Indexed OCR Text
Pages 181-200
- ١٨١ - وقال الحافظ فى الإفصاح على نكت ابن الصلاح: ومن جملة صفات القبول التى لم يتعرض لها شيخنا الحافظ يعنى زين الدين العراقى أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث فإنه يقبل حتى يجب العمل به ، وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول ، ومن أمثلته قول الشافعى : وماقلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه بروى عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، لكنه قول العامة لا أعلم بينهم اختلافا انتهى . وفى صحيح البخارى : وقال الزهرى ولا بأس بالماء مالم يغير طعم أو لون أو ريح قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى: وقول الزهرى هذا ورد فيه حديث مرفوع قال الشافعى لا يثبت أهل الحديث مثله لكن لا أعلم فى المسألة خلافا يعنى فى تنجيس الماء إذا تغير أَحد أوصافه بالنجاسة والحديث المشار إليه أخرجه ابن ماجه من حديث أبى أمامة وإسناده ضعيف وفيه اضطراب انتهى . وقال الشوكانى فى نيل الأوطار: حديث ((الماء لا ينجسه شىء إلا ماغلب على ريحه أو طعمه أو لونه)) أخرجه الدار قطنى من حديث ثوبان وفى إسناده رشدين بن سعد وهو متروك. وعن أبى أمامة مثله عند ابن ماجه والطبر انى وفيه أيضا رشدين . ورواه البيهقى بلفظ (( إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسه تحدث فيه)) من طريق عطية بن بقية عن أبيه عن ثور عن راشد ابن سعد عن أبى أمامة . وفيه تعقب على من زعم أن رشدين بن سعد تفردبوصله ورواه الطحاوى والدار قطى من طريق رشدين بن سعد مرسلا. وصحح أبو حاتم إرساله . وقال الشافعى: لا يثبت أهل الحديث مثله. وقال الدار قطنى لا يثبت هذا الحديث . وقال النواوى: اتفق المحدثون على تضعيفه . قال فى البدر المنير: فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف فتمين الاحتجاج بالإجماع --- ١٨٢ - كما قال الشافعى والبيهقى وغيرهما يعنى الاجماع على أن المتغير بالنجاسة ريحا أو طعما أو لونا نجس، وكذا نقل الإجماع ابن المنذر فقال أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس انھی . وقال الامام الشوكانى أيضا فى الدرارى المضية شرح الدرر البهية: وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه لزيادة لكن قد وقع الإجماع على مضمونها كما نقله ابن المنذر وابن الملقن والمهدى فى البحر ، فمن يقول بحجية الإجماع كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة وهو الإجماع ومن كان لا يقول بحجية الإجماع كان هذا الإجماع مفيدا لصحة تلك الزيادة لكونها قد صارت مما أجمع على معناها وتلقى بالقبول ، فالاستدلال لإجماع انتهى. وقل الحافظ ابن حجر فى فتح البارى فى باب الصيام : روى البخارى فى التاريخ الكبير قال قال مسدد عن عيسى بن يونس حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة رفعه قال قال ((من ذرعه القىء وهو صائم فليس عليه القضاء، وإن استقاء فليقض)) قال البخارى لم يصح وإنما يروى عن عبد الله ابن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة ، وعبد الله ضعيف جدا . ورواه الدارمى من طريق عيسى بن يونس ونقل عن عيسى أنه قال زعم أهل البصرة أن هشاما وم فيه . وقال أبو داود، سمعت أحمد بقول ليس من ذا فى شىء : ورواه أصحاب السنن. الأربعة والحاكم من طريق عيسى بن يونس. وقال الترمذى غريب لا نعرفه إلا من رواية عيسى بن يونس عن هشام. وسألت محمدا عنه فقال لا أراء محفوظا انتهى. وقد أخرجه ابن ماجه والحاكم من طريق حفص بن - ١٨٣ - غياث أيضا عن هشام . قال وقد روى من غيره وجه عن أبى هريرة ولا يصح إسناده انتهى. ولكن العمل عليه عند أهل العلم انتهى كلام الحافظ فى الفتح. وفى الترمذى وعليه العمل عند أهل العلم انتهى . وأخرج الترمذى فى باب ما جاء فى الصلاة على الدابة فى الطين والماء من حديث عمر بن الرماح عن كثير بن زياد عن عمر بن عثمان بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده (( أنهم كانوا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر فانتهوا إلى مضيق حضرت الصلاة فطروا السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته وأنام وتقدم على راحلته فصلى بهم يومى إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع)) قال أبو عيسى: هذا حديث تفرد به عمر بن الرماح البلخى لا يعرف إلا من حديثه وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم وكذا روى عن أنس بن مالك أنه صلى فى ماء وطين على دابته، والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق انتهى . قال الحافظ ابن حجر فى التلخيص وقدرواه الترمذى وأحمد والدارقطنى من حديت على بن مرة ، إلى أن قال وقال الترمذى: تفرد به عمر بن الرماح وضعفه البيهقى وابن العربى وابن القطان، وقال عبد الحق: إِسناده صحيح والنووى إسناده حسن. وقد رواه الدارقطنى من هذا الوجه بلفظ ((أمر المؤذن فأذن وأقام أو أقام بغير أذان ثم تقدم فصلى )» ورحح السهيلى هذه الرواية لأنها بينت ما أجمل فى رواية الترمذى وإن كان الرواى له عن عمر بن الرماح عنده شديد الضعف انتهى. فعلى كون عمر بن الرماح ضعيفا عند الترمذى والبيهقى وابن العربى والدارقطنى وابن القطان يصح قول الترمذى ، وعليه - ١٨٤ - العمل عند أهل العلم لتلقيهم له بالقبول. وأما على تصحيح الحافظ عبد الحق له وتحسين النووى فهو حجة بنفسه فلا إشكال . وأخرج الترمذى أيضا فى باب ما جاء فى الرجل يقتل أبنه أيقاد منه أم لا من حديث إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن سراقة بن مالك قال « حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الأبن من أبيه)) هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث سراقه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بصحيح ، رواه إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح والمثنى بن الصباح ضعيف فى الحديث . وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه جده عن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم. وقدروى هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلا وهذا حديث فيه اضطراب، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقاد ، وإذا قذفه لا يحد انتهى . وأخرج الترمذى أيضا فى باب إبطال ميراث القاتل من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((القاتل لا يرث)) هذا حديث لا يصح ولا يعرف هذا إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن عبد الله بن أبى فروة قدتركـ بعض أهل العلم منهم أحمد بن حنبل ، والعمل على هذا عند أهل العلم أن القاتل لا يرث سواء كان القتل خطأ أو عمداً. وقال بعضهم إذا كان القتل خطأ فإنه يرث، وهو قول مالك انتهى. وبهذا يتضح لك أن تصحيح بعض المحدثين للحديث إذا صرح أكثرهم بضعفه كحديث ((لا وصية لوارث)) أو غيره مثلا - ١٨٥ - لا يقدح فى تضعيف من ضعفه لأن تضعيف من ضعفه باعتبار أن كل طريق من طرقه لا يخلو إسنادها عن مقال ، وتصحيح بعضهم باعتبار التلقى وبالنظر إلى مجموع طرقه. فاعتراض بعضهم على الحافظ السخاوى والحافظ السيوطى فى تضعيفهما لحديث (( لا وصية لوارث)) بأنه قد صححه الترمذى ليس فى محله لما علمت . وقد تقدم فيما نقلناه عن الحافظ ابن حجر فى فتح البارى ما يفيد من ذلك فراجعه يتضح لك بطلان إعتراض المعترض المذكور وعدم اطلاعه على قواعد أهل هذا الفن التى لا يعرفها إلا من أحاط بمسالكهم الدقيقة والله أعلم. وقال السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير فى تلقيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار السيد العلامة الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير ما لفظة: وقد یرویالرواى عن المجروح متقويا به وهو معتمد فى العمل على عموم أو قياس أو على ماهو الأصل وهو الإباحة أو الحظر على حسب رأيه، ولو لم يكن معه إلا الحديث الضعيف الذى رواهلم يستجز العمل به وإن جاز أن يروه فعمل الراوى بالحديث الضعيف لا يدل على أنه مستند إليه. إلا أنه يشكل على هذا قولهم العمل على وفق الحديث الضعيف يدل على قوته أو على أن له أصلا أقصى ما فى الباب أن تجويز هذا ضعيف عند الناظر فيه إذا لتجويزات بحمل الثقات فى الروايات على أنهم جزموا بالرواية عن الضعفاء والمجاريح تجويز مستبعد ضعيف انتهى. وقال العلامة