Indexed OCR Text

Pages 221-240

العالم والمتعلم ويجري في مجالسهم، إلا وقد ذكرتُ في كتابي هذا
منه طرفاً، وجعلتُه مختصراً كيلا يثقل على من كتبه، ويكون ذلك
سهلاً على من نظر فيه وحفظه)).
وعرّفه ابن العديم في ((بغية الطلب)» (١١٣٧/٣) بقوله: ((وجمع
كتاب ((المجالسة)) وضمّنه من نخب الأحاديث والأخبار ومحاسن
النوادر والآثار، ومنتقى الحكم والأشعار، ما يشهد له بحُسْنٍ
التَّأليف والاختيار)). ونقله حاجي خليفة في (كشف الظنون)) (٢ /
٥٩١) دون قوله ((ما يشهد له ... إلخ))، وعنه البغدادي في ((هدية
العارفين)) (١ / ٥٥) دون: ((ومنتقى الحكم ... )).
وقال بروكلمان في ((تاريخ الأدب العربي)) (٣ / ١٣٥):
((كتاب ((المجالسة وجواهر العلم))، وهو يشتمل على أحاديث
وقصص ومقامات)).
وهذا الكتاب من كتب الأمالي، وهو عبارة عن ست
وعشرين(١) جزءاً، ذكرها أبو بكر أحمد بن مروان في مجالس
متعدّدة .
جاء على طرة نسخة (م): ((المجالسة وجواهر العلم من أمالي
(١) ولم يذكر أحد ممن نقل عن المصنَّف، وعَدَّدَ الأجزاء وسمّاها أكثر من
ست وعشرين جزءاً، وفي نسخة الأصل ما قد يشعر أنه سبع وعشرون، بينما
انفردت نسخة (ظ) بترقيم خاص للأجزاء، فبلغت فيه إلى سبع وأربعين، وانظر
الكلام على وصف النسخ الخطية، والله الموفق، وذكر البغدادي في ((هدية
العارفين» (١ / ٥٥) أن الكتاب يقع في ((خمسة وعشرين مجلداً) !!
٢٢١

أبي بكر أحمد بن مروان الدِّينوري المالكي رضي الله عنه)).
وقال الزِّركلي في ((الأعلام)) (١ / ٢٥٦): (((المجالسة وجواهر
العلم))، الجزء الأول منه، وهو من أماليه)).
ومما ينبغي التنبيه عليه أنه وقع في هذا الكتاب زياداتٍ لأبي
محمد بن إسماعيل الضراب هي ليست لأبي بكر أحمد بن مروان،
مثل (رقم ١٤٠٨، ٢٨١٦/م)، وزاد الضراب أحياناً راوياً آخر مع
الدينوري، انظر الأرقام: (٣٤٥٢، ٣٤٥٣، ٣٤٥٤، ٣٤٥٥)، وزاد
أحياناً على متن الخبر شيئاً، انظر: (رقم ١٤٠٨).
وهذا تعريف عام بكتب (الأمالي) وأهميتها وميزتها وفوائدها،
نستطيع من خلاله أن نتعرف على منهج العلماء في هذا الباب،
وموقع كتاب ((المجالسة)) منها، مع مراعاة أن كتابنا لهذا فيه
أسانيد، خلافاً لغيره(١).
(١) وقد يسند بعضها من الكتب المتقدمة، ولكن في النادر، وقد جمعتُ
الأحاديث والأخبار والآثار المسندة من بطون كتب الأدب في (معلمة) يسر الله
إتمامها ونشرها.
٢٢٢

كتب الأمالي والمجالس والمحاضرات
تعريفها، أهميتها، ذكرها، ميزتها، وفوائدها(١)
أثمرت حلقات العلم والدراسة المعقودة في المساجد أو
المنازل أو الباحات، مجموعة كتب زَيَّنت المكتبة العربية عرفت
بكتب الأمالي والمجالس والمحاضرات.
والأمالي: جمع إملاء(٢)، وقيل: جمع أُملية(٣)؛ وهو أن يقعد
عالم وحوله تلاميذه بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح
الله عليه من العلم ويكتبه التلاميذ، فيصير كتاباً، ويسمونه الإملاء
أو الأمالي(٤).
ولقد أضحت الأمالي في زماننا هذا نقيصة تربوية تحول بين
الطالب ومراجعة المكتبات وخوض غمار البحث، وما هكذا كانت
الأمالي في عصور الإسلام الزاهرة.
فقد كان مجلس الإملاء غاصاً بالحوار والمناقشة يسأل
الطالب، فيجيب الأستاذ، أو يعتذر بعدم المعرفة؛ فلا جُناح على
الأستاذ إن قال إنه لا يعلم.
(١) ما تحت هذا العنوان مأخوذ من مقالة «كتب الأمالي والمجالس
والمحاضرات)) للدكتور عبدالرحمن بن عبدالله الشيخ. منشورة في مجلة ((عالم
الكتب)» المجلد الخامس، العدد الثاني (ص ٣٠٦ - ٣١٤) بتصرف واختصار.
(٢) ((كشف الظنون)) (١ / ١٦١).
(٣) مقدمة ((أمالي اليزيدي)) (ص ي).
(٤) المرجع السابق.
٢٢٣

