Indexed OCR Text

Pages 21-40

طلائع الكتاب

◌ِاللهِ الشَ الْرَّةُ
خصائص المسند
للحافظ أبي موسى المديني المتوفى سنة ٥٨١ (١)
قال الشيخ عبد المنعم بن عليّ بن مفلح الحنبلي (٢): أخبرتني الشيخة
الجليلة الأصيلة المسندة المعمّرة، أم عبد الله عائشة ابنة محمد بن عبدالهادي
ابن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامه المقدسي
و
الصالحي(٣) ، إجازةً منها، قالت: أنبانا أبو عبد الله بن أحمد بن تمام بن
حسان الصالحي وغيره، عن أبي العباس أحمد بن عبدالدائم بن نعمة
المقدسي، قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبدالواحد المقدسي
سماعًا (ح) قالت عائشة: وأنبأتنا به عالياً بدرجة أمّ عبد الله زينب ابنة عبد
الرحيم بن أحمد بن عبدالرحمن البجدي، عن الحافظ ضياء الدين أبي
عبدالله محمد بن عبدالواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي، قالا:
أنبأنا الحافظ أبو موسى محمد بن عمر بن أحمد بن عمر الأصبهاني
المديني، رحمه الله تعالى، قال: الحمد لله الواسع المنعم، المفضل المكرم،
العالم المعلم، الذي أحسن بدءاً وغفر آخراً. وصلواته على محمد المختار من
(١) ولد بأصبهان سنة ٥٠١ وحصل بها من المسموعات ما لم يحصله أحد في زمانه، مع الحفظ
والإتقان، وله مؤلفات كثيرة نافعة. ومن تلاميذه الحافظ أبو سعد السمعاني والحافظ عبدالغني
المقدسي، وغيرهما. ومات ببلده ليلة الأربعاء ٩ جمادى الأولى سنة ٥٨١.
(٢) هو صدر الدين عبدالمنعم بن القاضي علاء الدين علي بن أبي بكر بن مفلح. أخذ العلم عن
والده وغيره، وكان من أهل العلم والدين. مات بحلب في ربيع الآخر سنة ٨٩٧. وله ترجمة
في شذرات الذهب ٧: ٣٥٩ - ٣٩٦.
(٣) كانت محدثة دمشق، ولدت سنة ٧٢٣، وماتت في أحد الربيعين سنة ٨١٦. عن الشذرات
٧ : ١٢٠ - ١٢١.
( ٢٢ )

خلقه وعلى آله.
أما بعد: فإن مما أنعم الله علينا، أن رَزَقَنَا سماع كتاب المسند للإمام
الكبير، إمام الدين أبي عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
رحمه الله تعالى. فحصّل لي والدي، رحمه الله وجزاه عني خيرًا، إحضاري
قراءته سنة خمس وخمسمائة، على الشيخ المقرئ بقية المشايخ أبي علي
الحسن بن الحداد.
وكان سماعه لأكثره عن أبي نعيم أحمد بن عبدالله الحافظ - وما فاته
منه قرئ عليه بإجازته له - وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد
ابن أحمد بن الحسن الصواف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن
مالك القطيعيّ، على ما تنطق فهرست مسموعاتي بخط والدي رحمه الله.
ثم قرأناه أجمع ببغداد على الشيخ الرئيس الثقة أبي القاسم هبة الله بن
محمد بن عبدالواحد بن الحصين الشيباني، من أصل سماعه إلا ما لم يكن
عند شيخه، عن أبي علي الحسن بن علي بن المذهب التميمي الواعظ،
عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، عن عبدالله بن أحمد
عن أبيه، رحمهما الله تعالی.
ولعمري إن من كان من قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع
لهم من حديث هذا الإمام الكبير، على ما أخبرني الإمام الحافظ أستاذي أبو
القاسم إسماعيل بن محمد رحمه الله في إجازته لي، قال: أخبرنا أبو بكر
ابن مردويه قال: كتب إليّ أبو حازم العبدوي، يذكر أنه سمع الحاكم أبا
عبدالله عند منصرفه من بخارَى يقول: كنت [عند] أبي محمد المزني،
فقدم عليه إنسان علوي من بغداد، وكان أقام ببغداد على كتابة الحديث،
فسأله أبو محمد المزني، وذلك في سنة ست وخمسين وثلثمائة، عن فائدته
ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، فذكر في جملة ما ذكر: سمعت مسند
( ٢٣ )

أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالكٍ في مائة جزء
وخمسين جزءًا، فعجب أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مائة وخمسون
جزءًا من حديث أحمد بن حنبل؟! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ
من شيوخنا جزءًا من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك،
فكيف في هذا الوقت هذا المسند الجليل! فعزم الحاكم على إخراج
الصحيحين، ولم يكن عنده مسند إسحق الحنظلي، ولا مسند عبدالله بن
شيرويه، ولا مسند أبي العباس السراج، وكان في قلبه ما سمعه من أبي
محمد المزني، فعزم على أن يخرج إلى الحج في موسم سنة سبع وستين،
فلما ورد في سنة ثمان وستين، أقام بعد الحج ببغداد أشهراً، وسمع جملة
المسند من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومد يده إلى إخراج
الصحيحين على تراجم المسند (١) .
قال شيخنا الحافظ رحمه الله تعالى: وفي هذه السنة مات ابن مالك في
آخر السنة سنة ثمان وستين. وأبو محمد المزني هذا من الحفاظ الكبار
المکثرین.
و
وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من
حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله إمامًاً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأ
ومستندا.
على ما أخبرنا والدي وغيره، رحمهما الله تعالى: أن المبارك بن
عبدالجبار أبا الحسين كتب إليهما من بغداد: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن
(١) أظنه يريد: إخراج المستدرك على الصحيحين، وهو مستدرك الحاكم، المعروف المطبوع في
حيدر آباد، في أربعة مجلدات كبار.
( ٢٤ )

عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي قراءة عليه، حدثنا أبو الحفص عمر بن
محمد بن رجاء، حدثنا موسى بن حمدون البزار، قال: قال لنا حنبل بن
إسحق: جمعنا عمي، لي ولصالح ولعبدالله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه
- يعني تامًاً - غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وأتقنته من أكثر من
سبعمائة وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله عنه
فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة (١).
بخط أبي بكر بن أبي نصر، قال أبو الحسن اللبناني: سمعت عبد الله
ابن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: كتب أبي عشرة آلاف ألف
حدیث، ولم يكتب سوادًا في بياض إلا قد حفظه.
وبه قال: أخبرنا البرمكي قراءة عليه فأقرّ به: حدثني أبي حدثني أبو
محمد القاسم بن الحسين الباقلاني بسرّ من رأى، قال سمعت أبا بكر بن
أبي حامد الفقيه صاحب بيت المال، سمعت عبدالله بن أحمد بن حنبل
يقول: قلت لأبي رحمه الله تعالى: لم كرهتَ وضع الكتب وقد عملت
المسند؟ فقال عملت هذا الكتاب إمامًاً، إذا اختلف الناس في سنة رسول
الله ◌َّه رجع إليه.
قال: وحدثني أيضاً القاسم، قال: سمعت أبا الحسن بن عبيد الحافظ،
سمعت أبا عبدالرحمن عبدالله بن أحمد يقول: خرج أبي المسند من
سبعمائة ألف حديث.
(١) هذه الألوف الكثيرة لا يراد بها أنها كلها أحاديث متباينة، كما يبدو من ظاهر اللفظ، وكما
يظن كثير ممن لا يعرف، ويجعله أعداء السنة مطعنًاً في السنة كلها، يزعمون أن أكثرها غير
صحيح! كلا، إنما هي طرق متعددة للأحاديث، فقد يروى الحديث الواحد بعشرات الأسانيد،
فيختار المؤلف، كالإمام أحمد، أو البخاري، أصحها وأوثقها. ويدع المرسل والمنقطع وما في
إسناده ضعف كثير، ورب حديث جاء بإسناد ضعيف وبأسانيد صحيحة. وفي هذه الألوف
أيضاً آثار الصحابة والتابعين وغيرهم، يرويها المحدثون عنهم بالأسانيد، ويعدونها في عد الحديث.
( ٢٥ )