صالح بن محمد المقبلى الصنعانى فى بعضمؤلفاته: إن الحديث الصحيح بالمعنى الأخص عند المتأخرين من حوالى زمن البخارى ومسلم وهو مارواه العدل الحافظ عن مثله من غير شذوذ ولا علة، وبالمعنى الأعم عند المتقدمين من المحدثين وجميع الفقهاء والأصوليين هو المعمول به ، فالصحيح - ١٨٦- الأعم يشمل الصحيح بالمعنى الأخص والحسن وبعض الضعيف فإذا قال المحدث من المتأخرين هذا حديث غير صحيح فإنما نفى معناه الأخص باصطلاحه فلا ينتفى الأعم ، وحينئذ فيحتمل أن الحديث حسن أو ضعيف أوغير معمول به ، فيجب لأجل هذا الاحتمال البحث عن الحديث فإن كان حسنا أو ضعيفا معمولا به كان مقبولا، وإن كان ضعيفا غير معمول به كان غير مقبول ولا ترد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجرد القول المحتمل انتهى. وقال السيد العلامة عبد القادر بن أحمد الكوكبانى شيخ الإمام الشوكانى فى بعض مؤلفاته: إذا قال المتأخرون من المحدثين هذا حديث غير صحيح أو لا يصح لم يكن معناه أن الاستدلال به مردود ولا أن غير معمول به بل لم نجد لهم حرفا مصرحاً بذلك ، فإذا قال بعض المتأخرين فى حديث: إنه غير صحيح أو لا يصح ولم يزد على ذلك كان قوله مقبولا ثم يبحث عنه ، فإن كان حسناً أو ضعيفاً معمولا به عمل به وإلا ترك انتهى. فالمأمور به فى كلام المحقق المقبلى هو البحث عن التضعيف المجمل كما أمر العلماء بالبحث عن الجرح المطلق انتهى . وقال شيخ مشائخنا السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان فى المنهج السوى: وما فقل عن الإمام أحمد من العمل بالحديث الضعيف مطلقا حيث لم يرد غيره وأنه خير من الرأى قال ابن علان رحمه الله تعالى : حمل الضعيف فيه على مقابل الصحيح على عرفه وعرف المتقدمين فإن الخبر عندهم صحيح وضعيف لأنه ضعف عن درجة الصحيح فيشمل الحسن ، وأما الضعيف بالاصطلاح المشهور أى ما لم يجمع شروط القبول فليس مراد كما نقله ابن العربى عن شيخه قال الزركشي: وقريب منه قول ابن خزيمة : الحنفية متفقون على أن مذهب أبى حنيفة أن ضعيف الحديث - ١٨٧ - عنده أولى من الرأى، فالظاهر أن مراده بالضعف ما سبق انتهى . وفى المنهج السوى أيضاً: يعمل بالحديث الضعيف فيما كان من باب الاحتياط كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة مثلا فالمستحب أن يتنزه عن ذلك ومن ذلك ماذكره الفقهاء من كراهة الماء المشمس عملا يخبر عائشة مع ضعفه لما فيه من الاحتياط وترك مايريب. قال الزركشى : ومما يجوز العمل بالخبر أن يكون الموضع موضع احتياط فيجوز الاحتجاج به ظاهراً . قال فى كتاب القصاص من الروضة قال الصيمرى : لو سأل سائل فقال إن قتلت عبدى فهل علىّ قصاص؟ فواسع أن يقول له إن قتلته قتلناك، فعن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ((من قتل عبده قتلناه)) ولأن القتل له معان قال: وينبغى أن يستثنى من العمل بالخبر الضعيف فى الأحكام ما إذا لم يوجد سواه، فقد ذكر الماوردى أن الشافعى احتج بالمرسل إذا لم توجد دلالة سواه وقياسه فى غيره من الضعيف خلافه وما إذا وجد له شاهد مقو من كتاب أو سنة سواء كان باللفظ أو بالمعنى . انتهى كلام السيد عبد الرحمن فى المنهج . وقال الحافظ ابن تيمية: إثبات الحسن اصطلاح الترمذى، وغير الترمذى من أهل الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ما انحط عن درجة الصحيح. ثم قد يكون متروكا، وهو أن يكون متهما أو كثير الغاط ، وقد يكون حسنا بأن لايتهم بالكذب. وهذا معنى قول أحمد رحمه الله تعالى: العمل بالضعيف أولى من صاحب القياس انتهى . وقال الحافظ السخاوى: وعن أحمد أنه يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره وفى رواية عنه: ضعيف الحديث أحب إلينا من رأى الرجال انتهى . - ١٨٨ - وقال الحافظ ابن القيم فى أعلام الموقعين: الأصل الرابع من أصول الإمام أحمد الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن فى الباب شىء يدفعه وهو الذى رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا مافى روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به ، بل الحديث الضعيف عندهم قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن . ولم