّنْ
وَاحِدٌ بِلَالٌ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَاهُ
﴿ش﴾ ﴿عبدة) بن سليمان تقدم فى الجزء الثالث صفحة ١٠٢ (قوله لم يكن لرسول الله صلى
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا مؤذن واحدبلال) يعنى فى الجمعة فلا يقال كان له جماعة من
المؤذنين سوى بلال ابن أم مكتوم وأبو محذورة وسعد القرظ وزياد بن الحارث الصدائى
فهؤلاء ما كانوا له صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فى يوم الجمعة فإن ابن أم مكتوم كان يؤذن
فى الصبح فقط إذا ظهر الفجر ففى رواية البخارى فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم
وأبو محذورة كان مؤذنا بمكة وسعد القرظ جعله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم مؤذنا لقباء
وزياد بن الحارث الصدائى تعلم الأذان ليؤذن لقومه أفاده العينى (وبهذه الرواية) يرد
على ابن حبيب المالكى من أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا رقى المنبر وجلس
أذن المؤذنون وكانوا ثلاثة واحدا بعد واحد فإذا فرغ الثالث قام خطب لأنه لم يرد
من طريق صحيح (قال الحافظ ) بعد نقل عبارة ابن حبيب لم يرد ذلك صريحا من طريق متصلة
يثبت مثلها ثم وجدته فى مختصر البويطى عن الشافعى اهـ ( قوله ثم ذكر معناه) أى ذكر محمد
ابن إسحاق معنى حديث يونس . وأخرجه ابن ماجه بلفظ ما كان لرسول الله صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم إلا مؤذن واحد إذا خرج أذن وإذا نزل أقام وأبو بكر وعمر كذلك فلما كان
عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار فى السوق يقال لها الزوراء فإذا خرج أذن وإذا
نزل أقام (والحديث) فى سنده محمد بن إسحاق وقد عنعن عن الزهرى وهو مدلس إذا عنعن
لكن رواه أحمد وصرّح بالتحديث عن الزهرى قال حدثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق قال
حدثنى محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهرى عن السائب بن يزيد بن أخت نمر قال لم يكن لرسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا مؤذن واحد فى الصلوات كلها فى الجمعة وغيرها يؤذن
(م٣٢ - المنهل العذب المورود - ج ٦)

٢٥٠
جواز تكليم الخطيب الرجل حال الخطبة
ويقيم قال كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنبر
يوم الجمعة ويقيم إذا نزل ولأبى بكر وعمر حتى كان عثمان (وقال) الحافظ ابن عبد البر فى التمهيد
شرح الموطأ بعد سرد الروايات وقال ابن إسحاق فى هذا الحديث عن الزهرى عن السائب بن
يزيد قال كان يؤذن بين يدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا جلس على المنبر
يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر ذكره أبو داود حدثنا النفيلى عن محمد بن سلمة عن
ابن إسحاق ثم ساق حديث يونس الذى تقدم وقال فى حديث ابن إسحاق هذا مع حديث مالك
ويونس ممايدل على أن الأذان كان بين يدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا
أن الأ ذان الثانى عند باب المسجد والثالث أحدثه عثمان على الزوراء اهـ
﴿ص﴾ حَدَّثَ مُحَدٌ بْنُ يَحَ بْنِ فَارِسٍ نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِرَامِ بْنِ سَعْدِنَا أَبِ عَنْ صَاحِ
عَنِ ابْنِ شِهَابِ أَنَّ السَّائِبَ بَنَ يَزِيدَ أَبْنَ أُخْتِ غَرِ أَخْبَهُ قَالَ وَلَمْ يَكُنْ لِسُولِ اللهِ صَلَ اللهُ
تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُؤَذِّنْ وَاحِدٍ وَسَاقَ هُذَا الْحَدِيثَ وَلَيْسَ بَِّمِهِ
﴿ش﴾ ﴿قوله وساق الحديث الخ) أى ساق صالح بن كيان الحديث مثل حديث
يونس وليس بتمامه والمراد أنه رواه مختصرا. وأخرجه النسائى من طريق صالح عن
ابن شهاب أن السائب بن يزيد أخبره قال إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة
ولم يكن لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير مؤذن واحد وكان التأذين يوم
الجمعة حين يجلس الإمام
باب الإمام يكلم الرجل فى خطبته
أيجوز ذلك أم لا
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبِ الْأَنْطَاكِّ ◌َ ◌َُ بْنُ يَزِيدَ نَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ
عَنْ جَابِ قَالَ لَّا أَسْتَوَى رَسُولُ اللهِ صَلَى الله تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَمَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ عَلَى
المِبَرِ قَالَ أَجْلِسُوا فَمِعَ ذَلِكَ أَبْنُ مَسْعُودٍ بَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَرَآهُ رَسُولُ الله
صَلَّىاللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَمَ فَقَالَ تَعَلَ يَاعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُذَا

٢٥١
جواز كلام الخطيب قبل الخطبة بعد الجلوس على المنبر
يُعْرَفُ مُرْسَلَا إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ عَطَاءِ عَنِ النَّىِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَمَ
٧٠٠٠١٠٠,٠٠٠
ويخلد هو شيخ
﴿ش﴾ ﴿ رجال الحديث﴾ ﴿مخلد بن يزيد) القرشى الحرانى أبو يحيى . روى عن
الأوزاعى وحريز بن عثمان ويحيى بن سعيد وإسراءيل بن يونس وجماعة. وعنه أحمد وإسحاق
ابن راهويه وعلى بن ميمون ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن كعب وكثيرون . وثقه ابن معين
وأبو داود ويعقوب بن سفيان وقال أبو حاتم صدوق وقال أحمد لا بأس به وكان يهم. توفى
سنة ثلاث وتسعين ومائة. روى له الشيخان وأبو داود والنسائى وابن ماجه . و ﴿ ابن جريج)
هو عبد الملك بن عبد العزيز تقدم فى الجزء الأول صفحة ٧٤
﴿ معنى الحديث﴾ ﴿ قوله لما استوى الخ) يعنى لما جلس صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم على المنبر أمر الناس بالجلوس . ولعله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى من كان جالسا
قام ليصلى وقت جلوسه على المنبر فأمرهم بالجلوس فيكون دليلا بعدم جواز صلاة من كان جاء
وقتئذ (قال ابن حجر) الظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى أحدا من الحاضرين قام
ليصلى فأمر بالجلوس لحرمة الصلاة على الجالس بجلوس الإمام على المنبر إجماعا اهـ (ويحتمل)
أن يكون الأمر عاما فيشمل الداخل والجالس فيكون حجة لمن منع الصلاة مطلقا وقت جلوس
الخطيب على المنبر. وسيأتى تمام الكلام عليه ﴿قوله تجلس على باب المسجد) مبادرة لامتثال الأمر
ولعله كان قادما حين سمع الأمر جلس على باب المسجد ﴿ قوله فقال تعال ياعبد الله بن مسعود)
لعله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم أمره بالدخول لأن المسجد كان فيه سعة ولأن ابن
مسعود كان من فقهاء الصحابة وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلينى منكم أولوا الأحلام
والنهى رواه المصنف فى باب ما يستحب أن يلى الا مام فى الصف . فلا يلزم منه تخطى الرقاب . وبين
به أن الأمر بالجلوس لمن كان داخل المسجد لا لمن كان خارجا عنه. وفيه وفى قوله اجلسوا
دليل على جواز كلام الخطيب قبل الشروع فى الخطبة وسيأتى بيانه ﴿قوله هذا يعرف
مرسلا الخ﴾ أتى به المصنف لبيان أن رواية الحديث متصلة ليس متفقا عليها . والمعروف روايته
مرسلا لأن أكثر الرواة رووه عن عطاء عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإسقاط
الصحابى ولم يروه متصلا إلا مخلد بن يزيد (قوله ومخلد هو شيخ﴾ أشار به إلى أنه عدل لأن
التعديل على مراتب (الأولى) قال ابن أبى حاتم إذا قيل للواحد ثقة أو متقن فيحتج بحديثه
(الثانية) إذا قيل صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به فيكتب حديثه وينظر فيه (الثالثة) إذا

٢٥٢
مذاهب العلماء فى جلوس الإمام أول صعوده على المنبر وفى حكم الخطبتين يوم الجمعة
قيل شيخ فيكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية فانفراد مخلد باتصال الحديث لا يقدح
فى صحته ﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والحاكم
باب الجلوس إذا صعد المنبر
﴿ص﴾ حَدَّثَا مُحَمُّ بْنُ سُلِيمَنَ الْبَارِىُّ نَا عَبْدُ الْوَهَّبِ يَعْنِى أَبْنَ عَطَاءِ عَنِ الْعُمَرِىِّ
عَنْ نَفِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَقَكَانَ النَّ صَلّى اللهُتَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَم يَغْطُبُ خُطْبَنِ
كَانَ يَجْلُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَ خَّى يَفْرُغَ أُرَاءُ الْمُؤَدِّنَ ثُمَ يَقُومُ فَيَغْطُبُ ثُمَّ يَخْلُ فَلَ
