Indexed OCR Text

Pages 561-580

[أجوبة الحافظ بن حجر]
وهذا حين الشروع في الأجوبة:
وأول شيء يتعقب فيها على شيخنا، احتجاجه بحديث أبي هريرة الذي
تقدم ذكره من رواية موسى البلقاوي، واعترافه بأنه متهم، أي أن الحفاظ
اتهموه بالكذب، وإذا كان كذلك، فلا يصلح أن يحتج بحديثه، وقد أورد
أبو نعيم في الحلية هذا الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة، وفيه من لا
يعرف، وهو من رواية محمد بن عبدة القاضي وكان يدعي سماع ما لم
یسمع، وهو مشهور.
ولو احتج بما أورده أبو داود من حديث أبي هريرة أيضًاً عن النبي عمله،
قال: ((من سئل علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نار)). لكان أولى؛
والحديث وإن لم يكن في نهاية الصحة لكنه صالح للحجة، وهو على كل
حال أولى من حديث البلقاوي.
ثم نشرع الآن في الجواب عن الأحاديث التسعة التي أوردها واقتصر
عليها، نجيب عنها أولًا من طريق الإجمال:
فإن الأحاديث التي ذكرها ليس فيها شيء من أحاديث الأحكام في
الحلال والحرام، فالتساهل في إيرادها مع ترك البيان بحالها سائغ، وقد ثبت
عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام
شدّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا.
وهكذا حال هذه الأحاديث، فالأول منها: يدخل في أدب التسمية،
وفيه إخبار عن بعض الأمور الآتية، ولهذا أورده في دلائل النبوة، والثاني
كالثالث: في الفضائل، والرابع: في الحث على الكرم والبر والصلة ورعاية
الجار، والخامس كالسادس: في فضل طول العمر في الإسلام، والسابع:
( ٥٦١ )

يحتمل التأويل، وهو أمر نسبي، والثامن كالتاسع: في فضائل بعض البلدان،
وفيهما الحث على الرّباط والجهاد.
وأما من حيث التفصيل: فالحديث الأول منها: حديث سعيد بن
المسيب في شأن التسمية بالوليد (١) .
فنقول عليه: قول ابن حبان: إنه باطل، دعوى لا برهان عليها ولا أتى
بدليل يشهد لها، وقوله: إن رسول الله * لم يقله، ولا عمر، ولا سعيد، ولا
الزهري شهادة نفي صدرت عن غير استقراء تام على ما سنبينه، فهي
مردودة، وكلامه في إسماعيل بن عياش غير مقبول كله، فإن رواية
إسماعيل عن الشاميين عند الجمهور قوية، وهذا منها، وإنما، ضعفوه في
روايته عن غير أهل الشام، نصَّ على ذلك يحيى بن معين، وأحمد بن
حنبل، وعلي بن المديني، وعمرو بن الفلاس، وعبدالرحمن بن إبراهيم
دحيم، والبخاري، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، وأبو إسحاق
الجوزجاني، والنسائي، والدولابي، وأبو أحمد ابن عدي، وآخرون، وقد
وثقه بعضهم مطلقاً، والعجب أن ابن حبان موافق للجماعة على أن حديثه
عن الشاميين مستقيم، وهذه عبارته فيه: (( كان إسماعيل من الحفاظ
المتقنين في حديثهم، فلما كبر تغير حفظه، فما حفظه في صباه وحداثته
أتى به على وجهه، وما حفظه على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه،
وأدخل الإسناد في الإسناد، وألزق المتن بالمتن)) انتهى؛ فهذا كما تراه قيد
كلامه بحديثه عن الغرباء، وليس حديثه المتقدم من حديثه عن الغرباء،
وإنما هو من روايته عن شامي وهو الأوزاعي، وأما إشارته إلى أنه تغير حفظه
واختلط فقد استوعبت كلام المتقدمين فيه في كتابي (تهذيب التهذيب)
(١) انظر رقم ١٠٩ وتذكر تعليق الشيخ شاكر.
( ٥٦٢)

