Indexed OCR Text
Pages 981-1000
ح ٤٤٦ ٩٨١ كتاب الصلاة في بدء الخلق: مثل آذان الفيول وهو جمع فيل أيضاً، وقوله: (وإذا في أصلها أربعة أنهار) أي في أصل سدرة المنتهى، وهو محل منبت طرفها الأسفل لأنها منه تنبت وتنمو وتتفرع، ولمسلم: ((يخرج من أصلها)). قال ابن حجر: يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من تحتها فيصحّ أنها من الجنة، والأنهار جمع نهر بسكون الراء ونهر بفتحها، وأصله الشق ومنه: ما أنهر الدم ... الحديث، والمراد به هنا الماء الجاري، لأن العادة أنه يشق الأرض فيقال لمحله الذي شقه: نهر، ثم أطلق على الماء الجاري فيه، وهو مجاز مرسل علاقته المحلية؛ سمي الماء باسم محله أو العكس. قال في القاموس وشرحه: النهر - ويحرك - مجرى الماء، قال في التاج: هذا قول الأكثرين، وقيل: هو الماء نفسه. وفي المصباح: أنه حقيقة في الماء مجاز في الأخدود، الجمع أنهار ونهر - بضم النون وسكون - ونهور وأنهر. قال الشاعر: حوامل تجري بينهن نهور شقتين ما دامت بكرمان نخلة ويطلق النهر محركاً على السعة والضياء، وبه فسّر قوله تعالى: ﴿فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ﴾، والصواب في الآية خلاف ذلك، وأن المراد بقوله: نهر؛ اسم جنس بمنزلة الجمع كقوله: ﴿وَيُوَلُونَ الذُّبْرَ﴾ أي الأدبار، و﴿يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ أي أطفالاً، وهو كثير من كلام العرب: قال الزجاج: إن الواحد قد يدل على الجمع فيجتزا به عنه، وقوله: (نهران ظاهران ونهران باطنان) الظاهر الباين الواضح ضد الباطن، والباطن هو الخفي غير أنه يكون نسبياً فهو في كل شيء بحسبه. وقوله: (فسألت جبريل) أي عن الأنهار (فقال) أي مجيباً لسؤاله، والفاء في هذه الألفاظ كلها عاطفة، وقوله: (أما الباطنان) تقدم الكلام على (أما) في الطهارة وفي حديث ابن عباس في المقبورين المعذبين، وقوله: (ففي الجنة) الفاء واقعة في جواب (أما) أي فهما نهران في الجنة. قال ابن حجر: (وفي حديث أبي سعيد: فإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منهما نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له: نهر الرحمة. قال: فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب. قال: وكذا روي عن مقاتل قال: الباطنان السلسبيل والكوثر. قال: وأما الحديث الذي أخرجه مسلم ح ٤٤٦ ٩٨٢ كتاب الصلاة بلفظ: سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة؛ فلا يغاير هذا لأن المراد أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة، ولم يثبت لسيحون وجيحون أنهما من سدرة المنتهى، أي وكونهما من الجنة لا يستلزم ذلك كما لا يخفى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان المذكوران في الحديث فلا يصح تفسيرهما بسيحون وجيحون، لعدم ورود ما يدل على ذلك، ولا مجال للرأي فيه) والله أعلم. قال النووي كَّتُهُ: (في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها. قال: وهذا لا يمنعه النقل وقد شهد به ظاهر هذا الخبر فليعتمد، قال: وأما قول القاضي عياض: إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لأنه قال: إن النيل والفرات يخرجان من أصلها وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض؛ وهو ضعيف وأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض. قال: والحاصل أن أصلهما في الجنة، ويخرجان أولاً من أصلها غير خروجها بالنبع من الأرض. قال: والحاصل أن أصلهما في الجنة ويخرجان أولاً من أصلها ثم يسيران إلى أن يستقرا في الأرض ثم ينبعان. اهـ. والنيل على ما قالوا مبدأ نبعه من جبال القمر - بضم القاف وسكون الميم وقيل: بفتح الميم - تشبيهاً لها بالقمر في بياضه، قيل: من اثنتي عشرة عيناً هنالك، ويجري ثلاثة أشهر في القفار وثلاثة أشهر في العمران، حتى يصل إلى مصر فيفترق فرقتين عند قرية يقال لها: شطنون، فيمر الغربي منه على رشيد ويصب في البحر الملح، وأما الشرقي فيفترق أيضاً فرقتين عند جوجر، فتمر الغربية منهما على دمياط من غربيها وينصب في البحر الملح، والشرقية منهما تمر على أشمون طناح، فتنصب هناك في بحيرة شرقي دمياط يقال لها: بحيرة تفيس وبحيرة دمياط. وأما الفرات فأصله من أطراف أرمينية قريب من قاليقلا، ثم يمر على بلاد الروم ثم يمر بأرض مالطية، ثم على شميشاط وقلعة الروم والبيرة وجسر منبج وباليس وجعبر والرقة والرحبة وقرقيسياء وعانات والحديث وهيت والأنبار، ثم يمر بالطنوف ثم بالحلة ثم بالكوفة وينتهي إلى البطائح وينصب في البحر ح ٤٤٦ ٩٨٣ كتاب الصلاة الشرقي. قالوا: ومقدار جريانه على وجه الأرض أربعمائة فرسخ، ذكر أكثر ذلك العيني في شرحه على البخاري رحمة الله علينا وعليهما. وقوله: (ثم فرضت) تقدم الكلام على معنى الفرض، والمراد: فرض عليه وعلى أمته، ولم يذكر الأمة لأنهم تبع له في التشريع. وقوله: (خمسون) بالرفع نائب فاعل فرض، إذ الأصل: فرض الله عليَّ خمسين، والجار والمجرور في محل نصب، إما لأنه حال، أو لأنه بمثابة المفعول الثاني على تقدير أن فرض الشيء بمثابة جعله فرضاً وألزمه إياه، والمراد أنه أمر أن يصلي هو وأمته في اليوم والليلة خمسين صلاة، وقوله: (فأتيت على موسى) الفاء يحتمل أنها فصيحة أي: فرجعت فأتيت على موسى، ويحتمل أنها عاطفة، ومعنى أتيت على موسى: مررت به في رجوعي، وقوله: (فقال لي) أي موسى: (ما صنعت؟) الفاء عاطفة و(ما) استفهامية في محل نصب بصنعت، أي: صنعت أي شيء؟ مع احتمال أنها مبتدأ وجملة (صنعت) خبره والمفعول محذوف، وهو وجه ضعيف. وفي رواية: بم أمرت؟ وهي تبين المراد من قول موسى: صنعت، كأنه قال: ما الذي أتيت به من عند ربك؟ وقوله: (قلت) أي: في جواب موسى (فرضت علي) بالبناء للمجهول أي: فرض ربي عليّ، لأن الفاعل معلوم وهو في مثل هذا يكون حذفه اختصاراً، (خمسون) نائب الفاعل على ما تقدم، و(صلاة) تمييز العدد. وقوله: (قال) أي موسى مخاطباً للنبي صلّى الله وسلّم عليهما على سبيل النصيحة والإشفاق، (إني أعلم بالناس) أي بحال الناس وعدم تحمل أكثرهم لمشاق التكاليف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لِرَبِِّ، لَكَنُودٌ (٤) أي: ثقيل متباطئ عن الطاعة، (وإني عالجت بني إسرائيل) أي حاولت إصلاحهم وقيامهم بأوامر الله تعالى، وعالج الشيء يعالجه: إذا سعى في تحصيله أو في إصلاحه، فالمعالجة: محاولة فعل الشيء كالمزاولة والمجاهدة والممارسة، أي: مارستهم ولقيت منهم شدة في الدعوة إلى الطاعة. وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب، وهم قوم موسى وأمته الذين أرسل إليهم. وقوله : (أشْد المعالجة) (أشد) منصوب على المصدرية من غير اللفظ، وبعضهم يسميه: ما ناب عن المصدر، وقد يجوز فيه أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: معالجة أشد المعالجة، ولكن الحذف خلاف الأصل، و(أشد) في الأصل أفعل ح ٤٤٦ ٩٨٤ كتاب الصلاة تفضيل، وقوله: (إن أمتك) أي جماعتك وقومك الذين أرسلت إليهم، وأصلها لفظ مشترك بين معاني، فإنها تكون بمعنى الجماعة والجيل من الناس، وهو الأكثر فيها، وتكون بمعنى الملة والدين كما في قوله: ﴿وَجَدْنَاَ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: ملة، ﴿إِنَّ هَذِهِة أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ أي: ملتكم ودينكم، ومنه قوله: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع والأمة: الرجل المقتدى به الجامع للفضائل كما في قوله: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، وقوله علِّ في زيد بن عمر: ((أمة وحده)). والأُمّة بالكسر والضم: الهيئة والعصارة والنعمة، ومنه قول الشاعر: ولا الملك النعمان يوم لقيته بأمته يمضي القطوط ويأفق والأمة: القامة الحسنة، قال الشاعر: بيض الوجوه حسان الأمم إن معاوية الأكرمين والأمة: النعمة، قال الأعشى: ولقد جررت إلى الفتى ذا فاقة وأصاب غزوك أمة فأزالها والأمة: البرهة من الزمن، قال تعالى: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد مدة، ولها معانٍ غير هذا. وقوله: (لن يطيقوا ذلك) أي: لن يقدروا عليه، والإشارة إلى أداء هذا العدد من الصلاة كل يوم وليلة، أي: لن يقدروا على القيام بأداء خمسين صلاة، من الإطاقة وهي: القدرة على الشيء، من قوله: طاقه طوقاً وأطاقه إطاقة وأطاق عليه، والاسم: الطاقة، قال الأزهري: أطاقه يطوقه طوقاً، وأطاقه يطيقه إطاقة وطاقة، كما يقال: طاع يطوع طوعاً وأطاع يطيع إطاعة وطاعة، والطاعة والطاقة اسمان يوضعان موضع المصدر. وقوله: (فارجع إلى ربك) الفاء سببية وإن كانت تحتمل الاستئناف، أي: المحل الذي ناجيت فيه ربك أو فرض عليك فيه ذلك، وقوله: (فاسأله أن يخفف عنك) أي: سله التخفيف عليك فيما فرضه عليك وعلى أمتك، وهذا دليل على أن موسى قد علم أن الفرض عليه فرض على أمته، وقوله: (فرجعت فسألته) الفاء الأولى سببية أو عاطفة والثانية عاطفة، وقوله: (أن يخفف عني) أي: سألته التخفيف، فالمصدر في محل نصب مفعول به، وقوله: (أربعين) مفعول ثان لـ(جعلها)، أي: نقص منها عشراً أي حطها عني من الخمسين فبقي العدد ح ٤٤٦ MM ٩٨٥ كتاب الصلاة أربعين، ثم ذكر مراجعته لموسى حتى وضع منها عشراً بعد عشر حتى صارت عشراً، ثم وضع منها خمساً فبقيت خمس، ورواية عشرة هنا بتذكير العدد وهو مؤنث، ولهذا جاء في رواية البخاري: عشراً؛ وهي أظهر غير أن رواية التاء قد تخرج على معنى الفرض أي عشرة فروض، أو على الوقت: عشرة أوقات، ويكون قوله (فجعلها) أي: الصلاة عشرة فروض. وقوله: (إني أستحيي من ربي ◌َ) يقال: أستحيي على الأصل بياءين وأستحي بياء واحدة تخفيفاً، وقد تقدم الكلام عليه في حديث أم سليم في الغسل، وتقدم أيضاً الكلام على قوله ريك في أول الكتاب المبارك. والرب لفظ يطلق على المالك والمدبّر والقائم بالأمر والملك، قال الشاعر وهو لبيد رزڅبه : ورب معد بن خربت وعرعره واهلكن يوماً رب كندة وابنه وأنزلن بالأسباب رب المشقره وأعوض بالدومي من فوق حصنه من قولهم: ربه يربه إذا أصلحه، قال علقمة: وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي وقبلك ربتني فضعت ربوب وقوله عليه الصلاة والسلام في اللقطة: ((فإن جاء ربها))، وهذه المعاني لا يستعمل في شيء منها إلا مضافاً، وأما إن جرد عن الإضافة فلا ينصرف إلا للمتصف بهذه الأوصاف كلها على الحقيقة، وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله: (من أن أرجع إليه) المصدر بدل من قوله: (من ربي) أي: استحييت من الرجوع إليه، وقوله: (فنودي) أي ناداه ربه أو الملك بأمر ربه له، وفي الرواية الأخرى ((فُنُودِيتُ)) وهي بمعنى الأولى، وكل من اللفظين بالبناء للمفعول، وقوله: (أن أمضيت فريضتي) أي بأن أمضيت أي أثبت وقررت فريضتي التي افترضتها عليك وعلى أمتك، وأمضى الشيء يمضيه: إذا أنفذه، وقوله: (وخفّفت عن عبادي) أي: بما نقص عنهم من الخمسين التي فرضت عليهم. وقد اختلف العلماء هل هذا الذي حصل في هذه القضية نسخ أم لا؟ قال الإمام عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن الحنفي السهيلي الماليفي تَخْثُ المولود سنة ٥٠٨ بمالقة المتوفى سنة ٥٨١: (أما فرض الصلاة خمسين ثم حط منها عشراً عشراً، وروي أنها حطت خمساً خمساً، وقد يمكن الجمع بين الروايتين بدخول الخمس من العشر، فقد تكلم في هذا النقص من ح ٤٤٦ ٩٨٦ كتاب الصلاة الفريضة أهو نسخ أم لا؟ على قولين؛ فقال قوم: هو من باب نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر أبو جعفر النحاس هذا القول من جهتين إحداهما: البناء على أصله ومذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها، لأن ذلك عدَّه من البدَاء والبدَاء محال على الله سبحانه. الثاني: أن العبادة إن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يرى ذلك، فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين. قال: وإنما ادعى النسخ في هذه الصلوات الموضوعة عن محمد وَلّه وأمته: القاشاني، ليصحّح بذلك في أن البيان لا يتأخر. ثم قال أبو جعفر: إنما هي شفاعة رسول الله وَل* لأمته ومراجعة راجعها ربه ليخفف عن أمته، ولا يسمى مثل هذا نسخاً، ثم قال السهيلي تخذّثهُ: أما مذهبه في أن العبادة لا تنسخ قبل العمل بها وأن ذلك بداء فليس بصحيح، لأن حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين له الصواب فيه بعد أن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق من يعلم الأشياء بعلم قديم، وليس النسخ من هذا في شيء، إنما النسخ تبديل حكم بحكم، والكل في سابق علمه ومقتضى حكمه، كنسخ المرض بالصحة والصحة بالمرض ونحو ذلك. وأيضاً فإن العبد المأمور يجب عليه عند توجه الأمر إليه ثلاث عبادات: الفعل الذي أمر به والعزم على الامتثال واعتقاد الوجوب، وعلم الله ذلك منه فصحَّ امتحانه له واختباره إياه، وأوقع الجزاء على حسب ما علم من نيّته، وإنما الذي لا يجوز: نسخ الأمر قبل نزوله وقبل علم المخاطب به، والذي ذكره النحاس من نسخ العبادة بعد العمل بها؛ ليس هو حقيقة النسخ، لأن العبادة المأمور بها قد مضت، وإنما جاء الخطاب بالنهي عن مثلها لا عنها) اهـ. قلت: معنى هذا أن المفعول من العبادة الذي ثبت عمل العبد له قبل النسخ؛ لا يبطل ثوابه بالنسخ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ﴾ وإنما أمر العبد بترك ما كان يعمل وذلك لا يبطل عمله السابق. ثم قال السهيلي كثّفُهُ: (وقولنا في الخمس والأربعين صلاة الموضوعة عن محمد ل# وأمته أحد وجهين: إما أن يكون نسخ ما وجب على النبي ◌ُّ﴾ من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا قد قدمنا أنه نسخ على الحقيقة، ونسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ فقد كان في كل مرة عازماً على تبليغ ما أمر به، وقول أبي جعفر؛ إنما كان شافعاً ح ٤٤٦ ٩٨٧ كتاب الصلاة ومراجعاً، لا ينفي النسخ، فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم) قلت: ويشهد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ الآية. قال رَخْذَتُهُ: (فشفاعته ◌َلَُّ كانت سبباً للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات الخمسين فيه خاصة، وأما أمته فلم ينسخ عنهم حكم إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل بلوغه إلى المأمور كما قدمنا) اهـ. قلت: خلاصة هذا أن النسخ في هذه القصّةِ خاص به وَل﴾، وأما في حق الأمة فلا يسمَّى نسخاً. قال تَظْلَثُ: وهذا كله أحد الوجهين في الحديث. الوجه الثاني: أن يكون هذا خبراً لا تعبداً، وإذا كان خبراً لم يدخله النسخ، ومعنى الخبر أنه ظلِّ أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة، ومعناه أنها خمسون في اللوح المحفوظ، وكذلك قال في الحديث: هي خمس وهي خمسون والحسنة بعشر أمثالها، فتأوله رسول الله - 18 على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربه حتى بين له أنها خمسون في الثواب لا في العمل) اهـ. قلت: وهذا الوجه عندي بعيد جداً، وإني لأستغرب صدوره من هذا الإمام الجليل رحمه الله تعالى. قال ابن حجر تكَّتُ في شرح حديث أبي ذر أول كتاب الصلاة عند قوله ((فوضع شطرها)): (في رواية مالك بن صعصعة: فوضع عني عشراً، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت. فحطّ عني خمساً. قال ابن المنير: ذكر الشطر أعمّ من كونه وقع في دفعة واحدة. قال: قلت: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر دفعتين والشطر خمس دفعات، أو المراد بالشطر في حديث الباب: البعض، وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمساً خمساً، وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها. قال: وأما قول الكرماني: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمساً وعشرين وفي الثانية ثلاثة عشر - يعني نصف الخمس والعشرين بجبر الكسر - وفي الثالثة سبعاً؛ كذا قال وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء، إلا أن يقال: حذف ذلك اختصاراً فيتجه، لكن باقي الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم) اهـ. ثم قال: (واستدل به على جواز النسخ في الإنشاءات ولو كانت مؤكدة، خلافاً لقوم فيما أكّد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل، قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه رمت نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى، ثم تفضل ح ٤٤٦ ٩٨٨ كتاب الصلاة عليهم بأن أكمل لهم الثواب. وتعقّبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة أو منعه كالمعتزلة، لكونهم اتفقوا جميعاً على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ للأمة فمسلّم. لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخاً، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي وَلّ لأنه كلف بذلك قطعاً، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل، فالمسألة حقيقة التصوير في حقه ◌َ(18) والله تعالى أعلم. وقد تعرض بعض الشراح هنا لبيان أشياء من حكمة في هذا الحديث، ولا سيما العيني وابن أبي جمرة، وذلك شيء لا يعجبني التعرض له ما لم يكن بيان من الله ومن رسوله، وكذلك تعليل استحيائه وهو من ربه وتعليل تخصيص المذكورين من الأنبياء، وكل ذلك عندي أن الاشتغال بالكلام فيه لا أصل له وليس فيه كبير فائدة، وكل ما كان من هذا النوع فإني أرى الإمساك عنه أولى، خشية القول بما لا علم به والله الموفق للصواب. وقوله: (وأجزي بالحسنة عشر أمثالها) أجزي بمعنى أثيب وأعطي وتقدم الكلام على الحسنة والسيئة. وقوله: (عشر أمثالها) هذا على أقل ثوابها، وقد أخبر أنه يزيد من يشاء، ويضاعف لمن يشاء فيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، وقال: ﴿فَيُضَحِفَهُ لَهُو أَشْعَانًا كَثِيرَةٌ ﴾ . الأحكام والفوائد هذا الحديث تضمن معجزة عظيمة للرسول و 8*، ولهذا نوه الله ريت بهذه القصة فقال تعالى: ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .. ﴾ الآية، وفيه كثير من الفوائد سنشير إلى ما تيسر منها بعون الله، وهو الموفق للصواب: أولاً: قوله: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان) تقدم أن هذه حالة نومه و *، إن أريد أن عينه نائمة وقلبه يقظان، وكذلك إن أريد المعنى الثاني: وهو أنه سِنة ولم يتمكن منه النوم، فعلى الوجهين: فيه دليل على جواز النوم في المسجد، وإذا كان ذلك للاستعانة على العبادة كان نومه عبادة، كما قال بعض الصحابة : أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله . ح ٤٤٦ ٩٨٩ كتاب الصلاة الثاني: قال ابن أبي جمرة: فيه دليل على تحري النبي وَّ للصدق في المقال، وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا فيما لا بد منه، ووجه ذلك: أن من كان بهذه الحالة لو قال: إنه يقظان؛ لصح ذلك مجازاً، لأن نوم الجوارح مع يقظة القلب أقرب إلى اليقظة، فصحّ إطلاق اليقظة عليه لكنه بين الأمر الواقع على حقيقته. الثالث: قوله: (بين الرجلين) إن حُمل على أنه نائم بين اثنين؛ يؤخذ منه تواضعه وّ في نومه بين رجلين، وحسن خلقه، وذلك أمر مشهور عنه عليه الصلاة والسلام حتى قال: ((إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد)). وقوله للذي ارتعد منه: ((إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة)). الرابع: فيه على هذا الوجه جواز نوم الجماعة في مكان واحد، بشرط أن يكون على كل منهم ما يستره عن صاحبه. الخامس: ذكر بعضهم أن قوله: (أتيت بطست من ذهب) وهو إناء يتخذه الناس لغسل أيديهم وحوائجهم، وهو مبسوط القاع معطوف الأطراف إلى ظاهره؛ قال: فيه دليل على فضيلة هذا الإناء لتخصيصه وَ * به من بين الآنية. وأما كونه ذهباً، فلا يعترض به، لأن القصة كانت قبل تحريمه على الأمة، وأيضاً المستعمل له الملائكة الكرام فليسوا كالنبي ◌َّ﴿ أو بني آدم في ذلك . السادس: احتج بعض العلماء بقوله: (مملوء حكمة وإيماناً) على أن الحكمة والإيمان جواهر محسوسات لا معاني، لأن المعاني ليس لها أجسام حتى تملأ الإناء، ولأن الإناء لا يمتلئ إلا بالأجسام والجواهر. وهذا نص من الشارع بخلاف ما ذهب إليه المتكلمون من أن الإيمان والحكمة أعراض. قال ابن أبي جمرة: (والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها إخبار؛ أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن، لأن للعقل بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق؛ حداً يقف عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه. فهذا وما أشبهه منها، لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع ظلّلا في ح ٤٤٦ ٩٩٠ كتاب الصلاة الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي أخبر بها ◌ِالَّارِ، فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق؛ لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل، والحقيقة هي ما ذكره عظّا في الحديث. ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه، ونشير لشيء من ذلك كتبينة لما عداه، فمثل ذلك الموت حيث أخبر ظلّله في الحديث: أنه يؤتى به يوم القيامة كبشاً أملح، فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض على أهل تينك الدارين فيعرفونه، ومثل ذلك أيضاً الأذكار والتلاوة، لأن ما ظهر منها معاني وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات، لأنها توزن في الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر) اهـ. وهو بديع في بابه. وملخص كلامه تَخّْتُهُ قصور العقل البشري عن إدراك كثير من حقائق الأمور الواردة في السنة، ومثلها الوارد في القران، غير أن الواجب على العبد الإيمان بها وإن لم يتعقل معناها، وهذا من أصول الإيمان بالغيب؛ لأنه يعم ما يتصوره الإنسان وما لا يتصوره، والله الموفق للصواب وهو الهادي وإليه المآب. السابع: يؤخذ منه أن الحكمة أجلُّ شيء بعد الإيمان وإن اختلفوا في تعريفها، لأن أصلها: وضع الشيء في محلّه، وهو موافق لقولهم: الحكمة: إصابة الصواب، وتقدم أنها من: حكم بمعنى منع، وقيل: هي الفقه في الدين. والمقصود أنهم استدلوا باقترانها هنا بالإيمان على أنها أجلّ شيء بعد الإيمان، وقد اختلفوا: هل الحكمة والإيمان متلازمان أو كل منهما مستقلّ بنفسه عن الآخر؟ وهو الظاهر. الثامن: استدلوا بالحديث على أن الملائكة تعرف أعيان بني آدم، لأنهم عرفوه وَلّر من بين من هو معهم. التاسع: في قوله: (فشق من النحر إلى مراق البطن) فيه دليل ظاهر على كمال قدرة الله تعالى، وأن خرقه للعادة لا يتوقف على شيء سبحانه، لأنه من المعلوم أن شق البطن أمر صعب وينشأ عنه جرح عظيم وألم كثير، ولم يحصل شيء من ذلك له وَلهر. قلت: وربما كان في ذلك زيادة تمرين له على خرق العادة في الأمور الكثيرة التي عرضت له هذه الليلة، فيكون قد رأى من خرق الله للعادة ما لا يستبعد معه أي خارق كان والعلم عند الله، وكذلك يقال ح ٤٤٦ ٩٩١ كتاب الصلاة في صعوده إلى السماء وغيره من كل ما في الحديث من الخوارق دليل على كمال قدرة الله سبحانه. العاشر: فيه دليل على فضل زمزم والاغتسال منه، وقد ورد الحديث بفضلها وبأنها طعام طُغْمٍ وشفاء سُقْمٍ. الحادي عشر: فيه حجة على من قال: ((إن الاغتسال منها مكروه لقوله فيها: ((طعام طُعْم وشفاء سُقْم))، لأن المراد أن الله يجعل فيها للمسلمين بركة الطعام، كما حصّل لأبي ذر فإنه جلس عليها أربعين من بين يوم وليلة، وهو سبب الحديث ولم يزل السلف يغتسلون منها ويتوضؤون. الثاني عشر: لم يذكر في هذه الرواية المعراج ولا أنه مرَّ ببيت المقدس ولا صلاته بالأنبياء، وكل ذلك ثابت في الروايات الآخر. الثالث عشر: قوله: (أتينا السماء الدنيا ... إلخ) فيه دليل على أن السماء جرم من الأجرام، وهي مرئية بالأبصار مشاهدة للناس نراها بأبصارنا، وأن لها عامراً وساكناً من الملائكة ولها أبواب، وأنه لا يصعد إليها أحد إلا بإذن من الملائكة الموكلون بها. وفي الحديث: ((أَطّتِ السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَ، ما فيها من موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد لله فيه))، وهذا يدل على بطلان قول من قال من ضلّال الفلاسفة وأذنا بهم ممن ينتسب للإسلام من ضلّال هذه الأمة: إنها ليست بجرم، وهذا لولا انتشاره في السذّج ورواجه عليهم لكان أوضح فساداً مما يذكره الإنسان. وقالوا: إن الذي نراه إنما هي طبقات من الأكسيجين، فكذّبوا نصوص الكتاب والسنة وخرقوا الإجماع وكابروا في المحسوس، وبالرغم من هذا كله فقد ضل بهم جِبِلٌّ كثير. أما بالنسبة للفلاسفة فلا يستكبر منهم، لأن علمهم مبني على إنكار الصانع، والله نفى عنهم ما يدعونه من علم السموات وما تحت الأرض، وسمّاهم مضلين فقال تعالى: ﴿َّ أَشْهَدُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَخِذَ اُلْمُضِينَ عَضُدًا ﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوَقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَا مِن فُرُوجِ ﴾﴾ وقال: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشَا وَالسَّمَاءَ بِنَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَغَزَّلُ الْأَمُ بَيْنَهُنَّ﴾ وقال: ﴿الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَوَتٍ ◌ِبَقًّا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُّتٍّ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ح ٤٤٦ ٩٩٢ كتاب الصلاة الآية، وقال: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ﴾، إلى غير ذلك. والأحاديث أيضاً في ذلك كثيرة، وقد أخبر ◌َه بأن بيننا وبينها مسيرة خمسمائة عام في الحديث الذي أخرجه الإمام أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي من طريق الحسن البصري عن أبي هريرة، وأخرجه الإمام أحمد وابن حبان وغيرهم، ومن رواية موقوفة أخرى، قال الترمذي تَّتُهُ: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد، ثم ساق السند إلى أبي هريرة قال: ((بينما نبي الله وَسير جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله: هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرون ولا يدعون. ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الرقيع سقف مرفوع وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ حتى عدّد سبع سماوات بين كل سماء وسماء كما بين السماء والأرض، ثم ذكر الأرضين السبع كذلك)). الرابع عشر: فيه: دليل على تحتم الاستئذان، وكون القادم على محل لا يدخله إلا بإذن، وإن كان القادم أجل قدراً ممن في المحل. الخامس عشر: فيه: دليل ظاهر على أن للسماء أبواباً، كما دل عليه قوله تعالى ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ﴾ كما تقدم. السادس عشر: فيه: آداب الاستئذان التي دل عليها الحديث الصحيح، وهو أن المستأذن إذا سئل يقول: فلان بن فلان، باسمه المعروف إلا أن يكون بكنيته معروفاً، وهذا ثابت في الصحيح، وكذلك يعرّف بمن معه حتى يعرف بعينه . السابع عشر: فيه: الترحيب بالقادم وإظهار البشر والسرور له، وأدلة ذلك كثيرة، وفرح الملائكة دليل على كرمه على الله تعالى. الثامن عشر: فيه: جواز الثناء على أهل الفضل إذا أمنت المفسدة في ذلك، وله شواهد في السنة إذا لم يخش عليهم من العجب ونحوه. التاسع عشر: استدل بعضهم بقوله: ((انطلقت أنا وجبريل)) على أنه كان مستقلاً بنفسه في الصعود، لكن الروايات الأخروات على أنهما كانا على ح ٤٤٦ ٩٩٣ كتاب الصلاة البراق في سيرهما وفي المعراج، وهو كالسلم في صعودهما. وأما ركوبه على البراق فهو في هذه الرواية وغيرها . العشرون: قول الملائكة لجبريل: ومن معك؟ يحتمل أن ذلك السؤال من عادتهم، ويحتمل أنهم إنما سألوه لأنهم كانوا يترقبون النبي وَّ بإعلام الله لهم به . الحادي والعشرون: قال بعضهم: في قول جبريل: محمد؛ دليل على أن الاسم أشرف من الكنية، قلت: ويدل عليه أن أسماء الأنبياء في القران كلها ليس فيها كنية، وإنما وردت الكنية فيه لعدو الله أبي لهب. الثاني والعشرون: قولهم: وقد أرسل إليه؟ دليل على أنهم - أعني أهل السموات والعالم العلوي - علموا به وبفضله عند الله وعرفوا اسمه، وأنه سيرسل وتوقعوا ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من شرفه وعلو قدره عند الله تعالى. وأما قولهم: وقد أرسل إليه؟ فقد تقدم الخلاف فيه: هل هو استفهام عن البعثة من الأصل أو هو سؤال عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء؟ وربما كان قولهم: ولنعم المجيء جاء؛ يدل على الثاني. الثالث والعشرون: قوله: (أتيت على آدم فسلمت عليه) فيه دليل على أن المارَّ يسلم على الجالس؛ كما سيأتي إن شاء الله. وتقدم أن آدم ردَّ عليه السلام ولم يقل مرحباً إلا بعد ردّ السلام، كما هو مصرح به في بعض الروايات، وإن كان ظاهر هذه الرواية خلافه كما تقدم، وإن حذفه من هذه الرواية لعله اختصار من بعض الرواة. الرابع والعشرون: قول آدم: مرحباً بك من ابن ونبي؛ تأنيس للنبي حَ- 14 وسرور به، فإن الأب يفرح بصلاح الولد حتى قالوا: إن الإنسان لا يحبّ أن يتفوق عليه أحد إلا أن يكون ولده. الخامس والعشرون: في بكاء موسى دليل على جواز الغبطة لا سيما في الخير والقرب من الله تعالى، وقد تقدم التنبيه على ذلك كما هو ثابت في الحديث . السادس والعشرون: فيه: جواز التأليف على فوت الخير، وهو لا ينافي التوكل ولا التسليم لأمر الله تعالى لأنه مقصد شرعي وغبطة في الخير. ج ٤٤٦ ٩٩٤ كتاب الصلاة السابع والعشرون: فيه: فضيلة عظيمة لهذه الأمة كما هو ثابت لها في القرآن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ الآية، وذلك لاختصاصهم بهذا الرسول الكريم وَ# كما قال الشاعر: من العناية ركناً غير منهدم بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم لما دعا الله داعينا لطاعته الثامن والعشرون: تقدم أن في قول إدريس له: من نبي وأخ، دليل على أنه ليس من ذريته، وهو يرد القول بأن إدريس جدّ نوح وتقدم ذلك، بخلاف إبراهيم فإنه أبوه بالاتفاق. التاسع والعشرون: هل رأى هؤلاء الأنبياء بأجسادهم وأرواحهم؟ أو رأى الأرواح دون الأجساد؟ والذي أختاره ويترجح عندي في هذا وما شاكله: التوقف لعدم دليل تطمئن إليه النفس، وإطلاق الرؤية - أي رؤيته لهم - كما في الحديث، وأما ما زاد على ذلك فلا برهان عليه، فالتوقف فيه أسلم وعلمه إلى الله مردود فهو به أعلم، كما هو الواجب فيما لا بيان فيه من الله ولا من رسوله، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾، وقد قال ابن حجر تثاثهُ: (هل أسري بأجسادهم لملاقاة النبي ◌ّ تلك الليلة أو أن أرواحهم مستقرة في الأماكن التي لقيهم فيها وأرواحهم مشكلة بشكل أجسادهم؟ كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل قال: واختار الأول بعض شيوخنا، واحتجَّ بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي بَ له قال: رأيت موسى ليلة أسري بي قائماً يصلي في قبره. وتعقبه ابن حجر رَّتُهُ) اهـ. الثلاثون: سؤاله لجبريل عن البيت المعمور وما رآه فيه؛ دليل على أن كثرة الفضائل ورفعة الدرجات من السؤال للاستفادة، وقد قال الله تعالى له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلمًا﴾ . الحادي والثلاثون: في كون البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه؛ دليل ظاهر على كمال قدره وكثرة جنوده كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُدَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَّ﴾ . الثاني والثلاثون: في هذه الرواية وما وافقها من الروايات؛ دليل على أن البيت المعمور في السماء السابعة، وقد تقدم ذلك في شرح الحديث. ح ٤٤٦ ٩٩٥ كتاب الصلاة الثالث والثلاثون: في ذكر سدرة المنتهى دليل فضيلة السدر، وهو شجر مثمر ولورقه فوائد، وقد أمر رسول الله وَلّر بجعله في ماء غسل الميت في إحدى غسلاته، وهو دباغ ومصلح للشعر ولذا ورد في الحديث النهي عن قطعه . الرابع والثلاثون: في هذا الحديث بيان لفضيلة النيل والفرات وأنهما مباركان، لما فيهما من مصالح العباد فإنه يعيش خلائق لا تحصى كثرة. الخامس والثلاثون: وفيه أيضاً: بيان فضل الصلوات وعظم شأنها عند الله، حيث كان فرضها مقترناً بهذه المعجزة العظيمة وفي هذا المكان العظيم على هذا الوجه، وليس ذلك لشيء من الفرائض سواها . السادس والثلاثون: في سياق هذه القصة دليل على أن الإسراء كان بالجسد لا بالروح، وأن قوله السابق: (بين النائم واليقظان) إخبار عن حاله أول الأمر، ووجه ذلك أن رؤيا الأنبياء وإن كانت وحياً لكن الغالب على التشريع أن يكون في حال اليقظة، وإن حصل شيء في النوم إنما يكون توطئة الحال اليقظة، وأيضاً لو كانت مجرد رؤيا لما كان فيها ما يدعو إلى التعجب والاستعظام وإنكار الحصول، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾، وقد أنكرتها قريش على ما تقدم بيانه. السابع والثلاثون: في سؤال موسى له وَلّ دليل على اهتمام أهل الدين والصلاح بأمور المسلمين، وسعيهم في حصول الخير لهم والتيسير في العبادة عليهم، وأولى الناس بذلك الأنبياء والأولياء وكل عبد مخلص لله، وقد قال وَ له في الحديث المشهور: ((الدين النصيحة)). فسؤاله دليل على حبه للخير لهم والاهتمام بما يتجدد لهم من كرم الرب تَالتَ . الثامن والثلاثون: فيه: دليل على أن التجربة من أعظم ما يفيد الحقائق ومعرفة أحوال الناس وطباعهم، وكذا في كل أمور الدنيا فالشيء الحاصل بها قد لا يحصل بمجرد العلم العاري عنها، فلهذا قال بعض العلماء: إن الحديث دل على الحكم بما أجرى الله به العادة من الأمور وارتباط المسبّبات بأسبابها، وأن طبيعة البشر التثاقل عن الطاعات، قال تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ. لَكُنُورٌ (يـ خ ٤٤٦ ٩٩٦ كتاب الصلاة التاسع والثلاثون: وفيه: دليل ظاهر كما تقدم على أن بكاء موسى إنما كان غبطة لهم، ولهذا اهتم بأمرهم والتيسير عليهم لأن هذا كما تقدم شأن أهل الخير وصفاء النفوس، وأولى الناس بذلك صفوتهم وخيرة الله منهم، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وكان ◌َّ﴿ يقول: (يسّروا ولا تعسروا، بشّروا ولا تنفروا)). الأربعون: فيه: بيان فضل الله وكرمه العظيم على هذه الأمة، حيث خفف عنهم في العدد وأبقى عليهم ما تفضل به من الثواب والمدد، فالحمد والمنة على الأبد. الحادي والأربعون: يستفاد منه عظم فضل الله وكرمه، وأنه يجب الإلحاح في السؤال، ولا يمنعه ما أعطى من إجابة السؤال عند الإلحاح والزيادة للملحين في الدعاء، لأن دعاءه قربة فقد طلبه من عباده وحثهم عليه، وقال مليون: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل)) وفي الحديث: ((من لم يسأل الله يغضب عليه))، وفي البيت السائر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضب. اهـ الثاني والأربعون: فيه أن من آثر حق الله على حق الغير عوّضه الله، وعوّض صاحب الحق أيضاً الذي ترك حقه خيراً مما آثر به، ووجه ذلك: أن النبي * ترك مراجعة ربه مت في المرة الأخيرة استشعاراً للحياء من الله: فعوّضه الله إبقاء أجر الخمسين على الخمس له ولأمته، وجعل لهم الحسنة بعشر أمثالها . الثالث والأربعون: قال بعض العلماء: فيه دليل على أن قدر الله على قسمين: قسم قدّره وقدّر أن لا ينفذه لسبب من الأسباب، وقسم قدّره وقدّر تنفيذه، وقد اجتمعا في هذه القضية حيث قدّر فرض الخمسين، ولمّا سبق علمه ألَّ تنفَّذَ جعل موسى سبباً وواسطة في ذلك، والقسم الثاني: هو الخمس قدّر فرضها وتنفيذها . الرابع والأربعون: فيه: أن العبد إذا فوّض أمره إلى الله واستسلم لأمر الله وتضرّع إليه؛ فرّج الله عنه وأعانه على الخير ويسّره له، كما دل عليه قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ .. ) الآية. وبيّن في موضع ح ٤٤٧ ٩٩٧ كتاب الصلاة آخر أن التضرع يكون سبباً لرفع العذاب والمحنة بقوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ﴾، وذلك أنهم على ما روي خرجوا إلى الصحراء متضرعين باكين. وقال في حق يونس: ﴿فَنَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (َ﴾ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَغَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾. إلى غير ذلك مما يدل على أن الرجوع إلى الله سبب في كشف الضر والبلاء. الخاس والأربعون: فيه دليل على أن الله تعالى إذا أراد سعادة العبد جعل اختياره في مرضات الله، وهذا هو معنى التوفيق نسأل الله تعالى أن يوفقنا ويجعل اختيارنا فيما يرضيه عنا، ووجه ذلك ما تقدم من أنه وَ ل ـ آثر مرضات الله، فعوّض عما تركه لذلك الخير العظيم كما تقدم. السادس والأربعون: في قصة موسى هذه دليل على بذل النصيحة ولو لم تطلب من الإنسان، وأن من أشير عليه بأمر فيه رشد ينبغي أن يقبل النصيحة، ولكن إذا تبيّن له ما هو أصوب منها قدّمه، وينبغي حينئذٍ أن يعتذر للناصح كما فعل ۇ مع موسى. السابع والأربعون: فيه دليل على قصر فرض الصلوات على الخمس، وأن الوتر وغيره ليس شيء من ذلك فرض. وسيأتي أن مشهور مذهب أبي حنيفة وجوبه . الثامن والأربعون: ظاهر هذا السياق يدفع قول من قال: إن في كل سماء بيت معمور، فإنه لم يذكره إلا في السماء السابعة، وفي تعريفه بالألف واللام ما يدل على انفراده بذلك، ولا يمنع ذلك من ثبوت بيت العزة في السماء الدنيا لوروده في الخبر. ٤٤٧ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ وأَبْنُ حَزْمِ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ:((فَرَضَ الله وَنَ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ خُتَّى أَمُرَّ بِمُوَسىِ عَلَّا فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةُ، قَالَ لِي مُوسَى: فَرَاجِعْ رَبَّكَ رَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ ح: ٤٤٧ ٩٩٨ كتاب الصلاة رَبِّي رَ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي رَكْ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْبَيْتُ مِنْ رَبِّي ◌َّ)). ■ [رجاله: ٦] ١- يونس بن عبد الأعلى: تقدم ٢٤٢. ٢ - عبد الله بن وهب: تقدم ٩. ٣ - يونس بن يزيد الأيلي: تقدم ٩. ٤ - محمد بن مسلم بن شهاب: تقدم ١. ٥ - أنس بن مالك نظره: تقدم ٦. ٦ - أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: تقدم ٢٠٩. ■ التخريج هذا السياق طرف من حديث الإسراء من رواية أنس عن أبي ذر في الصحيحين، وأخرجه أبو إسحاق يعقوب بن إسحاق الإسفراييني من رواية يونس وأبي عبيد الله بن وهب عن أنس، وفي مسند الإمام أحمد من رواية أنس بن مالك عن أُبيّ، وذكر الحافظ ابن كثير أنه ليس في الستة يعني من رواية أبيٍّ بن كعب. قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله: قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبّة الأنصاري كانا يقولان: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام. قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي ◌َّر: ففرض على أمتي خمسين صلاة .. الحديث: (قال ابن حزم أي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأما أبوه محمد بن حزم فلم يسمع الزهري منه لتقدم موته، لكن رواية أبي بكر عن أبي حبّة منقطعة لأنه استشهد بأحد قبل مولد أبي بكر بدهر طويل، وقبل مولد أبيه محمد أيضاً. وقال عند قول المصنف في سياق الحديث: قال ابن حزم: أي عن شيخه، وأنس بن مالك أي عن أبي ذر. قال: كذا جزم به أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلاً من جهة ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة) اهـ. ح ٤٤٨ ٩٩٩ كتاب الصلاة وذكر ابن كثير في تفسيره في سياق رواية الإمام أحمد لحديث الإسراء من رواية أنس بن مالك عن أبي ذر، فذكر سياق الحديث وفيه مثل ما في هذه الرواية عند البخاري ثم قال: (هكذا رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وليس في شيء من الكتب الستة يعني رواية أَبِيِّ هذه، ثم قال: وقد تقدم في الصحيحين من طريق الزهري عن أنس عن أبي ذر مثل هذا السياق سواء) اهـ .. ٤٤٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثْنَا مَخْلَدْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكِ قَالُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ قَالَ: ((أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبْتُ وَمَعِي جِبْرِيلُ عَّ فَسِرْتُ، فَقَالٍ: أَنْزِلْ فَصَلِّ، فَفَعْلتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا المُهَاجَرْ، ثُمَّ قال: آنْزِلْ فَصَلَّ، فَنَزَلْت فَصَلَّيْتِ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورٍ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللهِ وَتَ مُوسَى عََّ، ثُمَّ قَالَ: أَنْزِلْ فَصَلٌّ، فَتَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْم حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى لِلَّ، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِي الأَنْبِيَاءُ عَّ فَقَدَّمَنِيَ جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِإِذَا فِيهَا آدَمُ عَلَّهِ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَإِذَا فِيهَا أَبْنَا الْخَالَةِ عِيسَى وَيَحْبِى ◌ِِّ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَإِذَا فِيهَا يُوسُفُ عَلَهُ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فِإِذا فِيْهَا هَارُونُ عَلَّهِ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِذَا فِيهَا إِدْرِيسَ عِّها، ثُمَّ صَعَدٍ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِذَا فِيهَا مُوسَى عَلَّهَ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فِإِذَا فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عِظَهَ، ثُمَّ صُعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ فَأَتَيْنَا سِدْرَةَ المِنْتَهَى، فَشِيَتْتِي ضَبَابَةٌ فَخَرَرْتُ سَاجِداً فَقِيلَ لِي: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَواتِ والأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَسَأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ. ثُمْ أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: كَمْ فَرَضَ الله عَلَيْكَ وعَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِهَا أَنْتَ وَلَا أُمَّتُكَ، فَأَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ الَّخْفِيفَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْراً، ثُمَّ أَتَيْتُ مُوسى فَأَمَرَنِي بالرُّجُوعِ فَرَجَعْتُ فَخفَّفَ عَنِّي عَشْراً، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى خَمْسِ ح ٤٤٨ ١٠٠٠ كتاب الصلاة صَلَواتٍ، قَالَ: فَأَرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَأَسُأَلَهُ النَّخْفِيفَ، فإِنَّهُ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلَاَيْنِ فَمَا قَامُوا بِهِمَا، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي رَ فَسَأَلْتُهُ التَّخْفِيفِ، فَقَالَ: إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَةً، فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنَ الله تَبَارََ وَتَعَالَى صِرَّى، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى عَلَّا فَقَالَ: أَرْجِعْ، فَعَلِمْتُ أَنَّها مِنَ اللهِ صِرَّى - أَيْ حَتْمٌ - فَلَمْ ◌َرْچِعْ» ■ [رواته: ٥] ١ - عمرو بن هشام أبو أمية: تقدم ٢٢٢. ٢ - مخلد هو ابن يزيد القرشي لأنه هو الذي يروي عن سعيد بن عبد العزيز ويروي عنه عمرو بن هشام وقد تقدم ٢٢٢، وفي تفسير ابن كثير دَّتُهُ في روايته لهذا الحديث في مطبعة المنار سنة ١٣٤٥ هـ: مخلد عن أبي الحسين، وفي سائر الطبعات غيرها: وهو ابن الحسين، وفي بعضها: أبي الحسين، والظاهر أن الكل خطأ فإن مخلد بن الحسين وإن كان من رجال النسائي وفي طبقة مخلد بن يزيد؛ إلا أن كتب الرجال لم يذكروا له رواية عن سعيد بن عبد العزيز، ولا أن هشاماً يروي عنه ونصوا على الأمرين في ترجمة مخلد بن يزيد، إلا أن يكون الذي في ابن كثير. أبا الحسين، فإن مخلد بن يزيد قيل: إنه يكنى أبا الحسين والله أعلم. ٣ - سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي أبو محمد ويقال أبو عبد العزيز الدمشقي، قرأ القرآن على ابن عامر ويزيد بن أبي مالك - وهو يزيد بن عبد الرحمن - وسأل عطاء بن أبي رباح، روى عنه عبد العزيز بن صهيب والزهري وربيعة بن يزيد الدمشقي وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ومكحول وأبي الزبير وموسى بن ميسرة بن جلبس وجماعة، وعنه الثوري وشعبة وهما من أقرانه وابن المبارك وحجاج بن محمد وشريح بن يزيد ووكيع وعمر بن عبد الواحد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم. قال أحمد: ليس بالشام رجلاً أصح حديثاً من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء، ووثقه ابن معين العجلي وأبو حاتم وقال أبو زرعة: قلت لرحيم: من بعد عبد الرحمن بن