Indexed OCR Text
Pages 1-20
L جَدْ عُ السَّارِىّ مُقَدّمَة فَعُ النَّارِىّ بشر ح وح الإمام أبي عبدمحمدبن إسماعيل البخاري الإمام الحافظ أحمد بن على بن حجر العَسقلانيّ (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) تحقيق وتعليق عَبْد الْقَّادِر شيبة الحمد طَبْعٌ عَلَىُ نفِقَةِ صَاحِبِ السّ لَكِيْ الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعُود النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام عَهْلَهُ اللّه في موازين حسناته وأمده بصوته هَدَيُ الشَّارِى مقَلمَة 7 ٧ قَ الْبَّارِيّ بشر ح الإمامأبي عبدالمحمدبن إسماعيل البخاري للإمام الحافظ أحمد بن عَلِىّ بن مجرَ العَسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) تحقيق وتعليق عَبْد القَّادِر شيبة الحمد عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية سابقاً والمدرس بالمسجد النبوي الشريف طبّعَ لَعَلَىٌّ نفقَةِ صَاحِبِ السّمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعُود النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام جَعَلَه اللّه في موازين حسناته وَأُمَّه بعونه عبدالقادر شيبة الحمد، ١٤٢١هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي هدي الساري مقدمة فتح الباري / تحقيق عبدالقادر شيبة الحمد - الرياض. ٥٢٣ ص، ٢١×٢٨ سم ردمك: ٢ - ٨١٩ - ٢٠ - ٩٩٦٠ ٢ - الحديث - شرح ١ - الحديث الصحيح ب- العنوان أ- شيبة الحمد، عبدالقادر (محقق) ٢١/٣٩٧٤ دیوي ٢٣٥٫١ ردمك: ٢ -٨١٩ - ٢٠ - ٩٩٦٠ رقم الإيداع: ٢١/٣٩٧٤ حقوق الطبع محفوظة للمحقق الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ / ٢٠٠١م بسم الله الرحُّالرَّةُ قال الشيخ الإمام العالم العلامة الربانى حجة الإسلام رحلة الطالبين عمدة المحدثين زين المجالس فريد عصره ووحيد دهره محيى السنة الغراء قامع أهل البدع والأهواء الشهاب الثاقب أبو الفضل أحمد ابن على بن محمد بن محمد بن على العسقلانى الشهير بابن حجر ، أثابه الله الجنة بمنه وكرمه آمين . الحمد لله الذی شرح صدور أهل الإسلام للسنة فانقادت لاتباعها وارتاحت لسماعها ، وأمات نفوس أهل الطغيان بالبدعة بعد أن تمادت فى نزاعها وتغالت فى ابتداعها ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، العالم بانقياد الأفئدة وامتناعها ، المطلع على ضمائر القلوب فى حالتى افتراقها واجتماعها ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، الذى انخفضت بحقه كلمة الباطل بعد ارتفاعها واتصلت بإرساله أنوار الهدى وظهرت حجتها بعد انقطاعها ، صلى اللّه عليه وسلم ما دامت السماء والأرض هذه فى سموها وهذه فى اتساعها ، وعلى آله وصحبه الذين كسروا جيوش المردة وفتحوا حصون قلاعها وهجروا فى محبة داعيهم إلى اللّه الأوطار والأوطان ولم يعاودوها بعد وداعها وحفظوا على اتباعهم أقواله وأفعاله وأحواله حتى أمنت بهم السنن الشريفة من ضياعها . أما بعد : فإن أولى ما صرفت فيه نفائس الأيام ، وأعلى ما خص بمزيد الاهتمام ، الاشتغال بالعلوم الشرعية المتلقاة عن خير البرية ، ولا يرتاب عاقل فى أن مدارها على كتاب اللّه المقتفى ، وسنة نبيه المصطفى ، وأن باقى العلوم إما آلات لفهمها وهى الضالة المطلوبة ، أو أجنبية عنهما وهى الضارة المغلوبة . وقد رأيت الإمام أبا عبد اللّه البخارى فى جامعه الصحيح قد تصدى للاقتباس من أنوارهما البهية تقريراً واستنباطاً ،. وكرع من مناهلهما الروية انتزاعاً وانتشاطاً ، ورزق بحسن نيته السعادة فيما جمع حتى أذعن له المخالف والموافق ، وتلقى كلامه فى التصحيح بالتسليم المطاوع والمفارق ، وقد استخرت الله تعالى فى أن أضم إليه- نبذاً شارحة لفوائده موضحة لمقاصده كاشفة عن مغزاه فى تقييد أوابده واقتناص شوارده ، وأقدم بين يدى ذلك كله مقدمة فى تبيين قواعده وتزيين فرائده ، جامعة وجيزة دون الإسهاب وفوق القصور ، سهلة المأخذ ، تفتح المستغلق وتذلل الصعاب ، وتشرح الصدور . وينحصر القول فيها إن شاء الله تعالى فى عشرة فصول . الأول : فى بيان السبب الباعث له على تصنيف هذا الكتاب . الثانى : فى بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه ، والكلام على تحقيق شروطه ، وتقرير كونه من أصح الكتب المصنفة فى الحديث النبوى ، ويلتحق به الكلام على تراجمه البديعة المنال المنيعة المثال التى انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه . - ٦ - الثالث : فى بيان الحكمة فى تقطيعه الحديث واختصاره ، وفائدة إعادته الحديث وتكراره . الرابع : فى بيان السبب فى إيراده الأحاديث المعلقة ، والآثار الموقوفة ، مع أنها تباين أصل موضوع الكتاب وألحقت فيه سياق الأحاديث المرفوعة المعلقة والإشارة لمن وصلها على سبيل الاختصار . الخامس : فى ضبط الغريب الواقع فى متونه مرتباً له على حروف المعجم ، بألخص عبارة وأخلص إشارة ، لتسهل مراجعته ويخف تكراره . السادس : فى ضبط الأسماء المشكلة التى فيه وكذا الكنى والأنساب وهى على قسمين ، الأول : المؤتلفة والمختلفة الواقعة فيه حيث تدخل تحت ضابط كلى لتسهل مراجعتها ويخف تكرارها ، وما عدا ذلك فيذكر فى الأصل . والثانى : المفردات من ذلك . السابع: فى تعريف شيوخه الذين أهمل نسبهم إذا كانت يكثر اشتراكها ((كمحمد)) لا من يقل اشتراكه ((كمسدد)) وفيه الكلام على جميع ما فيه من مهمل ومبهم على سياق الكتاب مختصراً . الثامن : فى سياق الأحاديث التى انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطنى وغيره من النقاد ، والجواب عنها حديثاً حديثاً ، وإيضاح أنه ليس فيها ما يخل بشرطه الذى حققناه . التاسع : فى سياق أسماء جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف ، والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل والاعتذار عن المصنف فى التخريج لبعضهم ممن يقوى جانب القدح فيه إما لكونه تجنب ما طعن فيه بسببه ، وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه ، وإما لغير ذلك من الأسباب . العاشر : فى سياق فهرسة كتابه المذكور باباً باباً وعدة ما فى كل باب من الحديث ، ومنه تظهر عدة أحاديثه بالمكرر أوردته تبعاً لشيخ الإسلام أبى زكريا النووى رضى الله عنه تبركاً به ثم أضفت إليه مناسبة ذلك مما استفدته من شيخ الإسلام أبى حفص البلقينى رضى الله عنه ثم أردفته بسياق أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم كتابه مرتباً لهم على الحروف وعد ما لكل واحد منهم عنده من الحديث ، ومنه يظهر تحرير