يكن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف ، والضعيف عنده مراتب فإذا لم يحد فى الباب أثراً يدفعه، ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس وليس أحد من الأمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة. فإنه مامنهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس، فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة فى الصلاة على محض القياس ، وأجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدم حديث الوضوء بنبيذ الّر على القياس وأكثر أهل الحديث يضعفه ، وقدم حديث أكثر الحيض عشرة أيام وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس، فالذى تراه فى الثالث عشر مساو فى الحد وفى الحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر، وقدم حديث ((لا مهر أقل من عشرة دراهم)» وأجمعوا على ضعفهبل بطلانه على محض القياس، فإن بذل الصداق معاوضة فى مقابلة بذل البضع ، فما تراضيا عليه جاز قليلا أو كثيراً وقدم الشافعى خبر تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس وقدم خبر جواز الصلاة بمكة فى وقت النهى مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد ، وقدم فى أحد قوليه حديث ((من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته)) على القياس مع ضعف الخبر وإرساله، وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابى على القياس ، فإذا لم يكن عند الإمام أحمد فى المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف ٠٠ - ١٨٩ - معدلها إلى الأصل الخامس وهو القياس فاستعمله للضرورة . وقد قال فى كتاب الخلال : سألت الشافعى عن القياس فقال إنما يصار إليه عند الضرورة انتهى . وذكر ابن حزم الإجماع على أن مذهب أبى حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من الرى والقياس إذا لم يجد فى الباب غيره وقال الملاعلى القارى إن أبا حنيفة قدم الحديث ولو كان ضعيفا على القياس، وكذا اعتبر الحديث وترك الرأى وكذا عمل بالمرسل انتهى . قال ابن القيم: وأصحاب أبى حنيفة مجمعون على أن مذهب أبى حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأى، وعلى ذلك بنى مذهبه ، فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأى قوله وقول الإمام أحمد بن حنبل وليس المراد بالحديث فى اصطلاح السافى هذا الضعيف اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا انتهى . وقال السيد العلامة البدر المنير محمد بن إسماعيل الأمير فى تلقيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار فى علم مصطلح الآثار ما لفظه قال : ابن الصلاح عن أبى داود أنه قال مافى كتابى هذا من حديث وفيه وهن شديد بينته ، ومالم أذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض، وروينا عنه أنه قال : ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يشابهه وما يقاربه، وروينا عنه أنه يذكر فيه ماعرفه فى ذلك فإن قلت أجاز ابن الصلاح والنووى وغيرهما من الحفاظ العمل بماسكت عنه أبو داود لأجل هذا الكلام المروى عنه وأمثاله قلت: قال الحافظ ابن جحر: إن قول أبى داود مافيه وهن شديد بينته يفهم منه أن الذى يكون فيه وهن غير شديد لا يبينه ومن هنا تبين لك أن جميع ماسكت عنه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الإصطلاحى بل هو على أقسام منها ماهو صحيح أو على شرط الصحة - ١٩٠ - ومنها ماهو من قبيل الحسن لذاته ، ومنها ماهو من قبيل الحسن إذا اعتضد ، وهذان القسمان كثير فى كتابه جدا ، وفيه ماهو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبا، وكل من هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها كما نقل بن منده عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره وأنه أقوى عنده من رأى الرجال ، وكذا قال ابن عبد البر: كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده لاسيما إن كان لم يذكر فى الباب غيره . ونحو هذا ماروينا عن الإمام أحمد فيما نقله عنه ابن المنذر وغيره أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن فى الباب غيره . وأصرح من هذا مارويناه عنه فما حكاه عنه ابن العربى أنه قال لابنه أردت أن أقتصر على ماصح عندى لم أرو من هذا المسند إلا الشىء بعد الشى. ، ولكنك يابنى تعرف طريقتى فى الحديث أنى لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان فى الباب شىء يدفعه ، ومن هذا مارويناه من طريق عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بالإسناد الصحيح إليه قال سمعت أبى يقول : لاتكاد ترى أحدا ينظر فى الرأى إلاّ وفى قلبه دخل والحديث الضعيف أحب إلىّ من الرأى. فهذا نحو مما يحكى عن أبى داود ولا عجب فإنه من تلامذة الإمام أحمد ، فغير مستنكر أن يقول بقوله ، بل حكى النجم الطوخى عن العلامة تقى الدين بن تيمية أنه قال : اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقا لشرط أبى داود ، ومن هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ماسكت عنه أبو داود فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء فى الاحتجاج ويسكت عابها مثل ابن لهيعة وصالح موالى التوأمة وعبد الله بن محمد بن عقيل وموسى بن وردان وسلمة بن الفضل ودلهم بن صالح وغيرهم، فلا ينبغى للناقد أن يقلده فى السكوت على أحاديثهم ويتابعه فى الاحتجاج - ١٩١ - بهم . بل طريقة أن ينظر هل لذلك الحديث متابع يعتضد به أوهو غريب فيتوقف فيه لاسيما إن كان مخالفاً لرواية من هو أوثق منه فإن ينحط إلى قبيل المنكر وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه وصدقة الدقيقى وعمرو بن واقد العمرى ومحمد بن عبد الرحمن البيانى وأبى حيان الكلبى وسليمان بن أرقم وإسحاق بن عبد الله بن أبى فروة وأمثالهم فى المتروكين وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة وأحاديث المدلسين بالعنعنة والأسانيد التى فيها من أبهمت أسماؤهم فلا يتجه الحكم بأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبى داود ، لأن سكوته تارة اكتفاء بما تقدم من الكلام فى ذلك الراوى فى نفس كتابه ، وتارة يكون الذهول منه ، وتارة يكون ظهور شدة ضعف ذلك الراوى واتفاق الأمة على طرح روايته كأبى الحدير ويحيى بن العلاء وغيرهما، وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثر فإن رواية أبى الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ماليس فى رواية اللؤلؤى ، وإن كانت روايته عنه أشهر . ثم عد أمثلة من أحاديث السنن تؤيد ماقاله ثم قال: والصواب عدم الإعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا من أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنه . والمعتمد أن مجرد سكوته لا يدرك على ذلك فكيف يقلده فيه هذا جميعه إن حملنا قوله ومالم أقل فيه بشىء فهو صالح على أن مراده صالح للحجة وهو الظاهر وإن حملناه على ماهو أعم من ذلك وهو الصلاحية للحجية وللاستشهاد أو المتابعة فلا يلزم منه أن يحتج بالضعيف ويحتاج إلى تأمل تلك المواضع التى - ١٩٢ - سكت عليها وهى ضعيفة هل منها أفراد أو لا إن وجد فيها أفراد تعين الحمل على الأول وإلا حمل على الثانى، وعلى كل تقدير فلا يصلح ماسكت عليه للاحتجاج مطلقاً انتهى. قال النووى إلا أن يظهر فى بعضها أمر يقدح فى الصحة أو الحسن وجب ترك ذلك أو كما قال . ولفظ الحافظ بن حجر نقلا عن النووى أنه قال: فى سنن أبى داود أحاديث ظاهرها الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها فلا بد من تأويل كلامه . قال والحق إنما وجد ناء فى سننه مما لم ينبه عليه ولم ينص على صحته أو حسنه من يعتمد عليه فهو حسن ، وإن نص على ضعفه من يعتمد عليه أو رأى العارف فى سنده ما يقتضى الضعف ولا جابر له حكم بضعفه ولا لمتفت إلى سكوت بى داود قلت : وهذا هو الحق، لكن خالف ذلك فى مواضع كثيرة فى شرح المهذب وفى غيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل سكوت أبى داود عليها فلا يغتر بذلك . انتهى كلام السيد محمد الأمير فى تلقيح الأفكار . وفيه أيضاً فإن قيل قد نقل الحافظ ابن النحوى فى البدر المنير والحافظ زين الدين فى التبصرة عن الحافظ أبى عبد الله بن منده أنه قال عن أبى داود إنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره لأنه عنده أقوى من رأى الرجال ، وهذا يقتضى أن ماسكت عنه أنه ضعيف عنده لا يجوز العمل به لأنه لا يعمل إلا بالصحيح أو الحسن وهذا خارج عنهما لأنه ضعيف لم يعضده خبر آخر بل لم يجد غيره وذلك الضعيف الذى صرح أبو داود بإخراجه فى كتابه غير متميز من غيره فوجب ترك الجميع ، أى جميع ماسكت عنه لأنه وإن كان فيه ما يصح به العمل لكنه لم يتميز عما لا يصح فلم يحل الاحتجاج بشىء منها إلا بعد - ١٩٣ - الكشف عن أحوال رجالها فى كتب الجرح والتعديل، وهذا خلاف ماعليه العمل من العلماء فإنهم يحتجون بما سكت عنه أبو داود وخلاف مانص عليه الحفاظ كأبن الصلاح والنووى وزين الدين العراقى وسراج الدين ابن النحوى وغيرهم، فإنهم قالوا يحتج بما سكت عنه أبو داود إلا أن يظهر فى بعضها أمر يقدح فى الصحة أو الحسن وجب ترك ذلك كما نقله المصنف عن النووى فى أن ماسكت عنه أنه يحتمل الصحة والحسن . قلت : الجواب عن ذلك لا يشكل إلا على من كان لا يعرف ما اصطلح عليه القوم فى باب مراتب الجرح والتعديل وغيره من أبواب علوم الحديث. وأنت إذا بلغت هذا الباب من الجرح والتعديل عرفت أنهم يطلقون الضعيف على العدل فى دينه المتوسط فى مراتب الحفظ والإتقان . وقد نص زين الدين فى مراتب التجريح الخمس على أن الضعيف وهو المرتبة الرابعة منها أى من مراتب التجريح يكتب حديثه وحديث من فى رتبته ومن فى رتبة الخامسة للاعتبار بهم دون أهل المراتب المتقدمة من المجروحين فإنه لا يكتب حديثهم لذلك . وروى عن أبى حاتم فى أهل مراتب التعديل الخمس أن أهل المرتبة الرابعة منهم يكتب حديثه للاعتبار وهم أى أهل المرتبة الرابعة من مراتب التعديل من قيل فيه إنه صالح الحديث أو محله الصدق أو وسط أو شيخ أو مقارب الحديث بفتح الراء وكسرها كما قاله الزين . وأعلم أن ابن معين قال من قيل فيه إنه ضعيف فليس بثقة ولا يكتب حديثه . نقله عنه الزين ، وذكر فى ذلك خلافا ، فعرفت بهذا أن الضعيف فى رابع مراتب الجرح وهو صالح الحديث فى رابع مراتب التعديل ، ولكنه يوصف بالضعف بالنظر إلى من فوقه من الثقات الأثبات المتقنين . ويوصف (م ١٣ - المعجم الصغير جـ ٢) - ١٩٤ - بصالح الحديث بالنظر إلى صدقة ، ويرفعه عن موقبة المغفلين المكثرين من الخطأ ، ويرفعه عن مرتبة المجروحين والمتهمين . ويدل على ما ذكرته ما ذكروه من أقسام الضعف من أن الحديث قد يسمى ضعيفا عندهم إذا كان من طريق رجال الحسن المستورين ، غير أنه لم يرد له شاهد ولا متابع ، فالإسناد الضعيف واجب القبول عند كثير من الأصوليين والفقهاء ، وإن لم يتابع راويه على روايته ولا يكون حسنا لذاته ولا لغيره، وأما المحدثون فيذهبون إلى قبوله متى جمع شروط الحسن لذاته أو لغيره إلا البخارى فلم يقبله. ويوضح ماذكرته من أن الإسناد الضعيف مقبول عندهم هو ماقدمناه عن أبى داود أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره وهذا نص منه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره . وقال فيما سكت عنه إنه صالح ثم قال وبعضها أصح من بعض، فعبارته تشعر بأن الذى سكت عليه فيه صحيح، وأصح، والذى أخرجه عند عدم وجود غيره ورأى أنه أولى من الرأى ضعيف. وقال الإمام النووى رحمة الله تعالى فى الأذكار : وقد روينا عن أبى داود أنه قال ذكرت فى كتابى الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، وما كان فيه ضعف شديد بنيته ومالم أذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض . هذا كلام أبى داود ، وفيه فائدة حسنة يحتاج إليها صاحب الكتاب وغيره وهى أن مارواه أبو داود فى سننه ولم يذكر ضعفه فهو عنده صحيح أو حسن وكلاهما يحتج به فى الأحكام فكيف فى الفضائل ، فاذا تقرر هذا فمتى رأيت هنا حديثا من رواية أبى داود وليس فيه تضعيف فاعلم أنه لم يضعفه انتهى . قال العلامة محمد بن علان البكرى الصديقى فى حاشية الأذكار : قوله ذكرت فى كتابى الصحيح ومايشبهه ويقاربه قال المصنف فى الإرشاد وفى رواية - ١٩٥ - عنه ما معناه أنه يذكر فى كل باب أصح ما عرف فيه بحيث يخرج الضعيف ثم ظاهر كلامه أن الأقسام ثلاثة الصحيح قسم ، وما يشابهه ويقاربه قسم، ومافيه ضعف شديد قسم ، وعليه جرى غير واحد منهم ابن الصلاح ، ولكن قال ابن الجزرى فى الهداية إن عبارة أبى داود تفهم أن الحديث أربعة أقسام صحيح وما يشبهه وهو الحسن وما يقاربه وهو الصالح ، وما فيه ضعف شديد فيصير الصالح على هذا قسما مستقلا، وعلى الأول مندرج فى شبه الصحيح محتمل للصحة والحسن قوله وما كان فيه ضعف شديد بينته عبر فى الإرشاد والتقريب بقوله وهن شديد وقوله بينته . قال الحافظ هل البيان عقب كل حديث على حدته حتى لو تكرر ذلك الإسناد بعينه مثلا أعاد البيان أو يكتفى به فى موضع ويكون فيما عداه كأنه بينه ، الظاهر الثانى . ونظر فيه تلميذه السخاوى فى شرح التقريب بأنه لا يلزم من تعليل الحديث برا وطرده فى سائر أحاديثه لوجود شاهد أو متابع فى بعضها دون بعض أو لكونه فى أحد الموضعين من صحيح حديث المختاط أو المدلس دون الآخر أو لكون أحدهما فى الفضائل ونحوها والآخر فى الأحكام انتهى. وقوله ومالم أذكر فيه شيئا فهو صالح . أى ماسكت عن بيان حاله فهو صالح. قال السخاوى : ومما ينبه عليه أن سنن أبى داود تعددت رواتها عن مصنفيها ولكل أصل وبينها تفاوت حتى فى وقوع البيان فى بعضها دون بعض ، سيما رواية أبى الحسن العبدى ففيها من كلامه أشياء زائدة على رواية غيره، وحينئذ فلا يسوغ إطلاق السكوت إلا بعد النظر فيها كما قيل به فيما ينقل من حكم الترمذى على الأحاديث. وقوله إن مارواه أبو داود فى سننه ولم يذكر ضعفه فهو عنده صحيح أو من الخ ظاهر كلام المصنف أن الاعتبار ببيان حال الحديث أو السكوت عنه بما فى السنن فقط ، - ١٩٦ - وقد تردد فى ذلك بعضهم فقال هل المعتبر البيان فى السنن فقط بحيث لو كان له فى غيرها من تصانيفه كلام أو فيما دون عنه كلام فيما لعله سكت عنه فيها لا يلاحظ الظاهر ، نعم مع تعين ملاحظته فيما يحتمل الرجوع أو نحوه . وقوله فهو عنده صحيح أو حسن قال فى الإرشاد فعلى هذا يكون ماوجدناه فى كتابه مطلقا ولم ينص على صحته أحد ممن يميز بين الحسن والصحيح، زاد فى التقريب ولاضعفه حكمنا بأنه من الحسن عند أبى داود ، وقد يكون فى بعضه ماليس حسنا عند غيره ولا داخلا فى الحسن . وما عبر به هنا من قوله فهو حسن أو صحيح أحسن من قوله فيهما(1) تبعا لابن الصلاح حكمنا بأنه من الحسن الخ، لأن ابن رشيد اعترض عليه بأنه يجوز أن يكون صحيحا عند أبى داود فلا يظهر وجه الجزم بالحسكم بالحسن وإن أجيب عنه بأنه صالح الذى عبر به أبو داود أى الصالح للاحتجاج لا يخرج عن الصحة والحسن لكن لا ترقيه إلى الصحة إلا بنص فالتحسين أحوط ، فقد اعترض بأن فى كلام ابن الصلاح ما يشعر بجتم كونه حسنا عند أبى داود وليس بجيد فلذا قيل واو قال إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن كما سلكه فى مستدرك الحاكم كان أنسب، قيل ولا يتأتى ذلك هنا لاقتضاء أبى داود السكوت عند الضعف اليسير انتهى. وفيه نظر لأن الضعف اليسير لاينافى الحسن كما تقدم أنه ضعيف بالنسبة لمرتبة الصحيح . وقول المصنف كما يأتى فمتى رأيت حديثا من رواية أبى داود وليس فيه تضعيف فاعلم أنه لم يضعفه انتهى. وحذف هنا قوله فيهما أى فى الإرشاد والتقريب ولم ينص على صحته أحد الخ لأن الحكم بالصحة حينئذ مستفاد من ذلك النص لامن صنيع أبى داود ، والكلام فيما يقتضيه (١) أى فى التقريب والإرشاد . - ١٩٧ - صنيعه المذكور بالنسبة لغير المتأهل للتصحيح وغيره، أما هو فيحكم بما يليق، والأحوط لغير المتأهل أن يعبر فى المسكوت عنه بما عبر هو من قوله صالح، والصلاحية إما للاحتجاج أو الاعتبار فما ارتقى من أحاديثه إلى الصحة أو الحسن فهو بالمعنى الأول ، وماعداهما فبالمعنى الثانى، وما قصر عن ذلك فهو الشديد الوهن الملتزم بيانه. كذا قيل وفى جعل ذى الضعف اليسير المسكوت عنه خارجا من وصف القبول مخالفة لكلام المصنف الآتى كما قدمته أيضا . قوله وكلاهما يحتج به ، وفى نسخة وبهما يحتج ، وفى أخرى بحذف الواو من كلاهما فالواو استثنافيه يجوز إثباتها وحذفها ، وكلاً مفرد اللفظ مثنى المعنى ، فيجوز فى الضمير العائد إليه الإفراد نظر اللفظ والتثنية نظرا للمعنى، والأفصح الأول. قال تعالى ﴿ كلتا الجنتين آتت أكلها) . قوله فأعلم أنه لم يضعفه أى تضعيفا شديدا بحيث يخرج عن القبول ، وإلا فقضية كلامه السكوت عن الضعف اليسير ، وقدمنا أنه لا يقدح فى كون الخبر مقبولا انتهى كلام العلامة بن علان بلفظه . هذا