يَتَكَلّمُ ثْمَ يَقُومُ فَيَخْطُبُ
﴿ش﴾ ﴿العمرى) عبيد الله بن عمر تقدم فى الجزء الأول صفحة ٢٧١. وكذا (نافع) مولى
ابن عمر صفحة ٦٦ (قوله يخطب خطبتين) يعنى للجمعة قبل الصلاة ( قوله كان يجلس إذا صعد
المنبر الخ) يعنى قبل الشروع فى الخطبة وقوله حتى يفرغ غاية لجلوسه صلى اللّه تعالى عليه وعلى
آله وسلم على المنبر قبل الخطبة (قوله أراه المؤذن) من كلام نافع أتى به لبيان الفاعل المستتر
ويحتمل أن ابن عمر صرّح بالفاعل أى قال نافع أظن أن ابن عمر قال حتى يفرغ المؤذن (وفيه
دليل) على مشروعية الجلوس على المنبر قبل الشروع فى خطبة الجمعة (والحكمة) فيه انتظار فراغ
المؤذن من الأذان (وبه أخذ) مالك والشافعية والحنابلة وقالوا هو سنة بخلاف خطبة غير الجمعة
فلا يجلس قبلها (وعن مالك) روايتان ((إحداهما)) لا يجلس لأن الجلوس شرع يوم الجمعة لانتظار
فراخ المؤذن من الأ ذان ولا أذان فى خطبة غيرها (( ثانيتهما)) يجلس لأن صعود الإمام المنبر
للخطبة يتعلق بالصلاة فكان من سنته الجلوس قبل الخطبة كالجمعة (قوله ثم يقوم فيخطب الخ)
أى يقوم بعد الفراغ من الأذان فيخطب الخطبة الأولى ثم يجلس ولا يتكلم ثم يقوم
فيخطب الخطبة الثانية (وفيه دليل) على مشروعية الخطبتين للجمعة والجلوس بينهما (واختلف)
فى حكم الخطبتين (فذهبت) المالكية والشافعية والحنابلة والعترة إلى وجوبهما وأنهما شرط
فى صحة الجمعة (واستدلوا) بما ثبت عنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فى الأحاديث
الصحيحة ثبوتا مستمرّا أنه كان يخطب فى كل جمعة (وبقوله) صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
صلوا كما أيتمونى أصلى رواه أحمد والبخارى ولم يثبت أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
صلى الجمعة بدون خطبتين (قال النووى) ولأن السلف قالوا إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة
فإذا لم يخطب رجع للأصل اهـ (واستدلوا) أيضابقوله تعالى ((فاسعوا إلى ذكر الله)) قالوا والذكر

٢٥٣
مذاهب الفقهاء فى الجلوس بين الخطبتين
( کتاب الصلاة)
الذى بعدالأذان هو الخطبة (وبمثل هذا) قالت الحنفية إلا أنهم قالوا يحزئُ خطبة واحدة وتسنّ
الثانية (قال الزيلعى) وروى عن عدة من الصحابة أنهم خطبوا خطبة واحدة ولم ينكر عليهم
أحد اهـ((وحكاه العراقى)) عن الأ وزاعى وإسحاق بن راهويه وأبى ثور وابن المنذر وأحمد فى
رواية عنه (وذهب) الحسن وداود الظاهرى والجوينى وعبد الملك بن حبيب من أصحاب مالك إلى
أن الخطبة مندوبة. وإلى هذا جنح الشوكانى (وأجاب) عن أدلة الجمهور بما ملخصه أما استمراره
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الخطبة فى كل جمعة فهو مجرّد فعل لا يفيد الوجوب فضلا
عن الشرطية . وقوله صلوا كما رأيتمونى أصلى لا يدل على وجوب الخطبة لأنها ليست صلاة
بل ولا يدل على وجوب الصلاة على الصفة التى كان يصليها لأنه كان يواظب على أشياء ليست
واجبة كما يدل عليه حديث المسىء صلاته فإنه لم يعلمه التشهد وكان يواظب عليه (واستدلالهم)
بقوله تعالى ((فاسعوا إلى ذكر الله، لا يفيد وجوب الخطبة لأن الذكر ليس نصا فى الخطبة
بل محتمل لها وللصلاة . وحمله على الصلاة أولى للاتفاق على وجوبها بخلاف الخطبة ففى وجوبها
خلاف اهـ (وقال) فى الروضة الندية إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سنّ
فى الجمعة خطبتين يجلس بينهما وما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا وخطب فيها. إنما دعوى الوجوب
إن كانت بمجرّد فعله المستمرّ فهذا لا يناسب ما تقرّر فى الأصول ولا يوافق تصرّفات الفحول
وسائر أهل المذهب المنقول. وأما الأمر بالسعى إلى ذكر الله فغايته أن السعى واجب وإذا
كان هذا الأمر مجملا فبيانه واجب فما كان متضمنا لبيان نفس السعى إلى الذكر يكون واجبا
فأين وجوب الخطبة (فإن قيل)) إنه لما وجب السعى إليها كانت واجبة بالأولى ((فيقال)، ليس السعى
لمجرّد الخطبة بل إليها وإلى الصلاة ومعظم ما وجب السعى لأجله هو الصلاة فلا تتمّ هذه
الأولوية وهذا النزاع فى نفس الوجوب وأما فى كون الخطبة شرطا للصلاة فعدم وجود دليل
يدلّ عليه لا يخفى على عارف فإن شأن الشرطية أن يؤثر عدمها فى عدم المشروط فهل من دليل