ما اشتمل عليه كتابه من غير تكرير . ثم ختمت هذه المقدمة بترجمة كاشفة عن خصائصه ومناقبه ، جامعة لمآثره ومقانبه ليكون ذكره واسطة عقد نظامها وسرة مسك ختامها ، فإذا تحررت هذه الفصول وتقررت هذه الأصول افتتحت شرح الكتاب مستعيناً بالفتاح الوهاب فأسوق إن شاء اللّه الباب وحديثه أولا ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خمية ثم أستخرج ثانياً ما يتعلق به غرض صحيح فى ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات وكشف غامض وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك ، منتزعاً كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك ، وثالثاً : أصل ما انقطع من معلقاته وموقوفاته وهناك تلتثم زوائد الفوائد وتنتظم شوارد الفرائد ، ورابعاً : أضبط ما يشكل من جميع ما تقدم أسماء وأو صافاً مع إيضاح معانى الألفاظ اللغوية والتنبيه على النكت البيانية ونحو ذلك ، وخامساً : أورد ما استفدته من كلام الأئمة مما استنبطوه من ذلك الخبر من الأحكام - ٧ - الفقهية والمواعظ الزهدية والآداب المرعبة مقتصراً على الراجح من ذلك متحرياً للواضح دون المستغلق فى تلك المسالك مع الاعتناء بالجمع بين ما ظاهره التعارض مع غيره ، والتنصيص على المنسوخ بناسنه والعام بمخصصه والمطلق بمقيده والمجمل بمبينه والظاهر بمؤوله ، والإشارة إلى نكت من القواعد الأصولية ونبذ من فوائد العربية ونخب من الخلافيات المذهبية بحسب ما اتصل بى من كلام الأئمة واتسع له فهمى من المقاصد المهمة ، وأراعى هذا الأسلوب إن شاء الله تعالى فى كل باب فإن تكرر المتن فى باب بعينه غير باب تقدم نبهت على حكمة التكرار من غير إعادة له إلا أن يتغاير لفظه أو معناه فأنبه على الموضع المغاير خاصة فإن تكرر فى باب آخر اقتصرت فيما بعد الأول على المناسبة شارحاً لما لم يتقدم له ذكر منبهاً على الموضع الذى تقدم بسط القول فيه فإن كانت الدلالة لا تظهر فى الباب المقدم إلا على بعد غيرت هذا الاصطلاح بالاقتصار فى الأول على المناسبة ، وفى الثانى على سياق الأساليب المتعاقبة مراعياً فى جميعها مصلحة الاختصار دون الهذر والإكثار . والله أسأل أن يمن على بالعون على إ كماله بكرمه ومنه ، وأن يهدينى لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، وأن يجزل لى على الاشتغال بآثار نبيه الثواب فى الدار الأخرى ، وأن يسبغ علىّ وعلى من طالعه أو قرأه أو كتبه النعم الوافرة تترى ، إنه سميع مجيب . - ٨ - المقَسَّدَّة الفضلالأول فى بيان السبب الباعث لأبى عبد الله البخارى على تصنيف جامعه الصحيح وبيان حسن نيته فى ذلك اعلم ، علمنى الله وإياك أن آثار النبى صلى الله عليه وسلم لم تكن فى عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة فى الجوامع ولا مرتبة الأمرين ، أحدهما: أنهم كانوا فى ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت فى صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم ، وثانيهما لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم ، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة ، ثم حدث فى أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء فى الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكرى الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (١) وسعيد بن أبى عروبة (٢) وغيرهما ، وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام ، فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم ، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة ، وأبو عمر وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعى بالشام ، وأبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثورى بالكوفة ، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم فى النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبى صلى الله عليه وسلم خاصة ، وذلك على رأس المائتين ، فصنف عبيد الله ابن موسى العبسى الكوفى مسنداً ، وصنف مسدد بن مسرهد البصرى مسنداً ، وصنف أسد بن موسى الأموى مسنداً ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعى نزيل مصر مسنداً ، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أثرهم فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد ، كالإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبى شيبة وغيرهم من النبلاء ، ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معاً كأبى بكر بن أبى شيبة ، فلما رأى البخارى رضى الله عنه هذه التصانيف ورواها وانتشق رياها واستجلى محياها ، وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين والكثير منها يشمله التضعيف ، فلا يقال لغئه سمين ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذى لا يرتاب فيه أمين ، وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين فى الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلى المعروف بابن راهويه وذلك فيما أخبرنا أبو العباس - ٩ - أحمد بن عمر اللؤلؤى عن الحافظ أبى الحجاج المزى أخبرنا يوسف بن يعقوب أخبرنا أبو اليمن الكندى أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا الحافظ أبو بكر الخطيب أخبرنى محمد بن أحمد بن يعقوب أخبرنا محمد ابن نعيم سمعت خلف بن محمد البخارى بها يقول: سمعت إبراهيم بن معقل النسفى يقول: ((قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فوقع ذلك فى قلبى فأخذت فى جمع الجامع الصحيح )) وروينا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال : سمعت البخارى يقول : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم وكأننى واقف بين يديه وبيدى مروحة أذب بها عنه فسألت بعض المعبرين فقال لى أنت تذب عنه الكذب ، فهو الذى حملنى على إخراج الجامع الصحيح ، وقال الحافظ أبو ذر الهروى سمعت أبا الهيثم محمد بن مكى الكشمهنى يقول سمعت محمد بن يوسف الفربرى يقول ((قال البخارى: ما كتبت فى كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين)) وقال أبو على الغسانى (( روى عنه أنه قال خرَّجت الصحيح من ستمائة ألف حديث)) وروى الإسماعيلى عنه قال (( لم أخرج فى هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر)) قال الإسماعيلى : لأنه لو أخرج كل صحيح عنده لجمع فى الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة ، ولذكر طريق كل واحد منهم إذا صحت فيصير كتاباً كبيراً جداً ، وقال أبو أحمد بن عدى سمعت الحسن بن الحسين البزار يقول سمعت إبراهيم بن معقل النسفى يقول سمعت البخارى يقول ((ما أدخلت فى كتابى الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح حتى لا يطول )) وقال الفربرى أيضاً سمعت محمد بن أبى حاتم البخارى الوراق يقول : رأيت محمد بن إسماعيل البخارى فى المنام يمشى خلف النبي صلى الله عليه وسلم والنبى صلى الله عليه وسلم يمشى فكلما رفع النبى صلى الله عليه وسلم قدمه وضع البخارى قدمه فى ذلك الموضع، وقال الحافظ أبو أحمد ابن عدى سمعت الفربرى يقول سمعت نجم بن فضيل وكان من أهل الفهم يقول ، فذكر نحو هذا المنام أنه رآه أيضاً ، وقال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلى لما ألف البخارى كتاب الصحيح عرضه على أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المدينى وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا فى أربعة أحاديث ، قال العقيلى والقول فيها قول البخارى وهى صحيحة . - ١٠ - الفضل الثّانى فی بیان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه تقرر أنه التزم فيه الصحة وأنه لا يورد فيه إلا حديثاً صحيحاً ، هذا أصل موضوعه ، وهو مستفاد من تسميته إياه (( الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ))، ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحاً ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معانى كثيرة فرقها فى أبواب الكتاب بحسب تناسبها ، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك فى الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة ، قال الشيخ محى الدين نفع الله به : ليس مقصود البخارى الاقتصار على الأحاديث فقط ، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها ، ولهذا المعنى أخلى كثيراً من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر فيه على قوله (( فيه فلان عن النبى صلى الله عليه وسلم)) أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقاً وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسئلة التى ترجم لها وأشار إلى الحديث لكونه معلوماً ، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريباً ، ويقع فى كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة ، وفى بعضها ما فيه حديث واحد ، وفى بعضها ما فيه آية من كتاب الله وبعضها لا شىء فيه البتة ، وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمداً وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه فى المعنى الذى ترجم عليه ، ومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم یذکر فیه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب ، فأشكل فهمه على الناظر فيه وقد أوضح السبب فى ذلك الإمام أبو الوليد الباجى المالكى فى مقدمة كتابه فى أسماء رجال البخارى ، فقال أخبرنى الحافظ أبو ذر عبد الرحيم بن أحمد الهروى ، قال حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملى ، قال انتسخت كتاب البخارى من أصله الذى كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربرى فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً ومنها أحاديث لم يترجم لها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض ، قال أبو الوليد الباجى ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبى إسحاق المستملى ورواية أبى محمد السرخسى ورواية أبى الهيثم الكشميهنى ورواية أبى زيد المروزى مختلفة بالتقديم والتأخير مع أنهم انتسخوا من أصل واحد ، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان فى طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه ، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث ، قال الباجى : وإنما أوردت هذا هنا لما عنى به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذى يليها وتكلفهم من ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ انتهى . قلت : وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث ، وهى مواضع قليلة جداً ستظهر كما سيأتى ذلك إن شاء اللّه تعالى ، ثم ظهر لى أن البخارى مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار إن وجد حديثاً يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفى ووافق شرطه أورده فيه بالصيغة - ١١ - التى جعلها مصطلحة لموضوع كتابه وهى ((حدثنا)) وما قام مقام ذلك ((والعنعنة)) بشرطها عنده وإن لم يجد فيه إلا حديثاً لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه فى الباب مغايراً للصيغة التى يسوق بها ما هو من شرطه ، ومن ثمة أورد التعاليق كما سيأتى فى فصل حكم التعليق وإن لم يجد فيه حديثاً صحيحاً لا على شرطه ولا على شرط غيره، وكان مما يستأنس به ويقدمه قوم على القياس استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمة ((باب)) ثم أورد فى ذلك إما آية من كتاب اللّه تشهد له أو حديثاً يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر، وعلى هذا فالأحاديث التى فيه على ثلاثة أقسام وسيأتى تفاصيل ذلك مشروحاً إن شاء الله تعالى . ولنشرع الآن فى تحقيق شرطه فيه وتقرير كونه أصح الكتب المصنفة فى الحديث النبوى . قال الحافظ أبو الفضل بنطاهر فيما قرأت على الثقة أبى الفرج بن حماد أن يونس بن إبراهيم بن عبد القوى أخبره عن أبى الحسن بن المقير عن أبى المعمر المبارك بن أحمد عنه (( شرط البخارى أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابى المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات ويكون إسناده متصلا غير مقطوع ، وإن كان للصحابى راويان فصاعداً فجسن وإن لم يكن إلا راو واحد وصح الطريق إليه كفى . قال : وما ادعاه الحاكم أبو عبد اللّه أن شرط البخارى ومسلم أن يكون للصحابى راويان فصاعداً ثم يكون للتابعى المشهور راويان ثقتان إلى آخر كلامه فمنتقض عليه بأنهما أخرجا أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلا راو واحد انتهى)) والشرط الذى ذكره الحاكم وإن كان منتقضاً فى حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم ، فإنه معتبر فى حق من بعدهم فليس فى الكتاب حدیث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط ، وقال الحافظ أبو بكر الحازمى رحمه الله: هذا الذى قاله الحاكم ، قول من لم يمعن الغوص فى خبايا الصحيح ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة دعواه ، ثم قال ما حاصله : إن شرط الصحيح أن يكون إسناده متصلا ، وأن يكون راويه مسلماً صادقاً غير مدلس ولا مختلط ، متصفاً بصفات العدالة ضابطاً متحفظاً سليم الذهن قليل الوهم سليم الاعتقاد ، قال : ومذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوى العدل فى مشايخه العدول ، فبعضهم حديثه صحيح ثابت وبعضهم حديثه مدخول ، قال : وهذا باب فيه غموض وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوى الأصل ومراتب مداركهم ، فلنوضح ذلك بمثال وهو : أن تعلم أن أصحاب الزهرى مثلا على خمس طبقات ولكل طبقة منها مزية على التى تليها ، فمن كان فى الطبقة الأولى فهو الغاية فى الصحة وهو مقصد البخارى ، والطبقة الثانية شاركت الأولى فى التثبت إلا أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهرى حتى كان فيهم من يزامله فى السفر ويلازمه فى الحضر ، والطبقة الثانية لم تلازم الزهرى إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه فكانوا فى الإتقان دون الأولى وهم شرط مسلم ، ثم مثل الطبقة الأولى بيونس بن يزيد وعقيل بن خالد الأيليين ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وشعيب بن أبى حمزة ، والتانية بالأوزاعى والليث بن سعد وعبد الرحمن ابن خالد بن مسافر وابن أبى ذئب ، قال ، والطبقة الثالثة : نحو جعفر بن برقان وسفيان بن حسين وإسحاق ابن يحيى الكلبى ، والرابعة : نحو زمعة بن صالح ومعاوية بن يحيى الصدفى والمثنى بن الصباح ، والخامسة : نحو عبد القدوس بن حبيب والحكم بن عبد اللّه الأيلى ومحمد بن سعيد المصلوب، فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخارى ، وقد يخرج من حديث أهل الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب ، وأما مسلم فيخرج - ١٢ - أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب ، ويخرج أحاديث أهل الطبقة الثالثة على النحو الذى يصنعه البخارى فى الثانية، وأما الرابعة والخامسة فلا يعرجان عليهما. قلت : وأكثر ما يخرج البخارى حديث الطبقة الثانية تعليقاً ، وربما أخرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقاً أيضاً ، وهذا المثال الذى ذكرناه هو فى حق المكثرين فيقاس على هذا أصاب نافع وأصحاب الأعمش وأصحاب قتادة وغيرهم ، فأما غير المكثرين فإنما اعتمد الشيخان فى تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ ، لكن منهم من قوى الاعتماد عليه فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصارى ، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه فأخرجا له ما شاركه فيه غيره وهو الأكثر ، وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح فى كتابه فى علوم الحديث فيما أخبرنا به أبو الحسن بن الجوزى عن محمد بن يوسف الشافعى عنه سماعاً قال : أول من صنف فى الصحيح البخارى أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى ، ومسلم مع أنه أخذ عن البخارى واستفاد منه فإنه يشارك البخارى فى كثير من شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز ، وأما ما رويناه عن الشافعى رضى الله عنه أنه قال: (( ما أعلم فى الأرض كتلهاً فى العلم أكثر صواباً من كتاب مالك)) قال ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ يعنى بلفظ ((أصح من الموطأ)) فإنما قال ذلك قبل وجود كتابى البخارى ومسلم ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحاً وأكثرهما فوائد ، وأما ما رويناه عن أبى على الحافظ النيسابورى أستاذ الحاكم أبى عبد الله الحافظ من أنه قال (( ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج )) فهذا وقول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخارى إن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج بمثل ما فى كتاب البخارى فى تراجم أبوابه من الأشياء التى لم يسندها على الوصف المشروط فى الصحيح فهذا لا بأس به ، وليس يلزم منه أن کتاب مسلم أرجح فیما یرجع إلى نفس الصحیح علی کتاب البخارى ، وإن کان المراد به أن کتاب مسلم أصح صحيحاً فهذا مردود على من يقوله والله أعلم ، انتهى كلامه . وفيه أشياء تحتاج إلى أدلة وبيان فقد استشكل بعض الأئمة إطلاق أصحية كتاب البخارى على كتاب مالك مع اشتراكهما فى اشتراط الصحة والمبالغة فى التحرى والتثبت ، وكون البخارى أكثر حديثاً لا يلزم منه أفضلية الصحة ، والجواب عن ذلك أن ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة فمالك لا يرى الانقطاع فى الإسناد قادحاً فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات والبلاغات فى أصل موضوع كتابه ، والبخارى يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلا فى غير أصل موضوع كتابه كالتعليقات والتراجم ، ولا شك أن المنقطع وإن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما فى العدالة والحفظ فبان بذلك شفوف کتاب البخارى، وعلم أن الشافعى إنما أطلق على الموطأ أفضلية الصحة بالنسبة الى الجوامع الموجودة فى زمنه : كجامع سفيان الثورى ومصنف حماد بن سلمة وغير ذلك ، وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه ، واقتضى كلام ابن الصلاح أن العلماء متفقون على القول بأفضلية البخارى فى الصحة على كتاب مسلم الا ما حكاه عن أبى على النيسابورى من قوله المتقدم ، وعن بعض شيوخ المغاربة أن كتاب مسلم أفضل من كتاب البخارى من غير تعرض للصحة فنقول روينا بالإسناد الصحيح عن أبى عبد الرحمن النسائى وهو شيخ أبى على النيسابورى أنه قال : ما فى هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيلى والنسائى ، لا يعنى بالجودة إلا جودة الأسانيد كما هو - ١٣ - المتبادر الى الفهم من اصطلاح أهل الحديث ، ومثل هذا من مثل النسائى غاية فى الوصف مع شدة تحريه وتوقيه وتثبته فى نقد الرجال وتقدمه فى ذلك على أهل عصره حتى قدمه قوم من الحذاق فى معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج وقدمه الدار قطنى وغيره فى ذلك وغيره على إمام الأئمة أبى بكر بن خزيمة صاحب الصحيح ، وقال الإسماعيلى فى المدخل له : أما بعد فإنى نظرت فى كتاب الجامع الذى ألفه أبو عبد اللّه البخارى فرأيته جامعاً كما سمى لكثير من السنن الصحيحة ، ودالا على جمل من المعانى الحسنة المستنبطة التى لا يكل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته ، والعلم بالروايات وعللها علما بالفقه واللغة وتمكناً منها كلها وتبحراً فيها ، وكان يرحمه اللّه الرجل الذى قصر زمانه على ذلك فبرع وبلغ الغاية فحاز السبق ، وجمع إلى ذلك حسن النية والقصد للخير فنفعه الله ونفع به ، قال ((وقد نحا نحوه فى التصنيف جماعة منهم الحسن بن على الحلوانى لكنه اقتصر على السنن ، ومنهم أبو داود السجستانى وكان فى عصر أبى عبد اللّه البخارى فسلك فيما سماه سنناً ذكر ما روى فى الشىء وإن كان فى السند ضعف إذا لم يجد فى الباب غيره ومنهم مسلم بن الحجاج وكان يقاربه فى العصر فرام مرامه وكان يأخذ عنه أو عن كتبه إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبى عبد الله ، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد اللّه للرواية عنهم وكلّ قصد الخير ، غير أن أحداً منهم لم يبلغ من التشدد مبلغ أبى عبد الله ولا تسبب إلى استنباط المعانى واستخراج لطائف فقه الحديث وتراجم الأبواب الدالة على ما له وصلة بالحديث المروى فيه تسببه ، ولله الفضل يختص به من يشاء ، وقال الحاكم أبو أحمد النيسابورى وهو عصرى أبى على النيسابورى ، ومقدم عليه فى معرفة الرجال فيما حكاه أبو يعلى الخليلى الحافظ فى الإرشاد ما ملخصه ((رحم الله محمد بن إسماعيل فإنه ألف الأصول - يعنى أصول الأحكام - من الأحاديث ، وبين للناس وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه ، كمسلم بن الحجاج )) وقال الدار قطنى لما ذكر عنده الصحيحان ((لولا البخارى لما ذهب مسلم ولا جاء)) وقال مرة أخرى ((وأى شىء صنع مسلم إنما أخذ كتاب البخارى فعمل عليه مسخترجاً وزاد فيه زيادات )) وهذا الذى حكيناه عن الدارقطنى جزم به أبو العباس القرطبى فى أول كتابه المفهم فى شرح صحيح مسلم ، والكلام فى نقل كلام الأئمة فى تفضيله كثير ، ويكفى منه اتفاقهم على أنه كان أعلم بهذا الفن من مسلم ، وأن مسلما كان يشهد له بالتقدم فى ذلك والإمامة فيه والتفرد بمعرفة ذلك فى عصره حتى هجر من أجله شيخه محمد بن يحيى الذهلى فى قصة مشهورة سنذكرها مبسوطة إن شاء اللّه تعالى فى ترجمة البخارى ؛ فهذا من حيث الجملة وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل ، وعند التأمل يظهر أن كتاب البخارى أتقن رجالا وأشد اتصالا ، وبيان ذلك من أوجه . أحدها : أن الذين انفرد البخارى بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلا ((المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا ، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخارى ستمائة وعشرون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف منهم مائة وستون رجلا ، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه وإن لم يكن ذلك الكلام قادحاً . ثانيها : أن الذين انفرد بهم البخارى ممن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك - ١٤ - النسخ : كأبى الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه ، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ، وحماد بن سلمة عن ثابت وغير ذلك . ثالثها : أن الذين انفرد بهم البخارى ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم وميز جيدها من موهومها ، بخلاف مسلم فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه ممن تقدم عن عصره من التابعين ومن بعدهم ، ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدم منهم . رابعها : أن البخارى يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية انتقاء ، ومسلم يخرجها أصولا كما تقدم ذلك من تقرير الحافظ أبى بكر الحازمى ، فهذه الأوجه الأربعة تتعلق بإتقان الرواة . وبقی ما يتعلق بالاتصال ، وهو « الوجه الخامس )) وذلك أن مسلما کان مذهبه على ما صرح به فى فى مقدمة صحيحه وبالغ فى الرد على من خالفه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه ، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المعنعن مدلساً ، والبخارى لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة ، وقد أظهر البخارى هذا المذهب فى تاريخه وجرى عليه فى صحيحه وأكثر منه حتى أنه ربما خرج الحديث الذى لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راو من شيخه لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئاً معنعنا ، وسترى ذلك واضحاً فى أما کنه إن شاء الله تعالى ، وهذا مما ترجح به کتابه لأنا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخارى أوضح فى الاتصال والله أعلم . وأما ما يتعلق بعدم العلة وهو (( الوجه السادس)) فإن الأحاديث التى انتقدت عليهما بلغت ماتنى حديث وعشرة أحاديث كما سيأتى ذكر ذلك مفصلا فى فصل مفرد ، اختص البخارى منها بأقل من ثمانين وباقى ذلك يختص بمسلم ، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر والله أعلم: وأما قول أبى على النيسابورى فلم نقف قط على تصريحه بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخارى بخلاف ما يقتضيه إطلاق الشيخ محى الدين فى مختصره فى علوم الحديث وفى مقدمة شرح البخارى أيضاً ، حيث يقول : اتفق الجمهور على أن صحيح البخارى أصحهما صحيحاً وأكثرهما فوائد ، وقال أبو على النيسابورى وبعض علماء المغرب : صحيح مسلم أصح انتهى . ومقتضى كلام أبى على نفى الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه ، أما إثباتها له فلا ؛ لأن إطلاقه يحتمل أن يريد ذلك ويحتمل أن يريد المساواة والله أعلم، والذى يظهر لى من كلام أبى على أنه إنما قدم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة فى الصحة بل ذلك لأن مسلما صنف كتابه فى بلده بحضور أصوله فى حياة كثير من مشايخه ، فكان يتحرز فى الألفاظ ويتحرى فى السياق ولا يتصدى لما تصدى له البخارى من استنباط الأحكام ليبوب عليها ، ولزم من ذلك تقطيعه الحديث فى أبوابه ، بل جمع مسلم الطرق كلها فى مكان واحد واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات فلم يعرج عليها إلا فى بعض المواضع على سبيل الندور تبعاً لا مقصوداً ، فلهذا قال أبو على ما قال مع أنى رأيت بعض أئمتنا يجوز أن يكون أبو على ما رأى صحيح البخارى ، وعندى فى ذلك بعد والأقرب ما ذكرته ، وأبو على لو صرح بما نسب إليه لكان محجوجاً بما قدمناه مجملا ومفصلا والله الموفق ، وأما بعض شيوخ المغاربة فلا يحفظ عن أحد منهم تقييد الأفضلية بالأصحية بل أطلق بعضهم الأفضلية ، وذلك فيما حكاه القاضى - ١٥ - أبو الفضل عياض فى الإلماع عن أبى مروان الطبنى بضم الطاء المهملة ثم إسكان الباء الموحدة بعدها نون ، قال كان بعض شيوخى يفضل صحيح مسلم على صحيح البخارى انتهى . وقد وجدت تفسير هذا التفضيل عن بعض المغاربة فقرأت فى فهرسة أبى محمد القاسم بن القاسم النجيبى قال : كان أبو محمد بن حزم یفضل كتاب مسلم على كتاب البخارى لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السرد اهـ . وعندى أن ابن حزم هذا هو شيخ أبى مروان الطبنى الذى أبهمه القاضى عياض ويجوز أن يكون غيره ومحل تفضيلهما واحد ، ومن ذلك قول مسلم بن قاسم القرطبى وهو من أقران الدار قطنى لما ذكر فى تاريخه صحيح مسلم قال : لم يضع أحد مثله فهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب ، وقد رأيت كثيراً من المغاربة ممن صنف فى الأحكام بحذف الأسانيد ، كعبد الحق فى أحكامه وجمعه يعتمدون على كتاب مسلم فى نقل المتون وسياقها دون البخارى لوجودها عند مسلم تامة وتقطيع البخارى لها ، فهذه جهة أخرى من التفضيل لا ترجع إلى ما يتعلق بنفس الصحيح والله أعلم . وإذا تقرر ذلك فليقابل هذا التفضيل بجهة أخرى من وجوه التفضيل غير ما يرجع إلى نفس الصحيح وهى ما ذكره الإمام القدوة أبو محمد بن أبى جمرة فى اختصاره للبخارى ، قال : قال لى من لقيته من العارفين عمن لقى من السادة المقر لهم بالفضل أن صحيح البخارى ما قرئ فى شدة إلا فرجت ولا ركب به فى مركب فغرق ، قال : وكان مجاب الدعوة وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى ، وكذلك الجهة العظمى الموجبة لتقديمه وهى ما ضمنه أبوابه من التراجم التى حيرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الخطوة لسبب عظيم أوجب عظمها ، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدى عن عبد القدوس بن همام قال : شهدت عدة مشايخ يقولون (( حول البخارى تراجم جامعه - يعنى بيضها - بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره وكان يصلى لكل ترجمة ركعتين)). ولنشرع الآن فى الكلام عليها ، ونبين ما خفى على بعض من لم يمعن النظر فاعترض عليه اعتراض شاب غر على شيخ مجرب أو مكتهل وأوردها ايراد سعد وسعد مشتمل (( ما هكذا تورد يا سعد الإبل )) وأول شىء وقع الكلام معه فيه من هذه المادة أول حديث بدأ به كتابه واستفتح به خطابه ، فرد کثیر من هؤلاء نحوه سهام اللوم ، وانتصر بعض وبعض لزم من التسليم طريق القوم . ولنذكر ضابطاً يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه وهى ظاهرة وخفية ، أما الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا هنا وهى أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد فى مضمنها وإنما فائدتها الإعلام بما ورد فى ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة كأنه يقول هذا الباب الذى فيه كيت وكيت ، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلانى مثلا ، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو بمعناه ، وهذا فى الغالب قد يأتى من ذلك ما يكون فى لفظ الترجمة احتمال لأ کثر من معنى واحد فیعین أحد الاحتمالين بما یذکر تحتها من الحديث ، وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك بأن يكون الاحتمال فى الحديث والتعيين فى الترجمة ، والترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه ، مثلا المراد بهذا الحديث العام الخصوص ، أو بهذا الحديث الخاص العموم إشعاراً بالقياس لوجود العلة الجامعة ، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى ، ويأتى فى المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا فى الخاص والعام ، وكذا فى شرح المشكل ، وتفسير الغامض ، وتأويل الظاهر ، وتفصيل المجمل ، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب ، -١٦ - ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء فقه البخارى فى تراجمه ، وأكثر ما يفعل البخارى ذلك اذا لم يجد حديثاً على شرطه فى الباب ظاهر المعنى فى المقصد الذى ترجم به ويستنبط الفقه منه ، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان فى إظهار مضمره واستخراج خبيثه ، وكثيراً ما يفعل ذلك - أى هذا الأخير - حيث يذكر الحديث المفسر لذلك فى موضع آخر متقدماً أو متأخراً ، فكأنه يحيل عليه ويومى بالرمز والإشارة إليه ، وكثيراً ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله (( باب هل يكون كذا أو من قال كذا )) ونحو ذلك ، وذلك حيث لا يتجه له الجزم يأحد الاحتمالين وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت ، فيترجم على الحكم ومراده ما يتفسر بعد من إثباته أو نفيه أو أنه محتمل لهما وربما كان أحد المحتملين أظهر ، وغرضه أن يبقى للنظر مجالا وينبه على أن هناك احتمالا أو تعارضاً يوجب التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالا ، أو يكون المدرك مختلفاً فى الاستدلال به ، وكثيراً ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى لكنه اذا حققه المتأمل أجدى ، كقوله (((باب قول الرجل ما صلينا)) فإنه أشار به الى الرد على من كره ذلك، ومنه قوله « باب قول الرجل فاتتنا الصلاة)) وأشار بذلك الى الرد على من كره إطلاق هذا اللفظ ، وكثيراً ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر فى بادئ الرأى كقوله ((باب استياك الإمام بحضرة رعيته)) فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة فلعل بعض الناس يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة ، فلما وقع فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم استاك بحضرة الناس دل على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر ، نبه على ذلك ابن دقيق العيد وكثيراً ما يترجم بلفظ يومى إلى معنى حديث لم يصح على شرطه ، أو يأتى بلفظ الحديث الذى لم يصح على شرطه صريحاً فى الترجمة ، ويورد فى الباب ما يؤدى معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفى ، من ذلك قوله ((باب الأمراء من قريش)) وهذا لفظ حديث يروى عن على رضى الله عنه وليس على شرط البخارى ، وأورد فيه حديث (( لا يزال وال من قريش))، ومنها قوله ((باب إثنان فما فوقهما جماعة)) وهذا حديث يروى عن أبى موسى الأشعرى وليس على شرط البخارى وأورد فيه ((فأذنا وأقما وليؤمكما أحدكما)) وربما اكتفى أحياناً بلفظ الترجمة التى هى لفظ حديث لم يصح على شرطه ، وأورد معها أثراً أو آية ، فكأنه يقول لم يصح فى الباب شىء على شرطى ، وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض ، ومن تأمل ظفر، ومن جد وجد ، وقد جمع