قال الشيخ الحافظ أبو موسى رحمه الله: ولم يخرّج إلا عمن ثبت عنده
صدقه وديانته، دون من طعن في أمانته. كما قرأته ببغداد على أبي منصور
عبد الرحمن بن محمد بن عبدالواحد القزاز، أخبرنا أبو بكر أحمد بن
علي بن ثابت الحافظ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أخبرنا
يوسف بن أحمد الصيدلاني بمكة، حدثنا محمد بن عمرو العقيلي،
حدثنا عبدالله بن أحمد: سألت أبي عن عبدالعزيز بن أبان؟ فقال: لم أُخَرَج
عنه في المسند شيئاً، قد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، لما حدّث
بحدیث المواقيت تر کته.
فأما عدد أحاديث المسند، فلم أزل أسمع من أفواه الناس أنها أربعون ألفاً،
إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب(١)،
قال: وقال ابن المنادي: لم يكن فى الدنيا أحد أروى عن أبيه منه، يعني
عبدالله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع المسند، وهو ثلاثون ألفاً، والتفسير،
وهو مائة ألف وعشرون ألفاً، سمع منه ثمانين ألفاً والباقي وجادة (٢) . فلا
أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع
المكرر؟ فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره.
ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى(٣).
(١) تاريخ بغداد ٩ : ٣٧٥.
(٢) هنا فى الأصل زيادة كلمة ((وذكره)) ولا معنى لها فى هذا الموضع، ولا هى فى تاريخ بغداد.
(٣) هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفاً. وقد لا يبلغ الأربعين ألفاً. وسيتبين عدده الصحيح
عند إتمامه إن شاء الله .
يقول مكمله حمزة : إنه لم يتجاوز الثلاثين ألفا بالمكرر . أ. هـ .
( ٢٦ )
د.

فأما عدد الصحابة فنحو من سبعمائة رجل.
وجدت بخط الشيخ حامد بن أبي الفتح، ذكره أبو عبدالله الحسين بن
أحمد الأسدي في كتابه المسمى (مناقب أحمد بن حنبل) أنه سمع أبا
بكر بن مالك، يذكر أن جملة ما وعاه المسند أربعون ألف حديث غير ثلاثين
أو أربعين، قال: وسمعته - يعني أبا بكر بن مالك - سمعت عبدالله بن
أحمد بن حنبل يقول: أخرج أبي هذا المسند من جملة سبعمائة ألف
حديث. وقال أبو عبدالله الأسدي، وقد أفردت لذلك كتابًا في جزء واحد،
وسميته (كتاب المدخل إلى المسند) أثبتُّ فيه ذلك أجمع.
وذكر الأسدي: سمعت أبا بكر بن مالك يقول: رأيت أبا بكر أحمد
ابن سلمان النجاد في النوم، وهو على حالة جميلة، فقلت: أي شيء كان
خبرك؟ قال: كل ما تحب، الزم ما أنت عليه وما نحن عليه، فإن الأمر هو ما
نحن عليه وما أنتم عليه. ثم قال: بالله إلا حفظت هذا المسند، فهو إمام
المسلمين وإليه يرجعون، وقد كنت قديماً أسألك بالله إن أعرْتَ منه أكثر من
جزء لمن تعرفه، ليبقى.
قال: وسمعت أبا بكر بن مالك يقول: حضرت مجلس يوسف القاضي
سنة خمس وثمانين ومائتين، أسمع منه كتاب الوقوف، فقال لي: من عنده
مسند أحمد بن حنبل والفضائل أيش يعمل ههنا؟ أو كلاماً نحو هذا.
ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى مسنده قد
احتاط فيه إسنادًا ومتنّاً، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده، على ما أخبرنا أبو
علي سنة خمس، قال: حدثنا أبو نعيم (ح) وأخبرنا ابن الحصين قال:
أخبرنا ابن المذهب قال: أخبرنا القَطيعي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي:
قال: حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي التياح، قال: سمعت
( ٢٧ )

أبا زرْعَةَ يحدّث عن أبي هريرة عن النبي ◌َّه أنه قال: يهلك أمتي هذا الحيُّ
من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله، قال: لو أن الناس اعتزلوهم؟ قال
عبدالله: قال لي أبي في مرضه الذي الذي مات فيه: اضرب على هذا
الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي لة، يعني قوله: اسمعوا وأطيعوا
[ واصبروا].
وهذا مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن الأحاديث المشاهير أمر
بالضرب عليه، فقال عليه ما قلناه. وفيه نظائر له(١).
بخط أحمد بن محمد بن البرداني، عن أبي علي بن الصواف قال:
سمعت عبدالله بن أحمد يقول: صنف أبي المسند بعد ما جاء من عند
عبدالرزاق.
ذكر علي بن الحسين بن جدي، قال: قرأت بخط أبي حفص عمر
ابن عبدالله العكبري، قال: سمعت أبا عبدالله عبيدالله بن محمد، قال
سمعت أبا بكر أحمد بن سلمان يقول: سمعت أبا بكر يعقوب بن يوسف
المطوعي يقول: جلست إلى أبي عبدالله أحمد بن حنبل ثلاث عشرة سنة،
وهو يقرأ المسند على أولاده، ما كتبت منه حرفًا واحدًا، وإنما كنت أكتب
آدابه وأخلاقه وأتحفظها. وقال عبيدالله: قال لي أبو بكر بن أيوب: سمعت
(١) هذا الحديث في المسند برقم ٧٩٩٢. وكلمة أحمد فى الأمر بالضرب عليه ثابتة عقبه. وقد
زدنا منه كلمة ((واصبروا)). وهو من أمانة عبدالله وشدة تحريه، فإن الإسناد صحيح لا مطعن
عليه، وكونه في ظاهره مخالفاً للأمر بالسمع والطاعة ليس علة له، وما هو بالأمر بمخالفتهم
والخروج عليهم، فلا ينافي السمع والطاعة. والحديث رواه الإمام بأسانيد أخرى أكثرها صحيح.
ولكن ليس فيها ((لو أن الناس اعتزلوهم)). وهي بالأرقام ٧٨٥٨، ٧٩٦١، ٨٠٢٠، ٨٢٨٣،
٨٣٣٩، ٨٨٨٨، ١٠٢٩٧، ١٠٧٤٨، ١٠٩٤٠. وأبو زرعة: هو ابن عمرو بن جرير. وأبو
التياح: هو يزيد بن حميد الضبعي.
( ٢٨ )

يعقوب يقول: كنت أختلف إلى أحمد ثلاث عشرة سنة، لا أكتب عنه،
وهو يقرأ المسند، إنما كنت أنظر إلى هديه أتأدَّبُ به.
و
أخبرنا ابن الحصين بإسناده: حدثنا عبدالله حدثني عثمان بن أبي شيبة
حدثنا جرير عن محمد بن سالم عن أبي إسحق عن عاصم بن ضمرة عن
علي رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّه: فيما سقت السماء العشر، وما
يسقى بالغرب والدالية ففيه نصف العشر. قال أبو عبدالرحمن: فحدثت أبي
بحديث عثمان عن جرير فأنكره جدا، وكان أبي لا يحدثنا عن محمد بن
سالم لضعفه عنده وإنکاره لحديثه.
وقال عبدالله: حدثنا شيبان أبو محمد حدثنا عبدالوارث بن سعيد حدثنا
الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم
ابن ضمرة عن علي رضي الله عنه عن النبي ◌ّة، قال: أتاني جبريل عليه
السلام فلم يدخل عليه، فقال النبي *: ما منعك أن تدخل؟ قال: إنا لا
ندخل بيتًا فيه صورة ولا بول. قال: وحدثناه شيبان مرة أخرى: حدثنا
عبدالوارث عن حسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبّة بن أبي حبة
عن عاصم نحوه. قال: وكان أبي لا يحدث عن عمرو بن خالد، يعني كان
حديثه لا يسوى عنده شيئاً. قال: وكان في كتاب أبي عن عبد الصمد عن
أبيه عن الحسن، يعني ابن ذكوان، عن حبیب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس رضي الله عنهما أن النبي ث نهى أن يمشي في خف واحد أو نعل
واحد. وفي الحديث كلام كثير غير هذا، فلم يحدثنا به، ضرب عليه في
كتابه، فظننت أنه ترك حديثه من أجل أنه روى عن عمرو بن خالد الذي
يحدث عن زيد بن علي، وعمرو بن خالد لا يسوى شيئا، وهذا أقوى، لأنه
لم يرو عمن روى عن ضعيف وإن كان حاله خالصا.
وبه: حدثنا أبو عامر حدثنا خارجة بن عبدالله عن أبي الرجال عن أمه
( ٢٩ )

عمرة، وبه: حدثنا عصام بن خالد حدثني صفوان بن عمرو عن سليم بن
عامر الخبائري وأبواليمان الهوزني عن أبي أمامة أن رسول الله عَّه قال: ((إن
الله تعالى وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب))، فقال
يزيد بن الأخنس السلمي: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب
في الذباب! فقال رسول الله عمليّة: ((فإن ربي عز وجل قد وعدني سبعين ألفًا
مع كل ألف سبعين ألفاً، وزادني ثلاث حثيات))، قال: فما سعة حوضك يا
نبي الله؟ قال: ((كما بين عدن إلى عمان وأوسع وأوسع، يشير بيده، قال:
فيه مثْعَبان من ذهب وفضة)) (١)، قال: فماء حوضك؟ قال: ((ماء أشدُّ بياضا
ء
من اللبن، وأحلي مذاقةً من العسل، وأطيب رائحةً من المسك، من شرب
منه لم يظمأ بعدها)).
وبهذا الإسناد، قال عبدالله: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخطه
وقد ضرب علیه، فظننت أنه قد ضرب علیه لأنه خطأ، إنما هو عن زيد عن
أبي سلام عن أبي أمامة.
قال: حدثنا يزيد قال: أخبرنا رجل كان يسمَّى في كتاب أبي
ء
عبدالرحمن عمرو بن عبيد، حدثنا أبورجاء العطارديّ عن عمران بن
و
حصين قال: ما شبع آل محمد ﴾ من خبز مأدوم حتى مضى لوجهه.
قال عبدالله: وكان أبي قد ضرب على هذا الحديث في كتابه، فسألته،
وحدثني به، وكتب عليه صح صح. قال إنما ضرب أبي على هذا الحديث
لأنه لم يرض الرجل الذي حدث عنه یزید.
قال الشيخ الإمام الحافظ أبوموسى: قد روی لابنه الحديث، لكنه ضرب
عليه في المسند، لأنه أراد أن لا يكون في المسند إلا الثقات، ويروي في غير
(١) المثعب، بفتح الميم: مكان انثعاب الماء، أي سيلانه وجريانه، جمعه ((مثاعب)).
( ٣٠ )

المسند عمن ليس بذاك.
ذكر أبو العزبن كادس أن عبدالله بن أحمد، قال لأبيه: ما تقول في
حديث ربعيّ عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رَوَّاد؟ قلت:
يصح؟ قال: لا ، الأحاديث بخلافه، وقد رواه الخياط عن ربعي عن رجل لم
يسموه، قال: قلت له: فقد ذكرته في المسند؟ فقال: قصدت في المسند
الحديثَ المشهورَ وتركتُ الناسَ تحت ستر الله تعالى، ولو أردت أن أقصد ما
صح عندي، لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني
تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما
يدفعه.
قال الشيخ الحافظ: وهذا ما أظنه يصح، لأنه كلام متناقض، لأنه يقول:
لست أخالف ما فیه ضعف إذا لم یکن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في
هذا الحديث بخلافه وإن صح، فلعله كان أولاً ثم أخرج منه ما ضعف لأني
طلبته في المسند فلم أجده.
آخر خصائص المسند إملاء الحافظ أبي موسى المديني رحمه الله تعالى
علقه لنفسه فقير عفو ربه تعالى عبدالمنعم بن علي بن مفلح
الحنبلي، عفا الله عنه، في ذي القعدة سنة خمس
وتسعين وثمانمائة، أحسن الله تقضّيها في خير.
( ٣١ )

بِاللهِ الرَّحِ الشَّمُ
المصعد الأحمد
في ختم مسند الإمام أحمد
للحافظ شمس الدین بن الجزري ٧٥١ - ٨٣٣
ءُ
قال الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين أبو الخير محمد بن
محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن الجزري رحمه الله تعالى(١)،
عقيب ختم مسند الإمام المبجل، والحبر المفضِّل، أبي عبد الله أحمد بن
محمد بن حنبل الشيباني، تغمده الله بالرحمة والرضوان، بالمسجد الحرام،
وذلك في يوم الخميس حادي عشر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين
وثمانمائة :
أحمد الله الذي أسعد برواية الحديث النبوي وأصعد. وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يفوز بها من يشهد. وأشهد أن محمدًاً
عبده ورسوله، سيد الخلق، وحبيب الحق، فاتح الخير، وخاتم الأنبياء،
محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وشرّف وكرَّم ومجّد.
وبعد: فلما مَنّ الله تعالى وفتح علينا بالسبيل الأحمد، ويسر إسماع
هذا المسند الشريف مسند الإمام أحمد، وقد ختمته بهذا الحرم الأشرف
الأعظم الأمجد، رأيت أن أكتب خاتمةً تحمد، عند ختم هذا المسند. مشيراً
إلى شيء مما رويناه في فضله وفضل جامعه، وذكر إسنادي إليه ومسمعه
وسامعه.
(١) ولد بدمشق ليلة السبت ٢٥ رمضان سنة ٧٥١، وكان إمام القراءات في عصره غير مدافع.
وله مؤلفات كثيرة فيها وفي الحديث، معروفة مشهورة ومات بشيراز في ربيع الأول سنة ٨٣٣.
٠٠
(٣٢)

فأقول: أخبرني بجيمع هذا المسند المبارك، وهو كتاب لم يرو على وجه
الأرض كتاب في الحديث أعلى منه، جماعة من الشيوخ سماعاً وإجازةً،
ولكن اعتمادي على السماع المتصل.
فأخبرني به كذلك مع الزيادات فيه لعبد الله بن أحمد وأبي بكر
القطيعي، الشيخ الصالح الأصيل رحلة البلاد، وجامع لواء الإسناد، وملحق
الأحفاد بالأجداد، الإمام صلاح الدين أبو عبد الله وأبو عمر محمد بن
الشيخ الصالح العالم تقي الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ عز الدين
إبراهيم بن الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن
قدامة بن نصر المقدسي الحنبلي، رحمه الله تعالى، قراءة مني وسماعًا، في
مجالس متعددة، أولها في شهور سنة سبعين وسبعمائة، وآخرها في سنة
سبع وسبعين وسبعمائة، بالصالحية ظاهر دمشق المحروسة، وإجازة لما خالف
أصل السماع إن خالف، قلت له: أخبرك بجميع مسند الإمام أحمد من
رواية ابنه عبد الله، وبما فيه من زيادات ابنه عبد الله عن غير أبيه، وبزيادات
القطيعي أيضًا، وهي في مسند الأنصار رضي الله عنهم، الشيخ الإمام العالم
الثقة الصالح فخر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ شمس الدين أحمد بن
عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي
المقدسي، المشهور بابن البخاري الحنبلي، رحمه الله تعالى، قراءة عليه وأنت
تسمع فأقرّ به، قال: أخبرنا به الشيخ الصالح الثقة المسند أبو علي حنبل بن
عبد الله بن الفرج بن سعادة الواسطي ثم البغدادي الرصافي المكبر، قراءة
عليه وأنا أسمع، قال أخبرنا الشيخ الصدر العالم الصالح المعمر، رئيس
العراق المسند، أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن
العباس بن الحصين الأزرق الكاتب الشيباني سماعًا، قال: أخبرنا الشيخ
المحدث العالم أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن
(٣٣)

وهب بن شبل بن فروة بن واقد التميمي الواعظ البغدادي، المعروف بابن
المذهب، قال: أخبرنا الشيخ المحدث العالم المفيد الثقة أبو بكر أحمد بن
جعفر بن حمدان بن مالك بن شبيب بن عبد الله القطيعي البغدادي، قال:
حدثنا الشيخ الإمام الحجة الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام
الكبير العالم الحجة الحافظ أحد أعلام الأمة، ومن له على أهل السنة أعظم
منّة، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني
البغدادي، قال. حدثني أبي شيخ الإسلام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن
حنبل، فذكره.
وسنشير إلى بعض هؤلاء، كما وعدنا.
ونقدم فضل هذا الكتاب الجليل:
أخبرنا الثقات مشافهة وإجازة عن علي بن أحمد، أن عفيفة بنت
أحمد كتبت إليه، أن أحمد بن عبد الجبار أنبأها، قال: أنبأنا أبو إسحق
إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي الفقيه، ابن الفقيه، قال حدثني أبو
محمد القاسم بن الحسن الباقلاني، قال: سمعت أبا بكر بن أبي حامد
الفقيه يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: قلت لأبي: لم
كرهت وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إماماً،
إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله عة رجع إليه.
قلت: وقد أشكل هذا الكلام على بعض الناس فقال: كيف يقول
الإمام أحمد هذا، ونحن نجد أحاديث صحاحاً ليست في المسند، كحديث
أمّ زرع، رواه البخاري في صحيحه وغيره، وهو عند عبد الله بن أحمد،
كما رواه الطبراني في كتاب العشرة؟
(٣٤)

وأجيبَ عن ذلك بأن الإمام أحمد شرع في جمع هذا المسند، فكتبه
في أوراق مفردة، وفرّقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسودَّة. ثم
جاء حلول المنية قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته،
ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما
يشاكله، وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله، فسمع القطيعي من
كتبه من تلك النسخة على ما يظفر به منها، فوقع الاختلاط من المسانيد
والتكرار من هذا الوجه قديماً، فبقي كثير من الأحاديث في الأوراق
والأجزاء لم يظفر بها، فما لم يوجد فيه من الأحاديث الصحاح من هذا
القبيل.
قلت: أما حديث أم زرع، سمعت شيخنا الحافظ الحجة عماد الدين
إسماعيل بن عمر بن كثير يقول: إنما لم يخرجه أحمد في المسند لأنه
ليس من قول النبي عَّ، بل هو حكاية من عائشة رضي الله عنها. والله
أعلم.
وبالإسناد إلى أبي إسحق البرمكي قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا القاسم
ابن الحسن قال سمعت أبا الحسن بن عبيد الحافظ يقول: سمعت عبد الله
ابن أحمد يقول: خرّج أبي المسند من سبعمائة ألف حديث.
وقال عثمان بن السباك: حدثنا حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل أنا
وصالح وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب
جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفاً، فما
اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله عَّ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه
وإلا فليس بحجة.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: هذا القول منه على غالب الأمر، وإلا
(٣٥)

فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء ما هي في المسند، وقدر
الله تعالى أن الإمام قطع الرواية قبل تهذيب المسند، وقبل وفاته بثلاث عشرة
سنة، فتجد في الكتاب أشياء مكررة، ودخول مسند في مسند، وسند في
سند، وهو نادر.
قلت: أما دخول مسند في مسند فواقع، وقد بينته في كتابي (المسند
الأحمد).
وأما قوله فما اختلف فيه من الحديث رجع إليه وإلا فليس بحجة، يريد
أصول الأحاديث، وهو صحيح، فإنه ما من حديث غالباً إلا وله أصل في
هذا المسند. والله أعلم.
وأما دخول سند في سند، فلا أعلمه وقع فيه، ولا شك أن الإمام
أحمد مات قبل ترتيبه وتهذيبه. والله أعلم.
حدثني شيخنا الإمام العالم شيخ الفقهاء شمس الدين محمد بن
عبدالرحمن الخطيب الشافعي، رحمه الله تعالى، قال: سئل الشيخ الإمام
الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني،
رحمهما الله تعالى: أنت تحفظ الكتب الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها،
فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ مسند أحمد، وما يفوت المسند من
الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في المسند، يعني إلا
قليل، وأصله فى المسند، فأنا أحفظها بهذا الوجه. أو كما قال رحمه الله
تعالی.
وقال الإمام الحافظ الكبير أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: وهذا
الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث
كثير ومسموعات وافرة، فجعله إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستنداً.
(٣٦)

قلت: ولعمري إن من كان قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم
من حديث هذا الإمام الكبير.
ثم ذكر حكاية عن الإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم، وأنه لما عزم
على إخراج الصحيحين خرج إلى الحج في موسم سنة سبع وستين، فلما
ورد في سنة ثمان وستين، يعني وثلثمائة، أقام بعد الحجاج ببغداد أشهراً،
وسمع جملة المسند من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومد يده إلى
إخراج الصحيحين على تراجم المسند.
قال الحافظ أبو موسى: فأما عدد أحاديثه فلم أزل أسمع من أفواه الناس
أنها أربعون ألفًا، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق القزاز ببغداد قال:
حدثنا أبو بكر الخطيب قال: حدثنا ابن المنادي: لم يكن أحد في الدنيا أروى
عن أبيه منه، يعني عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع المسند، وهو
ثلاثون ألفًا، والتفسير، وهو مائة ألف وعشرون ألفاً، سمع منها ثمانين ألفًا
والباقي وجادة، فلا أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به مالا مكرر فيه،
أو أراد غيره مع المكرر، فيصح القولان جميعاً، أو الاعتماد على ابن المنادي
دون غيره، قال: ولو وجدنا فراغاً لعددناه إن شاء الله تعالى.
ثم قال: وجدت بخط الشيخ أبي حامد أبي الفتح: ذكر أبو عبد الله
الحسين بن أحمد الأسدي في كتابه المسمى بمناقب أحمد بن حنبل أنه
سمع أبا بكر بن مالك يذكر أن جملة ما وعاه المسند أربعون ألف حديث
غير ثلاثين أو أربعين. قال الحافظ الذهبي: فلو عده بعض الأصحاب لأفاد.
ولا يسهل عَدُّه إلا بالمكرر وبالمعاد، وأما عَدُّه بلا مكرر فيصعب، ولا ينضبط
تحرير ذلك.
(٣٧)

قلت: وقد وقفت لبعض أصحابنا على عدد بعض المسانيد. فقال:
مسند بني هاشم: خمسة وسبعون حديثاً.
مسند أهل البيت: خمسة وأربعون حديثاً.
مسند عائشة: ألف حديث وثلاثمائة وأربعون حديثاً.
مسند النساء: تسعمائة وستة وثلاثون حديثاً.
مسند ابن مسعود: ثمانمائة وخمسة وسبعون حديثاً.
مسند أنس: ألفان وثمانمائة وثمانون حديثاً.،
آخر مارأيته، وجملته سبع آلاف ومائة وأحد وسبعون حديثاً (١)
وبقي مسند العشرة، ومسند أبي هريرة، ومسند أبي سعيد الخدري،
ومسند جابر بن عبد الله، ومسند عبد الله بن عمر، ومسند عبد الله بن
عباس، ومسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي آخره مسند أبي رمثة،
ومسند الأنصار رضي الله عنهم، ومسند المکیین والمدنيين، ومسند الکوفیین،
ومسند البصريين، ومسند الشاميين، فهذه جميع مسانيد مسند الإمام أحمد
رحمه الله تعالی ورضي عنه.
قال الحافظ أبو موسى: فأما عدد الصحابة فنحو سبعمائة رجل. ومن
النساء مائة ونيف.
قلت: قد عددتهما لما أفردتهم في كتابي المسند، فبلغوا ستمائة ونيفًاً
وتسعين. سوى النساء الصحابيات. وعددت النساء الصحابيات فبلغن ستًا وتسعين.
(١) كذا في الأصل، وهو خطأ، فإن جملة العدد الذي ذكر، هو ٦١٥١، وفيه خطأ في التفصيل
أيضاً، فإن مسند ابن مسعود، في العد الذي عندي ٩٠٠ حديث، ومسند أنس ٢١٩٢ .
(٣٨)

واشتمل المسند على نحو ثمانمائة من الصحابة. سوى ما فيه ممن لم
يسمَّ من الأبناء والمبْهمات وغيرهم.
فأما الأبناء فيه فثمانية، منهم اثنان عرف اسمهما، وهما ابن أَبزى، وهو
عبد الرحمن، وابن الأمين، واسمه عبد الله، وقيل زياد، ويقال له أبو لأي.
وأما شيوخه الذين روى عنهم في المسند فإني عددتهم، فبلغوا مائتين
وثلاثة وثمانين رجلاً.
وأما شيوخ ابنه عبد الله الذين روي عنهم في مسند أبيه فعدَّتهم مائة
وثلاثة وسبعون رجلاً. وقد أثبت ذلك وذكرتهم في كتابي (المسند
الأحمد). ولكن شيوخه الذين روي عنهم وسمع منهم فيزيدون على
الأربعمائة، ذكره الحافظ أبو بكر بن نقطة في كتاب مفرد.
وأما شرطه، فقال الحافظ أبو موسى المديني: لم يخرج أحمد في في
مسنده إلا عمن ثبت عنده صدقه، وديانته، دون من طعن في أمانته.
قال: ومن الدليل على أن ما أودعه مسنده قد احتاط فيه إسنادًا ومتناً ولم
يورد فيه إلا ما صح عنده، وساق أبو موسى أحاديث ذكرتها في المسند، فلا
نطول بذكرها هنا.
وقال الحافظ أبو القاسم إسماعيل التيمي رحمه الله تعالى: لا يجوز أن
يقال فيه السقيم، بل فيه الصحيح المشهور، والحسن، والغريب.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وقد تنازع
الناس هل في أحمد حديث موضوع، فقال طائفة من حفاظ الحديث
كأبي العلاء الهمداني ونحوه: ليس فيه موضوع، وقال بعض العلماء، كأبي
(٣٩)

الفرج بن الجوزي: فيه موضوع. قال أبو العباس: ولا خلاف بين القولين
عند التحقيق، فإن لفظ ((الموضوع)) قد يراد به المختلق المصنوع الذى يتعمد
صاحبه الكذب، وهذا مما لا يعلم أن في المسند منه شيئاً، بل شرط المسند
أقوى من شرط أبي داود في سننه، وقد روى أبو داود في سننه عن رجال
أعرض عنهم في المسند قال: ولهذا كان الإمام أحمد في المسند لا يروي
عمن يعرف أنه يكذب، مثل محمد بن سعيد المصلوب ونحوه، ولكن
يروي عمن يضعَّف لسوء حفظه، فإن هذا يكتب حديثه. ويعتضد به ويعتبر
به، قال: ويراد بالموضوع ما يعلم انتفاء خبره، وإن كان صاحبه لم يتعمد
الكذب، بل أخطأ فيه، وهذا الضرب في المسند منه، بل وفي سنن أبي داود
والنسائي، وفي صحيح مسلم والبخاري أيضًا ألفاظ في بعض الأحاديث من
هذا الباب، لكن قد بيّن البخاري حالها في نفس الصحيح: قلت: ولهذا
الكلام تتمة تذکر في المسند الأحمد.
فصل
في فضل جامعه وترجمة رجال إسنادنا إليه
أما الإِمام أحمد: فهو إمام المسلمين، وأزهد الأئمة، وشيخ الإسلام،
وأفضل الأعلام في عصره، وشيخ السنة، وصاحب المنّة على الأمة، أبو
عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبدالله
ابن حيان بن عبدالله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن
ذهل ابن ثعلبة بن عكابَةَ بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط
ابن هنْب بن أفْصی بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أَسَد بن ربيعة بن نزار بن
معدّ ابن عدنان.
وقد غلط قوم فجعلوه من ولد ذُهل بن شيبان، وإنما هو من ولد شيبان
(٤٠)