Indexed OCR Text

Pages 561-580

كتاب الطهارة
٥٦١
ب ١٢٧ / ح ١٨٩
وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ والله مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ
مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلُّهَا إِلَيَّ، وإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا
أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ وَّةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ... مُخْتَصَراً.
■ [رواته: ٤]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - الليث بن سعد المصري: تقدم ٣٥.
٤ - سعيد بن أبي سعيد: تقدم ١١٧.
٤ - ثمامة بن أثال الحنفي - نظُّبه - تقدم.
التخريج
أخرجه مسلم والبخاري وأحمد وابن خزيمة وعبد الرزاق والبيهقي
وابن حبان.
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (ثمامة) بثاء مثلّثة مضمومة و(أثال) بضم الهمزة وتخفيف الثاء
المثلثة، و(الحنفي) نسبة إلى بني حنيفة قبيلة مشهورة من ربيعة، منهم مسيلمة بن
حبيب الكذاب.
وقوله: (انطلق) هذا طرف من حديث ثمامة المشهور وأوله: ((أن
النبي ◌َّ﴿ بعث خيلاً قِبَل نجدٍ أي سرية فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له
ثمامة فربطه إلى سارية من سواري المسجد فمر عليه فقال: ما وراءك يا ثمامة؟
وكان سيداً من سادات بني حنيفة فقال: خير يا محمد إن تُنعم تُنعم على شاكر
وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فخذ ما شئت، ففعل ذلك به ثلاث
مرات ثم قال: أطلقوا ثمامة، فلما أطلقوه انطلق الخ .. )).
وقوله: (فاغتسل) ظاهره أنه فعل ذلك من غير أمره وَل ولكن في رواية
ابن حبان في صحيحه: (أن النبي ◌َلّ أمره أن يذهب إلى حائط أبي طلحة)
ومثله لابن خزيمة من حديث أبي هريرة: (أنه مرّ به فأسلم فبعث به إلخ.)
ويدل على الأمر بالغسل الحديث السابق.

ب ١٢٧ / ح ١٨٩
٥٦٢
كتاب الطهارة
وقوله: (ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك) إخبار بما كان
عليه من العداوة والمباعدة للرسول ◌َله، وأن تلك العداوة انقلبت صداقة بسبب
العفو والحلم الذي حصل منه وَّر وانشراح الصدر بالإِيمان.
· الأحكام والفوائد
تقدّم أن العلماء اختلفوا في حكم غسل الكافر عند إسلامه، فذهب الإِمام
أحمد إلى وجوب غسله وهو عنده غسل للإِسلام، وهو قول أبي ثور وقول
مالك الصحيح عنه. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُنَ
نَجَُّ﴾: والمذهب كله إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبد الحكم
فإنه قال: ليس بواجب فإن الإِسلام يهدم ما كان قبله. قال: وبوجوب الغسل
عليه قال أبو ثور وأحمد وأسقطه الشافعي وقال: أحب إليَّ أن يغتسل، ونحوه
لابن القاسم، ولمالك قول أنه لا يعرف الغسل رواه عنه ابن وهب وابن أبي
أويس، وحديث ثمامة وقيس بن عاصم حجة على من نفى الغسل بالكلية. ثم
ذكر القرطبي تَّتُهُ بعد ذلك ما يدل على أن مذهب مالك موافق لقول الشافعي،
وهو أن الكافر إذا أسلم ولم يكن أجنب حال الكفر، بأن كان صغيراً أو كبيراً
لم يجنب؛ أن الغسل مستحب له، فإن كان أجنب فالغسل واجب عليه اغتسل
أو لم يغتسل، وهذا أيضاً مذهب أحمد أي أنه يغتسل سواء اغتسل أو لم
يغتسل، موافق لمذهبه - تَّتُ - لأن الغسل عنده للإِسلام لا للجنابة ولا تأثير
عنده للجنابة حال الكفر بعد الإِسلام، فإطلاق القول بالوجوب عند مالك فيه
نظر ولكنه رواية أو قول عنه كإطلاق عدم الوجوب عند الشافعي، لأنهما
يقولان بوجوب الغسل على الكافر الذي حصلت منه جنابة حال الكفر
واستحبابه على الذي لم تحصل منه، ووافقهما أبو حنيفة فيمن أجنب ولم
يغتسل حال كفره، فإن اغتسل بعد الجنابة لم يجب عليه عنده لأن النية ليست
شرطاً عنده في الطهارة. قال القرطبي: فإن كان إسلامه قبل احتلامه فغسله
مستحب، ولبعض الشافعية قول موافق لقول أبي حنيفة.
قلت: فتحصّل من هذا أن في المسألة ثلاثة أقوال، وإن كان الذي أميل
إليه حمل الأمر على الندب لعدم شيوع الأمر به، القول الأول: وجوب الغسل
للإِسلام مطلقاً لكل كافر أراد الإِسلام، الثاني: عدم الوجوب إلا على من

كتاب الطهارة
٥٦٣
ب ١٢٨ / ح ١٩٠
أجنب ولم يغتسل، والثالث: عدم الوجوب إلا لمن أجنب سواء اغتسل في
الكفر أو لم يغتسل، ومن قال بعدم الوجوب منهم من قال بأنه مستحب وهو
الشافعي وقول عند مالك كما يستحب عندهم لمن لم يجنب حال الكفر، ومن
قال إن الكافر يغتسل يكون غسله عند عزمه على الإِسلام عند الأكثرين، وهو
مقتضى ترجمة المصنف وسياق الحديث يدل على ذلك، وإن كان بعض الروايات
يفهم منه تقدم الإِسلام على الغسل كما هو ظاهر حديث قيس بن عاصم، لكن
يمكن حمل قوله: (أسلم) على إرادة الإِسلام وقصده جمعاً بين الروايتين.
قلت: ولا مانع أن يكون تكلّم بالإِسلام أولاً قبل أن يعلم أنه يغسل فأمر
بالاغتسال، ثم أعاد الشهادتين اللتين بهما يدخل في الإِسلام. ويؤخذ من
الحديث أن من نوى قربة قبل الإِسلام ينبغي أن يفعلها بعد إسلامه إذا لم
يتمكن منها حتى أسلم، ومثله حديث عمر في نذر الاعتكاف في المسجد
الحرام فأمره بّير أن يوفي بنذره عام الفتح. وفيه: دليل على فضل الحلم
وحكمة الرسول ويّة في عدم العجلة على الناس والتأنِّ في الأمور، وفيه: ربط
الأسير في المسجد من المشركين وغيرهم، ومثله حبسه لأسارى طيء في
المسجد وفيهم سفانة ابنة حاتم، وعند من لم ير ذلك يقول إن قصة ثمامة
متقدّمة على نزول آية براءة ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، ولكن قد أنزل ◌َِّ وفد
ثقيف في المسجد بعد ذلك.
١٢٨ - الغسل من مواراة المشرك
١٩٠ - أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ
قَالَ: سَمِعْتُ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ عَنْ عَلِيٍّ ◌َظُهُ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ وَهِ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ
مَاتَ فَقَالَ: ((أَذْهَبْ فَوَارِهِ) فَلَمَّا وَارَيْتُ رَجَعْتُ إِلَيهِ فَقَالَ لِيٍ: ((اغْتَسِلْ)).
[ [رواته: ٦]
١ - محمد بن المثنى. تقدّم ٨٠.
٢ - محمد بن جعفر: تقدّم ٢٢.
٣ - شعبة بن الحجاج بن الورد: تقدّم ٢٦.
٠