ولم أجد عن أحد منهم أنه نسبه إلى الاختلاط، وإنما نسبوه إلى سوء
الحفظ في حديثه عن غير الشاميين، كأنه كان إذا رحل إلى الحجاز أو
العراق اتكل على حفظه فيخطىء في أحاديثهم.
قال يعقوب بن سفيان: ((تكلم ناس في إسماعيل بن عياش، وإسماعيل
ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، وأكثر ما قالوا: يغرب عن ثقات
المدنیین والمکیین) انتھی.
ومع كون إسماعيل بهذا الوصف، وحديثه المتقدم عن شامي فلم ينفرد
به كما قال ابن حبان، وابن الجوزي. وإنما انفرد بذکر عمر فیه خاصة،
على أن الرواة عنه لم يتفقوا على ذلك، فقد رواه الحارث بن أبي أسامة في
(مسنده)، وأبو نعيم في (دلائل النبوة) من طريقه، قال: حدثنا إسماعيل بن
أبي إسماعيل، خبرنا إسماعيل بن عياش، عن عبدالرحمن بن عمرو، عن
الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: ((ولد لأخي أم سلمة))، فذكر
الحديث وليس فيه عمر. نعم: رواه سليمان بن عبدالرحمن بن بنت
شرحبيل، عن إسماعيل ابن عياش فذكر فيه عمر. حدثنا أبو محمد عبدالله
ابن أحمد بن علي الهاشمي، ولفظه: أخبرنا أبو الحزم ابن أبي الفتح
الحنبلي، قال: قرىء على مؤنسة بنت أبي بكر بن أيوب، ونحن نسمع،
عن عفيفة بنت أحمد، أخبرنا عبدالواحد بن محمد، حدثنا أبو أيوب
سليمان بن عبدالرحمن، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثني عبدالرحمن
ابن عمرو الأوزاعي، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن
عمر بن الخطاب، فذكر مثل حديث أبي المغيرة سواء، وزاد فيه بعد قوله:
((بأسماء فراعنتكم)): ((غيروا اسمه، فسموه عبدالله، فإنه سيكون))، والبقية
سواء. فأما من تابع إسماعيل عن الأوزاعي فقد رواه عن الأوزاعي أيضاً
الوليد بن مسلم الدمشقي، وبشر بن بكر التنيسي والهقل بن زياد كاتب
( ٥٦٣)

الأوزاعي ومحمد بن کثیر، لكنهم أرسلوه فلم يذكروا فيه عمر، كما وقع
عند الحارث، وأما رواية الوليد فأخرجها يعقوب بن سفيان في تاريخه، قال:
حدثنا محمد بن خالد بن العباس السكسكي خبرنا الوليد بن مسلم خبرنا
أبوعمرو الأوزاعي .. فذكره، وزاد في آخره: قال الأوزاعي: فكانوا يرون أنه
الوليد بن عبدالملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به، حتى خرجوا
عليه فقتلوه، فانفتحت الفن على الأمة وكثر فيهم الهرج. أهـ.
وأخرجه الحاكم في المستدرك قال: أخبرني محمد بن المؤمل بن
الحسن أخبرنا الفضل بن محمد بن المسيب أخبرنا نعيم بن حماد حدثنا
الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة قال: ولد لأخي أم مسلمة غلام فسموه الوليد فذكر ذلك
لرسول الله # فقال: ((اسميتموه بأسامي فراعنتكم؟ ليكونن في هذه
الأمة رجل يقال له الوليد هو أشر على هذه الأمة من فرعون على
قومه)). قال الزهري: إن استخلف الوليد بن يزيد فهو هو وإلا فهو الوليد بن
عبدالملك. قال الحكم: صحيح.
وأما رواية بشر بن بكر، فأخرجها البيهقي في (دلائل النبوة) عن
الحاكم، عن الأصم، عن سعيد بن عثمان التنوخي، عن بشر بن بكر،
حدثني الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، فذكره وزاد
في المتن: ((غيروا اسمه فسمّوه عبدالله [فإنه سيكون في هذه الأمة رجل
يقال له: الوليد، لهو شر لأمتي من فرعون لقومه).
وزاد فيه أيضًا: إنه أخ لأم سلمة من أمها.
وأما رواية محمد بن كثير، والهقل بن زياد، فأشار إليهما الذهبي في
ترجمة الوليد بن يزيد في (تاريخ الإسلام) ثم وجدتهما في ترجمة الوليد
( ٥٦٤ )

في (تاريخ ابن عساكر) أخرجهما من طريق الزهرى في (الزهريات) : حدثنا
الحكم بن موسى، حدثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن
سعيد بن المسيب، قال: ((ولد لأخي أم سلمة غلام فسموه الوليد)) الحديث.
قال: وحدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: ولد لآل أم
سلمة ولد فسموه الوليد، فقال النبي﴾:
((تسمون الوليد بأسماء فراعنتكم، فسموه عبدالله)).
وتابع الأوزاعي على رواية له، عن الزهري: محمد بن الوليد الزبيدي،
ويحتمل أنه الذي أبهمه إسماعيل بن عياش، لأنه شامي أيضًا، ومعمر بن
راشد البصري. وأما رواية الزبيدي: فظفرت بها في بعض الأجزاء، ولم
يحضرني الآن اسم مخرجها. وأما رواية معمر: فرويناها في الجزء الثاني من
أمالي عبدالرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
فذكره، ولم يذكر عمر. قال البيهقي بعد تخريجه هذا الحديث: مرسل
حسن. قلت: هو على شرط الصحيح لو صرح سعيد بن المسيب بسماعه
له من أم سلمة فقد أدركها، وسمع منها. ووقع لنا الحديث من روايتها من
وجه آخر رواه ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن زينب بنت
أم سلمة، عن أمها، قالت:
((دخل علي النبي ◌ّ وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال:
((من هذا؟)) قلت: الوليد. قال: قد اتخذتم الوليد حناناً؟ غيروا اسمه،
فإنه سیکون في هذه الأمة فرعون، يقال له: الوليد)).
وهذا إسناد حسن أخرجه إبراهيم الحربي في (غريب الحديث) له،
ورواه محمد بن سلام الجمحي، عن حماد بن سلمة، فذكره معضلاً.
وروى الطبراني في المعجم الكبير من طريق عبدالعزيز بن عمران، عن
( ٥٦٥ )

إسماعيل بن أيوب المخزومي، قصة موت الوليد بن الوليد بن المغيرة، وأن
النبي ﴾، دخل على أم سلمة، وهي تقول:
أبا الوليد ابن المغيرة
ابك الوليد بن الوليد
فقال: ((إن كدتم لتتخذون الوليد حنان)). فهذا شاهد آخر لأصل
القصة وبدون هذا يعلم بطلان شهادة ابن حبان، بأن رسول الله ﴾ ما قاله،
ولا سعيد بن المسيب حدث به، ولا الزهري ولا الأوزاعي. وفي تصريح بشر
ابن بكر، عن الأوزاعي، بأن الزهري حدثه به ما يدفع تعليل من يعلله
بتدليس الوليد بن مسلم تدليس التسوية. وغاية ما ظهر في طريق إسماعيل
ابن عياش من العلة أن ذكر عمر فيه لم يتابع عليه، والظاهر أنه من رواية أم
سلمة لإطباق معمر والزبيدي، عن الزهري، وبشر بن بكر، والوليد بن
مسلم، عن الأوزاعي، على عدم ذكر عمر فيه. والله أعلم. وأما رواية نعيم
ابن حماد له، عن الوليد، بذكر أبي هريرة فيه، فشاذة. ومن شواهده، ما
روى الطبراني، من طريق ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن عبدالله بن عمرو
بن العاص، عن معاذ بن جبل، قال: خرج علينا رسول الله #، فذكر حديثاً
فیه، قال:
((الوليد اسم فرعون، هادم شرائع الإسلام، يبوء بدمه رجل من أهل
بيته)) والله اعلم.
الحديث الثاني والثالث: حديث: (سدوا الأبواب إلا باب علي))(١)
ذ کره من رواية سعد ومن رواية ابن عمر(١).
(١) هو برقم ١٥١١ كما قلنا سابقاً.
(٢) هو برقم ٤٧٩٧.
( ٥٦٦ )

فقول ابن الجوزي: إنه باطل، وإنه موضوع. دعوى لم يستدل عليها إلا
بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين، وهذا إقدام على رد الأحاديث
الصحيحة بمجرد التوهم، ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند
عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أن لا يحكم بعد
ذلك، إذ فوق كل ذي علم عليم، وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم
على الحديث بالبطلان بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره مالم يظهر له، وهذا
الحدیث من هذا الباب هو حديث مشهور له طرق متعددة، كل طريق منها
على انفرادها لا تقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها مما يقطع بصحته على
طريقة كثير من أهل الحديث.
وأما كونه معارضًاً لما في الصحيحين فغير مسلم، ليس بينهما معارضة
وقد ذكر البزار في مسنده أن حديث: ((سدوا كل باب في المسجد إلا باب
علي))، جاء من رواية أهل الكوفة وأهل المدينة يروون: ((إلا باب أبي بكر)).
قال: فإن ثبتت روايات أهل الكوفة، فالمراد بها هذا المعنى، فذكر حديث
أبي سعيد الذي سأذكره بعد.
قال: على أن روايات أهل الكوفة جاءت من وجوه بأسانيد حسان -
انتھی.
وها أنا أذكر بقية طرقه، ثم أبين كيفية الجمع بينه وبين الذي في
الصحيحين. فمن طرقه ما رواه الإمام أحمد في مسنده أيضًاً في مسند زيد
ابن أرقم قال: حدثنا محمد بن جعفر، خبرنا عوف، عن میمون، عن زيد
ابن أرقم، قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله #ته أبواب شارعة في
المسجد، قال: فقال يوماً: ((سدوا هذه الأبواب إلا باب علي)). قال: فتكلم
في ذلك ناس قال: فقام رسول الله * فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما
( ٥٦٧ )

بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلکم، وإني
والله ماسددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته)).
ورواه النسائي في السنن الكبرى، عن محمد بن بشار بندار، عن
محمد بن جعفر: وهو غندر، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك(١)،
عن أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل،
عن أبيه. وقال: صحيح الإسناد.
وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في (الأحاديث المختارة مما ليس في
الصحيحين) من طريق المسند أيضاً.
وأورده ابن الجوزي في (الموضوعات) (٢) من طريق النسائي، وأعله
بميمون فأخطأ في ذلك خطأ ظاهرًا، وميمون وثقه غير واحد، وتكلم
بعضهم في حفظه، وقد صحح له الترمذي حديثاً غیر هذا تفرد به عن زید
ابن أرقم، ولم يذكر شيخنا هذه الطريق وهي على شرطه، وكأنه أغفلها لأن
ابن الجوزي لم يوردها من طريق المسند.
ومن طرقه أيضاً: ما رواه النسائي في السنن الكبرى، عن محمد بن
وهب عن مسكين بن بكير. وأخرجه الكلاباذي في (معاني الأخبار) من
وجه آخر عن مسكين. ورواه الترمذي، عن محمد بن حميد، عن إبراهيم
ابن اختار، كلاهما، عن شعبة، عن أبي بلچ، عن عمرو بن ميمون، عن
ابن عباس، قال: أمر رسول الله عليه بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي.
وروى الإمام أحمد والنسائي أيضاً من طريق أبي عوانة الوضاح، عن أبي
(١) المستدرك للحاكم ١١٥/٣، وخالفه الذهبي في ميمون ووهاه. أقول: ولكن وثقه كثيرون
كما في تهذيب الكمال وغيره.
(٢) الموضوعات ٣٦٣/١.
(٥٦٨)

بلج يحيى عن عمرو بن ميمون، قال: قال ابن عباس في أثناء حديثه:
وسد أبواب المسجد غير باب علي، فكان يدخل المسجد وهو جنب،
وهو طريقه لیس له طريق غيره.
وأخرجه الكلاباذي في (معاني الأخبار) عن حاتم بن عقيل، عن
يحيى بن إسماعيل، وأخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات) من طريق أبي
نعيم في (الحلية)، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، خبرنا أبو
شعيب، كلاهما، عن يحيى بن عبدالحميد، حدثنا أبو عوانة به، وأعله
بأبي بلچ، وبیحیی بن عبدالحمید، فلم یصب، لأن یحیی لم ينفرد به،
وأخرج النسائي حديث سعد بن أبي وقاص من طريق أخرى بمعناه، ورواه
الطبراني في (الأوسط) في ترجمة: علي بن سعيد، من طريق الحكم بن
عتيبة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أمر رسول الله عليه بسد الأبواب
إلا باب علي، فقالوا: يا رسول الله # سددت أبوابنا كلها إلا باب علي؟
فقال: ((ما أنا سددت أبوابكم ، ولكن الله سدها)).
لم يروه عن الحكم إلا معاوية بن ميسرة بن شريح. قلت: وهو حفيد
القاضي شريح الكندي. قال البخاري في (تاريخه): سمع الحكم بن عتيبة،
ولم يذكر فيه جرحاً، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال الطبراني في
(الكبير): حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، خبرنا إسماعيل بن عمرو
البجلي، خبرنا ناصح، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال:
أمر رسول الله على بسد الأبواب كلها غير باب علي، فقال العباس: يا
رسول الله !! ، قدر ما أدخل وحدي وأخرج؟!، قال: ((ما أمرت بشيء من
ذلك»، فسدّها كلها غير باب علي. قال: وربما مر وهو جنب.
وروى النسائي أيضاً حديث ابن عمر بسند آخر صحيح أورده من طريق
( ٥٦٩ )

أبي إسحاق السبيعي، عن العلاء بن عرار، قال: قلت لعبد الله بن عمر:
أخبرني عن علي وعثمان؟، فقال: أما علي فلا تسأل عنه أحدًا وانظر إلى
منزله من رسول الله عليه فإنه سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه.
ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء، وهو ثقة، وثقه يحيى بن معين
وغيره، وعرار: أبوه بمهملات.
وأخرجه الكلاباذي في (معاني الأخبار) من طريق عبدالله بن سلمة
الأفطس أحد الضعفاء، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن
أبيه، نحوه، وفيه: هذا بيت رسول الله عليه وأشار إلى بيت علي إلى جنبه ..
الحدیث.
فهذه الطرق المتضافرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحيح
دلالة قويةً، وهذه غاية نظر المحدث.
وأما كون المتن معارضًا للمتن الثابت في الصحيحين من حديث أبي
سعيد الخدري فليس كذلك ولا معارضة بينهما، بل حديث سد الأبواب،
غير حديث سد الخوخ؛ لأن بيت علي بن أبي طالب كان داخل المسجد
مجاوراً لبيوت النبي علّ .
قال القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي في كتاب (أحكام القرآن)
له: حدثنا إبراهيم بن حمزة، خبرنا سفيان بن حمزة، عن کثیر بن زید،
عن المطلب - وهو ابن عبدالله بن حنطب -: أن النبي # لم يكن أذن
لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلا علي بن أبي طالب،
لأن بيته كان في المسجد.
ء
وهذا مرسل قوي، يشهد له ما أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد
الخدري: أن النبي* قال لعلي: ((لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنباً
غيري وغيرك)). أخرجه عن علي بن المنذر، عن محمد بن فضيل، عن
( ٥٧٠ )

سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عنه، قال. وقال علي بن المنذر: قلت
لضرار بن صرد: ما معناه؟!، قال: لا يحل لأحد أن يستطرقه جنباً غيري
وغيرك.
فهذا ما يتعلق بسد الأبواب. وأما سد الخوخ فالمراد به طاقات كانت في
المسجد يستقربون الدخول منها، فأمر النبي ﴾ في مرض موته بسدها إلا
خوخة أبي بكر، وفي ذلك إشارة إلى استخلاف أبي بكر؛ لأنه يحتاج إلى
المسجد كثيراً دون غيره، وظهر بهذا الجمع أن لا تعارض، فكيف يدعي
الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرد هذا التوهم، ولو فتح هذا الباب لرد
الأحاديث لادّعي في كثير من الأحاديث الصحيحة البطلان، ولكن يأبى الله
ذلك والمؤمنون.
تنبيه: عبدالله بن الرقيم في حديث سعد: هو بضم الراء، وقيل فيه:
ابن أبي الرقيم، تفرد عبدالله بن شريك بالرواية عنه.
وعمر بن أسيد في حديث ابن عمر: بفتح الألف وكسر السين، وهو
ثقة من رجال الصحيحين، وقيل فيه: عمرو - بفتح العين.
وهشام بن سعد: من رجال مسلم، صدوق، تكلموا في حفظه،
وحديثه يقوى بالشواهد. وقد اختصر الشيخ متن الحديث وسياقه في مسند
أحمد، عن ابن عمر، قال:
كنا نقول في زمن رسول الله عليه: رسول الله ع ◌َّه خير الناس، ثم أبو بكر،
ثم عمر، ولقد أعطي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة
منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله # ابنته وولدت له، وسد
الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر - انتهى.
(١) انظره برقم ٤٧٩٧.
( ٥٧١ )
٠٠

ثم وجدت في كتاب (معاني الأخبار)لأبي بكر الكلاباذي، قال: لا
تعارض بين قصة علي، وقصة أبي بكر؛ لأن باب أبي بكر كان من جملة
أبواب تطلع إلى المسجد خوخات، وأبواب البيوت خارجة من المسجد، فأمر
النبي بسد كل الخوخ، فلم يبق مطلع منها إلى المسجد، وتركت خوخة
أبي بكر فقط، وأما باب علي فكان داخل المسجد يخرج منه، ويدخل فيه،
كما قال ابن عمر للذي سأله حين أشار إلى بيت علي هذا بيته إلى جنب
بيت النبي #، وكان بيت النبي ﴾ في المسجد - انتهى.
وبنحوه جمع بينهما الطحاوي في (مشكل الآثار) وهو في أوائل الثلث
الثالث منه، والله أعلم. فهذا ما يتعلق بسد الأبواب.
قوله: أورده عمر بن بدر الموصلي. قلت: لا اعتداد بذلك، فإنه لم یکن
من النقاد، وإنما أخذ كتاب ابن الجوزي فلخصه، ولم يزد من قبله شيئاً.
قوله: أخرجه الحاكم في (المستدرك). قلت: عليه فيه درك، فإنه أخرجه من
رواية عمرو بن الحصين، وهو متروك، عن أصبغ، وإسناد خير منه، فإنه من
رواية يزيد بن هارون الثقة، عن أصبغ. وكذا أخرجه أبو يعلى في (مسنده)
عن أبي خيثمة، عن يزيد بن هارون. ووهم ابن عدي فزعم أن يزيد تفرد
بالرواية عنه، ولیس کذلك، فقد روى عنه نحو من عشرة، ولم أر لأحد من
المتقدمين فيه كلامًا إلا لمحمد بن سعد، وأما الجمهور فوثقوه، منهم غير من
ذكره شيخنا: أبو داود، والدارقطني، وغيرهما. ثم إن للمتن شواهد تدل
على صحته، منها:
في الترهيب من الاحتکار.
"حديث أبي هريرة، قال: قال رسول اللهعله: ((من احتكر حكرة يريد أن
-
(١) هو برقم ٤٨٨٠. وانظر تعليق الشيخ شاكر عليه.
( ٥٧٢ )

يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله تبارك
وتعالى)). رواه الحاكم(١).
ومنها: حديث معقل بن يسار، قال: قال رسول الله : ((من دخل في
شيء من أسعار المسلمين ليغلي عليهم، كان حقاً على الله أن يقذفه في
جهنم رأسه أسفله».
رواه أحمد أيضاً، والحاكم ، والطبراني".
ومنها: حديث عمر، مرفوعًا: ((من احتكر على المسلمين طعامهم
ضربه الله بالجذام والإفلاس)). رواه ابن ماجة (١)، ورواته ثقات. وعنه قال: قال
رسول الله : ((الجالب مزوق، والمحتكر ملعون)). رواه ابن ماجة أيضاً،
والحاكم. ((لا يحتكر إلا خاطئ)). رواه مسلم(٥). هذا ما يتعلق بالاحتكار.
وأما ما يتعلق بوعيد من بات بجوار جائع فله شواهد أيضاً:
منها: ما روى الطبراني، والبزار بإسناد حسن، من حديث أنس، قال: قال
رسول الله : «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو
يعلم))(٦). وروى الحاكم من حديث عائشة، مرفوعاً: ((ليس المؤمن الذي
یبیت شبعان، وجاره جائع إلى جنبه))(٧).
وروى البخاري في (تاريخه)، والطبراني، وأبو يعلى، من حديث ابن
(١) المستدرك ١٢٠/٢. وخالفه الذهبي في العسيلي.
(٢) انظر تخريجه في المسند برقم ٢٠١٩١.
(٣) انظره برقم ١٣٥ ورقمه في سنن ابن ماجة ٢١٥٥، وضعفه في الزوائد.
(٤) رقمه عند ابن ماجة ٢١٥٣، وعند الحاكم ١٢/٢.
(٥) انظره في المسند برقم ٢٧١٢٤ ، وإحالاته. وانظر تخريجه فيها.
(٦) هو عند الطبراني ٢٣٣/١، وعند مسدد ٢١، وفي الترغيب ٣٥٨/٣.
(٧) المستدرك ١٦٧/٤، ووافقه الذهبي.
( ٥٧٣ )

عباس، قال: قال رسول الله عليه: ((ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع
بجنبه)) .
فإن قيل: إنما حكم عليه بالوضع لما في ظاهر المتن من الوعيد الموجب
للبراءة ممن فعل ذلك وهو لا يكفر بفعل ذلك.
فالجواب: إن هذا من الأحاديث الواردة في معرض الزجر والتنفير،
ظاهرها غير مراد، وقد وردت عدة أحاديث في الصحاح تشتمل على
البراءة، وعلى نفي الإيمان، وعلى غير ذلك من الوعيد الشديد في حق من
ارتكب أموراً ليس فيها ما يخرج عن الإسلام، كحديث أبي موسى الأشعري
في الصحيح في البراءة ممن حلق وسلق، وحديث أبي هريرة: ((لا يزني الزاني
حین یزني وهو مؤمن))، إلى غير ذلك.
فمهما حصل من الجواب عنها كان هو الجواب عن هذا الخبر، ولا
يجوز الإقدام على الحكم بالوضع قبل التأمل والتدبر، والله الموفق.
تنبيه: أبو بشر: هو جعفر بن أبي وحشية، من رجال الشيخين.
وأبو الزاهرية: اسمه حدير - بضم الحاء المهملة - ابن كريب، من
رجال مسلم، ورواية أبي بشر عنه من باب رواية الأقران؛ لأن كلا منهما
من صغار التابعين.
وكثير بن مرة: تابعي ثقة باتفاق من رجال الأربعة. ففي الإِسناد ثلاثة
من التابعين، والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس: حديث: ((ما من معمر يعمر في
الإسلام))(١). من رواية أنس، ومن رواية ابن عمر. قوله: وقد خلط فيه الفرج
ابن فضالة.
(١) انظره برقم ١٣٢١٢.
( ٥٧٤ )
٦

قلت: لا يلزم من تخليط الفرج في إسناده أن يكون المتن موضوعاً، فإن
له طرقاً عن أنس، وغيره، يتعذر الحكم مع مجموعها على المتن بأنه
موضوع. فقد روينا من طريق أبي طوالة عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر
الأنصاري، وزيد بن أسلم المدني، وعبدالواحد بن راشد، وعبيدالله بن أنس،
والصباح بن عاصم كلهم عن أنس.
ورويناه أيضًا من حديث عثمان بن عفان، وعبدالله بن أبي بكر
الصديق، وأبي هريرة، وغيرهم عن النبي ﴾. وقد استوعبت طريقه في الجزء
الذي سميته (معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة)(١) .
ومن أقوى طرقه ما أخرجه البيهقي في (الزهد) له، عن الحاكم، عن
الأصمّ، عن بكر بن سهل، عن عبدالله بن محمد بن رمح، عن عبدالله
بن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أنس، فذكر هذا
الحديث، ورواته من ابن وهب فصاعدا من رجال الصحيح، والبيهقي،
والحاكم، والأصم؛ لا يسأل عنهم، وابن رمح: ثقة، وبکر بن سهل: قواه
جماعة، وضعفه النسائي، وقال مسلمة بن قاسم: ضعفه بعضهم من أجل
حدیثه، عن سعيد بن كثير، عن يحيى بن أيوب، عن مجمع بن کعب،
عن مسلمة بن مخلد، رفعه قال: ((أعرو النساء يلزمن الحجال))؛ يعني: أنه
غلط فیه.
قلت: ومع هذا فلم ينفرد به بكر بن سهل، فقد رويناه في (المجلس
التاسع والسبعين من أمالي الحافظ أبي القاسم بن عساكر) أخرجه من طريق
(الفوائد) أبي بكر بن المقرئ، قال: حدثنا أبو عروبة الحراني، عن مخلد
ابن مالك الحراني، عن الصنعاني - وهو حفص بن ميسرة - فذكره.
(٢) طبع هذا الكتاب بتحقيق محمد رياض المالح ص ٣٥ وما بعدها.
( ٥٧٥ )

وهكذا رويناه في (فوائد) إسماعيل بن الفضل بن الأخشيد: حدثنا أبو
طاهر بن عبدالرحيم، حدثنا أبو بكر بن المقرئ به، ومخلد بن مالك: شيخ
أبي عروبة، من أعلى شيخ لأبي عروبة، وقد وثقه أبو زرعة الرازي، ولا
أعلم لأحد فیه جرحاً، وباقي الإسناد أثبات، فلو لم يكن لهذا الحدیث سوى
هذا الطريق لكان كافياً في الرد على من حكم بوضعه فضلا عن أن يكون
له أسانيد أخرى منها: ما أخرجه أبو جعفر أحمد بن منيع في (مسنده) : عن
عباد بن عباد المهلبي، عن عبدالواحد بن راشد، عن أنس، نحوه،
وعبدالواحد: لم أر فيه جرحاً، وعباد من الثقات، وثقه أحمد بن حنبل،
ويحيى بن معين، والعجلي، وآخرون، وذكره ابن حبان في (الثقات)،
وخبط ابن الجوزي في الكلام على هذا الحديث، فنقل عن ابن حبان أنه
قال في عباد بن عباد هذا: إنه غلب عليه التقشف، فكان يحدث بالتوهم
فيأتي بالمنكر، فاستحق الترك، وهذا الكلام إنما قاله ابن حبان في عباد بن
عباد الفارسي الخواص، يكنى: أبا عتبة، ولا يقال: إن ابن الجوزي لو لم
يطلع على أنه الخواص ما نقل كلام ابن حبان فيه؛ لأن في سياقه هو
الحديث من طريق أحمد بن منيع: خبرنا عباد بن عباد المهلبي، وهكذا هو
في مسند أحمد بن منيع، فانتفى أن يكون الفارسي، إذ المهلبي ثقة من
رجال الصحيح، بخلاف الفارسي.
قوله: إنه موضوع قطعاً، ثم استدل على ذلك بأمر ظني عجيب، وكيف
يتأتى القطع بالحكم على أمر مستنده ظني، وهو إخبار يوثق به؛ أنه رأى من
حصل له ذلك بعد الستين أفما يجوز أن يكون ذلك حصل له قبل الأربعين
وهو لا يشعر، ثم دب فيه قليلا قليلا إلى أن ظهر فيه بعد الستين، ومع هذا
الاحتمال كيف يتأتى القطع بالوضع.
على أن للحديث عندي مخرجاً لا يرد عليه شيء من هذا على تقدير
( ٥٧٦ )

الصحة، وذلك أنه وإن کان لفظه عاماً فهو مخصوص ببعض الناس دون
بعض، لأن عمومه يتناول الناس كلهم، وهو مخصوص قطعًا بالمسلمين؛
لأن الكفار لا يحميهم الله، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، ولا يغفر ذنوبهم، ولا
يشفعهم، وإذا تعين أن لفظه العام محمول على أمر خاص - فيجوز أن يكون
ذلك - أيضاً - خاصاً ببعض المسلمين دون بعض، فيخص مثلا بغير
الفاسق، ويحمل على أهل الخير والصلاح، فلا مانع لمن كان بهذه الصفة
أن يمن الله تعالى عليه بما ذكر في الخبر، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه
البيان، والله المستعان.
ثم وجدت في تفسیر ابن مردويه، بإسناد صحيح إلی ابن عباس، ما
يدل على التأويل الذي ذكرته، وقد ذكرته في أواخر الجزء الذي جمعته في
(الخصال المكفرة) .
الحديث السابع: حديث أنس، عن عائشة، في قصة عبدالرحمن بن
عوف. لم ينفرد به عمارة الراوي المذكور، فقد رواه البزار من طريق أغلب
ابن تميم، عن ثابت البناني، بلفظ: ((أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي
عبدالرحمن بن عوف(١)، والذي نفس محمد بيده لن يدخلها إلا حبواً)).
قلت: وأغلب شبيه بعمارة بن زاذان في الضعف، لكن لم أر من اتهمه
بالكذب.
وقد رواه عبد بن حميد في (مسنده) أتم سياقاً من رواية أحمد.
قال عبد بن حميد في (مسنده): حدثنا يحيى بن إسحاق، خبرنا
عمارة بن زادان، عن ثابت، عن أنس:
أن عبدالرحمن بن عوف لما هاجر آخى النبي # بينه وبين عثمان بن
(١) سبقت الإشارة إليه أنه برقم ٢٤٧٢٣.
( ٥٧٧ )

عفان، فقال له: إن لي حائطين فاختر أيهما شئت؟، فقال: بارك الله لك
في مالك، ما لهذا أسلمت؟!، دلني على السوق؛ قال: فدله فكان يشتري
السمنة، والأقطة والإهاب، فجمع فتزوج، فأتى النبي *، فقال له: ((بارك الله
لك، أولم ولو بشاة))؛ قال: فكثر ماله حتى قدمت له سبع مئة راحلة تحمل
البر، وتحمل الدقيق والطعام، فلما خطت المدينة، سمع لأهل المدينة رجة،
فقالت عائشة: ما هذه الرجة؟!، فذكر الحديث.
وفيه من النكارة - أيضاً - إخاء عبدالرحمن لعثمان، والذي في
الصحيحين أنه سعد بن الربيع، وهو الصواب؛ والذي أراه عدم التوسع في
الكلام عليه، فإنه يكفينا شهادة الإمام أحمد بأنه كذب، وأولى محامله أن
نقول: هو من الأحاديث التي أمر الإمام أحمد أن يضرب عليها، فإما أن
يكون الضرب ترك سهواً، وإما أن يكون بعض من كتبه عن عبدالله كتب
الحديث وأخل بالضرب، والله أعلم.
ثم رأيت بعد ذلك للحديث شاهدًا قوي الإسناد، وهو في ((مسند
الشاميين)) للطبراني: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، خبرنا خالد بن خلي
الحمصي، خبرنا الجراح بن مليح، عن أرطأة بن المنذر، عن جعفر بن ثابت
الأنصاري، عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عمته
حفصة بنت عمر، قالت:
كان يوم من أيامها من رسول الله ي فنام في بيتها فطالت نومته، فهبت
أن أوقظه فاهتببته فهب من نومه محمرة عيناه، فقلت: يا رسول الله!، إني
هبتك أن أوقظك!، فقال: ((إني أعجبني أني رأيت أحدهم - يعني:
صعاليك المجاهدين في سبيل الله - إنه ليمر أحدهم بحجبة الجنة فيرمي
إليهم بسيفه، ويقول: دونكم لم أعط ما أحاسب عليه، ثم يدخل الجنة،
ورأيت أبطأ الناس دخولا النساء وذووا الأموال، وما قام عبدالرحمن بن
( ٥٧٨ )

عوف حتى استبطأت له القیام)).
وله شاهد آخر من رواية إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه،
عن النبي څ﴾.
قال البزار في (مسنده) : حدثنا عبدالله بن أحمد بن شبویه، خبرنا
سليمان بن عبدالرحمن، خبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن
عطاء بن أبي رباح، عن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه، قال:
قال النبي#: ((يا عبدالرحمن !! ، إنك من الأغنياء ولا تدخل الجنة إلا
زحفاً، فأقرض الله تعالى يطلق قدميك))، فقال عبدالرحمن: ما الذي
أقرض؟، وخرج عبدالرحمن، فبعث إليه رسول الله# فقال: ((مر
عبدالرحمن فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل، فإن
ذلك یجزیه عن کثیر مما هو فيه)).
وفي هذا السند ضعف. وأخرج البزار أيضاً، والطبراني من حديث
عبدالله بن أبي أوفى في حديث طويل فيه مناقب الصحابة، وفيه: ثم أقبل
على عبدالرحمن بن عوف، فقال: ((لقد بطأ بك عنّا من بين أصحابي
حتى خشيت أن تكون هلكت، وعرقت عرفاً شديداً، فقلت: ما بطأ
بك؟)) فقلت: يا رسول الله من كثرة مالي، ما زلت موقوفاً محاسباً أسأل عن
مالي من أين اكتسبته وفيما أنفقته؟!، فبكى عبدالرحمن، وقال: يا
رسول الله هذه مئة راحلة جاءتني الليلة من تجارة مصر، فإني أشهدك أنها
على فقراء المدينة وأيتامهم، لعل الله يخفف عني ذلك اليوم.
وفي سنده عمار بن سيف: وهو ضعيف.
قال المنذري في (ترغيبه): ورد من حديث جماعة من الصحابة عن
النبي ◌ّ: ((إن عبدالرحمن يدخل الجنة حبواً لكثرة ماله))، ولا يسلم أجودها
( ٥٧٩ )

من مقال، ولا يبلغ شيء منها بانفرداه درجة الحسن.
وقال الإمام أحمد في (مسنده) أيضاً: حدثنا الهذيل بن ميمون الكوفي
الجعفي: كان يجلس في مجلس المدينة - يعني: مدينة أبي جعفر، عن
مطرح بن يزيد، عن عبيدالله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن
أبي أمامة، قال: قال رسول الله #: ((دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة بين
يدي، فقلت: ما هذه؟، قال: بلال، فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء
المهاجرين، وذراري المسلمين، ولم أر فيها أحداً أقل من الأغنياء والنساء،
قيل لي: أما الأغنياء فهم ها هنا بالباب يحاسبون ويمحصون، وأما
النساء فألهاهن الأحمران الذهب والحرير، قال: ثم خرجنا فلما كنت
عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتي في كفة فخرجت
بها .. فذكر الحديث، وفيه: فاستبطأت عبدالرحمن بن عوف، ثم جاء بعد
الإياس، فقلت: عبدالرحمن !! ، فقال: والذي بعثك بالحق ما خلصت
إليك حتى ظننت أني لا أنظر إليك؛ قلت: وما ذاك؟، قال: من كثرة
مالي احتبست فأمحص)).
وقال السراج في (تاريخه): حدثنا قتيبة، خبرنا عبدالعزيز بن محمد، عن
عمرو بن أبي عمرو، عن عبدالواحد بن محمد بن عبدالرحمن بن
عوف، عن أبيه: أن النبي * رأى أنه أدخل فلم ير فيها أحداً إلا فقراء
المؤمنين، ولم يجد فيها أحداً من الأغنياء إلا عبدالرحمن بن عوف، وقال:
((رأيت عبدالرحمن دخلها حين دخلها حبوا))، فأرسلت أم سلمة إلى
عبدالرحمن تبشره، فقال: إن لي عيرا أنتظرها فهي في سبيل الله تعالى
بأحمالها ورقيقها، وإني لأرجو أن أدخلها غيرحبو. رجاله ثقات.
الحديث الثامن: حديث أنس: في فضل عسقلان(١).
(١) سبق الإشارة إليه أنه برقم ١٣٢٨٩.
( ٥٨٠ )