يدل على أن عدم الخطبة يؤثر فى عدم الصلاة اهـ أما الجلوس بين الخطبتين فالجمهور على أنه
سنة تصح الجمعة بدونه (وقالت الشافعية) إنه واجب لا تصح الخطبة إلا به لمواظبته صلى الله
تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه مع قوله صلوا كما رأ يتمونى أصلى (وقد) علمت ما فى هذا الاستدلال
على أنهم قالوا بسنية الجلوس قبل الشروع وهو صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يواظب
عليه فأى فرق بينهما (قال العينى) قال ابن بطال روى عن المغيرة بن شعبة أنه كان لا يجلس فى
خطبته ولو كان فرضا لما جهله ولو جهله ما تركه من يحضره من الصحابة والتابعين (ومن قال) إن
الجلسة بين الخطبتين فريضة لاحجة له لأن القعدة استراحة الخطيب وليست من الخطبة
والمفهوم من كلام العرب أن الخطبة اسم للكلام الذى يخطب به ولم يقل بقول الشافعى غيره

٢٥٤
(كتاب الصلاة) مذاهب العلماء فى قيام الإمام حال خطبة الجمعة
و وخلاف الإجماع ((إلى أن قال، والعجب من الشافعى كيف جعل الخطبتين والجلسة بينهما
فرضا بمجرّد فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يجعل الجلوس قبل الخطبة فرضا وقد
صح أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فعله اهـ
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى والنسائى والدار قطنى والبيهقى
باب الخطبة قائما
(ص) حَدَّثَا النَّيِّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ نَازُهَيْرٌ عَنْ سِمَاكِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمْرَةَ أَنْ
رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمّ ◌َجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ
فَيَخْطُبُ قَائِمًا فَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالًا فَقَدْ كَذَبَ فَقَدْ وَالله صَلَيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ
مِنْ أَقْ مَلَاةَ
﴿ش﴾ ﴿زهير) بن معاوية تقدم فى الجزء الأول صفحة ١١٢. وكذا (سماك) بن حرب صفحة
٢٤١ (قوله كان يخطب قائما) فيه دليل على مشروعية القيام حال الخطبة(واختلف) فىحكمه (فذهب
الجمهور) إلى وجوبه واستدلوا بحديث الباب وبمارواه البخارى ومسلم والمصنف وغيرهم عن
ابن عمر قال كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم
يقوم كما يفعلون اليوم . وبما رواه الشافعى عن أبى هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم وأبابكر وعمر كانوا يخطبون يوم الجمعة خطبتين قياما يفصلون بينهما بالجلوس (قال
النووى) لأن الخطبة أحد فرضى الجمعة فوجب القيام والقعود كالصلاة ((ومارواه، ابن أبى شيبة
عن طاوس قال خطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قائما وأبو بكر وعمر
وعثمان وأول من جلس على المنبر معاوية (لا يدل)) على عدم الوجوب لأن جلوس معاوية فى الخطبة
كان لضرورة كثرة لحمه (فقد) روى ابن أبى شيبة عن الشعبى أن معاوية إنما خطب قاعدا
لما كثر شحم بطنه ولحمه (وقال أبو حنيفة) وأصحابه وأحمد فى رواية عنه القيام فى الخطبة سنة
لأنه الثابت من فعله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم وفعل الخلفاء الراشدين بعده وليس بواجب
لأن الفعل بمجرّده لا يفيد الوجوب وهذا هو الظاهر لما علمت من أن مجرّد الفعل لا يقتضى
الوجوب ((وماقاله النووى، من أن الخطبة أحد فرضى الجمعة فوجب القيام لها كالصلاة ((معارض))
بأنها تخالف الصلاة فى عدم اشتراط استقبال القبلة فيها فهى بالأ ذان أشبه (قوله فمن حدثك
الخ) وفى رواية أحمد فمن قال إنه كان يخطب جالسا فقد كذب. وفى رواية مسلم فمن نبأك

٢٥٥
( كتاب الصلاة) مذاهب الفقهاء فى قراءة القرآن فى خطبة الجمعة
أنه كان يخطب جالسا فقد كذب. والغرض منه تأكيد قيامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
فى الخطبة (قوله فقد والله صليت معه أكثر من ألفى صلاة) محمول على المبالغة فى الكثرة أو محمول
على الصلوات الخمس لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يصلّ الجمعة هذا القدر أو نصفه
من حين افتراضها إلى أن فارق الدنيا فإنه إنما يكمل فى نحو أربعين سنة
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد ومسلم والنسائى والبيهقى وكذا الحاكم مطوّلا
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا إبرَاهِمُ بْنُ مُوسَى وَمَنُ بْنُ أَبِ شَيَْةَ الْمَعنَى عَنْ أَبِ الْأَخْوَصِ
تَاسَِكٌ عَنْ جَابِ بْنِ سَُرَةَ قَ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُتَعَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّ خُطْبَنِ
يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكَّرُ النَّسَ
(ش) لم يبين فى هذه الرواية ما كان يقرأه من القرآن فى الخطبة وسيأتى للصنف
أنه كان يقرأ فيها سورة ق". وفى رواية ابن ماجه عن عطاء بن يسار عن أبيّ بن كعب أنه
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا بأيام الله وعطاء لم
يدرك أبيا وفى رواية الطبرانى فى الأوسط عن جابر أن النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
خطب فقرأ فى خطبته آخر الزمر فتحرّك المنبر مرّتين وفى سنده عبد الرحمن بن عثمان
ابن أمية وفيه مقال. وعنده أيضا عن على أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ
على المنبر ((قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد)) وفى سنده هارون بن عنترة وفيه مقال (وفى)
هذا كله دلالة على مشروعية قراءة القرآن فى الخطبة ولا خلاف فى مشروعيتها (واختلفوا) فى
وجوبه (فقال الشافعى) يجب قراءة آية ويستحب قراءة قّ (وقال الإمام يحيى) تجب قراءة
سورة واستدلوا بمواظبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على القراءة فى الخطبة (وقال الجمهور)
لا يجب القرآن فى الخطبة وهو الأرجح لما تقدم من أن مجرّد الفعل لا يفيد الوجوب (واختلف)
أيضا فى محل القراءة (فقال الشافعى) فى إحدى الخطبتين لابعينها (وقالت الهادوية) وبعض
أصحاب الشافعى يقرأ فى الأولى. ويدل لهمارواه ابن أبى شيبة عن الشعبى مرسلا قال كان النبى
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه ثم قال السلام
عليكم ويحمد الله تعالى ويثنى عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل وكان
أبو بكر وعمر يفعلان ذلك (وقال العراقيون) من أصحاب الشافعى يقرأ فيهما جميعا وهو ما اختاره
القاضى من الحنابلة (وحكى العمرانى) أنه يقرأ فى الخطبة الثانية ويدل له مارواه النسائي عن
جابر بن سمرة قال كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب قائما ثم يجلس

٢٥٦
اتكاء الإمام حال الخطبة على عصا أُو قوس
ثم يقوم ويقرأ آيات ويذكر الله عزّ وجلّ (والظاهر) أن النبى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم
ما كان يلتزم فى الخطبة قراءة سورة بعينها ولا آية كذلك. وقوله ويذكر الناس من التذكار
أى يعظهم ويأمرهم وينهاهم ويعدهم بالجنة على الطاعة ويحذرهم من المخالفات
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والبيهقى وأخرجه ابن ماجه عن شعبة وسفيان
عن سماك وأخرجه النسائي عن سفيان عن سماك
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا أَبُو ◌َمِ نَاأَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ رَ أَيْتُ
النَّ صَلَى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَ يَخْطُبُ قَائِمً ثُمَّيَقْعُ قْدَةٌ لَكَمُوَسَاقَ الْحَدِيثَ
﴿ش﴾ ﴿أبو كامل) فضيل بن حسين الجحدرى. و ﴿ أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله
﴿قوله ثم يقعد قعدة) أراد بها الجلسة التى بين الخطبتين ﴿ قوله وساق الحديث ) أى ذكر
أبو عوانة حديث جابر المتقدم
﴿ من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الإمام أحمد من طريق عفان قال ثنا أبو عوانة ثنا
سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب
قائما ثم يقعد قعدة لا يتكلم ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى على منبره فمن حدثك أنه يراه يخطب
قاعدا فلا تصدقه
باب الرجل يخطب على قوس
أى يخطب متكنا على قوس
﴿ص﴾ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ نَا شِهَبُ بْنُ خِرَاشِ حَدَّثَ شُعَيْبُ بْنُ رُزَيْ
الطَّائفى قَالَ جَلَسْتُ إِلَى رَجُل لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَىآلِهِ وَسَلَمَ
يُقَالُ لَهُ الْحَكُمُ بْنُ حَزْنِ الْكُلِىّ ◌َأْثَأَ يُحَدَّثْنَ قَالَ وَقَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلّ ◌َلهُ تَعَلَى عَلَيهِ