ب ١٢٨ / ح ١٩٠
٥٦٤
كتاب الطهارة
٤ - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي: تقدّم ٤٢.
٥ - ناجية بن كعب الأسدي، روى عن علي بن أبي طالب وعنه
أبو إسحاق السبيعي. قال ابن المديني: لا أعلم أحداً روى عنه غير أبي
إسحاق وهو مجهول، وقال العجلي: ناجية بن كعب كوفي ثقة، وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال الجوزجاني: مذموم، قال ابن حجر: وفرّق البخاري
وابن أبي حاتم عن أبيه ومسلم في الطبقات بين ناجية بن كعب الأسدي وبين
ناجية بن خفاف العنزي والله أعلم.
٦ - علي ظُه تقدّم ٩١.
التخريج
أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث والطيالسي وابن أبي شيبة وأبو يعلى
والبزار والبيهقي من حديث أبي إسحاق عن ناجية بن كعب - وهو الأسدي -
عن علي ربه. قال ابن حجر: ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف ولا يتبيّن
وجه ضعفه. قال الرافعي: إنه حديث ثابت مشهور اهـ.
قلت: أما سنده هنا فهو بيِّن الصحة إلا ما كان من ناجية، وتقدّم أن
بعض المحدثين ادعى أنه مجهول ووثقه جماعة، وطريقه عند أبي داود كذلك
مُسدّد عن يحيى القطان عن سفيان الثوري: حدثني أبو إسحاق عن ناجية
فليس، فيه مجال للتضعيف إلا من قبل ناجية، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان
في الثقات. وتقدّم أن ابن المديني ادعى أنه مجهول وأن الجوزجاني قال: إنه
مذموم، والعلم عند الله، والذي يظهر أنه لا تقل درجته عن الحسن.
بعض ما يتعلّق به
قوله: (إن أبا طالب مات) وفي رواية أبي داود: ((إن عمك الشيخ
الضال)).
وقوله: (فواره) أي ادفنه وغيّبه في الأرض، ففيه: دفن الكافر إذا مات،
ولم يأمره بغسله ولا بتكفينه.
وقوله: (اغتسل) ذهب الأكثرون إلى أن هذا الأمر للندب والاستحباب أو
لأجل أن بدن المشرك نجس، وفيه: دفن المسلم للكافر من قرابته ولكنه قبل

كتاب الطهارة
٥٦٥
ب ١٢٩ / ح ١٩١
نزول آية قطع الموالاة وهي قوله: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ﴾ الآية، ويحتمل أن الأمر فيه لما يلازم الكافر غالباً من
النجاسة، فربما أصابه عند ملابسته شيء من النجاسة أو غير ذلك والله أعلم.
١٢٩ - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان
١٩١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((إِذَا جَلَسَ بين شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَاً فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)).
[رواته: ٧]
١ - محمد بن الأعلى: تقدّم ٥.
٢ - خالد بن الحارث الهجيمي: تقدّم ٤٧.
٣ - شعبة بن الحجاج: تقدّم ٢٦.
٤ - قتادة بن دعامة: تقدّم ٣٤.
٥ - الحسن البصري: تقدّم ٣٦.
٦ - أبو رافع نفيع بن الحارث الصائغ المدني مولى ابنة عمر وقيل:
مولى بنت العجماء، أدرك الجاهلية، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي
وابن مسعود وزيد بن ثابت في جماعة من الصحابة، وعنه ابنه عبد الرحمن والحسن
البصري وحميد بن هلال وخلاس بن عمرو وعبد الله بن فيروز وجماعة. ذكره ابن
سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة وقال: خرج من المدينة قديماً وكان ثقة،
ووثقه الدارقطني ورجّح أن اسمه قتيبة كما دلّ عليه كلام صاحب التهذيب وذكره
ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: مشهور روى إبراهيم الحربي عنه قال:
كان عمر يمازحني يقول: ((أكذب الناس الصائغ، يقول اليوم غداً)).
٧ - أبو هريرة: تقدّم ١.
التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد
والطيالسي وابن الجارود وابن حبان والدارمي.

