Indexed OCR Text
Pages 121-140
يا أبا عبدالله، ابن الزبير كان يواصل سبعة أيام، وهذا لك اليوم ثمانية أيام، قال: إني مطيق، قلت: بحقي عليك؟ قال: فإني أفعل، فأتيته بسويق فشرب، ووجه إليه المتوكل بمال عظيم فردّه، فقال له عبيد الله بن يحيى: فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك، قال: هم مستغنون، فردها عليه، فأخذها عبيدالله فقسمها على ولده وأهله، ثم أجرى المتوكل على أهله وولده أربعة آلاف في كل شهر، فبعث إليه أبو عبدالله: إنهم في كفاية، وليست بهم حاجة، فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك، مالك ولهذا؟ فأمسك أبو عبدالله، فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل. وجرى بين أبي عبدالله وبين أبي في ذلك كلام كثير، وقال: يا عمّ، ما بقي من أعمارنا؟ كأنك بالأمر قد نزل بنا، فالله الله، فإن أولادنا إنما يريدون يتأكّلون بنا، وإنما هي أيام قلائل، لو كشف للعبد عما قد حجب عنه لعرف ما هو عليه من خير أو شر، صبر قليل، وثواب طويل، إنما هذه فتنة، قال أبي: فقلت: أرجو أن يؤمنك الله مما تحذر، قال: فكيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم؟ لو تركتموها لتركوكم، وقال: ما ننتظر؟ إنما هو الموت، فإما إلى جنة، وإما إلى نار، فطوبى لمن قدم على خير، قال أبي: فقلت له: أليس قد أمرت ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس أن تأخذه؟ قال: قد أخذت مرةً بلا إشراف نفس، فالثانية والثالثة! فما بال نفسك ألم تستشرف؟ فقلت: ألم يأخذ ابن عمر وابن عباس؟ فقال. ما هذا وذاك !! وقال: لو أعلم أن هذا المال يؤخذ من وجهه ولا يكون فيه ظلم ولا حیف لم أبال. قال حنبل: فلما طالت علة أبي عبدالله كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبب، فيصف له الأدوية، فلا يتعالج، ويدخل المتطبب على المتوكل، فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد ليست به علة في بدنه، إنما هو من قلة الطعام ( ١٢١ ) والصيام والعبادة، فسكت المتوكل. وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبدالله فقالت لابنها: أشتهى أن أرى هذا الرجل، فوجّه المتوكل إلى أبي عبدالله يسأله أن يدخل على ابنة المعتزّ ويسلم عليه ويدعو له، ويجعله في حجره، فامتنع أبو عبدالله من ذلك، ثم أجاب رجاء أن يطلق وينحدر إلى بغداد. فوجّه إليه المتوكل خلفه، وأتوه بداية يركبها إلى المعتزّ فامتنع، وكانت عليها ميثرة نمور، فقدم إليه بغل لرجل من التجار فركبه، وجلس المتوكل مع أمّه في مجلسٍ من المكان، وعلى المجلس ستر رقيق، فدخل أبو عبد الله على المعتزّ، ونظر إليه المتوكل وأمه، فلما رأته قالت: يا بنيّ، الله الله في هذا الرجل، فليس هذا ممن يريد ما عندكم، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله، فأذن فليذهب، فدخل أبو عبدالله على المعتزّ، فقال: السلام عليكم، وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة، قال: فسمعت أبا . عبدالله بعد ذلك ببغداد يقول: لما دخلت عليه وجلست قال مؤدب الصبيّ: أصلح الله الأمير، هذا الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك، فردّ عليه الغلام، وقال: إن علمني شيئاً تعلمته! قال أبو عبد الله: فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره، وكان صغيرًا. قال: ودامت علة أبي عبدالله، وبلغ الخليفة ما هو فيه، و کلمه یحیی بن خاقان أيضاً، وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف، فجاء عبيدالله بن يحيى وقت العصر، فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وأمر أن تفرش لك حراقة تنحدر فيها (١) ، فقال أبو عبد الله: اطلبوا لي زورقًا فأنحدر فيه الساعة، فطلبوا له زورقا فانحدر فيه من ساعته. قال حنبل: فما علمنا بقدومه، حتى قيل لي: إنه قد وافى، فاستقبلته بناحية القطيعة، وقد خرج من الزورق، فمشيت معه، فقال لي تقدم لا يراك (١) الحراقة بفتح الحاء وتشديد الراء: السفينة الخفيفة، وكانت هذه السفن بالبصرة. ( ١٢٢ ) الناس فيعرفوني، فتقدمت بين يديه حتى وصل إلى المنزل، فلما دخل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء. وكان في حياته ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده، فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار، امتنع من ذلك، حتى لقد وصف له في علته قرعة تشوى، ويوخذ ماؤها، فلما جاؤوا بالقرعة، قال بعض من حضر: اجعلوها في تنور، يعني في دار صالح، فإنهم قد خبزوا، فقال بيده: لا. ومثل هذا کثیر. وقد ذكر صالح بن أحمد قصة خروج أبيه إلى العسكر ورجوعه وتفتيش بيوتهم على العلوي، ثم ورود يعقوب قرقرة ومعه العشرة الآلاف، وأن بعضها كان مائتي دينار، والباقي دراهم، قال: فجئت بإجانة خضراء فأكبيتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح، خذ هذا صيره عندك، فصیرته عند رأسي فوق البيت، فلما کان سحر إذا هو ينادي: يا صالح، فقمت وصعدت إليه، فقال: مانمت، قلت: لم يا أبه؟ فجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، قد عزمت عليك أن تفرّق هذا الشيء إذا أصبحت، فقلت: ذاك إليك، فلما أصبح جاءه الحسن بن البزّار، فقال: جئني يا صالح بميزانٍ، وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار، ثم وجّه إلى فلان حتى يفرق في ناحيته، وإلى فلان، حتى فرقها كلها، ونحن في حالة الله بها عليم، فجاءني ابن لي فقال: يا أبه، أعطني درهماً، فأخرجت قطعةً فأعطيته، فكتب صاحب البريد: إنه تصدق بالدراهم في يومه حتى تصدق بالكيس، قال علي بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تصدق بها وعلم الناس أنه قد قبل منك، ما يصنع أحمد بالمال؟! وإنما قوته رغيف، قال: فقال لي: صدقت يا علي. قال صالح: ثم أخرج أبي ليلاً ومعنا حراس معهم النفاطات، فلما أصبح ( ١٢٣ ) وأضاء الفجر قال لي: يا صالح، معك دراهم؟ قلت: نعم، قال: أعطهم، فلما أصبحنا جعل يعقوب يسير معه، فقال له: يا أبا عبدالله، ابن الثلجي بلغني أنه کان یذ کرك، فقال له: يا أبا يوسف، سل الله العافية، فقال له: يا أبا عبدالله، تريد أن نؤدي عنك رسالة إلى أمير المؤمنين؟ فسكت، فقال: إن عبد الله بن إسحق أخبرني أن الوابصيّ(١) قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبد ماني! فقال: يا أبا يوسف، يكفي الله، فغضب يعقوب والتفت إليّ فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه، أسأله أن يطلق لي كلمةٌ أخبر أمير المؤمنين فلا يفعل !! قال: ووجّه يعقوب إلى المتوكل بما عمل، ودخلنا العسكر، وأبي منكس الرأس ورأسه مغطّى، فقال له يعقوب: اكشف رأسك يا أبا عبد الله، فكشفه، ثم جاء وصيف يريد الدار، ووجّه إليه بعد ما جاز بيحيى بن هرثمة فقال: يقرئك أمير المؤمنين السلام، ويقول: الحمد لله الذي لم يشمّتْ بك أهل البدع، قد علمت ما كان من حال ابن أبي دؤاد، فينبغي أن تتكلم بما يجب لله، ومضى يحيى، وأنزل أبي دار إيتاخ، فجاء عليّ بن الجهم وقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان تلك التي فرّقها، وأمر أن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتم، ثم جاءه محمد بن معاوية فقال: إِن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويقول: يقيم ههنا يحدّث، فقال: أنا ضعيف. ثم صار إليه يحيى بن خاقان فقال: يا أبا عبدالله، قد أمر أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركب إلى ابنه أبي عبدالله، يعني المعتز، ثم قال لي: قد أمرني أمير المؤمنين يجري عليك وعلى قراباتك أربعة آلاف درهم تفرقها عليهم، ثم عاد يحيى من الغد فقال: يا أبا عبدالله، تركب؟ قال: ذاك إليكم، ولبس (١) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر، من ولد وابصة بن معبد، كان يتولى قضاء بغداد، مات سنة ٢٤٩. له ترجمة في تاريخ بغداد ١٤: ٥٢ -٥٣ والتهذيب ٣٢٢:٦ - ٣٢٣. ( ١٢٤ ) إزاره وخفه، وكان خفه له عنده نحو من خمسة عشر عامًا، قد رقع برقاع عدة، فأشار يحيى أن يلبس قلنسوة، قلت: ماله قلنسوة، إلى أن قال: فدخل دار المعتز، وكان قاعدًا على دكان في الدار، فلما صعد الدكان قعد، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إن أمير المؤمنين جاء بك ليسرَّ بقربك ويصير أباعبد الله ابنه في حجرك، فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعداً وراء ستر، فلما دخل أبي الدار قال لأمه: يا أمه، قد نارت الدار، ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وذكر قصةً في إلباسه القميص والطيلسان والقلنسوة، وهو لا يحرك يده ثم انصرف. وكانوا قد تحدثوا أنه يخلع عليه سوادًا، فلما صار إلى الدار نزع الثياب، ثم جعل يبكي، فقال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنةً، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم! ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب عليّ نصحه من وقت تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟! يا صالح، وجّه بهذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئًا، فوجهت بها إلى يعقوب بن بختان(١) فباعها وفرق ثمنها، وبقيت عندي القلنسوة. قال: ومكث خمسة عشر يومًا يفطر في كل ثلاث على ثمن سويق، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلةٌ على رغيف وليلة لا يفطر، وكان إذا جيء بالمائدة توضع بالدهليز لئلا يراها، فيأكل من حضر، فكان إذا أجهده الحرّ بلّ خرقةً فيضعها على صدره، وفي كل يوم يوجه إليه بابن ما سويه، فينظر إليه ويقول: يا أبا عبدالله، أنا أميل إليك وإلى أصحابك، وما علة إلا الضعف (١) هو يعقوب بن إسحاق بن بختان، نسب هنا إلى جده، وهو من أصحاب أحمد، وكان أحد الصالحين الثقات، له ترجمة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢٧٦ وتاريخ بغداد ٢٨٠:١٤. ( ١٢٥ ) وقلة الرّز (١). إلى أن قال: وجعل يعقوب وغياث يصيران إليه، ويقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دؤاد وفي ماله؟ فلا يجيب في ذلك بشيء، وجعل يعقوب ويحيى يخبراه (٢) بما يحدث في أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أحدر إلى بغداد بعد ما أشهد عليه يبيع ضياعه. وكان ربما صار إليه يحيى بن خاقان وهو يصلي، فيجلس في الدهليز حتى يفرغ. وأمر المتوكل أن يشترى لنا دار، فقال: يا صالح! قلت: لبيك، قال: لئن أقررت لهم بشراء دار لتكوننّ القطيعة بيني وبينكم، إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكنًا، فلم نزل ندفع شراء الدار حتى اندفع. ؛ وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، ويصيرون إليه فيقولون: هو ضعيف، وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبدالله، لا بد من أن يراك، وجاءه يعقوب فقال: يا أبا عبدالله، أمير المؤمنين مشتاق إليك ويقول: انظر يوماً تصير فيه أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذاك إليكم، فقال: يوم الأربعاء يوم خالي، وخرج يعقوب، فلما كان من الغد جاء فقال: البشرى يا أبا عبدالله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد أعفيتك عن لبس السواد والركوب إلى ولاة العهود وإلى الدار، فإن شئت فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف، فجعل يحمد الله على ذلك. ثم قال يعقوب: إن لي ابنًا وأنا به معجب، وإن له من قلبي موقعاً، فأحبُّ أن تحدّثه بأحاديث، فسكت، فلما خرج قال: أتراه لا يرى ما أنا فيه! وكان يختم من جمعة إلى جمعة، وإذا ختم دعا، فيدعو ونؤمن، فلما (١) الرز، بكسر الراء وتشديد الزاي: غمز الحدث وحركته في البطن للخروج حتى يحتاج صاحبه إلی دخول الخلاء. (٢) كذا في الأصل، وله وجه. ( ١٢٦ ) . کان غداة الجمعة وجّه إلي وإلى أخي، فلما ختم جعل يدعو ونحن نؤمن، فلما فرغ جعل يقول: أستخير الله، مرات، فجعلت أقول: ما يريد، ثم قال: إني أعطي الله عهدًا إن عهده كان مسؤولاً، وقال الله تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ أني لا أحدث حديث تمام أبدًا حتى ألقى الله، ولا أستثني منكم أحدًا، فخرجنا وجاء عليّ بن الجهم فأخبرناه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأخبر المتوكل بذلك، وقال: إنما يريدون أُحدّث ويكون هذا البلد حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أعطوا فقبلوا وأمروا فحدّثوا. وجعل أبي يقول: والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان، وإني لأتمنى الموت في هذا، وذلك أن هذا فتنة الدنيا، وذلك كان فتنة الدين، ثم جعل يضم أصابع يده ويقول: لو كانت نفسى في يدي لأرسلتها، ثم يفتح أصابعه. وكان المتوكل يوجه في كل وقت يسأله عن حاله. وكان في خلال ذلك يأمر لنا بالمال، ويقول: يوصل إليهم ولا يعلم شيخهم فيغتمّ، ما يريد منهم؟ إن کان هو لا یرید الدنيا فلم يمنعهم؟! وقالوا للمتوكل: إنه لا يأكل من طعامك، ولا يجلس على فراشك، ويحرم الذي تشرب! فقال لهم: لو نشر المعتصم، وقال فيه شيئًا لم أقبل منه. قال صالح: ثم انحدرت إلى بغداد ، وخلفت عبدالله عنده، فإذا عبدالله قد قدم وجاء بثيابي التي كانت عنده، فقلت: ما جاء بك؟ فقال: قال لي انحدر، وقل لصالح: لا تخرج فأنتم كنتم آفتي، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدًا منكم معي، لولاكم لمن كانت توضع هذه المائدة؟ ولمن كانت تفرش هذه الفرش، وتجري الأمراء؟! فكتبت إليه أعلمه ما قال لي عبدالله، فكتب إليّ بخطه: (( أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي حملني على الكتاب إليك الذي قلت لعبدالله لا ( ١٢٧ ) يأتيني منكم أحد رجاء أن ينقطع ذكري ويخمد، إذا كنتم ههنا فشا ذكري، وكان يجتمع إليكم قوم ينقلون أخبارنا، ولم يكن إلا خير، فإن أقمت فلم تأتني أنت ولا أخوك فهو رضائي، ولا تجعل في نفسك إلا خيراً، والسلام عليك ورحمة الله)). قال: ولما خرجنا من العسكر رفعت المائدة والفرش، وكل ما أقيم لنا، ثم ذکر صالح کتاب وصيته. ثم قال: وبعث إليه المتوكل بألف دينار ليقسمها، فجاء علي بن الجهم في جوف الليل، فأخبره بأنه يهيء له حرّاقة ينحدر فيها، ثم جاء عبيدالله ومعه ألف دينار، فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وقد أمر لك بهذه، فقال: قد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره، فردها وقال: أنا رقيق على البرد والظهر، أرفق بي فكتب له جواز، وكتب إلى محمد بن عبدالله في بره وتعاهده، فقدم علینا. ثم قال بعد قليل: يا صالح، قلت: لبيك، قال: أحب أن تدع هذا الرزق، فإنما تأخذونه بسببي، فسكت، فقال: مالك؟ قلت: أكره أن أعطيك شيئاً بلساني وأخالف إلى غيره، وليس في القوم أكثر عيالاً مني ولا أعذر، وقد كنت أشكو إليك، وتقول أمرك منعقد بأمري، ولعل الله أن يحل عني هذه العقدة، وقد كنت تدعو لي، فأرجو أن يكون الله قد استجاب لك، فقال: والله لا تفعل، فقلت: لا، فقال: لم؟ فعل الله بك وفعل! ثم ذكر قصةً في دخول عبدالله عليه وقوله له وجوابه له، ثم دخول عمه عليه وإنكاره للأخذ، إلى أن قال: فهجرنا، وسد الأبواب بيننا وبينه، وتحامى منازلنا أن يدخل منا إلى منزله شيء، ثم أخبر بأخذ عمه، فقال: نافقتني وكذبتني، ثم هجره، وترك الصلاة في المسجد وخرج إلى مسجد خارج نصلي فيه. ( ١٢٨ ) ثم ذكر قصةً في دعاءه صالحًا ومعاتبته في ذلك، ثم في كتبته إلى يحيى بن خاقان ليترك معونة أولاده، وبلوغ الخبر إلى المتوكل، فأمر بحمل ما اجتمع لهم في عشرة أشهر، وهو أربعون ألف درهم، إليهم، وأنه أخبر بذلك، فسكت قليلاً، وضرب بذقنه على صدره، ثم رفع رأسه، فقال: ما حيلتي أن أردت أمرًا وأراد الله أمرًاً. قال أبو الفضل صالح: وكان رسول المتوكل يأتي أبي يبلغه السلام ويسأله عن حاله، فتأخذه نفضة حتى ندثره، ثم يقول: والله لو أن نفسي في يدي لأرسلتها. وجاء رسول المتوكل إلى أبي يقول: لو سلم أحد من الناس سلمت، رفع رجل إليّ أن علويًا قدم من خراسان، وأنك وجهت إليه من يلقاه، وقد حبست الرجل وأردت ضربه، فكرهت أن تغتم فمر فيه، قال: هذا باطل، یخلی سبیله. ثم ذكر قصةً في قدوم المتوكل بغداد، وإشارته على صالح بأن لا يذهب إليهم، ثم في مجيء يحيى بن خاقان من عند المتوكل، وما كان من احترامه ومجيئه بألف دينار فيفرقها، وقوله: قد أعفاني أمير المؤمنين من كل ما أكره، وفي توجيه محمد بن عبدالله بن طاهر إليه ليحضره، وامتناعه من حضوره، وقوله: أنا رجل لم أخالط السلطان، وقد أعفاني أمير المؤمنين مما أکره. قال: وكان قد أدمن الصوم لما قدم، وجعل لا يأكل الدسم، وكان قبل ذلك يشترى له الشحم بدرهم فيأكل منه شهرًا !! فترك أكل الشحم وأدمن الصوم والعمل، فتوهمت أنه قد كان جعل على نفسه إن سلم يفعل ذلك. وقال الخلال أبو بكر: حدثني محمد بن الحسين أن أبا بكر المرّوذي ( ١٢٩ ) ١ حدثهم: كان أبو عبدالله بالعسكر يقول: انظر هل تجد لي ماء الباقلا؟ فكنت ربما بللت خبزةً بالماء فيأكلها بالملح، وربما أنه منذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق طبيخً ولا دسماً. وعن المروذي قال: أنبهني أبو عبدالله ذات ليلة وكان قد واصل، فإذا هو قاعد، فقال: هو ذا يدار بي من الجوع، فأطعمني شيئاً، فجئته بأقلّ من رغيف فأكله، قال: لولا أني أخاف العون على نفسي ما أكلت: وكان يقوم من فراشه إلى المخرج، فيقعد يستريح من الضعف من الجوع، وحتى إن كنت لأبلُّ الخرقة فيلفها على وجهه، لترجع إليه نفسه، حتى أوصى من الضعف من غیر مرض، فسمعته يقول عند وصیته، ونحن بالعسكر، وأشهد على وصيته: ((هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله))، وذكر ما يأتي: قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً، ما ذاق شيئاً إلا مقدار ربع سويق، ورأيت ما في عينيه قد دخلا في حدقتیه. وقال صالح بن أحمد: وأوصى أبي بالعسكر هذه الوصية: ((بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًاً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصي أنى رضيت بالله رباً وبالإِسلام دينا وبمحمد نبياً، وأوصى أن لعبد الله بن محمد المعروف بفوارن عليّ نحواً من خمسين دينارًا، وهو مصدّق فيما قال، فيقضى ماله عليّ من غلة الدار إن شاء الله تعالى، فإذا استوفى أعطي ولد ( ١٣٠ ) صالح وعبدالله ابني أحمد بن محمد بن حنبل، كلُّ ذكر وأنثى عشرة دراهم، بعد وفاء مال أبي محمد، شهد أبو يوسف وصالح وعبدالله ابنا أحمد». أنبئت عمن سمع أبا علي الحداد أخبرنا أبو نعيم في الحلية (١) حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: كتب عبيدالله ابن يحيى إلى أبي يخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وتبصرة. فأملى عليّ أبي رحمه الله إلى عبيدالله بن يحيى، وحدي ما معي أحد: (( بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك مكاره الدنيا والآخرة برحمته. قد كتبت إليك رضي الله عنك بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن، بما حضرني، وإني أسأل الله أن یدیم توفیق أمیر المؤمنین، فقد کان الناس في خوض من الباطل واختلاف شديد ينغمسون فيه، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى الله بأمير المؤمنين كلّ بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس(٢)، فصرف الله ذلك كله، وذهب به بأمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعاً عظيماً، ودعوا الله لأمير المؤمنين، [ وأسأل الله أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء، وأن يتم ذلك لأمير المؤمنين (٣) ]، وأن يزيد في نيته، وأن يعينه على ما هو عليه، فقد ذكر عن عبدالله بن عباس أنه قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم، وذكر (١) هي بنصها في الحلية الأبي نعيم ٩: ٢١٦ - ٢١٩، ورواها ابن الجوزي في مناقب أحمد ٣٧٧ - ٣٧٩ بإسناده لأبي نعيم، ولكنه اختصرها، ولم يسق نصها كاملا. (٢) في الحلية ((وضيق المجالس)) وما هنا موافق لابن الجوزي. (٣) الزيادة من الحلية وابن الجوزي، وهي مهمة لتمام الكلام. ( ١٣١ ) عن عبدالله بن عمرو أن نفراً كانوا جلوسًا بباب النبي عليه، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ فسمع رسول اللّه عليه فخرج كأنما فقئ في وجهه حبُّ الرمان، فقال: بهذا أمرتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه. وروي عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه قال: مراء في القرآن كفر. وروي عن أبي جهم، رجل من أصحاب النبي عنه، عن النبي ◌ّ قال: لا تماروا في القرآن، فإن مراءً فيه كفر. وقال ابن عباس: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، وقال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئباً حزينًا، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي فخلا بي، فقال: ما الذي كرهت؟ قلت: يا أمير المؤمنين، متى يتسارعوا هذه المسارعة يحتقّوا (١)، ومتى ما يحتقّوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك، والله إن كنت لأ کتمها الناس حتى جئت بها. وروي عن جابر قال: كان النبي عليه يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ کلام ربي . وروي عن جبير بن نفير قال رسول الله ئة: إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه؟ يعني القرآن. وروي عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن ولا تكتبوا فيه شيئاً إلا كلام الله عز وجل. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إن هذا القرآن كلام الله، فضعوه مواضعه. وقال رجل للحسن البصري: يا أبا (١) يحتقوا: يقول كل منهم: الحق في يدي ومعي. ( ١٣٢ ) سعيد، إني إذا قرأت كتاب الله وتدبرته كدت أن آيس(١) وينقطع رجائي، فقال: إن القرآن كلام الله، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر. وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جارًاً لخبّاب، وهو من أصحاب النبي ◌ّة، فخرجت معه يوما من المسجد وهو آخذ بيدي، فقال: يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. وقال رجل للحكم بن عتيبة: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات. وقال معاوية بن قرّة، وكان أبوه ممن أتى النبي عليه: إياكم وهذه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال. وقال أبو قلابة، وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله عَّة: لا تجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات، فإنه لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء علی محمد بن سیرین، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا ، قال: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا ، لتقومانّ عني أو لأقومنّه، فقاما ، فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأي(٢) عليك آية؟ قال: إني خشيت أن يقرآ عليّ آية فيحرفانها، فيقرّ ذلك في قلبي، ولو أعلم أني أكون مثلي الساعة لتركتهما. وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولّى وهو يقول بيده: ولا نصف كلمة. وقال ابن طاوس لابنٍ له يكلمه رجل من أهل البدع: يابني، أدخل أصبعيك في أذنيك، حتى لا تسمع ما يقول، ثم قال: اشدد اشدد. وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرض(٣) للخصومات (١) في اللسان: ((قال الجوهري: أيست منه آيس يأسًا. لغة في يئست منه أيأس يأسًا، ومصدرهما واحد)). ونقل أيضاً عن ابن سيدة قال: ((أيست من الشيء مقلوب عن يئست، وليس بلغة فيه» . (٢) كذا في الأصل. وفي الحلية ((أن يقرآ)). (٣) كذا بالأصل، رسم المنصوب المنون بغير ألف كرسم المرفوع، وهو جائز، انظر أمثلة لذلك في = ( ١٣٣ ) أكثر التنقّل. وقال إبراهيم النخعي: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم. وكان الحسن رحمه الله يقول: شرّ داء خالط قلباً، يعني الأهواء. وقال حذيفة بن اليمان: اتقوا الله وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً، أو قال: مبيناً. قال أبي: وإنما تركت ذكر الأسانيد لما تقدم من اليمين التي قد حلفت بها مما قد علمه أمير المؤمنين، لولا ذاك ذكرتها بأسانيدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ وقال: ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ فأخبر بالخلق، ثم قال ﴿ والأمر﴾، فأخبر أن الأمر غير الخلق. وقال عز وجل: ﴿الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان علمه البيان ﴾، فأخبر أن القرآن من علمه. وقال تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾. وقال: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ماجاءك من العلم، إنك إذا لمن الظالمين ). وقال تعالى: ﴿ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من وليّ ولا واقٍ﴾. فالقرآن من علم الله، وفي هذه الآيات دليل على أن الذي جاءه هو القرآن، لقوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ). وقد روي عن غير واحد ممن مضى من سلفنا أنهم كانوا يقولون: ((القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما رسالة الشافعي بتحقيقنا وشرحنا، أشرنا إلى مواضعها هناك في صفحة ٦٦١ من فهارسها. = ( ١٣٤ ) كان في كتاب الله، أو في حديثٍ عن النبي ◌ّه، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غیر محمود)). قلت: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنه أملاها على ولده، وأما غيرها من الرسائل المنسوبة إليه، كرسالة الإصطخري، ففيها نظر، والله أعلم. ذکر مرضه رحمه الله قال ابنه عبدالله: سمعت أبي يقول: استكملت سبعاً وسبعين سنةً. فحمّ من ليلته ومات يوم العاشر. وقال صالح: لما كان في أول يوم من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حمّ أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم، يتنفس تنفساً شديداً، وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرضه إذا اعتل، فقلت له: يا أبت، على ما أفطرت البارحة؟ قال: على ماء باقلا، ثم أراد القيام فقال: خذ بيدي فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعفت رجلاه حتى توكأ عليّ، وكان يختلف إليه غير متطبّب، كلهم مسلمون، فوصف له متطبّب قرعةً تشوى ويسقى ماءها - وهذا يوم الثلاثاء فتوفي يوم الجمعة - فقال: يا صالح، قلت: لبيك، قال: لا تشوى في منزلك ولا في منزل أخيك، وصار الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده، فحجبه، وأتى ابن علي بن الجعد فحجبه، وكثر الناس، فقال أي شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك، قال: أستخير الله تعالى، فجعلوا يدخلون عليه أفواجاً حتى تمتلئ الدار، فيسألونه ويدعون له، ثم يخرجون ويدخل فوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق، وجاء رجل من جيراننا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئاً من السنة فأفرح به، [ فدخل فجعل يدعو له، فجعل يقول: له ولجميع المسلمين، وجاء رجل فقال: تلطف لي بالإذن عليه، فإني قد ( ١٣٥ ) حضرت ضربه يوم الدار، وأريد أن أستحله، فقلت له، فأمسك، فلم أزل به حتى قال: أدخله، فأدخلته، فقام بين يديه وجعل بيكي، وقال: يا أبا عبدالله، أنا كنت ممن حضر ضربك يوم الدار وقد أتيتك، فإن أحببت القصاص فأنا بين يديك، وإن رأيت أن تحلني فعلت، فقال: على أن لاتعود لمثل ذلك؟ قال: نعم، قال: فإني قد جعلتك في حل، فخرج يبكي، وبكى من حضر من الناس(١) ]، وكان له في خريقةٍ قطيعات، فإذا أراد الشيء أعطينا من يشتري له، وقال لي يوم الثلاثاء: انظر، في خريقتي شيء، فنظرت فإذا فيها درهم، فقال: وجّه اقتض بعض السكان، فوجهت فأعطيت شيئاً، فقال: وجّه فاشتر تمرًا وكفّر عني كفارة يمين، وبقي ثلاثة دراهم، أو نحو ذلك، فأخبرته، فقال: الحمدلله، وقال: اقرأ عليّ الوصية، فقرأتها عليه، فأقرها، وكنت أنام إلى جنبه، فإذا أراد حاجةً حركني فأناوله، وجعل يحرك لسانه، ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها، ولم يزل يصلي قائماً أمسكه، فيركع ويسجد، وأرفعه في ركوعه، واجتمعت عليه أوجاع الحصر، وغير ذلك، ولم يزل عقله ثابتًا، فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، لساعتين من النهار، توفي. وقال المروذي: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول، ومرض تسعة أيام، وكان ربما أُذن للناس فيدخلون عليه أفواجاً، يسلمون عليه ويرد عليهم بيده، وتسامع الناس وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوكل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه (١) الزيادة من ابن الجوزي ٤٠٣ . ( ١٣٦ ) ربما دخل من بعض الدور وطرر الحاكة (١) ، وربما تسلق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب، وجاءه حاجب ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك، فقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين أعفاني مما أكره، وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر، والبرد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا بيكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم، فلم يؤذن لهم، ودخل عليه شيخ فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله، وسالت الدموع على خديه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان ، بلسان ثقيل، فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم، وعينه تدمع، [فقال له رجل: لا تغتم لهم يا أبا عبدالله، فأشار بيده، فظننا أن معناه أني لم أرد هذا المعنى، و کان يصلي قاعداً، ويصلي وهو مضطجع، لا يكاد يفتر، ويرفع يديه في إيماء الركوع (٢) ]، وأدخلت الطست تحته فرأيت بوله دماً عبيطًا ليس فيه بول، فقلت للطبيب، فقال: هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه، واشتدت عليه(٣) يوم الخميس، ووضأته، فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع. وقال أبو بكر الخلال: أخبرني عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبدالله وهو في الحبس ثلاث (١) كذا في الأصل، والظاهر أنه يريد أطراف مصانعهم، فإن ((طرة)) كل شيء طرفه، وجمعها، (طرر)) بضم الطاء وفتح الراء الأولى. وفي ابن الجوزي ٤٠٤ ((طرز) بالزاي في آخره ولم أجد لها وجهاً. (٢) الزيادة من ابن الجوزي ٤٠٦. (٣) كذا بالأصل، يريد: اشتدت عليه علته. وفي ابن الجوزي ٤٠٦: ((واشتدت به العلة)). ( ١٣٧ ) شعرات، فقال: هذه من شعر النبي#، فأوصى عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففعل به ذلك عند موته. وقال حنبل: توفي يوم الجمعة في ربيع الأول. وقال مطين(١): في ثاني عشر ربيع الأول. وكذلك قال عبدالله بن أحمد وعباس الدُّ وري. وقال البخاري: مرض أحمد بن حنبل لليلتين خلتا من ربيع الأول، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة(٢) خلت من ربيع الأول. قلت: غلط ابن قانع وغيره فقالوا: في ربيع الآخر. فليعرف ذلك. وقال الخلال: حدثنا المرّوذي قال: أخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة. قلت: وقد روى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو عامر حدثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبدالله بن عمرو عن النبي ◌ّه قال: ((ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر(٣))). وقال صالح: وجّه ابن طاهر، يعني نائب بغداد، بحاجبه مظفر ومعه غلامين(٤) معهما مناديل فيها ثياب وطيب، فقالوا: الأمير يقرئك السلام (١) ((مطين)) بضم الميم وفتح الطاء وتشديد الياء المفتوحة: لقب ((محمد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي الحافظ)) انظر المشتبه للذهبي ٤٨٨ وشرح القاموس ٢٧٠:٩ وطبقات الحنابلة ٢١٧ وتذكرة الحفاظ ٢١٠:٢ - ٢١١. (٢) في الأصل ((لاثني عشرة). (٣) سيأتي في المسند برقم ٦٥٨٢. (٤) كذا في الأصل ((غلامين)). ( ١٣٨ ) ويقول: قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضره كان يفعل ذلك، فقلت أقرئ الأمير السلام، وقل له: إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما کان یکرهه في حیاته، فعاد وقال: يكون شعاره، فأعدت عليه مثل ذلك. وقد كان غزلت له الجارية ثوباً و عشاريًا قوّم بثمانية وعشرين درهماً ليقطع منه قميصين، فقطعنا له لفافتين، وأخذ منه فوران لفافةً أخرى(١) ، فأدرجناه في ثلاث لفائف، واشترينا له حنوطًا، وفرغ من غسله، وكفنّاه، وحضر نحو مائة من بني هاشم ونحن نكفّته، وجعلوا یقبلون جبهته حتی رفعناه على السرير. وقال عبدالله بن أحمد: صلى على أبي محمد بن عبدالله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وقد كنا صلينا عليه نحن والهاشميون في الدار. وقال صالح: وجه ابن طاهر: من يصلّي عليه؟ قلت: أنا، فلما صرنا إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف، فخطا إلينا خطوات وعزّانا، ووضع السرير، فلما انتظرت هنيةً تقدمت وجعلت أسوّي صفوف الناس، فجاءني ابن طاهر، فقبض هذا على يدي، ومحمد بن نصر على(٢) يدي، وقالوا: الأمير! فمانعتهم، فنحياني وصلّى، ولم يعلم الناس بذلك، فلما كان من الغد علم الناس فجعلوا يجيؤون ويصلون على القبر، ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر. (١) كذا بالأصل، وفي ابن الجوزي ٤١٢ ((وأخذنا من فوران لفافة أخرى)) وهو الصواب. (٢) كذا بالأصل، وهو غير واضح، ولعل فيه خطأ، وفي ابن الجوزي ٤١٤: ((فجاءني ابن طالوت ومحمد، فقبض هذا علی یدي، وهذا علی یدي)). ( ١٣٩ ) وقال عبيدالله بن يحيى بن خاقان: سمعت المتوكل يقول لمحمد بن عبدالله: طوبى لك يا محمد، صليت على أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. وقال أبو بكر الخلال: سمعت عبدالوهاب الورّاق يقول: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية والإسلام مثله، حتى بلغنا أن الموضع مسح وحرز على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألفٍ، وحزرنا على القبور نحواً من ستين ألف امرأة، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب، ينادون من أراد الوضوء. وروى عبدالله بن إسحق البغوي: أن بنان بن أحمد القضباني أخبره أنه حضر جنازة أحمد، فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة، وحزر من حضرها من الرجال ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة، ونظروا فيمن صلى العصر في مسجد الرصافة، فكانوا نيفاً وعشرين ألفاً. وقال موسى بن هرون الحافظ: يقال إن أحمد لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها، فحزر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة، أكثر من ألف ألف. وقال جعفر بن محمد بن الحسين النيسابوري: حدثني فتح بن الحجاج قال: سمعت في دار الأمير محمد بن عبدالله بن طاهر: أن الأمير بعث عشرين رجلاً فحزروا كم صلى على أحمد بن حنبل؟ فحزروا، فبلغوا ألف ألف وثمانين ألفًا، سوى من كان في السفن في الماء. ورواها حشنام (١) بن سعد، فقال: بلغوا ألف ألف وثلاثمائة ألف. و (١) في الأصل ((خشنام بن سعيد)) وصححناه من طبقات الحنابلة. وفي ابن الجوزي ٤١٦ (محمد بن خشنام بن سعد)) والراجح أنه خطأ. ( ١٤٠ )