وَعَلَى آلِهِ وَسَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ تَاسِعَ تِسْعَةِ فَدَخَنَ عَلَيْهِ فَقْنَارَ سُولَ اللهِ رْنَاكَ قَدْعُ الْهُ
لَا ◌ِخَيْ فَرَبِنَ أَوْ أَمَ لَا ◌ِشَىْءٍ مِنَ الَّرِ وَالثَّأْنُ إِذْ ذَاكَ دُونٌ ◌َأْنَ بِهَا أَّمَا شَهِدْنَا فِيَ
الْعَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ تَعَلَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِوَ سَمَفَقَامَ مُتَوَكْثَا عَلى عَمَا أَوْ قَوْسِ

٢٥٧
أقوال العلماء فى أن الخطيب يعتمد بأى اليدين على قوس أوعصا
◌َمَدَ اللهَ وَأَتْنَى عَلْهِ كَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيَِّت مُبَارَ كَاتِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكْ لَنْ
تُطِقُوا أَوْلَنْ تَفَلُوا كُلَّ أُمِرْ تُمْبِهِ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُ وا قَالَ أَبُو عَلى سَعْتُ أَبَدَاوُدَ
قَالَ تَبَى فِى شَىْءٍ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَبِىِ
﴿ش﴾ ﴿رجال الحديث﴾ ﴿شهاب بن خراش) بن حوشب بن يزيد بن الحارث الشيبانى
الواسطى. روى عن أبيه والقاسم بن غزوان وقتادة وأبى إسحاق السبيعى وجماعة . وعنه
عبد الرحمن بن مهدى وأسد بن موسى وقتيبة وهشام بن عمار وآخرون . وثقه ابن المبارك وابن
عمار والعجلى وأبو زرعة وقال أحمد وأبو حاتم ويحيى بن معين لا بأس به زاد أبو حاتم صدوق
وقال ابن عدى له أحاديث ليست بالكثيرة وفى بعض رواياته ما ينكر عليه ولا أعرف للمتقدمين
فيه كلاما وقال ابن حبان كان رجلا صالحا وكان من يخطئُّ كثيرا حتى خرج عن الاعتداد به
لكن قال الحافظ الأكثر على توثيقه. و ﴿ شعيب بن رزيق) بتقديم الراء على الزاى ﴿الطائفى)
الثقفى. روى عن الحكم بن حزن. وعنه شهاب بن خراش . قال ابن معين ليس به بأس صالح
وقال فى التقريب لا بأس به من الخامسة (قوله فقال له الحكم بن حزن ) يفتح فسكون (الكلفى)
بضم الكاف وفتح اللام نسبة إلى بنى كلفة بن حنظلة بن مالك كما قاله البخارى أو إلى بنى كلفة
ابن عون بن نصر كما قاله خليفة قال مسلم لم يرو عنه إلا شعيب بن رزيق
﴿معنى الحديث) ﴿قوله فأنشأ يحدثنا﴾ أى شرع يحدثنا ﴿قوله سابع سبعة أو تاسع تسعة)
شك من شعيب وهو حال من فاعل وفد يعنى أتيت النبي صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم حال
كونى واحدا من سبعة أو واحدا من تسعة ﴿قوله زرناك) أى أتيناك زائرين وللزائر حق
﴿قوله فأمر بنا أو أمر لنا الخ) بالشك عطف على محذوف أى فدعا اللهلنا وأمر لنا بشىء من التمر
والشأن إذذاك دون يعنى وقت ضيق من العيش. وأتى به الحكم بن حزن اعتذارا عن اقتصاره
صلى الله عليه وآله وسلم على التمر المقدم لهم منه ﴿قوله فأقمنا فيها أياما شهدنا فيها الجمعة الخ) يعنى
أقمنا بالمدينة أياما حضرنا معه صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجمعة. وفى رواية أحمد فلبثنا عنده أياما
شهد نافيها الجمعة ( قوله فقام متو كتا على عصاأ وقوس) وفى رواية أحمد فقام رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم متوكنا على قوس أو قال عصا (وفى هذا دلالة) على مشروعية اعتماد الخطيب حال
الخطبة على عصا أو نحوها . وحكمة ذلك أن فيه بعد يده عن العبث (واختلف الفقهاء) بأى اليدين
يتكئُّ الخطيب على ما يعتمد عليه (فقالت المالكية) يأخذالخطيب استحبابا بيده اليمنى عصا أوقوسا
أوسيفا يتكئُّ عليه حال خطبته ولا يعتمد على عود المنبر (وقالت الشافعية) يأخذ ماذكر بيده
(٣٣ - المنهل العذب المورود - ج ٦)

٢٥٨
(كتاب الصلاة) إبطال القول باعتماد خطيب الجمعة على سيف
اليسرى ويشغل اليمنى بحرف المنبر لا تباع السلف والخلف فإن لم يجد شيئا من ذلك جعل اليمنى
على اليسرى أو أرسلهما. ولو أمكنه شغل اليمنى بحرف المنبر وإرسال اليسرى فلا بأس (وقالت
الحنفية) يكون السيف بيساره فى كل بلدة فتحت عنوة ويخطب بقوس أوعصا فى كل بلدة فتحت
صلحا (وقالت الحنابلة) ويسنّ أن يعتمد على سيف أوقوس أو عصابا حدى يديه ويتوجه باليسرى
ويعتمد بالأخرى على حرف المنبر أو يرسلها (وهذه التفاصيل) كلها لم نقف على دليل يدل عليها