ب ١٢٩ / ح ١٩١
٥٦٦
كتاب الطهارة
اللغة والإعراب والمعنى
تـ
تقدّم الكلام على كلمة إذا، وقوله: (جلس) من الجلوس ضد القيام،
أي: صار بذلك المحل وتوسّط بين أطرافها .
وقوله: (شعبها) الشعب كصرد جمع شعبة بالضم وهي: طرف الشيء
المتشعب أي المتفرّع منه، والطائفة من الشيء والقطعة منه، من الشعب الذي
هو التفرّق والتصدّع، ويطلق على الجمع فهو من الأضداد، واختلفوا في تعيين
المراد هنا فقيل: اليدان والرجلان، وقيل: الرجلان والفخذان، وقيل: فخذاها
وشفراها أو فخذاها واسكتاها وقيل: نواحي فرجها، ورجّح جماعة أن المراد
اليدان والرجلان.
قلت: وهو الظاهر عندي لأن انطباق الأطراف عليهما أظهر من جميع
ما ذكر، والمراد على كل حال الكناية عن مكان الرجل من المرأة في حال
الجماع، وهي حالة يستقبح ذكرها فكنِّي عنها بلفظ الشعب التي هي بمعنى
الأطراف، ليفهم بذلك المراد من حالة اتصال محلي الجماع، والضمير في
قوله: (جلس) وفي قوله: (جهدها) للرجل لكون السؤال واقعاً بذكره وهو
قولهم له: إذا جامع الرجل أهله ولم ينزل؟ وكذا ضمير شعبها راجع إلى المرأة
المنوه عنها بلفظ: (أهله). ورجّح ابن دقيق العيد كون المراد الرجلين واليدين
ويكون الجماع مكنياً عنه بذلك، واكتفى بما ذكر عن التصريح به، وعلل
الترجيح بكون الحمل على ذلك أقرب إلى الحقيقة أي حقيقة كونه جلس بين
الشعب، فالبينية إنما يتحقّق حصولها بالجلوس بحمل الشعب على ما ذكر.
وقوله: (ثم جهدها) أي بلغ مشقتها، يقال: جهده وأجهده بلغ مشقته،
وهذا أيضاً لا يراد حقيقته وإنما المقصود منه الكناية عن الجماع ومعالجة
الإِنزال، وأن ذلك إذا حصل فقد وجب الغسل وإن لم ينزل، فهي كلها كنايات
عن هذا الفعل الذي هو الجماع ليفهم المراد بدون التصريح بما يستقبح ذكره من
ذلك. وقيل: جهدها كدَّها وحفزها وبلغ جهده في العمل والحركة بها. ولمسلم
من طريق شعبة عن قتادة: ((ثم أجهدها))، وفي رواية لأبي داود من طريق شعبة
وهشام معاً عن قتادة: ((وألزق الختان بالختان)) بدل (ثم جهدها) وهذا يدل على
أن الجهد كناية عن معالجة الإِيلاج، وفي رواية أبي موسى عن عائشة عند مسلم:

كتاب الطهارة
٥٦٧
ب ١٢٩ / ح ١٩١
(مس الختان الختان))، والاتفاق حاصل على أنه لا غسل إلا بالإِيلاج إن لم يكن
إنزال، ومس الختان قد يحصل معه إيلاج وقد لا يحصل لكن الغالب أنه لا
يحصل إلا مع الإِيلاج. وللترمذي ((إذا جاوز الختانُ الختانَ)) وهي أبين في المراد
بلفظ المس، لأن المجاوزة أبلغ من مجرد المس ويلزمها الإِيلاج وقد تقدّم أن
الحكم مترتّب على الإِيلاج وإن لم يحصل إنزال. وذكر أبو عمر بن عبد البر في
الاستذكار: من حديث عمرو بن شعيب: ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد
وجب الغسل))، وقد تعقب الاستدلال بالحديث على وجوب الغسل دون إنزال؛
باحتمال أن يكون المراد بالجهد الإِنزال لأنه غاية الفعل، ولكن يرده أمران:
أحدهما: أن سبب الحديث السؤال عمن جامع ولم ينزل، وهذا كالصريح في أن
الجواب صادر في حق من جامع ولم ينزل، والثاني: ما جاء من الروايات
المصرّحة بوجوب الغسل بهذا الفعل ولو لم يحصل إنزال، كرواية مسلم في
صحيحه عن مطر الورَّاق في آخر هذا الحديث: ((وإن لم ينزل))، وروى ابن أبي
خيثمة في تاريخه عن عفان قال: حدثنا همام وأبان قالا: حدثنا قتادة به، وزاد
في آخره ((أنزل، أو لم ينزل))، ورواه الدارقطني وصحّحه من طريق علي بن سهل
عن عفان، وللطيالسي عن حماد بن سلمة عن قتادة مثله، فدل ذلك على صحة
حمل الحديث على وجوب الغسل بالإِيلاج دون الإِنزال، وأما ما حكاه الخطابي
من أن الجهد من أسماء النكاح فلا عبرة به، فقد قال الفاكه: ((لم أر هذا القول
في شيء من دواوين اللغة))، والذي نُقل عن الجوهري أن الجاهد: الشهوان،
فعلان من الشهوة، أعم من أن يكون للنكاح فهو غير معروف.
وقوله: (فقد وجب الغسل) الفاء واقعة في جواب الشرط، ومعمول الفعل
المحذوف المتعلّق بوجب مقدّر أي: وجب عليه الغسل أو عليهما معاً لأن
المرأة كالرجل في ذلك، والغسل: تعميم البدن بالماء، والغسل: الاغتسال.
] الأحكام والفوائد
قال ابن حجر نَخْذَلُهُ: (جمهور الأئمة على مقتضى هذا الحديث في وجوب
الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال. وذهب داود الظاهري وبعض أصحابه إلى
عدم الوجوب، وبعض من أصحابه الظاهرية خالفه في ذلك ووافق الجماعة،
ومستند الظاهرية قوله: ((إنما الماء من الماء)) وقد جاء في الحديث: ((إنما كان

ب ١٢٩ / ح ١٩١
٥٦٨
كتاب الطهارة
الماء من الماء رخصة في أول الإِسلام، ثم نسخ)) ذكره الترمذي، وقد أخرجه
مسلم من حديث أبي سعيد الخدري) اهـ. قال ابن العربي لَّهُ: ((إيجاب الغسل
يعني بالوطء دون إنزال، أجمع عليه الصحابة فمن بعدهم ولم يخالف فيه إلا داود
ولا عبرة بخلافه)) قال ابن حجر: ونفيه الخلاف معترض فإنه مشهور عن
الصحابة، ثبت عن جماعة منهم، لكن ادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين
التابعين، وهو معترض بما نقله الخطابي عن جماعة من التابعين منهم الأعمش.
وقال عياض: ((لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره، واعترض عليه بأبي سلمة بن
عبد الرحمن)). وقال الشافعي: ((حديث الماء من الماء ثابت لكنه منسوخ)) اهـ.
قال ابن عبد البر: وعلى هذا مذاهب أهل العلم، وبه الفتوى في جميع الأمصار
فيما علمت. وممن قال به من الفقهاء: مالك وأصحابه والثوري والأوزاعي
وأبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد والحسن بن حي والشافعي وأصحابه
وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد والطبري. واختلف
أصحاب داود في هذه المسألة فمنهم، من قال في هذه المسألة، بما عليه الفقهاء
والجمهور على ما وصفنا من إيجاب الغسل بالتقاء الختانين، ومنهم من قال: ((لا
غسل إلا بإنزال الماء الدافق))، ثم ذكر أنهم احتجوا بحديث أبي أيوب: ((إنما
الماء من الماء)). وذكر حديث سهل بن سعد الساعدي أن أبياً قال: ((إن الفتيا التي
كانوا يفتون بها قولهم: إن الماء من الماء رخصة كان رسول الله * رخص بها
في أول الإِسلام، ثم أمرنا بالغسل بعده))، ثم ذكر أن ابن شهاب لم يسمعه من
سهل وإنما سمعه من أبي حازم عنه، وهو صحيح ثابت بنقل العدول له. اهـ.
قلت: وهو في سنن أبي داود. فتحصل من هذا أن الأكثرين على أن
الماء من الماء منسوخ كما ذكر أبو أيوب رعُه والشافعي ◌َّتُهُ، ولكن كان فيه
خلاف من بعض الصحابة ولعل ذلك لعدم علمهم بالنسخ، ولهذا لما ثبت
لبعضهم ممن كان يقول بذلك رجع كما تقدّم، وأما ما روي عن ابن عباس .
أن ذلك في النوم ففيه نظر، لأن بعض الأحاديث فيها التصريح بالسبب وهو
السؤال عن الجماع لا عن الاحتلام، وصورة السبب قطعية الدخول في الحكم
عند الأكثرين، فيضعف القول باختصاص ذلك بحالة الاحتلام في النوم،
والله أعلم.

كتاب الطهارة
٧٨
٥٦٩
ب ١٢٩ / ح ١٩٢
١٩٢ - أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحقَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُوزجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي
عَبْدُ الله بْنُ يُوسَفَ قَالَ: حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ
عَبْدِ الْمَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا قَعَدَ بَيْنَ
شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ أَجْهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ))، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ: هَذَا خَطَأْ،
وَالصَّوَابُ: أَشْعَثُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ
النَّضْرُ وغَيْرُهُ كَمَا رَوَاهُ خَالِدٌ.
[رواته: ٦]
١ - إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني تقدّم: ١٧٤.
٢ - عبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد الكلاعي المصري، أصله من
دمشق نزل تنيس، روى عن سعيد بن العزيز ومالك ويحيى بن حمزة الحضرمي
والليث وعبد الله بن سالم الحضرمي وابن وهب وغيرهم، وعنه البخاري وروى
له أبو داود والترمذي والنسائي بواسطة إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق
الجوزجاني وعمرو بن منصور النسائي ومحمد بن عبد الله البرقي ومحمد بن
محمد بن مصعب الخراساني والربيع بن سليمان الجيزي، وروى عنه يحيى بن
معين وحرملة بن يحيى وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان وغيرهم. قال ابن معين:
((أوثق الناس في الموطأ القعنبي، ثم عبد الله بن يوسف)) وقال مرة: ((ما بقي
على أديم الأرض أحد أوثق في الموطأ من عبد الله بن يوسف، ووثقه العجلي
وأبو حاتم)). قال البخاري: ((كان من أثبت الشاميين وسماه الجوزجاني الثقة)).
قال الخليلي: ((ثقة متفق عليه)). قال ابن معين: ((صدوق لا بأس به))، ذكره
ابن حبان في الثقات، وقال ابن يونس: ((ثقة حسن الحديث)) وذكر موته
سنة ٢١٨ والله أعلم.
٣ - عيسى بن يونس: تقدّم ٨.
٤ - أشعث بن عبد الملك: تقدّم ٣٦.
٥ - محمد بن سيرين: تقدّم ٥٦.
٦ - أبو هريرة ربه: تقدّم ١.

ب ١٣٠ / ح ١٩٣
٥٧٠
كتاب الطهارة
هذه الرواية الثانية للحديث عن أبي هريرة، وكلام المصنف يدل على أنه
مشكوك في اتصاله، لأن رواية الحسن عن أبي هريرة مختلف في اتصالها
للاختلاف في سماع الحسن منه، غير أنها متابعة، وصحة الحديث معروفة كما
سبق .
١٣٠ - الغسل من المني
١٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبيعِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ عَلِيٍّ ◌َهِ قَالَ:
كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِ: ((إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرََ وَتَوَضَّأُ
وُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ)).
■ [رواته: ٦]
١ - قتيبة بن سعيد البغلاني: تقدّم ١.
٢ - علي بن حجر السعدي: تقدّم ١٣.
٣ - عبيد بن حميد: تقدّم ١٣.
٤ - ركين بن الربيع بن عميلة الفزاري أبو الربيع الكوفي، روى عن أبيه
وابن عمر وابن الزبير وأبي الطفيل وحصين بن قبيصة وقيس بن مسلم وعدي بن
ثابت ويحيى بن معمر وغيرهم، وعنه حفيده الربيع بن سهل بن الركين وإسرائيل
وزائدة وشعبة والثوري ومسعر وجرير بن عبد الحميد وشريك وعبيدة بن حميدة
ومعتمر بن سليمان وغيرهم، وثقه أحمد والنسائي وابن معين وقال أبو حاتم:
صالح، وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه يعقوب بن سفيان، مات
سنة ١٣١، والله أعلم.
٥ - حصين بن قبيصة الفزاري الكوفي، روى عن ابن مسعود وعلي
والمغيرة بن شعبة، وعنه الركين بن الربيع وعبد الملك بن عمير - سمى أباه
عقبة - والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. وثقه العجلي وذكره ابن
حبان في الثقات، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من الكوفيين.
٦ - علي بن أبي طالب ◌َظ ◌ُله: تقدّم ٩١.