كله إذا لم يتعدد طرق الحديث الضعيف ، أما إذا تعددت طرقه بأن روى من طرق مفرداتها ضعيفة فإنها يقوى بعضها بعضاً، ويصير الحديث حسنا لغيره محتجا به . قال الإمام النووى فى شرح المهذب : يعمل بالحديث الضعيف إذا روى من طرق مفرداتها ضعيفة فإنه يقوى بعضها بعضا ، ويصير الحديث حسنا ويحتج به . ويجوز العمل بالضعيف مع الشاهد المقوى دون الموضوع مع الشاهد، لأن للضعيف أصلا فى السنة وهو غير مقطوع بكذبه ولا أصل للموضوع ، فشاهده كالبناء على الماء انتهى . - ١٩٨ - قال العلامة ابن علان فى شرحه على الأذكار : وظاهر كلام الأصحاب عدم الالتفات إلى الخبر الضعيف فى الأحكام إذا لم يوجد غيره إذا لم تعدد طرقه، وأما إذا تعددت طرقه فقال المحدثون الضعيف قسمان قسم ينجبر بتعدد الطرق وهو ما كان ضعفه لسوء حفظ راوية ونحو ذلك ، فيزول بمجيئه من وجه آخر وعلى هذا القسم يحمل كلام النووى، فإنه عند تعدد الطرق يرتقى من الضعيف إلى الحسن لغيره ويصير مقبولا معمولا به حينئذ . قال الحافظ السخاوى: ولا يقتضى ذلك الاحتجاج بالضعيف ، فإن الاحتجاج إنما هو بالهيئة المجموعة كالمرسل حيث اعتضد بمرسل آخر أو بمسند ولو ضعيفاً كما قال الشافعى والجمهور انتهى . وقسم لا بنجبر وإن كثرت طرقه ، وهو ما يكون ضعفه لكون راويه متهما بالكذب أو فاسقا أو نحو ذلك فلا يرتقى بتعدد طرقه عن مرتبة الضعف إلى الحسن . نَعَمْ يرتقى بذلك عن درجة المنكر أو مالا أصل له انتهى . وقال شيخ مشايخنا السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان فى المنهج السوى: إن الرواة على ثلاثة أقسام، قسم يحتج بحديثهم وهم الثقات ، وصنف لايحتج بحديثهم ولكن يعتبر به، وصنف يطرح حديثهم ولا يلتفت إليه وإنما تعتبر متابعة الصنفين الأولين . قال العراقى فى بحث التجريح مانصه : ألفاظ التجريح على خمس مراتب : الأولى - أن يقال كذاب أو يكذب أو وضاع أو يضع الحديث. الثانية - متهم بالكذب أو الوضع أو هو هالك أو متروك أو ساقط. الثالثة - مردود الحديث أو ضعيف جدا أو واه بمرة ، وكل من هذه المراتب الثلاث لايحتج بحديثهم ولا يستشهد ولا يعتبر. الرابعة - ضعيفاً ومنكر الحديث أو مضطرب الحديث. الخامسة - فيه ضعف أو هو سيء الحفظ أو ليس بالقوى - ١٩٩ - أوواه أو فيه أدنى مقال ، فكل من هاتين المرتبتين يخرج حديثهم ويكتب وينظر فيه للاعتبار انتهى . وقال الحافظ ابن حجر فی نکت ابن الصلاح مانصه: الحديث الذی یروی بإسناد حسن لا يخلو إما أن يكون فردا أو له متابع . الثانى لا يخلو إما أن يكون دونه أو مثله أو فوقه، فإن كان دونه فإنه لا يرقيه عن درجته . قال الحافظ : قلت لكن يفيده إذا كان غير متهم بالكذب قوة ما يرجح بها لو عارضه حسن آخر بإسناد غريب ، وإن كان مثله أو فوقه فكل منهما يرقيه إلى درجة الصحة الخ انتهى والله أعلم . هذا ماظهر للحقير ، فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمنی ومن الشيطان، وأستغفر الله والحمد شرب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا كثيراً . سنية رفع اليدين فى الدعاء بعد الصلوات المكتوبة لمن شاء بسم الله الرحمن الرحيم سئل السيد العلامة محمد بن عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل الزبيدى البانى رحمه الله تعالى هل يسن رفع اليدين بعدالصلوات المكتوبة وهل ورد من الأحاديث فى ذلك ما تقوم به الحجة خصوصا أو عموماً؟ بينوا لنا ذلك بيانا شافيا جزاكم الله الجنة وأعظم لكم المنة آمين . فأجاب بقوله: إعلم وفقنى الله وإياك أن رفع اليدين فى الدعاء - أى دعاء كان وفى أى وقت كان - بعد الصلوات الخمس أو غيرها دلت عليه الأحاديث خصوصا وعموما. فمن العموم ما أخرجه أبو داود والترمذى وحسنه وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين)). وأخرج الحاكم وقال صحيح الإسناد من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((إن الله رحيم كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم لا يضع فيها خيرا)). وأخرج أحمد وأبو داود من حديث مالك بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((إذا سألتم الله فاسألوه بيطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها » .