Indexed OCR Text

Pages 81-100

دينارًا، فقال: اشتر لي ثوباً واقطعه نصفين، يعني إزاراً ورداءً، وجئني ببقية
و
الدنانير، ففعلت وجئت بورق، فكتب لي هذا.
وقال عبد الرزاق: عرضت على أحمد بن حنبل دنانير فلم يأخذها.
وقال إسحق بن راهويه: كنت أنا وأحمد باليمن عند عبد الرزّاق،
وكنت أنا فوق الغرفة وهو أسفل، وكنت إذا جئت إلى موضع اشتريت
جارية، قال: فاطَّلعت على أن نفقته فنيت، فعرضت عليه فامتنع، فقلت: إن
شئت قرضًاً، وإن شئت صلة، فأَبَى، فنظرت فإذا هو ينسج التكك ويبيع
ويتفق. رواها أبو إسماعيل الترمذي عنه.
وعن أبي إسماعيل قال: أتى رجل بعشرة آلاف درهم من ربح تجارته
إلى أحمد، فأبَى أن يقبلها.
وقال عبدالله عن أبيه قال: عرض عليّ يزيد بن هرون نحو خمسمائة
درهم فلم أقبلها. فقيل إن صيرفيّاً وصل أحمد بخمسمائة دينار فردها.
وقال صالح: دخلت على أبي أيام الواثق، والله يعلم كيف حالنا، فإذا
تحت لبده ورقة فيها: يا أبا عبدالله، بلغني ما أنت فيه من الضيق، وقد وجهت
و
إليك بأربعة آلاف درهم. فلما ردًّ أبي من صلاته قلت: ما هذا؟ فاحمر
وجهه، فقال: رفعتها منك، ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل:
وصل كتابك ونحن في عافية، فأما الدِّين فلرجل لا يرهقنا، وأما العيال فهم
في نعمة الله، فذهبت بالكتاب، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل
بمثل ذلك، فامتنع، فلما مضى نحو سنة ذكرناها، فقال: لو أنَّا قبلنا كانت
قد ذهبت.
وقال جماعة: حدثنا سَلَمة بن شبيب قال: كنا في أيام المعتصم عند
( ٨١ )

أحمد بن حنبل، فدخل رجل فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فسكتنا،
فقال أحمد: هأنذا، قال: جئت من أربعمائة فرسخ برا وبحراً، كنتُ ليلةَ
جمعة نائماً فأتاني آت فقال لي: تعرف أحمد بن حنبل؟ قلت: لا، قال:
فأت بغداد وسل عنه، فإذا رأيته فقل: إن الخضر يقرئك السلام ويقول: إن
ساكن السماء الذي على عرشه راض عنك، والملائكة راضون عنك بما
صفوتَ نفسك لله (١).
فصل في آدابه
قال عبدالله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرةً من شعر النبي ◌َّه فيضعها
على فمه يقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء
ويشربه يستشفي به، ورأيته قد أخذ قصعة النبي ◌ّ فغسلها في جب الماء ثم
و
شرب فيها، ورأيته يشرب ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه.
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: كتب إلى أحمد بن حنبل: لأبي جعفر
أکرمه الله، من أحمد بن حنبل.
وعن سعيد بن يعقوب قال: كتب أحمد: من أحمد بن محمد إلى
سعيد بن يعقوب، أما بعد، فإن الدنيا داء، والسلطان داء، والعالم طبيب، فإذا
رأيتَ الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره، والسلام عليك.
وقال عبدالله بن عبدالرحمن الذهبي: حدثني أبي قال: مضى عمي أبو
إبراهيم أحمد بن سعد إلى أحمد بن حنبل فسلم عليه، فما رآه وثب قائماً
وأکرمه.
قال: المُوذي: قال لي أحمد: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به، حتى
و
(١) أي أخذت صفوتها. يقال: ((صفوت القدر)) إذا أخذت صفوتها.
( ٨٢ )

٠/٥
مرّبي أن النبي ◌َّ احتجم وأعطى أبا طيبةً دينارًا، فأعطيت الحجّام دينارًاً
حین احتجمت.
وقال ابنُ أبي حاتم: ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري قال: سمعت
عبد الملك الميموني يقول: ما أعلم أني رأيت أحداً أنظفَ ثوباً ولا أشدَّ تعاهدً
لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وشدة بياض من
أحمد بن حنبل.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن الجنيد أن المُوذي حدثهم قال: كان
أبو عبدالله لا يدخل الحمّام، وكان إذا احتاج إلى النورة تنور في البيت،
و
وأصلحت له غير مرة النورة، واشتريت له جلدًا ليده يدخل فيه ويتنوّر.
وقال حنبل: رأيت أبا عبدالله إذا أراد القيام قال لجلسائه: إذا شئتم.
وقال المُرُّوذي: رأيت أبا عبدالله قد ألقى لختَّانِ درهمين في الطست.
و
وقال موسى بن هرون: سئل أحمد بن حنبل فقيل له: أين يطلب
البُدَلاءِ؟ (١) فسكت حتى ظننا أنه لا يجيب، ثم قال: إن لم يكن من
أصحاب الحديث فلا أدري.
و
وقال المروذي: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان
و
يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب.
وقال: إذا ذكر الموت هان عليّ كلّ شيء من أمر الدنيا، وإنما هو طعام
دونَ طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، ما أعدل بالفقر شيئاً.
وقال: لو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر.
وقال: أريد أن أكون في بعض تلك الشعاب بمكة حتى لا أُعْرَف، قد
(١) يريد الأبدال، ولم أر هذا الجمع ((البدلاء)) في غير هذا الموضع.
٠
( ٨٣ )

و
بليت بالشهرة، إني لأتمنى الموت صباحاً ومساءً.
و
وقال المُرُّوذي: ذكر لأحمد أن رجلاً يريد لقاءه، فقال: أليس قد كره
بعضهم اللقاء، يتزيّن لي وأتزيّن له؟!
ھ
و
وقال: لقد استرحت، ما جاءني الفرج إلا منذ حلفتُ أن لا أُحَدّث،
٩
وليتنا نترَك، الطريق ما كان عليه بشر بن الحرث.
وقال المروذي: قلت لأبي عبدالله: إن فلاناً قال لم يزهد أبو عبدالله في
الدراهم وحدها، قد زهد في الناس، فقال. ومن أنا حتى أزهد في الناس؟!
الناس يريدون أن يزهدوا فيّ.
وسمعت أبا عبدالله يكره للرجل أن ينام بعد العصر، يخاف على عقله.
و
وسمعته يقول: لا يفلح من تعاطى الكلام، ويخلو من أن يتجهم.
وسئل عن القراءة بالألحان، فقال: هذه بدعة، لا تسمع، وكان قد
قارب الثمانین، رحمه الله.
فصل
في قوله في أصول الدين
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الإيمان قول وعمل،
يزيد وينقص، البرّ كله من الإيمان، والمعاصي تنقص من الإيمان.
وقال إسحق بن إبراهيم البغوي: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عمن
يقول القرآن مخلوق؟ فقال: كافر.
وقال سَلَمة بن شَبيب: سمعت أحمد يقول: من يقول القرآن مخلوق
فهو كافر.
وقال أبو إسماعيل الترمذي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال
القرآن مخلوق فهو كافر.
( ٨٤ )

وقال إسماعيل بن الحسن السراج: سألت أحمد عمن يقول القرآن
مخلوق؟ فقال: كافر. وعمن يقول لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: جهميّ.
وقال صالح بن أحمد: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي أنه يقول
لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبرت أبي بذلك، فقال: من أخبرك! قلت:
فلان، فقال: ابعث إلى أبي طالب ، فوجهت إليه، فجاء وجاء فوران، فقال
٩
له أبي: أنا قلت لفظي بالقرآن غير مخلوق؟! وغضب، وجعل يرعد، فقال:
قرأت عليك (قل هو الله أحد) فقلت لي ليس هذا بمخلوق، فقال: فلم
حكيت عني أني قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق؟! وبلغني أنك
وضعت ذلك في كتاب وكتبت به إلى قوم، فأمحه، واكتب إلى القوم أني
لم أقله لك، فجعل فوران يعتذر إليه، وانصرف من عنده وهو مرعوب، فعاد
أبو طالب فذكر أنه قد كان حَكّ ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم
يخبرهم أنه وهم علی أبي.
قلت: الذي استقر عليه قول أبي عبدالله أن من قال لفظي بالقرآن
مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع.
وقال أحمد بن زنجويه: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية شر من
الجهمية.
وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: افترقت الجهمية على ثلاث
فرق: فرقة قالوا القرآن مخلوق، وفرقة قالوا القرآن كلام الله تعالى وسكتوا،
وفرقة قالوا لفظنا بالقرآن مخلوق.
وقال أبي: لا يصلّى خلف واقفيّ ولا خلف لفظي.
وقال المُرُّوذي: أخبرت أبا عبدالله أن أبا شعيب السُّوسيّ الذي كان بالرَّقة
فرق بين ابنته وزوجها لما وقف في القرآن، فقال: أحسن عافاه الله، وجعل
( ٨٥ )

يدعو له. وقد كان أبوشعيب شاور النُّفيلي فأمره أن يفرق بينهما.
ء
قال المُوذي: ولما أظهر يعقوب بن شيبة الوقف حذَّر أبو عبد الله عنه،
وأمر بهجرانه وهجران من كلمه.
قلت: ولأبي عبد الله في مسألة اللفظ نصوص متعددة.
وأول من أظهر اللفظ الحسين بن علي الكرابيسي، وذلك في سنة أربع
وثلاثين ومائتين. وكان الكرابيسي من كبار الفقهاء.
وقال المُوذي في كتاب القصص: عزم حسن بن البزّار وأبو نصر بن
عبد المجيد وغيرهما على أن يجيئوا بكتاب المدلّسين الذي وضعه الكرابيسي
يطعن فيه على الأعمش وسليمان التيمي، فمضيت إليه في سنة أربع
وثلاثين فقلت: إن كتابك يريد قوم أن يعرضوه على أبي عبد الله، فأظهر
أنك قد ندمت عليه، فقال: إن أبا عبد الله رجل صالح، مثله يوفّق لإصابة
م
الحق، قد رضيت أن يعرض عليه، لقد سألني أبو ثور: أن أمحوه، فأبيت.
فجيء بالكتاب إلى أبي عبد الله، وهو لا يعلم لمن هو، فعلّموا على
مستبشعات من الكتاب، وموضع فيه وضع على الأعمش، وفيه: إن زعمتم
أن الحسن بن صالح كان يرى السيف فهذا ابن الزبير قد خرج. فقال أبو
عبد الله: هذ أراد نصرة الحسن بن صالح فوضع على أصحاب رسول الله
◌ّ: وقد جمع للروافض أحاديث في هذا الكتاب، فقال أبو نصر: إن فتياننا
ھ
يختلفون إلى صاحب هذا الكتاب؟ فقال: حذروا عنه، ثم انكشف أمره فبلغ
الكرابيسي، فبلغني أنه قال: سمعت حسيناً الصائغ يقول: لأقولن مقالةً حتى
يقول أحمد بن حنبل بخلافها فيكفر، فقال:(١) لفظي بالقرآن مخلوق،
(١) بهامش الأصل ((يعني الكرابيسي)).
( ٨٦ )

فقلت لأبي عبد الله: إن الكرابيسي قال لفظي بالقرآن مخلوق، وقال أيضاً:
أقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات إلا أن لفظي بالقرآن
مخلوق، ومن لم يقل إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، فقال أبو عبدالله:
بل هو الكافر، قاتله الله، وأي شيء قالت الجهمية إلا هذا؟! قالوا: كلام
و
الله، ثم قالوا: مخلوق، وما ينفعه وقد نقص كلامه الأخير كلامه الأول حين
قال لفظي بالقرآن مخلوق؟! ثم قال أحمد: ما كان الله ليَدعَه وهو يقصد
إلى التابعين، مثل سليمان الأعمش وغيره، يتكلم فيهم، مات بشر المريسي
وخلفه حسين الكرابيسي، ثم قال: أيش خبرٌ أبي ثور؟ وافقه على هذا؟
قلت: قد هجره، قال: قد أحسن، قلت: إني سألت أبا ثور عمن قال لفظي
بالقرآن مخلوق؟ فقال: مبتدع، فغضب أبو عبد الله، وقال أيش مبتدع؟!
و
هذا کلام جهل بعينه، ليس يفلح أصحاب الكلام.
وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي وأنا أسمع عن اللفظية والواقفية؟
فقال: من کان منھم یحسن الكلام فهو جهمي.
فقال الحكم بن معبد: حدثني أحمد أبو عبد الله الدَّوْرَقي قال: قلتُ
لأحمد بن حنبل: ماتقول في هؤلاء الذين يقولون لفظي بالقرآن مخلوق؟
فرأيته استوى واجتمع وقال: هذا شرّ من قول الجهمية، من زعم هذا فقد
زعم أن جبريل تكلم بمخلوق وجاء إلى النبي عليه بمخلوق!
وقال ابنُ أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي
سمعت أبا طالب أحمد بن موسى بن حميد قال: قلت لأحمد بن حنبل:
قد جاءت جهمية رابعة، فقال: ما هي؟ قلت: قال إنسان من زعم أن في
صدره القرآن فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيء! فقال: من قال هذا
( ٨٧ )

فقد قال مثل قول النصارى في عيسى أن كلمة الله فيه! ما سمعت بمثل
هذا قط! قلت: أهذا الجهمية؟ قال: أكبر من الجهمية، ثم قال: قال النبي
* : ينزع القرآن من صدوركم.
قلت: الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق، لأن
التلفظ من كسب القاريء، وهو الحركة والصوت وإخراج الحروف، فإن
ذلك مما أحدثه القاريء، ولم يحدث حروف القرآن ولامعانيه، إنما أحدثَ
نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يجوز الإمام
أحمد (لفظي بالقرآن مخلوق)) ولا ((غير مخلوق)) إذ كل واحد من
الإطلاقين موهم. والله أعلم.
وقال أبو بكر الخلال: أَخبرني أحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن
يحيى أن أبا طالب حدّثهم أنه قال لأبي عبد الله: جاءني كتاب من طرسوس
أن سَريًّا السَّقَطيّ قال: لما خلق الله الحروف سجدت إلّ الألفَ فإنه قال لا
أَسجد حتى أُومن! فقال: هذا الكفر.
١
فرحم الله الإمام أحمد، ما عنده في الدين محاباة.
قال الخلاّل: أَنبأنا محمد بن أبي هرون أن إسحق بن إبراهيم حدثهم
و
و
قال: حضرت رجلا سأل أبا عبد الله فقال: يا أبا عبد الله، إجماع المسلمين
على الإِيمان بالقدر خيره وشرّه؟ قال أبو عبد الله: نعم. قال: ولاتكفر أَحدًاً
بذنبٍ؟ فقال أبو عبد الله: اسكت، من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال
القرآن مخلوق فهو كافر.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن سليمان الجوهري حدثنا عبدوس بن
(٨٨ )

و
مالك العطار سمعت أحمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا التمسك بما
كان عليه الصحابة، وترك البدع، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب
٩
ء
٩
و
الأهواء، وترك المراء والجدال، وليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال،
ولا تدرك بالعقول، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه من الله ليس ببائن
منه، وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه
فقال لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق وإنما هو كلام الله فهو صاحب
بدعة، والإيمان بالرؤية يوم القيامة، وأن النبي ◌ّ رأى ربه، فإنه مأثور عن
رسول الله عة، رواه قتادة والحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه
علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على
ظاهره، على ما جاء عن النبي ◌َّة، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به على
ما جاء على ظاهره، وأن الله يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه
ترجمان.
قال حنبل بن إسحق: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: ﴿وهو
معكم)، و﴿ ما يكون من نجوى ثلاثة إلاَّ هو رابعهم﴾؟ قال: علمه علمه.
وسمعته يقول: ربنا تبارك وتعالى على العرش بلا حد ولا صفة.
قلت: معنى قوله بلا صفة، أي بلا كيفيّة ولا وصف.
وقال أبو بكر المروذي: حدثني محمد بن إبراهيم القيسي: قال: قلت
و
لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف ربَّنا؟ قال
في السماء على عرشه، قال أحمد: هكذا هو عندنا.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء
( ٨٩ )

الله مخلوقة فقد كفر.
وقال عبدالله بن أحمد في كتاب الردّ على الجهمية تأليفه: سألت أبي
عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلّم بصوت؟ فقال أبي: بلى، تكلّم
جل ثناؤه بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. وقال أبي: حديث
ابن مسعود (إذا تكلم الله سُمع له صوتٌ كَمَدِ السلسلة على الصِّفْوانِ)) قال:
وهذه الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار، يريدون أن يموهوا على الناس، ثم قال:
حدثنا المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: إذا
تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً.
و
وقال عبد الله: وجد بخط أبي: مما يحتج به على الجهمية من القرآن
﴿إِنَّما أمرُهُ إِذَا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يقولَ لَهُ كُنْ﴾ ﴿إِنَّ الله يبشِّرك بكلمةٍ منهُ
اسمُهُ المسيحُ عيسى بنُ مَرَيِمَ ﴾ ﴿ رَسولُ اللهِ وَكَلِمْتُهُ ﴾ ﴿وَتَمَّتْ كِلِمَاتُ
رُّبِكَ صدقاً وعَدْلاً لا مُبْدِّل لكَلَمَاتِهِ ﴾(١) ﴿يا مُوسىَ إِنَّه أنا الله العزيزُ
الحكيم ﴾ ﴿أَلا لَهُ الْخَلِقُ والأمرُّ﴾ ﴿كَلُّ شيءٍ هَالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ ﴿وَيَبقى
وجْهُ رَبك﴾ ﴿ولِتُصْنع على عيني ﴾ ﴿وكلم الله مُوسى تكلیما ﴾ ﴿ يا
مُوسى إنّي أنا رُبُّك﴾ ﴿ والأرضُ جَميعً قبضته يومَ القيامة والسَّمواتُ
مَطَوِيَّاتٌ بَيَمينه﴾ ﴿وقالت اليهودُ يَدُ الله مَغْلولةٌ، غُلَّتْ أيديهمْ وَلُعنوا بمَا
٠٠
قالوا، بل يَدَاه مَبْسوطَتَان ﴾.
قلت: وذكر آياتٍ كثيرة في الصفات، أنا تركت كتابتها هنا.
-
(١) قراءة حفص وبعض القراء ((كلمة ربك)» بالإفراد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وغيرهما (كلمات ربك)
بالجمع. انظر النشر ٢: ٢٥٢.
(٩٠ )

وقال يعقوب بن إسحق المطوّعي: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن
التفضيل؟ فقال: على حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أبو بكر وعمر
وعثمان.
وقال صالح بن أحمد: سئل أبي وأنا شاهد عمن يقدم عليًّا على
عثمان، يَبَدَّع؟ فقال: هذا أهل أن يبَدَّع، أصحاب رسول الله عَّ عليه قدّموا
عثمانَ.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي مَنْ الرافضي؟ قال: الذي يشتم
رجلاً من أصحاب رسول الله هيئة أو يتعرض لهم، ما أراه على الإسلام.
وقال أبو بكر المُّوذيّ: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء
بعض رسل الخليفة فقال: يا أبا عبدالله، ما تقول فيما كان بين عليّ
ومعاوية؟ فقال: ما أقول فيهم إلا الحسنى.
وكلام الإمام أحمد كثير طيب في أصول الديانة، لا يتسع هذا الكتاب
لسياقه، قد جمعه الخلال في مصنّف سماه (كتاب السنة من أحمد بن
حنبل) في ثلاث مجلدات.
فمما فيه أخبرنا المُرُّوذي سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لا
و
يفلح، من تعاطى الكلام لم يخل من أن يتجهم.
وسمعت أبا عبد الله يقول: لست أتكلم إلا ما كان من كتابٍ أو سنةٍ أو
عن الصحابة والتابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود.
( ٩١ )

وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول : من أحب الكلام لم يفلح،
لا يؤول أمرهم إلى خير. وسمعته يقول: عليكم بالسنة والحديث، وإياكم
والخوض والجدال والمراء ، فإنه لايفلح من أحب الكلام. وقال لي: لا
تجالسهم ولاتكلم أحدا منهم. ثم قال: أدركنا الناس وما يعرفون هذا،
ويجانبون أهل الكلام. وسمعته يقول: مارأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه
فأفلح، لأنه يخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا يومئذ بكلام واحتجوا بشيء
فما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه.
قال الخلال: أخبرني محمد بن هرون حدثنا أبو الحرث: سمعت أبا
عبد الله يقول: قال أيوب: إذا تمرق أحدهم لم يعد.
وقال الخلال: أخبرنا أحمد بن أصرم المزني قال: حضرت أحمد بن
حنبل قال له الهمداني: إني ربما رددت عليهم،قال أحمد لا ينبغي الجدال.
ودخل أحمد المسجد وصلى، فلما انفتل قال: أنت عباس؟ قال: نعم، قال
اتق الله، ولا ينبغي أن تنصب نفسك وتشتهر بالكلام ولا بوضع الكتب، لو
كان هذا خيرا لتقدمنا فيه الصحابة، ولم أر شيئا من هذه الكتب، وهذه
كلها بدعة. قال: مقبول منك يا أبا عبدالله. أستغفر الله وأتوب إليه، إني
لست أطلبهم ولا أدق أبوابهم، ولكن أسمعهم يتكلمون بالكلام وليس أحدا
يرد عليهم فأغتم ولا أصبرحتى أرد عليهم، قال: إن جاءك مسترشد فأرشده،
قالهامرارا.
قال الخلال: أخبرنا محمد بن أبى هرون ومحمد بن جعفر أن أبا
الحرث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله، قلت: إن ههنا من يناظر الجهمية
ويبين خطأهم ويدقق عليهم المسائل، فما ترى؟ قال: لست أرى الكلام في
شيء من هذه الأهواء، ولاأرى لأحد أن يناظرهم، أليس قال معاوية بن قرة:
الخصومات تحبط الأعمال؟ والكلام رديء، لا يدعو إلى خير، تجنبوا أهل
( ٩٢ )

الجدال والكلام، وعليك بالسنن وما كان عليه أهل العلم قبلكم، فإنهم
كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل البدع، وإنما السلامة فى ترك هذا،
لم تؤمر بالجدال والخصومات. وقال: إذا رأيتم من يحب الكلام فاحذروه.
قال ابن أبى داود: حدثنا موسى أبو عمران الأصبهاني سمعت أحمد
ابن حنبل يقول: لا تجالس أصحاب الكلام وإن ذبوا عن السنة.
وقال الميمونى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما زال الكلام عند أهل
الخیر مذموما.
قلت: ذم الكلام وتعلمه قد جاء من طرق كثيرة عن الإمام أحمد وغيره.
فصل من سيرته
قال الخلال: قلت لزهير بن صالح بن أحمد: هل رأيت جدك؟ قال:
نعم، مات وقد دخلت في عشر سنين. كنا ندخل إليه في كل يوم جمعة أنا
وأخواتي، وكان بيننا وبينه باب، وكان يكتب لكل واحد منا حبتين حبتين
من فضة في رقعة إلى فامي يعامله، فنأخذ منه الحبتين وتأخذ الأخوات،
وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب في
ظهره، وكان لي أخ أصغر مني اسمه ((علي)) فأراد أبي أن يختنه، فاتخذ له
طعاما كثيرا، ودعا قوما، فلما أراد أن يختنه وجه إليه جدي فقال: إنه بلغني
ما أحدثته لهذا الأمر، وقد بلغني أنك أسرفت، فابدأ بالفقراء والضعفاء
فأطعمهم. فلما أن كان من الغد وحضر الحجام وحضر أهلنا، فجاء جدي
حتي جلس في الموضع الذي فيه الصبي، وأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام،
وصريرة دفعها إلى الصبي، وقام فدخل منزله، فنظر الحجام في الصريرة فإذا
درهم واحد،وكنا قد رفعنا كثيرا مما افترش، وكان الصبي على مصطبة
مرتفعة على شيء من الثياب الملونة، فلم ينكر ذلك. وقدم علينا من خراسان
ابن خالة جدي، فنزل على أبي، وكان يكنى بأبي أحمد، فدخلت معه
( ٩٣ )

إلى جدي، فجاءت الجارية بطبق خلاف وعليه خبز وبقل وخل وملح، ثم
جاءت بغضارة فوضعتها بين أيدينا، فيها مصلية فيها لحم وسلق كثير،
فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا، ويسأل أبا أحمد عمن بقي من أهلهم
بخراسان في خلال ما يأكل، فربما استعجم الشيء على أبي أحمد فيكلمه
جدي بالفارسية، ثم أخذ طبقا إلى جنبه فوضعه بين أيدينا، فإذا تمر بري
وجوز مكسر، وجعل يأكل، وفي خلال ذلك يناول أبا أحمد.
وقال عبد الملك الميموني: كثيرا ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيء،
فيقول لبيك لبيك.
وعن المُرُوذي قال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي
عبدالله، كان مائلا إليهم مقصرا عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن
بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه
بعد العصر للفتيا لايتكلم حتى يسأل. وإذا خرج إلي المسجد لم يتصدر،
یقعد حيث انتهى به المجلس.
وقال الطبراني: حدثنا موسى بن هارون سمعت إسحاق بن راهويه يقول:
لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه
من حمالين إلى أن جاء صنعاء، وعرض عليه أصحابه المواساة فلم يقبل.
قال الفقيه علي بن محمد عمر الرازي: سمعت أبا عمر غلام ثعلب
سمعت أبا القاسم بن بشار الأنماطي المزني سمعت الشافعي يقول: رأيت
ببغداد ثلاث أعجوبات: رأيت بها نبطيا يتنحى علي حتى كأنه عربي وكأني
نبطي! ورأيت أعرابيا يلحن حتى كأنه نبطي! ورأيت شابا وخطه الشيب فإذا
قال حدثنا قال الناس كلهم: صدق. قال المزني: فسألته، فقال: الأول
الزعفراني، والثاني أبو ثور الكلبي، وكان لحانا، وأما الشاب فأحمد بن
حنبل.
( ٩٤ )

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: رأيت أبي حرِّج على النمل أن
يخرج النمل من داره، ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك، نملا سودا فلم
أرهم بعد ذلك، رواها أحمد بن محمد اللنباني عنه.
قال أبو الفرج بن الجوزي: لما وقع الغرق سنة أربع وخمسين
وخمسمائة غرقت كتبي وسلم لي مجلد فيه ورقتان بخط الإمام أحمد.
وزمن نهي أبي عبد الله عن الكلام: قال المروذي: أخبرت قبل موت
أبي عبد الله بسنتين أن رجلا كتب كتابا إلى أبي عبد الله يشاوره في أن
يضع كتابا يشرح فيه الرد على أهل البدع، فكتب إليه أبو عبد الله، قال
الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: كتب رجل إلى
أبي عبدالله، قال : وأخبرني محمد بن علي الوراق حدثنا صالح بن أحمد
قال: كتب رجل إلى أبي يسأل عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم؟
فأملى عليّ أبي جواب كتابه:
أحسن الله عاقبتك، الذى كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا
يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء
إلى ما في كتاب الله، لاتعد ذلك، ولم يزل الناس يكرهون كل محدث، من
وضع کتاب وجلوس مع مبتدع لیورد عليه بعض ما يلبس عليه في دينه.
وقال المُرُوذي: بلغني أن أبا عبد الله أنكر على وليد الكرابيسي مناظرته
لأهل البدع.
وقال المُرُوذي: قلت لأبي عبد الله: قد جاؤوا بكلام فلان ليعرض
عليك، وأعطيته الرقعة، فكان فيها: والإِيمان يزيد وينقص فهو مخلوق، وإنما
قلت إنه مخلوق على الحركة والفعل لا على القول، فمن قال الإِيمان
مخلوق وأراد القول فهو كافر. فلما قرأها أحمد وانتهى إلى قول (( الحركة
( ٩٥ )

والفعل )) غضب ورمى بها، فقال: هذا مثل قول الكرابيسي، إنما أراد
الحركات مخلوقة، إذا قال الإِيمان مخلوق فأي شيء بقي؟ ليس يفلح
أصحاب الكلام.
قلت: إنما حط عليه أحمد بن حنبل لكونه خاض ودقق وقسم، وفي
هذا عبرة وزاجر، والله أعلم. فقد زجر الإمام أحمد كما ترى في قصة
الرقعة التي في الإيمان، وهي والله بحث صحيح وتقسيم مليح، وبعد هذا
فقد ذم من أطلق الخلق على الإيمان باعتبار قول العبد لا باعتبار مقوله، لأن
ذلك نوع من الكلام وهو كان يذم الكلام وأهله وإن أصابوا، وينهى عن
تدقيق النظر في أسماء الله وصفاته، مع أن محمد بن نصر المروزي قد سمع
إسحق بن راهويه يقول: خلق الله الإيمان والكفر والخير والشر.
فصل
في زوجاته وأولاده
قال زهير بن صالح بن أحمد: تزوج جدي بأم أبي عبّاسة بنت
الفضل(١)، من العرب من الربض(٢)، لم يولد منها غير أبي، ثم ماتت.
قال المُوذي سمعت أبا عبدالله يقول: أقامت معي، أم صالح ثلاثين سنة
فما اختلفت أنا وهي في كلمة.
وقال زهير: لما ماتت عبَّاسة تزوج جدي بعدها امرأة من العرب يقال لها
ريحانة، فولدت له عبد الله وحده.
(١) في ابن الجوزي ٢٩٨ ((عائشة)) وذكر مصححه بالهامش أن في النسخة الأخرى في جميع
المواضع ((عباسة)) فما هنا يرجح تلك النسخة الأخرى.
(٢) ((الربض)) بفتح الراء والباء: الفضاء يكون حول المدن. فلعله يريد من ضواحي بغداد.
( ٩٦ )

وقال أبو بكر الخلال: حدثنا أحمد بن محمد بن خلف البراثي(١)
أخبرني أحمد بن عبثر قال: لما ماتت أم صالح قال أحمد لامرأة عندهم:
اذهبي إلى فلانة ابنة عمي فاخطبيها لي من نفسها، قالت: فأتيتها فأجابته،
فلما رجعت إليه قال: كانت أختها تسمع كلامك؟ قال: وكانت بعين
واحدة، فقالت له: نعم، قال فاذهبي فاخطبي تلك التي بعينٍ واحدة، فأتتها
فأجابته، وهي أم عبد الله ابنه، فأقام معها سبعا، ثم قالت له: كيف رأيت يا
ابن عمي؟ أنكرت شيئا؟ قال: لا، إلا أن نعلك هذه تصرّ (٢).
فيما تقدم وهم، من أن أحمد رحمه الله تزوج بهذه بعد موت أم
صالح، وذلك لا يستقيم، لأن عبدالله ولد لأحمد ولأحمد خمسون سنة
غير أشهر، وكان صالح أكبر من عبد الله بسنوات، لأنه سمع من عفان
وأبي الوليد، وذكر أبو يعقوب الهروي وغيره أن صالحا ولد سنة ثلاث
ومائتين ولأبيه إذ ذاك تسع وثلاثون سنة، فصالح أكبر من عبدالله بعشرين
سنة. والله أعلم.
وقال الخلال: حدثني محمد بن العباس حدثنا محمد بن علي حدثني
أبو بكر بن يحيى قال: قال أبو يوسف بن بختان: لما أمرنا أبو عبد الله أن
نشتري له الجارية، مضيت أنا وفوران، فتبعني أبو عبدالله فقال لي: يا أبا
يوسف ويكون لها لحم.
قال زهير بن صالح: لما توفيت أم عبدالله اشترى ((حسن)) فولدت منه
زينب ثم الحسن والحسين توأماً(٣) ، وماتا بالقرب من ولادتهما، ثم ولدت
(١) (البرائي)) بفتح الباء والراء وبالثاء المثلثة، نسبة إلى ((براث)) وهو موضع ببغداد.
(٢) في ابن الجوزي ٢٩٩ أن هذه الزوجة اسمها ((ريحانة)) ولها أخ اسمه ((محمد بن ريحان)).
(٣) قال ابن سيدة: ((يقال الذكر توأم، وللأنثى توأمة، فإذا جمعوهما قالوا: هما توأمان، وهما توأم)).
( ٩٧ )

الحسن ومحمدا، فعاشا ثم، حتى صارا من السن إلى نحو من الأربعين سنة،
ثم ولدت، بعدهما سعيداً.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن علي بن بحر سمعت حسن أم ولد
و ٥ /
أبي عبدالله تقول: قلت لمولاي، أصرف فرد خلخالي؟ قال: وتطيب
نفسك؟ قلت: نعم، قال: الحمد لله الذي وفقك لهذا، قالت: فأعطيته أبا
الحسن بن صالح فباعه بثمانية دنانير ونصف، وفرقها وقت حملي، فلما
ولدت حسنا أعطى مولاتي كرَّامة درهمًا، وهي امرأة كبيرة كانت تخدمهم،
وقال لها: اذهبي إلى ابن شجاع القصّاب يشتري لك بهذا رأسا، فاشترى لنا
و
رأسا وجاءت به، فأكلنا، فقال لي يا حسن، ما أملك غير هذا الدرهم،
ومالك عندي غير هذا اليوم، قالت: وكان إذا لم يكن عند مولاي شيء فرح
يومه ذلك، فدخل يوما فقال لي أريد أن احتجم اليوم، وليس معه شيء،
فجئت إلى جرة لي فيها غزل فبعته بأربعة دراهم، فاشتريت لحمًا بنصف
درهم، وأعطى الحجام درهماً، واشتريت طيبا بدرهم، ولما خرج إلى سَرَّ مَن
رأى كنت قد غزلت غزلا ليناً وعملت ثوبًا حسنًا، فلما قدم أخرجته إليه،
قال: ما أريده، فدفعته إلى فوران فباعه باثنين وأربعين درهما، واشتريت منه
قطنا فغزلته ثوبًا كبيرًا، فلما أعلمته قال: لا تقطعيه، دعيه، فكان كفنه،
كُفَنَ فيه، وأخرجت الغليظ فقطعه.
وعن أحمد بن جعفر بن المنادي: أن أبا عبد الله اشترى جارية بثمن
یسیر، سماها ريحانة، لیتسری بها.
لم يتابع ابن المنادي على هذا.
قال حنبل: ولد سعيد قبل موت أحمد بنحو من خمسين يوما.
(٩٨ )

وقال بعض الناس: ولي سعيد قضاء الكوفة، ومات سنة ثلاث وثلاثمائة.
ـو
وهذا لا يصح، فإن سعيداً ولد قبل موت أبيه، ومات قبل موت أخيه
عبدالله بدهر، لأن إبراهيم الحربي عزى عبد الله بأخيه سعيد.
وأما الحسن ومحمد قال ابن الجوزي: فلم نعرف من أخبارهما شيئا.
وأما زينب فكبرت وتزوجت.
وله بنت اسمها فاطمة، إن صح ذلك.
ذكر المحنة
مازال المسلمون على قانون السلف، من أن القرآن كلام الله تعالى
ووحيه وتنزيله غير مخلوق، حتى نبغت المعتزلة والجهمية، فقالوا بخلق
القرآن، متسترين بذلك في دولة الرشيد.
فروى أحمد بن إبراهيم الدورقي عن محمد بن نوح: أن هارون الرشيد
قال: بلغني أن بشر بن غياث يقول: القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به
لأقتلنه. قال الدورقي: وكان بشر متواريا أيام الرشيد فلما مات ظهر بشر ودعا
إلى الضلالة.
1
قلت: ثم إن المأمون نظر في الكلام، وباحث المعتزلة، وبقي يقدم رجلا
ويؤخر أخرى في دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، إلى أن قوي عزمه
على ذلك في السنة التي مات فيها، كما سقناه.
قال صالح بن أحمد بن حنبل: حمل أبي ومحمد بن نوح مقيدين،
فصرنا معهما إلى الأنبار، فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال: يا أبا عبد الله: إن
و
و
عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا. ثم سيّرا، فسمعت أبي يقول: صرنا
إلى الرحبة ورحلنا منها، وذلك في جوف الليل، فعرض لنا رجل، فقال:
أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فقال للجمال: على رسلك، ثم
(٩٩ )

قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل ههنا وتدخل الجنة، ثم قال: أستودعك الله،
ومضى. قال أبي: فسألت عنه، فقيل لي: هذا رجل من العرب من ربيعة،
يعمل الشعر في البادية، يقال له جابر بن عامر، يَذْكَر بخير.
وروى أحمد بن أبي الحواري: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: قال
أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من
كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد إن يقتلك الحق
مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميداً، فقوي قلبي.
قال صالح بن أحمد: قال أبي: صرنا إلى أذنة (١) ، ورحلنا منها في جوف
الليل، وفتح لنا بابها، فإذا رجل قد دخل، فقال: البشرى! قد مات الرجل،
يعني المأمون، قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه.
وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت أحمد بن حنبل يقول:
تبينت الإجابة في دعوتين: دعوت الله أن لا يجمع بيني وبين والمأمون،
ودعوته أن لا أرى المتوكل، فلم أر المأمون، مات بالبذندون(٢)، وهو نهر
الروم، وأحمد محبوس بالرقة، حتى بويع المعتصم بالروم، ورجع فرد أحمد
إلى بغداد، وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده، قعد
له المتوكل في خوخة، حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد.
قال صالح: لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس ردًّا في أقيادهما،
فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات توفي محمد،
(١) أذنة، بفتحات: بلد قرب المصيصة، بنيت سنة ١٤١ بأمر صالح بن علي بن عبدالله بن عباس.
(٢) البذندون: بفتح الباء والذال المعجمة وسكون النون بعدها دال مهملة: في ياقوت أنها «قرية بينها
وبين طرسوس يوم، من بلاد الثغر، مات بها المأمون فنقل إلى طرسوس)). فلعلها سميت باسم
نھر بجوارها.
( ١٠٠ )