كتاب الطهارة
٥٧١
ب ١٣٠ / ح ١٩٣
التخريج
أخرجه أحمد بلفظ: ((في المذي الوضوء وفي المني الغسل))، وأخرجه
ابن ماجة والترمذي وصحّحه، وفي رواية لأحمد: ((إذا حذفت الماء فاغتسل
من الجنابة فإذا لم يكن حذف فلا تغتسل)) وأخرجه أبو داود.
اللغة والإعراب والمعنى
تقدّم الكلام على أول هذا الحديث إلى قوله: فقال لي رسول الله وَّر،
فإن الروايات المتقدّمة فيها أنه أمر غيره إما عمار وإما المقداد وإما أمرهما
معاً، وظاهر هذه الرواية أنه باشره بالقول وقد تقدّم الكلام على ذلك، ويحتمل
أن علياً رَظله كان حاضراً إلا أنه لم يباشر السؤال فباشره النبي ◌َ﴾ بالجواب،
إما لعلمه أنه هو السائل بوحي أو قرينة أو غير ذلك، وإما أن قول علي: (فقال
لي) أسند القول إليه، لأنه لما كان هو السائل حقيقة وسمع جواب النبي وَل
صح أن يقول: (قال لي)، لأن القول في حقه كما في حديث أسماء بنت
عميس: لما نفست فسأل أبو بكر النبي بَّ فقال مرها الخ. وفي بعض
رواياته: أمرها النبي 9َّ، وهذا وإن كان فيه خلاف الظاهر يتخرّج به من
الإِشكال، ولكن سيأتي للمصنف في الرواية التالية أنه سأل النبي بَطّر، وقد
تقدّم مثلها لأبي داود والطحاوي وغيرهما. وقد قدّمنا الجواب عن ذلك في
الحديث رقم ١٥٢، في باب ما ينقض وما لا ينقض من المذي.
والفاء: في قوله (فقال لي) هي الفصيحة لأنها دلت على محذوف وهو
قوله: فسألته، إن كان هو السائل كما في الرواية التالية أو فسأله غيره بأمره،
ويحتمل أن المعنى أجاب من أمرته بالسؤال على ما تقدّم.
وقوله: (إذا رأيت) تقدّم الكلام على كلمة إذا، ورأيت بمعنى أبصرت أو
علمت خروجه، وتقدّم الكلام على حكم المذي أيضاً.
وقوله: (وضوءك للصلاة) مصدر تشبيهي أي كوضوئك للصلاة، دفعاً لما
يتوهم من أن المراد الوضوء اللغوي.
وقوله: (فضخت الماء) أي أرقته وسال منك من قولهم: انفضخت
القرحة ونحوها انفتحت، وانفضخ الدلو: دفقت ما فيها فسال ماؤها. فقوله:
فضخت الماء؛ دفقته وأرقته .

ب ١٣٠ / ح ١٩٤
٥٧٢
كتاب الطهارة
وقوله: (فاغتسل) دليل لما تقدّم من أن خروج المني موجب للغسل وهو
متفق عليه إذا كان بسبب لذة معتادة، ولهذا تسميه العرب الجنابة، والأمر
للوجوب وتقدّم أن الغسل تعميم البدن بالماء.
١٩٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمِنِ عَنْ زَائِدَةَ
وأخْبَرَنَا: إِسْحقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لَهُ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ
الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَمِيلَةَ الْفَزَارِيِّ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ عَلِيٍّ ◌َبِهِ قَالَ:
كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ وَّهِ فَقَالَ: ((إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَتَوَضَّأُ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ،
وَإِذَا رَأَيْتَ فَضْخَ الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ)).
[رواته: ٨]
١ - عبيد الله بن سعيد بن يحيى بن برد اليشكري: تقدّم ١٥.
٢ - عبد الرحمن بن مهدي: تقدّم ٤٩.
٣ - زائدة بن قدامة الثقفي: تقدّم ٩١.
٤ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدّم ٢.
٥ - هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري
الحافظ الإِمام الحجة، روى عن عكرمة بن عمار وجرير بن حازم ومهدي بن
ميمون وعبد الرحمن بن الغسيل وشعبة ومالك والليث وغيرهم، وعنه البخاري
وأبو داود، والباقون يرون عنه هم وأبو داود أيضاً بواسطة جماعة من الشيوخ
منهم إسحق بن إبراهيم وأبو خيثمة وبندار وغيرهم كثير. قال أحمد: متقن وقال
فيه: أبو الوليد شيخ الإِسلام ما أقدّم عليه أحداً من المحدثين وهو أسن من
ابن مهدي بثلاث سنين. قال ابن وارة: ما أظن أني أدركت مثله، قال
العجلي: ثقة ثبت في الحديث كانت الرحلة إليه بعد أبي داود، وسماه أحمد بن
سنان أمير المحدثين. قال أبو حاتم: إمام فقيه عاقل ثقة حافظ، ويقال: في
سماعه من حماد بن سلمة شيء لأنه سمع منه في آخر عمره، وكان حماد ساء
حفظه في آخر عمره. قال ابن سعد: ثقة ثبت حجة، توفي غرة ربيع الأول سنة
٢٢٧ وهو ابن ٩٤ سنة، ومولده يقال إنه سنة ١٣٣، وقال صاحب الزهرة:
روى عنه البخاري مائة وسبعة أحاديث.

كتاب الطهارة
٥٧٣
ب ١٣١ / ح ١٩٥
٦ - الركين بن الربيع تقدّم ١٩٣.
٧ - حصين بن قبيصة تقدّم ١٩٣.
٨ - علي بن أبي طالب: تقدّم ٩١.
وهذه رواية أخرى لحديث علي وقد تقدم ما يتعلق به.
١٣١ - باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل
١٩٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ
قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمَ سَأَلَتْ رَسُول اللهِوَّهِ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى
الرَّجُلُ قَالَ: ((إِذَا أَنْزَلَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ)).
■ [رواته: ٥]
١- إسحق بن إبراهيم: تقدّم ٢.
٢ - عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن بن
سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن سمير بن مليل بن
عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، أدرك صرد الإسلام فأسلم، روى عن
إسماعيل بن أبي خالد ويحيى بن سعيد الأنصاري وعاصم الأحول وعبيد الله بن
عمر وهشام بن عروة وجماعة، وعنه أحمد وإسحاق وابنا أبي شيبة وإبراهيم بن
موسى الرازي ومحمد بن سلام البيكندي وآخرون. قال أحمد: ثقة وزيادة مع
صلاح في بدنه، ووثقه ابن معين والعجلي وقال: رجل صالح صاحب قرآن،
ووثقه ابن سعد والدارقطني وعثمان بن أبي شيبة وقال: مسلم صدوق.
٣ - سعيد بن أبي عروبة: تقدّم ٣٨.
٤ - قتادة بن دعامة السدوسي: تقدّم ٣٤.
٥ - أنس بن مالك: تقدّم ٦.
التخريج
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد، ولأبي داود عن
عائشة وأم سلمة نحوه.

ب ١٣١ / ح ١٩٥
٥٧٤
كتاب الطهارة
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (أن أم سليم) أي حدثنا بأن أم سليم واسمها الغميصاء وقيل غيره
مما هو مذكور في ترجمتها، وهي أم أنس وزوج أبي طلحة أم ابنه عبد الله
والد إسحق شيخ مالك. قوله (عن المرأة) أي عن حكم المرأة.
وقولها: (ترى في منامها) أي في حال نومها، والرؤية منامية.
وقولها: (ما يرى الرجل) ما موصولة، يرى الرجل: أي من الاحتلام بأن
يرى في النوم أنه يجامع امرأة، أي الذي جرت العادة أن الرجل يراه في نومه،
وعائد الصلة ضمير منصوب هو مفعول (يرى)، وحذف العائد المنصوب بالفعل
ونحوه كثير مطرد. وجملة (ترى في منامها) جملة حالية، والمكني عنه هو الجماع
أي ترى أن رجلاً يجامعها في النوم كما يرى الرجل أنه يجامع المرأة، وقد جاء
التصريح بذلك - أي بلفظ الاحتلام - في الروايتين التاليتين، ولاشتهار الاحتلام
عند الرجال صار كأنه خاص بهم لأنهم يذكرون ذلك وقلّما يذكره النساء حتى
كأنهن لا يعرفنه، وفي رواية لأحمد: ((إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها)).
وقوله: (إذا رأت الماء فلتغتسل) هذا يدل على أن السؤال عن حكم
الاغتسال على ما قدمنا، وهو مصرح به في رواية أحمد التي تقدم ذكرها: ((إذا
رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟)) والماء المراد به المني،
و(رأت) يحتمل معنيين أحدهما: أحست وتحققت خروجه، لأن مني المرأة قد
لا يخرج وينعقص داخل الرحم فالرؤية على هذا قلبية، ويحتمل الرؤية البصرية
فيكون بمعنى: أبصرت، ولكن الأول الأقوى لرواية بن أبي شيبة: ((هل تجد
شهوة؟ قالت: لعله)) ووجود الشهوة هو سبب الخروج فهو يقوي القول بأن
المراد إذا وجدت وأحست بالخروج، لا بشرط الرؤية بالعين فإذا تحققت
الخروج وجب الغسل ولو لم تر بعينها، وقد يقوي الثاني تشبيهها بالرجل في
ذلك كما في الروايات الأخر لأن الأصل أن الرجل يرى ذلك. ولكن قد
يقال: إن وجه الشبه مقصور على الاشتراك في حصول الاحتلام ووجود الشهوة
من كل منهما لا بقيد صفة العلم بالخروج، ومال ابن حجر رَّتُهُ إلى أن الرؤية
المراد بها رؤية البصر لا مجرد العلم، فإنه قال: بعدما ذكر حديث خولة عند
أحمد في قصة أم سليم وفيه: «ليس عليها غسل حتى تنزل مثلما ينزل الرجل))

كتاب الطهارة
٥٧٥
ب ١٣١/ ح ١٩٦
قال: (وفيه رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز وإنما يعرف إنزالها
بشهوتها، وحمل قوله: (إذا رأت) على علمت به، لأن وجود العلم هنا متعذر
إذا أراد علمها بذلك وهي نائمة فلا يثبت به حكم، لأن الرجل إذا رأى أنه
يجامع فلم يجد بللاً لم يجب عليه الغسل اتفاقاً فكذلك المرأة، وإن أراد
علمها بعد أن تستيقظ فهو متعذر لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إن
كان مشاهداً، فحمل الرؤية على ظاهرها هو الصواب) اهـ.
قلت: وفيه نظر فإنه لا يمتنع أن تكون المرأة تحس بالخروج منها في
حال النوم بعد اليقظة، بحالة تألفها عند خروجه منها على وجه جرت به
العادة، فإن حُكم الرجل عليها بنفي علامة لذلك تختص بالنساء يصعب الحكم
به كما لا يخفى، والله أعلم.
١٩٦ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِِّ عَنْ
الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَة أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَلَّمَتْ رَسُولَ اللهِوَّهِ وَعَائِشَةُ
جَالِسَةٌ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله إن الله لَا يَسْتَحْيِّي مِنَ الحَقِّ أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَرَى
فِي الَّومِ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَفَتَغْتَسِلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِِّ: (نَعَمْ))
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَلْتُ لَهَا: أُقِّ لَكِ أَوَ تَرَى الْمَرْأَةُ ذَلِكَكَ؟ فَالْتَفَتَ إلَيَّ رَسُولُ اللهِله
فَقَالَ: ((تَرِبَتْ يَمِينُكَ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونَ الشَّبَهُ؟».
[رواته: ٦]
١ - كثير بن عبيد بن نمير المذحجي أبو الحسن الحمصي الحذاء المقرئ
إمام جامع حمص، روى عن بقي بن الوليد والوليد بن مسلم ومروان بن معاوية
ومحمد بن حرب الخولاني ومحمد بن خالد الوهبي وابن عيينة وغيرهم، وعنه
أبو داود والنسائي وابن ماجه وبقي بن مخلد وابن أبي عاصم وأبو زرعة
وأبو حاتم وغيرهم. وقال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، يقال إنه
أَمَّ أهل حمص ستين سنة فَمَا سَهَا في صلاةٍ قط، ويقال: إنه سئل عن ذلك
فقال: ما دخلت باب المسجد قط وفي نفسي غير الله. وذكره ابن حبان في
الثقات ووثقه مسلمة بن قاسم وأبو بكر بن داود. مات سنة ٢٥٠ وقيل: قبلها
بقليل، وقيل: بعدها، والله أعلم.

ب ١٣١ / ح ١٩٦
٥٧٦
كتاب الطهارة
٢ - محمد بن حرب الخولاني: تقدّم ١٧٢.
٣ - محمد بن الوليد الزبيدي: تقدّم ٥٦.
٤ - محمد بن شهاب الزهري: تقدّم ١.
٥ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٦ - عائشة رضي الله عنها: تقدّم ٥.
تقدّم الحديث من رواية أنس بن مالك، وتقدم تخريجه هناك وبعض
معانيه .
اللغة والإعراب والمعنى
0
قولها: (كلمت رسول الله) أي بالكلام الذي ذكرته وهو قولها: إن الله
إلخ وجملة (كلمت) في محل رفع خبر أن، وقوله: (وعائشة جالسة) جملة
حالية أي عند النبي ◌َّر في وقت كلام أم سليم.
وقولها: (إن الله لا يستحيي من الحق) الحياء خجل وانكسار يعتري
الإنسان عند ملابسته لما يعاب عليه أو يذم فاعله أو يستقبح منه وذكره يعيره أو
يكرهه، يقال منه: استحا يستحي واستحيا يستحيي، قال ابن دقيق العيد وغيره:
هو بهذا المعنى يستحيل على الله، فيكون المعنى لا يمنعه الحياء من بيان الحق
أي كما يمنع ذلك بعض الناس. قال: وقد يقال إن هذا إنما يحتاج إليه عند
الإثبات، وأما في حال النفي فإن النفي لا يدل على الحصول أي حصوله
من الله، اللهم إلا أن يقال: إن نفيه في هذه الحالة يدل على حصوله في غيرها.
قلت: وقد جاء مثبتاً في الحديث الصحيح: ((أما الآخر فاستحيا
فاستحيا الله منه)) .. وكذلك في الحديث الآخر: ((إن الله حييٍّ كريم يستحي إذا
رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين)) ويأتي حديث يعلى: ((إن الله حيي
سِتّيْر))، وإذا ثبت ذلك وجب الإِيمان بوجود هذه الصفة لله ربك على وجه يليق
بجلال الله، مخالف لصفات المخلوقين من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه،
كما هو الواجب في الإِيمان بالذات وبسائر الصفات الثابتة في الكتاب والسنّة.
وهذا القول من أم سليم من كمال أدبها، فإنها مهدت لنفسها العذر قبل السؤال
عما جرت عادة النساء بكتمانه حتى كأنه لا يحصل لهن، وهذا من المستحسن في

كتاب الطهارة
٥٧٧
ب ١٣١/ ح ١٩٦
استعمال الأدب مع العلماء وأهل الفضل، في حال السؤال وغيره مما تدعو
الحاجة إلى الإِخبار فيه بمثل هذا.
وقولها: (أرأيت) أي أخبرني عن المرأة، وتقدم الكلام على أرأيت
مستوفى في حديث ((وددت أني رأيت إخواني)) الحديث رقم (١٥٠). وقولها:
(ترى في النوم) جملة حالية أي أخبرني عن حكمها في حال رؤيتها، فالمراد
الإِخبار عن حكمها كما تقدم. وقوله: (ما يرى الرجل) ما موصولة أي الذي
يراه الرجل، فالعائد الضمير المنصوب المحذوف والموصول في محل نصب
بـ(ترى)، وقد قدمنا أن المكنى عنه هو حالة الجماع المصرح به في بعض
الروايات كما تقدم. وفي قولها: (ما يرى الرجل) دليل على اشتهار ذلك في
الرجال فإنهم لا يستحيون من ذكره، بخلاف النساء فإنهن لا يكدن يتكلمن
بذلك حتى كأنه خاص بالرجال دونهن لا أنَّ ذلك منفي عنهن كما روى عن
بعض السلف، وهذه الأحاديث وأمثالها ترد عليه وتبطل قوله ذلك، واستبعاد
عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين لذلك. أما عائشة فقد كانت من صغرها مع
زوجها فلا يستبعد أن يكون الله رَك صانها عن تلاعب الشيطان، وأم سلمة
وإن كانت زوجاً لغيره فمن الجائز أن تكون لا تحتلم، لأنه يقال إن بعض
الرجال لا يحتلم فلا يبعد أن يكون بعض النساء كذلك، أو تكون قد صانها الله
عن ذلك لما علم أنها طيبة وستكون زوجاً لأطيب الطيبين فتكون صيانتها عن
ذلك من جملة إكرام الله له وَل ◌ّر. وقولها: (أَفتغتسل) هذا هو محل السؤال
والهمزة للاستفهام والفاء للعطف، وعلماء العربية يقولون: إن همزة الاستفهام
لأصالتها في الصدارة إذا دخل عليها حرف العطف يتأخر حرف العطف عنها،
والنحويون يعللون ذلك بأن لها الأصالة في التصدير كما تقدم، فهي عندهم
أولى بالصدر منه. وقولها: (من ذلك) الجار والمجرور متعلق بتغتسل، أي
بسبب ذلك الذي تراه في النوم من حالة الجماع الحاصل فيه.
وقوله: (نعم) إيجاب ويكون للإعلام بعد الاستفهام، ويكون بعد الخبر
للتصديق، ويكون بعد الأمر والنهي ونحوهما وعداً، وفي أكثر الروايات: (إذا
هي رأت الماء) كما تقدّم في الرواية الأولى وسيأتي أيضاً.
وقول عائشة: (أف لك) كلمة تقذر وتضجر وتستعمل لكل مستثقل،

ب ١٣١ / ح ١٩٦
٥٧٨
كتاب الطهارة
وقيل: أصل الأف وسخ الأظفار وكذا التف، وقيل: الوسخ والتف القلامة،
وقيل: الأف وسخ الأذن والتف وسخ الأظفار، وقيل: هو النتن وكل مستقذر
وكل حقير قليل، ثم استعملت في كل متضجر منه ومستثقل مما يتأذى منه
الإِنسان، وفيها عند العرب عشر لغاتٍ: أفِّ أنَّا أنَّ أُفَّ أفُّ أفِّ أفاً مخففاً إفْ
◌ُقَّهْ وأُفْ بالسكون. ومعناها في الحديث التضجر من كلامها واستثقاله، وهي
منونة تنوين أسماء الأفعال لأنها اسم فعل، أي: استقذاراً لما جئت به
واستثقالاً لما تقولين.
وقولها: (أو ترى ذلك) استفهام إنكاري تقدمت الهمزة فيه على حرف
العطف على نحو ما تقدم، أنكرت عائشة فيها أن تكون المرأة ترى ذلك.
وقولها: (فالتفت إليَّ رسول اللهِ وَل﴿) أي منكراً عليها استنكارها لذلك
(فقال: تربت يمينك) هذا اللفظ أصله يستعمل للدعاء ومعناه: لزقت يمينك
بالتراب، لكن العرب صاروا يستعملونه لغير الدعاء بل للاستعظام والإنكار لما
يصدر من المخاطب به، وعلى هذا يحمل قوله وَلّ لعائشة كما في هذا
الحديث. ومثله في الاستعمال لغير الدعاء وإن كان أصله للدعاء قولهم: ((رغم
أنفه)) أي لزق بالرَّغام، وهو التراب كناية عن المذلة والهوان أو الخيبة
والحرمان، ولكنهم أحياناً لا يقصدون به ذلك على ما تقدم في (تربت يمينك)
مع أنه وير لو قصد بذلك الدعاء؛ فدعاؤه على من لم يستحق الدعاء يكون
كفارة ورفعة يوم القيامة كما ثبت في الحديث: ((اللهم إنما أنا بشر، فأي
المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاة وأجراً)) أخرجه مسلم.
وقوله: (فمن أين) الفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي: إذا كانت
المرأة لا يخرج منها المني فمن أي؟ أَيْ: من أيِّ جهة يكون الشبه أيْ شبه
الولد بأمه، فالمني هو سبب شبه ولدها بها كما في الرواية الأخرى: ((فمن أين
يشبهها الولد)) أي ولدها، فهذا إنكار منه ويظهر على عائشة في إنكارها على أم
سليم وتصديق لأم سليم فيما ذكرت من احتلام النساء كالرجال. وفي هذه
الرواية أن المنكرة هي عائشة، وفي الرواية التالية أن المنكرة على أم سليم
أم سلمة، كما جاء في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن
زينب بنت أبي سلمة، وفي رواية بنت أم سلمة، وكلتاهما صحيحة فإنها بنت

كتاب الطهارة
٥٧٩
ب ١٣١ / ح ١٩٦
أبي سلمة وأمها أم سلمة فهي بنت أم سلمة عن أمها أم سلمة الحديث وفيه:
أن أم سلمة هي التي أنكرت على أم سليم كرواية المصنف التالية. ونقل
ابن حجر لكَّلهُ عن القاضي عياض أنه نقل عن أهل الحديث أن الصحيح أن
القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة، وقال: وهذا يقتضي ترجيح رواية هشام وهو
ظاهر صنيع البخاري كْتُ، لكن نقل ابن عبد البر عن النفيلي أنه صحح
الروايتين، وأشار أبو داود إلى تقوية رواية الزهري لأن نافع بن عبد الله تابعه
عن عروة عن عائشة، وأخرج مسلم أيضاً رواية نافع ورواية الزهري وكذا رواية
أنس وفيها: ((جاءت أم سليم إلى رسول الله وَلقر فقالت له وعائشة عنده فذكر
الحديث)). وروى أحمد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن جدته
أم سليم، وكانت مجاورة لأم سلمة فذكر الحديث وفيه: أن أم سلمة هي التي
راجعتها، وهذا يقوي رواية هشام.
قال النووي في شرح مسلم: يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة أنكرتا
على أم سليم. قال ابن حجر: (وهو جمع حسن لأنه لا يمتنع حضور عائشة
وأم سلمة عند النبي ◌َّ في مجلس واحد) اهـ.
قلت: ولابن أبي شيبة: فاستقبلتها النسوة وقلن: فضحتنا عند
رسول الله *، وهذا يزيد احتمال حضور غير عائشة وأم سلمة عند النبي وَلّ
وقت السؤال من النساء، والظاهر أن الجمع بحمل الأحاديث على حضور أمي
المؤمنين عائشة وأم سلمة أقرب إلى الصواب، فهو كالمتعيّن لصحة الحديث
بحضور كل منهما والقصة واحدة والله تعالى أعلم.
الأحكام والفوائد
فيه دليل على استعمال الأدب عند السؤال مع من يتعلم منه وكذا من له
حرمة وفضل، وفيه: تقديم العذر على حصول ما يعتذر منه، وفيه: عقل أم
سليم وفضلها واحترامها للرسول بيّله وقد تقدم، وفيه: حرصها على السؤال
والاستفادة، وفيه: سؤال المرأة الأجنبية للعالم لكن مع لزوم الستر ومراعاة
الأدب، وفيه: سماع صوت الأجنبية عند الحاجة إذا أمنت الفتنة وله شواهد
كثيرة غير هذا، وفيه: أن التصريح بذكر ما يستحيا منه عادة عند الحاجة لا
ينافي الأدب بل هو مطلوب وقد يتعين، وفيه: حكم المسألة التي هذا أصلها

ب ١٣١ / ح ١٩٧
٥٨٠
N
كتاب الطهارة
وهو أن احتلام المرأة يوجب الغسل إذا علمت أنها خرج منها منيّ بسببه، كما
هو الحكم في الرجال سواء، وعدم وجوب الغسل إذا لم يخرج منيّ وهو أيضاً
حكم الرجال. وفيه: أن النساء لهن منيٌّ كما للرجال قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا
الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي أخلاط من مني الرجل ومني المرأة، وفيه: أن
الشبه سببه المني الذي يخلق منه الولد، وفيه: تسمية المني ماء، وفيه: أن لا
ينبغي للمسلم أن يمنعه الحياء من التعلم والسؤال عن الحكم الشرعي، إلا أن
يكون يجد من ينوب عنه في ذلك كما تقدم في قصة علي
١٩٧ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يوسف قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمَّ سَلَمَةَ أَنَّ أَمْرَأَةً قَالَتْ: ((يَا رَسُولَ الله إنَّ الله لا
يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: ((نَعَمْ إِذَا رَأَتِ
الْمَاءَ)»، فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: (أَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟)) فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((فَفِيمَ
يُشْبِهُهَا الْوَلَدُ)).
-] [رواته: ٦]
١ - شعيب بن يوسف: تقدّم ٤٩.
٢ - يحيى بن سعيد القطان: تقدّم ٤.
٣ - هشام بن عروة: تقدّم ٦١.
٤ - عروة بن الزبير: تقدّم ٤٤.
٥ - زينب بنت أبي سلمة: تقدّمت ١٨٢.
٦ - أم سلمة ◌ّا: تقدّمت ١٨٣.
اللغة والإعراب
قولها: (أن امرأة) هي أم سليم كما هو مصرح به في الصحيحين وغيرهما
في حديث هشام هذا، قوله: (فضحكت أم سلمة) ونحوه للبخاري في الأدب
وفي رواية: ((فغطت وجهها))، وهي محمولة على أنها حصل منها الأمران
فتبسمت تعجباً وغطت وجهها حياء، والفاء في قولها (فقالت) عاطفة، وقولها :
(أتحتلم المرأة؟) استفهام إنكاري، كما تقدم نحوه من عائشة لشدة حياء النساء