وتدلنا كتب الأمالي على مجالات لهذه المجالس، فقد كان
الأستاذ ينتقل من موضوع إلى موضوع بخفة ويُشْر، مما يجعل هذه
المجالس أقرب إلى حلقات السمر حيث يُحصِّل الطلبة علماً وافراً
في جو مرح فكه، تدل عليه كثير من الأخبار الطريفة والمُلَح
الجميلة المبثوثة في ثنايا كتب ((الأمالي)).
وطبيعة المجلس بما فيه من حوار وتلقائية؛ تجعله أبعد عن
التكلُّف، وأقرب للصدق، وبالتالي أكثر دلالة على العصر الذي
تؤرِّخ له، وأكثر تعبيراً صادقاً عن الشخصية التي نُترجم لها، وتلك
مزية يعيها المشتغلون بتقويم المراجع التاريخية والساعون ليكون
التاريخ عظة واعتباراً بلا زيف ولا كذب.
أما المحاضرات؛ فهي جمع محاضرة، وهي تدل على ما يُلقيه
المعلِّم على طلبته في أي فرع من فروع المعرفة، وفي أي مكان،
والواقع أن الأصل اللغوي لهذه الكلمة لا يدل بشكل مباشر على
لهذا المعنى.
ومع هذا؛ فقد عرف العرب المحاضرة بمعنى المُساجلة
الشعرية بين شاعرين، وبمعنى المُجادلة في مجلس الخصومة،
وبمعنى التحدث في المجلس بالطرف والنوادر، فإذا حَسُن مجلس
شخص ما وظرف، فهو حسن المحاضرة.
وليس هناك كبير فرق بين كتب الأمالي والمجالس
والمحاضرات؛ فللمحاضرات مجالسها بالضرورة، وقد يكتب
كاتب ما يعجبه في المحاضرة أو المجلس.
٢٢٤

كما قد يكتفي بعض الطلبة بالاستماع في مجلس الأمالي.
ومع هذا؛ فقد حاول بعض الباحثين إيجاد نقاط فارقة بينها.
يقول محقق مجالس ثعلب: ((مجالس ثعلب تسمّى أيضاً أمالي
ثعلب ... ومجالسات ثعلب))، ويرى أن هناك فرقاً دقيقاً بين
الأمالي والمجالس في أصل استعمالها. ((فكل منهما مظهر لما كان
يدور من تدوين لأقوال العلماء والمتصدّرين للتعليم، أما الأمالي؛
فقد كان يمليها الشيخ أو من يَنْدبه عنه بحضرته، فينقلها الطلاب
بالتقیید في دفاترهم.
وفي هذا يكون الشيخ قد أعد ما يُمليه، أو يُلقي إلى الطلبة ما
شاء من تلقاء نفسه.
أما المجالس؛ فهي تسجيل كامل لما كان يحدث في
المجلس؛ ففيها يلقى الشيخ ما يشاء من تلقاء نفسه، وفيها كذلك
يُسْأل الشيخ فيجيب، فيدوّن كل ذلك فيما يسمّى مجالس))(١).
وكتب الأمالي والمجالس والمحاضرات صفحة هامة في تاريخ
التعليم عند المسلمين أهملها من كتب هذا الموضوع. وهي مصدر
أصلي مباشر لتاريخ التعليم من جهتين :
الجهة الأولى: أن كتب الأمالي التي بين أيدينا تقدم صورة
كاملة أو تكاد، لمجالس الأمالي من حيث القضايا المطروحة فيها،
والأسئلة الموجّهة للأستاذ، والأفكار السائدة التي تشغل الرأي
(١) مقدمة ((مجالس ثعلب)) (ص ١٨) للأستاذ عبدالسلام هارون.
٢٢٥

العام وقتها، ومجالات الثقافة، ومحاور الاهتمام فيها؛ فكل
محتويات كتب الأمالي موضوع لتاريخ التعليم.
إن محتوى كتب الأمالي والمجالس هو ما نسميه بمصطلح
التعليم العصري: المنهج الدراسي، أو المقرر مع بعض الاختلاف؛
وهو أن لهذه المجالس كان يحضرها من يشاء، ولم تكن مقننة وفقاً
لأعمار الطلبة أو بمعنى آخر لم يكن يتحتم على حاضري المجلس
أن يكونوا قد بلغوا درجة معينة في سلَّم تعليمي منضبط. ورغم
لهذا؛ فمن المبالغة نفي التدرُّج تماماً، فمن غير المعقول أن يستمتع
بهذه المجالس من هبط مستواه هبوطاً معيباً يجعله لا يعي ما يقال.
أما الجهة الثانية: فإن كتب الأمالي والمجالس والمحاضرات،
تعرَّضت للتعليم من حيث شروط المعلم وواجب المتعلّم،
والعوامل المعينة على الحفظ (١)، وطرائف كثيرة عن مواقف بعض
المعلمين (٢)، وآداب مجلس العلم خاصة عدم إحراج المعلم أو ما
تسميه كتب المجالس ((التغفيل))(٣).
وسنتناول في هذا المبحث الدلالات التعليمية والحضارية
لكتب الأمالي والمجالس والمحاضرات حتى نهاية القرن الخامس
للهجرة من خلال المصادر التالية :
(١) انظر: ((مجالس ثعلب)) (ص ١٤١).
(٢) انشوار المحاضرة)) (١ / ١ / ٩٧).
(٣) ((مجالس العلماء)) للزجاجي (ص ١٦٢).
٢٢٦

١ - ((الحيوان)) و((البيان والتبيين)) للجاحظ (ت ٢٥٠هـ).
٢ - ((الكامل)) للمبرد (ت ٢٨٥هـ).
٣ - ((عيون الأخبار)) لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ).
٤ - ((مجالس ثعلب)) لأبي العباس ثعلب (ت ٢٩١هـ).
٥ - ((الأمالي)) لليزيدي (ت ٣١٠هـ).
٦ - ((الأمالي)) الشريف المرتضى (ت ٤٣٦ هـ).
٧ - ((الأمالي)) للزجاجي (ت ٣٣٩هـ).
٨ - ((مجالس العلماء)) للزجاجي.
٩ - ((الأمالي)) لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ).
١٠ - ((محاضرات الأدباء)) للراغب الأصبهاني (ت ٥٠٢هـ).
١١ - (نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة)) للقاضي التنوخي
(ت ٣٨٤ هـ).
١٢ - ((زهر الآداب)) للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ).
كتب الأمالي والمجالس والمحاضرات: أهميتها وتقويمها من
وجهة نظر تاريخية :
رغم أن مؤلفي لهذه الكتب كان لكل واحد منهم اختصاصه
الأساسي أو محور اهتمامه، إلا أن طبيعة الثقافة في هذه الفترة
كانت تحتم على العالم أو الأديب أو الفقيه أن يأخذ من كل شيء
بطرف، كما أن طبيعة مجالس الأمالي والمحاضرات حيث الحوار
٢٢٧

جعلت المُمْلي ينتقل من موضوع إلى موضوع كعصفور دائم الوثب
من فَتَن إلى فَنَن. لهذا فإن الأخبار التاريخية في لهذه الكتب تتميز
بعدة مزايا يمكن إيجازها على النحو التالي:
١ - تُقدم وصفاً لا زيف فيه ولا تَحْكيك لأحاديث الناس
ومداعباتهم وفكاهاتهم وحيلهم وعلاقاتهم بحكامهم، ولعل
((محاضرات الأدباء)) للراغب الأصبهاني، و((نشوار المحاضرة))
للقاضي التنوخي أوضح دليل على ذلك.
٢ - اهتمت كتب المجالس التي كان النحو قُطْب رحاها بتوثيق
النصوص وضبطها والتوثق من إسنادها بغرض استخدامها كشواهد
لغوية، ولهذا التوثيق والضبط يجعلها - بعد اخضاعها للنقد
التاريخي - مصدراً جيداً للبحث التاريخي ويكاد يكون ((الكامل))
للمبرد في غالبه نصوصاً تاريخية مفيدة.
٣ - تقدم لنا لهذه الكتب، ما لا تقدمه الكتب التاريخية التي
تفيض غالباً في التاريخ السياسي، تاركة تاريخ الحضارة والنظم،
فمن المعروف أن انتشار الإسلام وأساليب الدعوة من الموضوعات
التي لم تکتب فیھا کتب شاملة، وهذا مما يُؤسف له.
فمعظم ما كتب في هذا المجال ما هو إلّ تاريخ فتوح. وهناك
فرق كبير بين حركة الفتح، وحركة انتشار الإسلام، ولم يضع
الباحثون بين أيدينا نماذج من حوار الدعوة بين المسلمين وغير
المسلمين. والواقع أن كتب الأمالي والمحاضرات لا تخلو من
نصوص طريفة في هذا المجال لكنها متناثرة متباعدة لا تُعين
٢٢٨

الكشافات والفهارس على الوصول إليها .
٤ - وقد أغفل المهتمون بتطور فكرة التاريخ عند المسلمين
كتبَ الأمالي والمجالس والمحاضرات، ولو التفتوا إليها؛ لوجدوا
فيها عناصر كثيرة أغفلتها فئات أخرى من المراجع. لقد تعرضت
كتب الأمالي لتمحيص الرواية ودراسة دوافع الكذب.
تطور علوم العربية، مثال من علم البلاغة.
المصطلحات البلاغية التي نستخدمها اليوم هي في الغالب
الأعم، تلك المصطلحات التي أرسى قواعدها الجرجاني
فالسكاكي، لكن هذه المصطلحات لها تاريخ مغاير منذ القرن الثاني
للهجرة. والبلاغة ومصطلحاتها من خلال كتب الأمالي
والمحاضرات، تفتح باباً واسعاً أمام المهتمين بتطور علوم العربية
وأمام المؤرخين.
لقد تعرضت كتب الأمالي والمجالس للبلاغة بمعنى مجرّد
وضوح الدلالة.
وهناك استخدام للبلاغة والبيان كتعبيرين مترادفين. كما
تعرضت للبلاغة بمعنى القدرة الجدلية على إظهار الباطل بصورة
الحق، وقد شاع لهذا المعنى لدى بعض الناس لدرجة أن الجاحظ
استعاذ بالله من تصوير الباطل في صورة الحق.
كما استُخدم لفظ الفصاحة مرادفاً للفظ البلاغة.
وقد أدخل معاصروا الجاحظ طريقة النطق وخلوها من العيوب
ضمن مباحث البلاغة، ووردت البلاغة في لهذه الفترة الباكرة؛
٢٢٩

بمعنى ذرابة اللسان والبراءة من الحُبْسة والإعادة والتكرار
والاستعانة.
وورد مصطلح التحبير كمرادف للبلاغة (١)، والتحبير لغة؛
مشتق من الحبر، وكان مرتبطاً بالكتابة لكن معناه اتسع ليشمل كل
فنون الكلام، فحبّرت الشعر والكلام؛ أي: حسنتهما (٢)، ووردت
البلاغة في كتابات الجاحظ أحياناً بمعنى الخطابة(٣) وبمعنى فنون
القول المختلفة من شعر ونثر(٤)، وفي كتب ((الأمالي
والمحاضرات)) ورد اللحن بمعنى المجادلة بغير الحق(٥)، وبمعنى
العوج أو عدم تمشي الكلام مع الإعراب(٦) ... وبمعنى عدم
مواكبة اللفظ للمعنى (٧).
ويورد ثعلب أمثلة لألفاظ استخدمت في عكس معناها؛
كقولنا: سليم للملدوغ (٨)، وفي كتب ((الأمالي)) وردت الأخبار؛
تشير إلى استخدام البيان بمعنى العلم والمعرفة(٩)، وبمعنى حسن
(١) ((البيان والتبيين)) (١ / ٤٥٠).
(٢) ((لسان العرب)» (مادة ح ب ر).
(٣) ((الحيوان (١ / ١٣).
(٤) ((البلاغة العربية في دور نشأتها)) (ص ١٠٢) السيد نوفل.
(٥) ((البيان والتبيين)) (٢ / ٢١٧).
(٦) ((البيان والتبيين)) (٢ / ٢١٢).
(٧) ((البيان والتبيين)) (٢ / ٢١٥).
(٨) ((مجالس ثعلب)) (ص ١٧٠).
(٩) ((الحيوان)) (٤ / ١٠٠).
٢٣٠

التخلص ورأب التناقض(١)، وأدخل الجاحظ في ((البيان)) مباحث
متعلقة بالألفاظ من حيث غرابتها وطرافتها(٢). وأفادت أخبار
المجالس أن البيان يعني أحياناً الفحش والبذاء(٣)، وأشار ثعلب إلى
التبيين؛ بمعنى التنصيص، وكل تبيين وإظهار؛ فهو نص(٤).
ومن أغرب ما ذكره الجاحظ؛ أن بعض الكتَّاب كان يتعمد
تعمية المعاني في كتبه فلما سئل؛ قال: إنه لو يسر المعنى؛ لم
يحتج إليه أحد ولم يسأله فيضيع مصدر رزقه(٥).
واستخدم لفظ البديع في هذه الفترة الباكرة ليعي كل فنون
البلاغة (٦)، ومن الطريف؛ أن الإيجاز في بعض الحالات ارتبط
بالوقت أو الزمن(٧)؛ إذ الإيجاز أن تقول فلا تبطىء، فلو أنك
سئلت سؤالاً فأجبت بعد ساعة؛ فكأنك لم توجز حتى ولو أجبت
بكلمة واحدة .
من هذا العرض يتضح أن المصطلحات البلاغية التي نستخدمها
اليوم قد حددها لنا إلى حد كبير عبدالقاهر الجرجاني (٤٠٠ -
(١) ((البيان والتبيين)) (١ / ٥٥).
(٢) ((البيان والتبيين)) (١ / ٥٨).
(٣) ((البيان والتبيين)) (١ / ٦٢).
(٤) ((مجالس ثعلب)) (١٠).
(٥) ((الحيوان)) (٢ / ٩١ - ٩٢).
(٦) ((البيان العربي من الجاحظ إلى عبدالقادر)) (ص ١).
(٧) ((الحيوان)) (٣ / ٧٣).
٢٣١

٤٧١ هـ)، والسكاكي من بعده، أما قبل عبدالقاهر؛ فقد كان
للمصطلحات البلاغية مفاهيم مغايرة.
أليس من الضروري إذن أن يكون بين أيدينا معجم تاريخي
لتطور مصطلحات البلاغة ومفاهيمها قبل عبدالقاهر، وكم خطأ وقع
فيه الباحثون نتيجة عدم إدراكهم لهذه المفاهيم؟ وهل يمكن أن
يفهم أحدهم أن فلاناً (يرطن) بمعنى يكنى؟ وكفى بهذا دليلاً على
أن كتب ((الأمالي والمجالس والمحاضرات)) في حاجة إلى قراءة
جديدة لتفيد الباحثين في التاريخ عامة وتطور علوم العربية خاصة.
كتب ((الأمالي والمحاضرات)) وتطور الفكر العلمي.
١ - قلّما يفكر الباحثون في تاريخ المنطق والفلسفة مراجعة
كتب النحو، وربما لو قلنا لهم ذلك لسخروا منَّا سخرية شديدة.
ويرجع هذا إلى أن مفهوم النحو قد تحدد تماماً الآن، وما هكذا
کان.
أرى أن كثيراً من المناقشات (النحوية) التي أوردها الزجاجي
في ((مجالس العلماء)) ما هي إلا مناقشات خصبة في (المنطق).
٢ - ورغم أن أصحاب الأمالي والمحاضرات ليسوا علماء
فيزياء أو كيمياء أو طب في المقام الأول، إلّ أن طبيعة التكوين
الذي كان يُحِّم الأخذ من كل شيء بطرف - كما سبق القول - جعل
أصحاب الأمالي يتطرقون في مجالسهم لبعض القضايا العلمية.
ورغم أن مراجع تاريخ العلوم البحتة والتطبيقية عند المسلمين
٢٣٢

ليست قليلة سواء ما نشر منها أو ما ينتظر دوره، إلا أن بعض
نصوص كتب ((الأمالي والمجالس)) تقدم لنا مزجاً طريفاً بين العلم
والأدب والفلسفة .
نحو معجم لألفاظ الحضارة الإسلامية عبر التاريخ.
ومثل هذا المعجم، تفيد فيه كتب ((الأمالي والمجالس
والمحاضرات)»، أكثر مما تفيد كتب التاريخ التقليدية، مع عدم
إهمال كتب التاريخ بطبيعة الحال.
إننا في الغالب لن نجد في كتب التاريخ لفظ المُستراح بمعنى
دورة المياه (١)، وأخشى أن يقرأ طالب في نص تاريخي؛ أن الوزير
فلان ذهب إلى المُستراح؛ فيفهم أنه ذهب لمهمة رسمية لعدم
معرفة الدلالة الاصطلاحية للمستراح في القرنين الثالث والرابع
للهجرة .
ونقرأ في كتب التاريخ؛ أن الخليفة فلان أو الوزير فلان قال
لحاجبه: اعط فلاناً ألف درهم أو ألف دينار، وأخشى أن يفهم
قارىء التاريخ أن ميزانية الدولة كانت نهباً لمزاج الحاكم يعطي منها
بغير حساب، فالواقع أننا نقرأ في كتب الأمالي؛ أن هناك شيئاً
اسمه ((بيت مال السرور))، فكأنما بيت المال مقسم إلى أقسام أو
أبواب على نحو ما تقسم الميزانية إلى أبواب هذه الأيام.
ومن المصطلحات الطريفة التي ذكرها التنوخي (الحقّ)؛ بمعنى
(١) (انشوار المحاضرة)) (٤ / ٣٩).
٢٣٣

محل الاجتماع لتشييع الميت، أو ما نسميه دار العزاء. فإذا قلنا:
إن القوم جلوس في الحق؛ فإن هذا يعني اجتماعهم في دار
العزاء(١)، ومن مصطلحات الشرطة الإسلامية (الطائف) الذي يسير
مع العَسس ليلاً(٢)، وعن العمل نجد طائفة العمال اليوميين أو
عمال البناء خاصة، وكان يطلق عليهم في بغداد في القرن الرابع
للهجرة (الروزجاريه) وهي كلمة فارسية تعني عمال المياومة(٣)،
وكانت وظيفة التنجيم وتفسير الأحلام شائعة لدرجة أن المشغلين
بهذه المهنة كانوا يصيحون في بغداد للإعلام عن بضاعتهم(٤)، وفي
بغداد أيضاً كان هناك بائعو الثياب القديمة أو الرخيصة، ويسمى
صاحب لهذه المهنة (بالخلقاني)(٥)، وهناك وظيفة (البرّاج)؛ أي:
الموكل بأبراج الحمام الزاجل، والكتب الطائرة(٦).
ويورد ثعلب طائفة من هذه الألفاظ الاصطلاحية منها بيت
(النّقم)؛ وهو المكان الذي تحفظ فيه الإبل وغيرها من الأنعام (٧)؛
أي: الزريبة بلغتنا المعاصرة. وكان الناس يستخدمون لغة
اصطلاحية لا يصلح معها الكشف القاموسي أو الدلالة اللغوية، ولا
(١) ((نشوار المحاضرة)) (٤ / ١٧).
(٢) ((نشوار المحاضرة)) (٤ / ١٧٥).
(٣) ((نشوار المحاضرة)) (٤ / ١٥٨).
(٤) ((نشوار المحاضرة) (٤ / ١٩٢).
(٥) ((نشوار المحاضرة)) (٤ / ١٧٨).
(٦) ((نشوار المحاضرة)) (٣ / ٢٢).
(٧) ((مجالس ثعلب)) (٢٧).
٢٣٤

تدلنا عليها سوى كتب ((الأمالي والمجالس والمحاضرات)).
لقد كان للقوم ألفاظ يتشاتمون بها أو يتمازحون؛ مثل قولهم
يا ماص! ويعنون أحياناً يا راضع الحليب من العنز بلا صوت،
ويعنون أحياناً غير ذلك. وقولهم إذا حاز أحدهم مئة من الإبل أنه
حاز (الهنيدة) (١) أو (الأشرارة)(٢)؛ لأنه إذا ملكها أشر وبطر.
وكل هذا لا تصلح فيه الدلالة اللغوية وإنما لا بد من الرجوع
إلى مفاهيم الناس، وذلك كتسمية الناس هذه الأيام للوساطة
كظاهرة اجتماعية باسم فيتامين (و)، فلو رجعنا إلى كل المعاجم
العربية والافرنجية لما وجدنا المفهوم المقصود، وكتسمية
المصريين للمليون جنيه باسم (أرنب)، فيقولون: حاز فلاناً أرنباً أو
أنه بدأ في تكوين الأرنب الثاني ... وهكذا. مثل هذه التركيبات
الشعبية في تاريخنا الإسلامي لا يمكن فهمها إلا من خلال كتب
((الأمالي والنوادر والمجالس والمحاضرات)).
وظني أن في هذا كفاية للفت نظر الباحثين عامة والمؤرخين
خاصة إلى هذا الكنز الثمين.
وأخيراً فإن الأمثلة التي ضربناها على كتب ((الأمالي والمجالس
والمحاضرات)) لا تشكل كل ما في التراث من هذا الفن، فقد
اقتصرنا على ما أُلٌّف في هذا الميدان حتى القرن الخامس للهجرة،
(١) ((مجالس العلماء)) (ص ٣١ - ٣٣).
(٢) ((مجالس العلماء)) (ص ٧٧).
٢٣٥

وعلى المطبوع المتوافر بين أيدينا. أما لو شئنا الحصر؛ فقد ذكر
حاجي خليفة من الكتب التي تحمل عنوان المحاضرات خمساً،
ومن الكتب التي تحمل عنوان المجالس أو المجالسات ثلاثة عشر،
ومن الكتب التي تحمل عنوان الأمالي ثمان وستين. فتلك إذن ست
وثمانون كاملة (١). وإذا علمنا أن بعض كتب ((الأمالي والمجالس
والمحاضرات)) لا تحمل في عنوانها لفظ الإملاء أو المجلس أو
المحاضرة؛ أدركنا أننا أمام فئة من الكتب العربية لم تحظ بحقها
في القراءة والنشر، ولم تحظ بحقنا منها استفادة واستعادة
واستخلاصاً.
* أهمية الكتاب وفوائده.
لكتابنا ((المجالسة)) أهمية كبيرة، وفوائد عديدة، منها:
أولاً: غزارة المادة العلمية، وشمولها وتنوعها، ويظهر ذلك
جليّاً من (فهرس الفوائد) المرفق في آخر الكتاب.
ثانياً: وجود الأحاديث النبوية الشريفة المسندة، ولا سيما تلك
التي انفرد بها المصنّف.
ثالثاً: وجود أقوال الصحابة، ولا سيما تلك المشهورة في
كتب الأدب واللغة، وهي شائعة ذائعة على ألسنة الناس، وهي في
كتابنا هذا بالإسناد، وبالتالي يستطيع الباحث أن يحكم عليها من
حيث الصحة والحسن والضعف.
(١) (كشف الظنون)) (١ / ١٦١ - ١٦٦).
٢٣٦

رابعاً: وجود أقوال التابعين ومن دونهم، في التفسير، وشرح
الحديث، والتوحيد، والفقه، والرقائق، وغير ذلك.
خامساً: وجود أقوال الحكماء والعلماء والنُّبهاء، التي قلَّما
تجدها في مصدر من المصادر.
سادساً: وجود الأَشعار والأَّمثال والحكايات والقصص التي
فيها غربة، وهي من المُسلِّيات تارة، والمضحكات أخرى،
والمبكّيات ثالثة.
سابعاً: تتجلَّى أهمية الكتاب بكثرة نقولات العلماء منه(١)؛ فهو
مصدر مهم لسائر المشتغلين بالعلم والمعرفة، على اختلاف
اهتماماتهم وتخصصاتهم.
ثامناً: ومن أهمية هذا الكتاب وفوائده التي يكاد أن ينفرد بها:
نقله من مصادر سبقته هي في عداد المفقود أو الضائع، ولا سيما
كتب مشايخه: ابن أبي الدنيا (٢) وإسحاق الحربي(٣)، وكذلك روى
بإسناده من ((السير)»(٤) لأبي إسحاق الفزاري (المتوفى سنة
(١) يظهر ذلك جلياً فيما كتبناه تحت عنوان (توثيق نسبة الكتاب لمصنّفه).
(٢) نقل عنه وأكثر، وانظر ما سيأتي تحت (موارده).
(٣) نقل عنه وأكثر، وفيه نصوص كثيرة من («غريب الحديث)) له من القسم
المفقود.
(٤) طبع قسم يسير منه بتحقيق الدكتور فاروق حمادة.
قال الشافعي عنه - كما في ((التهذيب)) (١ / ١٥٢) -: ((لم يصنف أحد مثل
كتاب أبي إسحاق الفزاري)) وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مقدمة في أصول=
٢٣٧

١٨٦ هـ)، وحفظ لنا كثيراً من نصوصه الضائعة، وكذلك من كتب
الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (المتوفى سنة ٢٢٤هـ)، ولا سيما
كتاب ((القضاء)) وغيرها كثير.
تاسعاً: ومن أهمية الكتاب أنه ذكر روايات وأخبار لكثير من
المجاهيل والمساتير عند المحدّثين، ومن خلالها يمكن التعرف
على المزيد من مشايخهم والرواة عنهم، والفحص عن مدى
توثیقهم أو تضعیفهم.
* موارده .
نقل أبو بكر أحمد بن مروان الدِّينوري من كثير من المصادر،
ولم يصرِّح بأسمائها، واكتفى بذكر أسانيده إليها، وممن نقل عنهم
وأكثر(١):
* الإمام الحافظ أبو بكر عبدالله بن محمد بن عُبيد، المشهور
بـ ((ابن أبي الدنيا)) (المتوفى سنة ٢٨١هـ).
وقد نظرتُ في جميع كتب ابن أبي الدنيا المطبوعة، وما وقع
تحت يدي من المخطوط منها، فوجدتُ المصنِّف قد نقل منها
جميعاً، وأثبتُ ذُلك في هوامش الكتاب، ومن هذه الكتب:
التفسير» (ص ٦٠): ((وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد، فكان لهم من
=
العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم، ولهذا عظّم الناس كتاب أبي إسحاق
الفزاري الذي صنفه في ذلك)).
(١) راجع ما قدمناه عن شيوخ المصنف، فحصرنا هناك أرقام مروياتهم في
لهذا الكتاب.
٢٣٨

((الإخلاص والنية))، و((الإخوان))، ((الإشراف في منازل
الأشراف))، ((إصلاح المال))، ((الاعتبار وأعقاب السرور
والأحزان))، ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ((الأهوال))،
((الأولياء))، ((التهجد وقيام الليل))، ((التواضع والخمول))، ((التوبة))،
(«التوكل على الله))، ((الجوع))، ((حسن الظن بالله))، («الحلم»، «ذم
البغي))، ((ذم الدنيا))، ((ذم الغيبة والنميمة))، ((ذم المسكر))، ((ذم
الملاهي))، ((الرضا عن الله بقضائه))، ((الرقّة والبكاء))، ((الشكر لله
عز وجل))، ((الصبر))، ((صفة الجنة))، ((صفة النار))، ((الصمت
وآداب اللسان))، ((العزلة والانفراد))، ((العقل وفضله))، ((العقوبات))،
((العمر والشيب))، ((العيال))، ((الفرج بعد الشدّة))، ((فضائل
رمضان))، ((قصر الأمل))(١)، ((قضاء الحوائج))، ((القناعة والتّعفف))،
((مجابوا الدعوة))، ((محاسبة النفس))، ((المحتضرين))، ((مداراة
الناس))، ((المرض والكفارات))، ((المطر والرعد والبرق والريح))،
((مكارم الأخلاق))، ((مكائد الشيطان))، ((من عاش بعد الموت)»،
((المنامات))، ((الهمُّ والحزن))، ((الهواتف))، ((الورع)»، ((اليقين)».
ونقل المصنف من كثير من كتبه المفقودة، مثل: ((الموت))(٢)،
(١) ونقل المصنف من القسم المفقود؛ إذ المطبوع ناقص. انظر الأرقام:
(١٦٣٠، ١٦٣١، ١٩٩٣).
(٢) جمعت ليئة كينبرج مادة هذين الكتابين مما وقع لها من بطون الكتب
ونشرته في فلسطين سنة ١٩٨٣م عن جامعة حيفا، قسم اللغة العربية وآدابها،
وفاتها كثير من النصوص عند المصنف في ((المجالسة)) وغيره، وأعمل الآن على =
٢٣٩

و ((القبور))(١)، و((مقتل عثمان))(٢)، و((شرف الفقر))(٣)، و ((ذم
الغضب)»(٤)، وغيرها كثير.
* الإمام أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدِّينوري
(المتوفى سنة ٢٧٦هـ).
أكثر أبو بكر بن مروان من النقل عنه، وظفرت بكثير من
النقولات في ((غريب الحديث))، و((تأويل مختلف الحديث))،
و ((عيون الأخبار))، ونقل أيضاً من ((المعاني الكبير)) و ((الأشربة)»،
و((المعارف))، و((الشعر والشعراء))، و((الأنواء))، و((أدب
الكاتب))، و((تفسير غريب القرآن))، و((الرد على الشعوبية))، ترى
ذلك مبئوثاً في تعليقاتي على الكتاب.
وبقيت هناك نصوص أوردها المصنف عن ابن قتيبة(٥) ولم
أظفر بها في الكتب السابقة ولا في ((إصلاح غلط أبي عبيد)»،
و ((المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير»، وهذه هي أغلب
=
جمعه، والحمد لله.
(١) انظر الحاشية السابقة.
(٢) انظر: ((المجالسة)) (رقم ١٩١٠).
(٣) انظر: ((المجالسة)) (رقم ١٦٥٥/م، ١٦١١).
(٤) انظر: ((المجالسة)) (رقم ١٠١٣).
(٥) انظر: ((المجالسة)) (رقم ١٥٧٣، ١٥٧٤، والملحق رقم ١)؛ ففيه نقل
من ((تعبير الرؤيا)) له، و(رقم ٧١٩) من ((المجالسة))؛ ففيه نقل من ((خلق الإنسان))
لابن قتيبة .
٢٤٠