العلامة ناصر الدين أحمد بن المنير خطيب الاسكندرية من ذلك أربعمائة ترجمة وتكلم عليها ونلخصها القاضى بدر الدين بن جماعة وزاد عليها أشياء ، وتكلم على ذلك أيضاً بعض المغاربة وهو محمد بن منصور بن حمامة السجلماسى ولم يكثر من ذلك بل جملة ما فى كتابه نحو مائة ترجمة، وسماه ((فك أغراض البخارى المبهمة فى الجمع بين الحديث والترجمة)) وتكلم أيضاً على ذلك زين الدين على بن المنير أخو العلامة ناصر الدين فى شرحه على البخارى وأمعن فى ذلك ، ووقفت على مجلد من كتاب اسمه ترجمان التراجم لأبى عبد الله بن رشيد السبتى يشتمل على هذا المقصد وصل فيه إلى كتاب الصيام ولو تم لكان فى غاية الإفادة وإنه لكثير الفائدة مع نقصه، والله تعالى الموفق . - ١٧ - الفصل الثالث فی بیان تقطيعه للحديث واختصاره وفائدة إعادته له فی الأبواب وتكراره قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى فيما رويناه عنه فى جزء سماه ((جواب المتعنت)) اعلم أن البخارى رحمه الله کان یذکر الحديث فى كتابه فى مواضع ويستدل به فی کل باب بإسناد آخر ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذى أخرجه فيه ، وقلما يورد حديثاً فى موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد ، وإنما يورده من طريق أخرى لمعان نذكرها والله أعلم بمراده منها . فمنها أنه يخرج الحديث عن صحابى ثم يورده عن صحابى آخر ، والمقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة ، وكذلك يفعل فى أهل الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرا إلى مشايخه فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة ، ومنها أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة ، یشتمل کل حدیث منها على معان متغايرة فيورده فى كل باب من طريق غير الطريق الأولى ، ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ويرويها بعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليها ، ومنها أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راو بحديث فيه كلمة تحتمل معنى ، وحدث به آخر فعبر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه ، ويفرد لكل لفظة باباً مفرداً ، ومنها أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ورجح عنده الوصل فاعتمده وأورد الإرسال منبهاً على أنه لا تأثير له عنده فى الوصل ، ومنها أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك ، ومنها أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلا فى الإسناد ونقصه بعضهم فیوردها على الوجهین حیث یصح عنده أن الراوى سمعه من شیخ حدثه به عن آخر ثم لفى الآخر فحدثه به فكان يرويه على الوجهين ، ومنها أنه ربما أورد حديثاً عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحاً فيها بالسماع على ما عرف من طريقته فى اشتراط ثبوت اللقاء فى المعنعن ، فهذا جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد فى موضع آخر أو أكثر . وأما تقطيعه للحديث فى الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان المتن قصيراً أو مرتبطاً بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعداً ، فإنه يعيده بحسب ذلك مراعياً مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية ، وهى إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذى أخرجه عنه قبل ذلك كما تقدم تفصيله فتستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث ، وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه فيورده فى موضع موصولا وفى موضع معلقاً ، ويورده تارة تاماً وتارة مقتصراً على طرفه الذى يحتاج إليه فى ذلك الباب ، فإن كان المتن مشتملا على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة منها فى باب مستقل فراراً من التطويل ، وربما نشط فساقه بتمامه فهذا كله فى التقطيع ، (٢ - ٣- المقدمة) - ١٨ - وقد حكى بعض شراح البخارى أنه وقع فى أثناء الحج فى بعض النسخ بعد باب قصر الخطبة بعرفة باب تعجیل الوقوف ، قال أبو عبد الله یزاد فى هذا الباب حديث مالك عن ابن شهاب ولكنى لا أريد أن أدخل فیه معاداً . انتهى . وهو يقتضى أنه لا يتعمد أن يخرج فی کتابه حديثاً معاداً بجمیع إسناده ومتنه وإن كان قد وقع له من ذلك شىء فعن غير قصد وهو قليل جداً سأنبه على مواضعه من الشرح حيث أصل إليها إن شاء الله تعالى . وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقى فى موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك فى الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفاً على الصحابى ، وفيه شىء قد يحكم برفعه فيقتصر على الجملة التى يحكم لها بالرفع ويحذف الباقى لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه كما وقع له فى حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال : إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون هكذا أورده ، وهو مختصر من حديث موقوف أوله : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إنى أعتقت عبداً لى سائبة فمات وترك مالا ولم يدع وارثاً فقال عبد الله إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون فأنت ولى نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت وتحرجت فى شىء فنحن نقبله منك وتجعله فى بيت المال ، فاقتصر البخارى على ما يعطى حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف وهو قوله : إن أهل الإسلام لا يسيبون لأنه يستدعى بعمومه النقل عن صاحب الشرع لذلك الحكم واختصر الباقى لأنه ليس من موضوع كتابه ، وهذا من أخفى المواضع التى وقعت له من هذا الجنس ، وإذا تقرر ذلك اتضح أنه لا يعيد إلا لفائدة حتى لو لم تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم التى تشتمل عليه الترجمة الثانية موجباً لئلا يعد مكرراً بلا فائدة كيف وهو لا يخليه مع ذلك من فائدة إسنادية وهى إخراجه للإسناد عن شيخ غير الشيخ الماضى أو غير ذلك على ما سبق تفصيله ، وهذا بين لمن استقرأ كتابه وأنصف من نفسه ، والله الموفق لا إله إله غيره . -١٩ - الفصل الرابع فى بيان السبب فى إيراده للأحاديث المعلقة : مرفوعة وموقوفة ، وشرح أحكام ذلك والمراد بالتعليق: ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر ولو إلى آخر الإسناد ، وتارة يجزم به كـ ((قال)): وتارة لا يجزم به كـ ((يذكر)) فأما المعلق من المرفوعات فعلى قسمين، أحدهما: ما يوجد فى موضع آخر من كتابه هذا موصولا ، وثانيهما : ما لا يوجد فيه إلا معلقاً ، فالأول قد بينا السبب فيه فى الفصل الذى قبل هذا ، وأنه يورده معلقاً حيث يضيق مخرج الحديث إذ من قاعدته أنه لا يكرر إلا لفائدة فتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكام فاحتاج إلى تكريره فإنه يتصرف فى الإسناد بالاختصار خشية التطويل. والثانى - وهو مالا يوجد فيه إلا معلقاً - فإنه على صورتين إما أن يورده بصيغة الجزم وإما أن يورده بصيغة التمريض ، فالصيغة الأولى يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق ، أما ما يلتحق فالسبب فى كونه لم يوصل إسناده إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه فاستغنى عن إيراد هذا مستوفى السياق ولم يهمله بل أورده بصيغة التعليق طلباً للاختصار ، وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعاً أو سمعه وشك فى سماعه له من شيخه أو سمعه من شيخه مذاكرة فما رأی أنه يسوقه مساق الأصل ، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه فمن ذلك أنه قال فى كتاب الوكالة قال عثمان ابن الهيثم حدثنا عوف حدثنا محمد بن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ((وكلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم يزكاة رمضان)) الحديث بطوله ، وأورده فى مواضع أخرى منها فى فضائل القرآن وفى ذكر إبليس ، ولم يقل فى موضع منها حدثنا عثمان فالظاهر أنه لم يسمعه منه ، وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه فى عدة أحاديث فيوردها عنهم بصيغة قال فلان ، ثم يوردها فى موضع آخر بواسطة بينه وبينهم ، وسيأتى لذلك أمثلة كثيرة فى مواضعها ، فقال فى التاريخ : قال إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف فذكر حديثاً ، ثم قال حدثونى بهذا عن إبراهيم ، ولكن ليس ذلك مطرداً فى كل ما أورده بهذه الصيغة لكن مع هذا الاحتمال لا يحمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك من شيوخه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلساً عنهم فقد صرح الخطيب وغيره بأن لفظ ((قال)) لا يحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع فاقتضى ذلك أن من لم يعرف ذلك من عادته. كان الأمر فيه على الاحتمال والله تعالى أعلم ، وأما ما لا يلتحق بشرطه فقد يكون صحيحاً على شرط غيره ، وقد يكون حسناً صالحاً لحجة ، وقد يكون ضعيفاً لا من جهة قدح فى رجاله بل من جهة انقطاع يسير فى إسناده ، قال الإسماعيلى قد يصنع البخارى ذلك إما لأنه سمعه من ذلك الشيخ بواسطة من يثق به عنه وهو معروف مشهور عن ذلك الشيخ ، أو لأنه سمعه ممن ليس من شرط الكتاب فنبه على ذلك الحديث بتسمية - ٢٠ - من حدث به لا على جهة التحديث به عنه. قلت : والسبب فيه أنه أراد أن لا يسوقه مساق الأصل . فمثال ما هو صحيح على شرط غيره قوله فى الطهارة : وقالت عائشة كان النبى صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه وهو حديث صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه فى صحيحه كما سيأتى بيانه ، ومثال ما هو حسن صالح الحجة قوله فيه وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : اللّه أحق أن يستحيا منه من الناس ، وهو حديث حسن مشهور عن بهز ، أخرجه أصحاب السنن كما سيأتى . ومثال ما هو ضعيف بسبب الانقطاع لكنه منجبر بأمر آخر قوله فى كتاب الزكاة : وقال طاوس قال معاذ بن جبل لأهل اليمن ائتونى بعرض ثياب خميص أو لبيس فى الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوساً لم يسمع من معاذ، فأما ما اعترض به بعض المتأخرين بنقضه هذا الحكم فى صيغة الجزم وأنها لا تفيد الصحة إلى من علق عنه بأن المصنف أخرج حديثاً قال فيه قال عبد الله بن الفضل عن أبى سلمة عن ابن هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لا تفاضلوا بين الأنبياء الحديث ، فإن أبا مسعود الدمشقى جزم بأن هذا ليس بصحيح لأن عبد الله بن الفضل إنما رواه عن الأعرج عن أبى هريرة لا عن أبى سلمة ، ثم قوى ذلك بأن المصنف أخرجه فى موضع آخر موصولا فقال عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبى هريرة انتهى . فهذا اعتراض مردود والقاعدة صحيحة لا تنتقص بهذا الإيراد الواهى ، وقد روى الحديث المذكور أبو داود الطيالسى فى مسنده عن عبد الله بن الفضل عن أبى سلمة عن أبى هريرة ، كما علقه البخارى سواء ، قبطل ما ادعاه أبو مسعود من أن عبد اللّه بن الفضل لم يروه إلا عن الأعرج ، وثبت أن لعبد الله بن الفضل فيه شيخين وسنزيد ذلك بياناً فى موضعه إن شاء الله تعالى ، والصيغة الثانية : وهى صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح على ما سنبينه ، فأما ما هو صحيح فلم نجد فيه ما هو على شرطه إلا مواضع يسيرة جداً ووجدناه لا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق بالمعنى كقوله فى الطب: ويذكر عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الرقى بفاتحة الكتاب ، فإنه أسنده فى موضع آخر من طريق عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس رضى الله عنهما أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بحى فيهم لديغ ، فذكر الحديث فى رقيتهم للرجل بفاتحة الكتاب ، وفيه قول النبى صلى الله عليه وسلم لما أخبروه بذلك أن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب اللّه ، فهذا كما ترى لما أورده بالمعنى لم يجزم به إذ ليس فى الموصول أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الرقية بفاتحة الكتاب إنما فيه أنه لم ينههم عن فعلهم فاستفيد ذلك من تقريره ، وأما ما لم يورده فى موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على شرطه ، ومنه ما هو حسن ، ومنه ما هو ضعيف فرد ، إلا أن العمل على موافقته ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له ، فمثال الأول : أنه قال فى الصلاة ويذكر عن عبد الله بن السائب قال قرأ النبى صلى الله عليه وسلم المؤمنون فى صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع ، وهو حديث صحيح على شرط مسلم أخرجه فى صحيحه إلا أن البخارى لم يخرج لبعض رواته ، وقال فى الصيام ويذكر عن أبى خالد عن الأعمش عن الحكم ومسلم البطين وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد عن ابن عباس قال : قالت امرأة للنبى صلى الله عليه وسلم إن أختى ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين الحديث ، ورجال هذا الإسناد