وليس فى حديث الباب مايدل على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأخذ ما يتكئُّ
عليه باليمنى أو اليسرى (والظاهر) ماذهب إليه المالكية من استحباب أخذ الخطيب ما يعتمد
عليه بيده اليمنى (لما روى) الشيخان عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم يعجبه التيمن فى ترجله وتنعله وطهوره وفىشأنه كله . وسيأتى للمصنف فى كتاب
اللباس (وروى) النسائى عنها قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحب التيامن
يأخذ بيمينه ويعطى بيمينه ويحب التيمن فى جميع أموره (قال فى الهدى) كان صلى اللّه تعالى عليه
وعلى آله وسلم يعتمد على قوس أوعصا قبل أن يتخذ المنبر وكان فى الحرب يعتمد على قوس
وفى الجمعة يعتمد على عصا ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف ((وما يظنه بعض الجهال )) أنه كان
يعتمد على السيف دائما وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف (( فمن فرط جهله، القبيح
من وجهين ((أحدهم)) أن المحفوظ أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم توكأ على العصا وعلى
القوس (( الثانى) أن الدين إنماقام بالوحى وأما السيف فلحق أهل الضلال والشرك ومدينة النبى
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التى كان يخطب فيها افتتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف
ولا يحفظ عنه أنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولاقوس ولا غيره ولا قبل اتخاذه أنه
أخذبيده سيفا ألبتة وإنما كان يعتمد على عصا أوقوس اهـ (ويؤيد) ما قاله من أنه صلى اللّه تعالى
عليه وعلى آله وسلم كان يعتمد فى الحرب على قوس وفى الجمعة على عصا مارواه ابن ماجه من
طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدثنى أبى عن أبيه عن جده أن رسول الله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا خطب فى الحرب خطب على قوس وإذا خطب
فى الجمعة خطب على عصا (قوله كلمات خفيفات الخ﴾ نحو الكلمات الآتية فى الحديث بعدو كلمات
منصوبة بنزع الخافض أى أثنى عليه بكلمات كما فى رواية البيهقى ﴿ قوله لن تطيقوا أولن تفعلوا
الخ) بالشك وفى رواية أحمد إنكم لن تفعلوا ولن تطيقوا أى إنكم لن تستطيعوا فعل كل ما أمر م
به ولكن توسطوا فى العمل فلا تفرطوا حتى تملوا ولا تفر طوا حتى تعاقبوا فالسداد التوسط فى
العمل (وقال) الحافظ سدّدوا أى الزمواالسداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط وأبشروا
بالثواب على العمل الدائم وإن قلّ. والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأ كمل بأن العجز إذا

٢٥٩
خطبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره. وأبهم المبشربه تعظيما وتفخيما له ( قوله قال أبو على
الخ) أى قال أبو على محمد اللؤلؤى أحد تلاميذ المصنف قال أبوداود وذكرنى بشىء من الحديث بعض
أصحابى بعد أن شككت فيه لذهابه من القرطاس . وفيه إشارة إلى زيادة تحرّى المصنف
﴿ فقه الحديث) يدل الحديث على مشروعية زيارة أهل الفضل والارتحال إليهم، وعلى
استحباب إكرام الضيف بما تيسر من غير تكلف ، وعلى استحباب طلب الدعاء من أهل الخير
وعلى طلب المكث عند العالم للاستفادة منه ، وعلى استحباب اعتماد الخطيب حال خطبته على
عصا أوقوس. وقد علمت مافيه، وعلى مشروعية افتتاح الخطبة بالحمد والثناء على الله تعالى
وعلى أنه ينبغى للخطيب أن يرشد الناس إلى مافيه صلاحهم وتبشيرهم بالثواب على الأعمال
الخيرية لينشطوا لها ، وعلى استحباب التوسط فى العمل من غير تفريط ولا إفراط
﴿من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وأبو يعلى والبيهقى
﴿ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ نَا أَبُو عَاصِمِ نَاعِمْرَانُ الْقَطَّانُ عَنْ قَادَةَ عَنْ عَبْدِ رَبّه
عَنْ أَبِ عِيَاضِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَلَى عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ كَانَ
إِذَا تَشَهِدَ قَالَ الْخَدُ للّه نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَلَ
مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَهَادِىَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلّهَ إلّ ◌َللهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ
أَرْسَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَيَدَىِ السَّاعَةِ مَنْ يُطِعِ اللّهُ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا
فَإِنَّهُ لَا يَضُرْ إلَّانَفْسَهُ وَلَا يَضْرْ اللّهَ شَيْئًا
﴿ش﴾ (رجال الحديث)﴾ ﴿أبو عاصم﴾ الضحاك بن مخلد النبيل. و﴿عمران القطان) تقدم
فى الجزء الرابع صفحة ١٠. و﴿قتادة) بن دعامة. و﴿عبد ربه )) بن سعيد بن قيس بن عمرو
الأنصارى النجارى . روى عن جده وأبى أمامة وثابت البنانى وسعيد المقبرى وآخرين . وعنه عطاء
وعمرو بن الحارث ومالك وشعبة والسفيانان وكثيرون . وثقه النسائى وابن سعد والعجلى
وأبو حاتم وقال حسن الحديث. مات سنة تسع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة. و﴿أبو عياض)
المدنى قيل اسمه قيس بن ثعلبة وقيل عمرو بن الأسود. روى عن ابن مسعود. وعنه عبدربه
ابن سعيد بن قيس. قال فى التقريب مجهول من السادسة . روى له أبوداود والنسائى
﴿معنى الحديث﴾ ﴿قوله كان إذا تشهد) يعنى خطب وأطلق عليها التشهد لاشتمالها عليه

٢٦٠
ذكر بعض خطبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
﴿قوله نستعينه ونستغفره الخ﴾ أى نطلب منه عز وجل المعونة على الطاعة والمغفرة للذنوب فإنه
أهل لذاك ونعوذ به من شرور أنفسنا. واستعاذ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من شر النفس
لأنها أمارة بالسوء ميالة إلى الأهواء والأغراض الفاسدة وهذا تعليم منه صلى الله تعالى عليه
وعلى آله وسلم للأمة لأنه معصوم من الذنوب وقد ملك نفسه (قوله من يهد اللّه الخ )
وفى نسخة من يهده الله أى من يخلق الله فيه الهداية والتوفيق إلى طاعته فلا يقدر أحد
على إضلاله ومن يخلق فيه الضلالة فلا يقدر أحد على هدايته (قوله أرسله بالحق الخ) أى
أرسله الله تعالى بالدين الحق مبشرا من أطاع بالجنة فى الآخرة وبالنصر فى الدنيا. ومخوّنا
من عصى بالنكال فى الدنيا وبالنار والعذاب فى الآخرة. وقوله بين يدى الساعة يعنى قريبا من
قيامها فظهوره فى الدنيا من أشراط الساعة كما يشير إليه قوله صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله
وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى رواه مسلم ﴿ قوله فقد رشد)
أى أصاب الصواب واهتدى إليه ورشد من بابى تعب وقتل ﴿ قوله ومن يعصهما الخ) فيه
دلالة على جواز الجمع بين الله ورسوله فى ضمير واحد. ويؤيده مافى رواية البخارى من قوله
صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون اللهورسوله
أحب إليه مماسواهما (قوله ولا يضرّ اللّه شيئا) من ذكر الخاص بعد العام وفائدته دفع ماعساه
أن يتوهم أن الله تعالى يلحقه ضرر مخالفة من خالف (وقد جاء) فى خطبته صلى الله تعالى عليه وعلى
آله وسلم ألفاظ أخر (فقد روى) الشافعى فى مسنده من طريق كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس
أنه صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم خطب يوما فقال إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه
ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقدرشد
ومن يعص الله ورسوله فقد غوى حتى يفىء إلى أمر الله (وروى) أيضا عن إبراهيم بن محمد قال
حدثنى عمرو أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خطب يوما فقال فى خطبته ألا إنالدنيا
عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضى فيها ملك قادر ألا وإن
الخير كله بحذافيره فى الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره فى النار ألا فاعملوا وأنتم من اللّه على حذر
واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيرايره ومن يعمل مثقال ذرة شرا
يره (ورواه) أيضا البيهقى من طريق زبيد بن الحارث عن شداد بن أوس
﴿فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الحمد فى ابتداء الخطبة (واختلف فى حكمه) فقالت
الشافعية والحنابلة إنه من واجبات الخطبة لا تصح إلا به واستدلوا بفعله صلى اللّه تعالى عليه وعلى
آله وسلم كما فى الحديث وبما سيأتى للمصنف عن أبى هريرة عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله