Indexed OCR Text

Pages 241-260

كتاب الطهارة
٢٤١
ب ٤٦ / ح ٥٧
الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ قَالَ عَوْفٌ: وَقَالَ خِلَاسٌ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن
النَّبِّ وَِّ مِثْلَةً.
[رواته: ٥ _ وفي الرواية الأخرى خلاس]
0
١ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: تقدم ٢.
٢ - عيسى بن يونس: تقدم ٨.
٣ - عوف بن أبي جميلة العبدي الهجري أبو سهل البصري المعروف
بالأعرابي، واسم أبي جميلة: بندوية، ويقال: بل بندوية اسم أمه واسم أبيه
رزينة روى عن أبي رجاء العطاردي وأبي عثمان النهدي وأبي العالية وأبي
المنهال سيار بن سلامة وخلاس الهجري والحسن البصري وجماعة غيرهم،
وعنه شعبة والثوري وابن المبارك والقطان وهشيم وعيسى بن يونس وغندر
وجماعة آخرون. وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد، وقد
قيل: إنه كان يتشيع. مات سنة ١٤٦، ورمي أيضاً بالقدر. قال فيه مسلم في
مقدمة كتابه في الموازنة بين الأقران: (وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين
عن صدق وأمانة) والله أعلم.
٤ - محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم أبو بكر بن أبي عمرة البصري
إمام وقته، روى عن مولاه أنس بن مالك وزيد بن ثابت والحسن بن علي
وجندب بن عبد الله البجلي وحذيفة وغيرهم، وعنه الشعبي وثابت البناني
والحذّاء وداود بن أبي هند وابن عون ويونس بن عبيد وجرير بن حازم
وغيرهم. قال ابن عون: ((لم أر في الدنيا مثل ثلاثة: ابن سيرين بالعراق،
والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام)). وثقه ابن سعد والعجلي
وأحمد وابن معين، وأثنى عليه كثير من الأئمة، ـ رحمنا الله وإياه - مات سنة
١١٠.
٥ - أبو هريرة رضيالله: تقدم ١.
٦ - خلاس هو ابن عمرو الهجري البصري، روى عن علي وعمار
وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وأبي رافع الصائغ وغيرهم، وعنه قتادة
وعوف الأعرابي وجابر بن صبح وداود بن أبي هند وآخرون. وثقه أحمد

ب ٤٦ / ح ٥٧
٢٤٢
كتاب الطهارة
وأبو داود وابن معين، وقيل: إن روايته عن علي من صحيفة وقعت له،
وأخرج له البخاري مقروناً بغيره، ووثقه العجلي. قيل: كان موته قبل المائة،
والله أعلم.
التخريج
أخرجه البخاري موصولاً بحديث ((نحن السابقون)). ومسلم من حديث
أبي هريرة وجابر. وكذا أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديثهما،
ومن حديث ابن عمر، وأخرجه البيهقي والدارمي والطبراني في الأوسط، وذكر
العيني أن الطحاوي أخرجه من عشرة طرق.
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (لا يبولن) لا ناهية والنون للتوكيد، والفعل مبني معها على الفتح
كما تقرر في علم النحو، والخطاب للمكلفين، (والدائم) بمعنى الراكد، وهو:
الثابت، ولذا فسره كما في الرواية الأخرى بقوله: (الذي لا يجري)، وقوله:
(ثم يتوضأ منه) ثم حرف عطف يقتضي الترتيب على التراخي، وقد تقدم ذلك
وقوله: (يتوضأ فيه) في نفس الماء بعد البول فيه، فالنهي هنا عن مجموع
الأمرين، وقد تقدم أنه نهي عن البول فيه ولو لم يتوضأ فيه. وقوله: (يتوضأ
فيه) أخص من قوله: يتوضأ منه، وكلاهما شمله النهي.
الأحكام والفوائد
فيه التصريح بالنهي عن البول في الماء بهذه الصفة والوضوء منه بعد
البول فيه وظاهره التحريم، والظاهر أن العلة ما يحصل من التغيير أي: التقذير
بالبول، ولهذا قيّد بالراكد دون الجاري، لأن الجاري يذهب فيه البول مع الذي
يصادفه، والتنصيص على البول فيه لا يمنع تناول الحكم لغير البول من
النجاسات إذا وضعت في الماء أو وقعت فيه، إذا كانت العلة هي ما يحصل
غالباً أو يخشى من حصوله من التغير أي: تقذير الماء، فالعلة وقوع البول وهو
نجس فلا فرق بينه وبين غيره من النجاسات كالتغوط، أو طرح أي نجاسة،
وكذلك لا فرق في النهي بين البائل وغيره ممن علم حصول النجاسة فيه، ولا
بين أن يبول فيه، أو يبول في غيره ويجعله فيه، لأن فعل البائل لا أثر له إذا

كتاب الطهارة
٢٤٣
ب ٤٦ / ح ٥٨
كانت العلة ما تقدم ذكره. وقال داود وابن حزم ومن وافقهما: إن من بال في
إناء وصبه في الماء، أو تغوط في الماء، أو بال خارجه وسال البول فيه، أو
بال فيه غيره وهو يعلم ذلك؛ لا يتناول شيئاً من ذلك النهي المذكور، وهذا
كما قال ابن دقيق العيد كَّلُهُ والبدر العيني: من أشنع ما روي عنهما من
الجمود على الظاهر. قال العيني: (احتج به أصحابنا - يعني الحنفية - على أن
الماء الذي لا يبلغ الغدير إذا وقعت فيه نجاسة؛ لم يجز الوضوء به قليلاً كان
أو كثيراً، وعلى أن القلتين تحمل النجاسة لأن الحديث مطلق، فبإطلاقه يتناول
القليل والكثير والقلتين والأكثر منهما، ولو قلنا إن القلتين تحمل النجاسة لم
يكن للنهي فائدة، على أن هذا الحديث أصح من حديث القلتين) اهـ.
قلت: وقوله: (يتناول القليل والكثير) تقدم تقييد هذا ونحوه من النصوص
بالإجماع على أن المستبحر لا تضره النجاسة، وعند الحنفية أيضاً على ما تقدم
في وقوع النجاسة في الغدير وما يشبهه .
٥٨ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ
فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ: كَانَ يَعْقُوبُ لَا يُحَدِّثُ
بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا بِدِينَارٍ.
[رواته: ٥]
١ - يعقوب بن إبراهيم: تقدم ٢٢.
٢ - إسماعيل بن علية: تقدم ١٩.
٣ - يحيى بن عتيق الطفاوي البصري، روى عن محمد بن سيرين والحسن
ومجاهد، وعنه الحمادان وعبد العزيز بن المختار وهمام بن يحيى وإسماعيل بن
علية وغيرهم. وثقه أحمد والنسائي وابن معين وأبو حاتم وابن سعد، وذكره ابن حبان
في الثقات وقال فيه: كان ورعاً متقناً مات قبل أيوب، اهـ والله أعلم.
٤ - محمد بن سيرين: تقدم ٥٧.
٥ - أبو هريرة: تقدم ١.
وتقدم ما يتعلق به في الذي قبله.

ب ٤٧ / ح ٥٩
٢٤٤
كتاب الطهارة
٤٧ - باب في ماء البحر
٥٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم عَنْ سَعِيدٍ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ
الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ
رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ
الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: هُوَ
الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ.
■ [رجاله: ٥]
١ - قتيبة بن سعيد: تقدم ١.
٢ - مالك بن أنس الإمام: تقدم ٧.
٣ - صفوان بن سليم المدني أبو عبد الله - وقيل: أبو الحارث - القرشي
الزهري مولاهم الفقيه، روى عن ابن عمر وأنس وأبي سبرة الغفاري وغيرهم
من الصحابة، كما روى عن جماعة من التابعين كابن المسيب وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، وعنه زيد بن أسلم وابن المنكدر وموسى بن عقبة - وهم من
أقرانه - وابن جريج ومالك والليث وجماعة غيرهم. وثقه ابن سعد وقال فيه:
كثير الحديث عابد، وأثنى عليه ابن معين، وقال أحمد: ثقة من خيار عباد الله
الصالحين. ووثقه العجلي والنسائي وأبو حاتم، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة
ثبت مشهور بالعبادة. مات سنة ١٣٢ وقيل: ١٢٤ وهو ابن ٧٢ سنة، وذكر ابن
حجر عن أبي داود السجستاني أنه قال: إن صفوان لم ير أحداً من الصحابة،
إلا عبد الله بن بسر وأبا أمامة. والله أعلم.
٤ - سعيد بن سلمة المخزومي من آل الأزرق، قال ابن حجر: روى عن
المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة حديث البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)،
وعنه صفوان بن سليم والجلاح أبو كثير، وهو حديث في إسناده اختلاف. قلت:
وظاهر هذا أنه لم يرو غيره والله أعلم. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في
الثقات، وحديثه صححه البخاري على ما حكاه الترمذي في العلل المفرد،
وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد كما ذكره ابن حجر، والله أعلم.

كتاب الطهارة
٢٤٥
ب ٤٧ / ح ٥٩
٥ - المغيرة بن أبي بردة الكناني، ويقال: ابن عبد الله بن أبي بردة،
ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقَلَبه بعضهم. روى عن أبي هريرة
حديث البحر، قيل عن أبيه عن أبي هريرة، وقيل: عن رجل من بني مدلج عن
النبي ◌َّ ﴾، وقيل غير ذلك. وروى عن زياد بن نعيم الحضرمي أيضاً، وعنه
سعيد بن سلمة وقيل: سلمة بن سعيد، وقيل: عبد الله بن سعيد، وأبو كثير
الجلاح على اختلاف فيه، والحارث بن يزيد وعبد الله بن أبي صالح وجماعة
آخرون، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه النسائي، وله ذكر في غزو إفريقية
سنة مائة. قال ابن حبان: ((من أدخل أباه بينه وبين أبي هريرة فقد وهم)).
وتقدم أن جماعة صححوا حديثه في البحر، ومنهم ابن خزيمة وكذا ابن المنذر
والطحاوي والخطابي وابن منده والحاكم وابن حزم والبيهقي وعبد الحق
وآخرون، والله أعلم.
٦ - أبو هريرة ظ ◌ُبه: تقدم ١.
التخريج
أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والطبراني والحاكم والدارمي
وأحمد وابن خزيمة وابن الجارود ومالك وابن حبان وابن أبي شيبة، وهو عند
أحمد والحاكم وابن ماجه وابن حبان والدارقطني من حديث جابر. وذكر الترمذي
أنه سأل عنه البخاري فصححه، وله طرق أخرى عن علي وابن عباس وابن عمر
وكلها لا تخلو من ضعف أو وقف. قال ابن العربي في العارضة: (حديث
مشهور، ولكن فيه راو مجهول، وهو الذي قطع بالصحيحين عن إخراجه).
فتحصّل من هذا أن كثرة طرقه وشهرته تقوية له، تؤيد القول بصحته.
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل) إلخ: جملة (يقول) في محل
نصب على الحال، والرجل السائل مبهم قيل: اسمه عبد الله، وقيل: اسمه عبد بن
زمعة البلوي، وقيل: العركي، ويقال: العركي صفة له وليست باسم لأنه الملاح،
وفي رواية: ((أن ناساً من بني مدلج أتوه فسألوه)) إلخ. والفاء في قوله: (فقال)
عاطفة، والجملة مفسرة موضحة لمعنى السؤال. وقوله: (القليل من الماء) أي:

ب ٤٧/ ح ٥٩
٢٤٦
كتاب الطهارة
العذب للشرب وقوله: (أفتوضأ) الفاء عاطفة والهمزة للاستفهام، والأصل أنها إذا
صحبها حرف العطف قدمت عليه، ويعلل النحويون ذلك بكونها لها الصدر في
الكلام أكثر. ومن في قوله: (من ماء البحر) تبعيضية أي: بشيء من ماء البحر،
أو هي بمعنى الباء أي بماء البحر، والمراد به من الماء المالح لأن البحر الذي
كانوا يركبونه هو البحر الأحمر المالح، فكأنهم اعتقدوا أن الملوحة مؤثرة في
الماء وقوله: (هو الطهور ماؤه) تقدم الكلام على الطهور وأنه اسم لما يتطهر به
وهذا التعبير يفيد الحصر، أي: حصر الطهورية في ماء البحر، وهو غير مراد لكنه
على سبيل المبالغة في وصفه بذلك، لإزالة ما وقع في نفوسهم من الشك فيه،
فهو كقوله: ((الدعاء هو العبادة))، وأل فيه للجنس.
..... وقوله: (الحل ميتته) الحل بمعنى الحلال، وهو زيادة على جواب السؤال
لتميم الفائدة، وهو مستحسن كما سيأتي إن شاء الله. والميتة: كل حيوان خرجت
روحه من غير ذكاة، والمراد: ميتة دوابه لا ما مَاتَ فيه من غير دوابِّه؛ فهو
حرام، فالإضافة لتخصيص حيوانه بذلك دون غيره. والعدول عن قوله نعم أو
توضؤوا منه، فيه فائدة وهو أنه لو أجاب بذلك؛ لأوهم أن يكون الحكم خاصاً
بأهل الضرورات على حسب حال السائلين، فأزال ذلك الاحتمال بتعميم الصفة
في ماء البحر، وزاد ما تدعو الحاجة إلى بيانه لهم ولغيرهم من حاجة ميتته.
الأحكام والفوائد
فيه: دليل على التطهير بماء البحر وأنه لا فرق بينه وبين ماء السماء في
التطهير، وأن كون الماء في معدن الملح ونحوه لا يضره ذلك؛ أما إذا طرح
الملح فيه ففيه خلاف عند الفقهاء. ويؤخذ منه أن المعدن الذي يكون في محل
قرار الماء ويغير طعمه أنه لا يمنع من التطهر به، وكذلك اختلاط الماء من
المطر بالنبات وأوراق الأشجار التي تكون في محل مجرى الماء، كما يوجد
كثيراً في البوادي. وفي قوله: (الحل ميتته) دليل على جواز أكل حيوان البحر
الميت، وهو مذهب الجمهور بدون تخصيص، ويدل عليه حديث العنبر في
قصة سرية الخبط، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.
.: وفيه: دليل على جواز الزيادة في الجواب على السؤال فيما تدعو إليه
الحاجة، لأنه * علم أن حاجتهم إلى هذه الزيادة لا تقل عن حاجتهم إلى

كتاب الطهارة
M
٢٤٧
ب ٤٨ / ح ٦٠
الجواب في الأولى، وهذا مما ينبغي للعالم والمفتي، وهو من كمال النصيحة
أنه إذا سئل عن مسألة أن يبالغ في توضيحها وبيان ما يتعلق بها أو يشاكلها،
مما يعلم أو يظن أن الحاجة تمس إلى بيانه. وفيه: حكمته مصر في الجواب
حيث عدل عن قوله نعم أو توضؤوا منه، لأن ذلك يوهم أن الوضوء منه خاص
بهم وبمن هو على مثل حالهم ممن يضطر إلى ذلك، فأجاب بصيغة ترفع هذا
الإيهام وتبيّن عموم الحكم كما قدمنا .
٤٨ - باب الضوء بالثلج
٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ
أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهِ إِذَا اسْتَفْتَحَ
الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ
بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ
بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَاتَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ
الدََّسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ.
[رواته: ٥]
١ - علي بن حجر السعدي: تقدم ١٣.
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدم ٢.
٣ - عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، ابن أخي عبد الله بن
شبرمة وكان أكبر من عمه، روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير
وعبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي والحارث العكلي والأخنس بن خليفة
الضبي، وعنه شيخه الحارث العكلي وابنه القعقاع والأعمش والسفيانان
وغيرهم. قال البخاري: عن علي بن المديني: له نحو ثلاثين حديثاً. وثقه
ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه ابن سعد،
ويعقوب بن سفيان، والله أعلم.
٤ - أبو زرعة بن عمرو: تقدم ٥٠.
٥ - أبو هريرة ◌ُله: تقدم ١.

ب ٤٨ / ح ٦٠
٢٤٨
كتاب الطهارة
■ التخريج
·" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة.
!
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كان رسول الله وَل إذا افتتح الصلاة) كان فعل ماض تدل على تكرار
الفعل، قال ابن دقيق العيد: كان يفعل كذا بمعنى: تكرر منه فعله وکان عادة له.
قلت: هذا هو الغالب، وقد جاء هذا اللفظ معبراً به عن مجرد الفعل مرة
واحدة، كما في أحاديث المناسك: ((كان النبي ◌َّ يفعل كذا))، ولم يحج في
الإسلام إلَّا حجة واحدة كما لا يخفى !! فدلالتها على التكرار في الغالب.
وقوله: (افتتح الصلاة) أي كبّر فيها، وافتتاح الشيء بمعنى الشروع فيه،
وفي حديث عائشة رضيها: (كان النبي ◌َّر يفتتح الصلاة بالتكبير)) الحديث. فمعنى
افتتحها: كبّر تكبيرة الإحرام التي هي مفتاحها، كما في حديث علي: ((افتتاحها
التكبير))، وكما في الرواية الأخرى بلفظ: ((إذا كبّر)). وقوله: (سكت) أصله:
أمسك عن الكلام، يقال: يسكت سكوتاً؛ إذا أمسك عن الكلام، ورواية
البخاري: (يسكت) بصيغة المضارع. قال الجوهري: تقول: تكلم الرجل ثم
سكت؛ من غير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت: اسکت، قال الراجز:
قد رابني أن الكرى أسكتا لو كان معنياً بها لهيتا
قوله: (هنّة) رواية الأكثرين بضم الهاء وشد الياء، ويروى: ((هنيهة)) و((هنيئة))،
وذكر النووي: (أن الهمزة خطأ وأن الأصل هنوة، فلما صغّر صار هنيوة، فاجتمعت
الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء ثم أدغمت). اهـ.
قلت: يعني أدغمت الأولى في الثانية المبدلة من الواو في سيّد وهيّن
ونحوهما، على القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك:
واتصلا ومن عروض عريا
إن يسكن السابق من واو ويا
وشذ معطى غير ما تقدما
فياء الواو اقلبن مدغما
وتعقب كلام النووي ◌َُّ بأنه لا يمنع ذلك رواية الهمزة، لجواز أن
تكون الياء قلبت همزة كما جاء في رواية الكشميهني: (هنيهة) بإبدالها هاء،
وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما. والمعنى: سكت مدة قليلة،

كتاب الطهارة
٢٤٩
ب ٤٨ / ح ٦٠
والمراد: سكت عن الجهر أو عن القراءة بالفاتحة لا عن الكلام، لأن قوله:
(ما تقول). يدل على أنه قد علم أنه يقول شيئاً، فعبّر بالسكوت عن تركه الجهر
بما يقوله. وقوله: (بأبي أنت وأمي) معناه: أفديك بأبي وأمي؛ على أن
المحذوف فعل، ويجوز أن يكون المحذوف اسماً والتقدير: أنت مفدي بأبي
وأمي، ففي كل من التقديرين الجار والمجرور متعلق بمحذوف كما هو
المعروف في نظائره، والحذف عند النحويين في مثل هذا لكثرة الاستعمال.
وعلى التقرير الأول: الجملة فعلية، وعلى الثاني: اسمية، وهذه اللفظة تستعمل
لإبداء المحبة والتعظيم للشخص، كأنه جعله أحب إليه من أبيه وأمه. والحديث
يدل على جواز استعمالها للرسول وَلهر فقيل: خاص به وقيل: يجوز استعمالها
لغيره، ومنه حديث سعد بن أبي وقاص يوم أحد حيث قال له وَ﴾: ((ارم فداك
أبي وأمي))، وهو دليل واضح لجواز هذه اللفظة لغيره عليه الصلاة والسلام؛
ولكن لا ينبغي قولها إلا لأهل العلم والصلاح ممن يكون في احترامه احترام
للشرع والله أعلم. و(ما) في قوله: (ما تقول) للاستفهام (وفي سكوتك) أي في
حال سكوتك أو في وقت سكوتك، وقوله: (بين التكبير والقراءة) تعيين لمحل
السكوت المذكور، وقوله: (أقول: اللهم) أصله: يا الله؛ فحذفت الياء وعوّض
عنها الميم، وهذه الصيغة خاصة بلفظ الجلالة، والأكثر في استعماله مع الميم
حذف الياء كما تقدم، وسمع الجمع بينهما في قول الشاعر:
أقول يا اللهم يا اللهمّا
إني إذا ما حدث ألمّا
وإلى ذلك أشار ابن مالك كَّتُهُ بقوله :
والأكثر اللهم بالتعويض وشذّ يا اللهمّ في قريض
وقوله: (باعد) أي: أبعد، وصيغة المفاعلة إما للمبالغة كما قاله
الكرماني، أو للتكثير مثل ضاعف بمعنى ضعف. وقوله: (بيني وبين خطاياي)
كرر كلمة (بين) لأن عود الخافض عند العطف على الضمير المخفوض؛ لازم
عند الأكثرين، كما قال ابن مالك:
ضمير خفض لازماً قد جعلا
وعود خافض لدى عطف على
في النظم والنثر الصحيح مثبتا
وليس عندي لازماً إذ قد أتى
و(الخطايا) جمع خطية كالعطايا جمع عطية، من قولهم: خطئ في دينه؛

ب ٤٨/ ح ٦٠
٢٥٠
كتاب الطهارة
إذا أثم، والخطأ: الإثم والذنب. قال أبو عبيد: خطئ وأخطأ بمعنى، وأنشد
لامرئ القيس :
يا لهف هند إذا خطئن كاهلاً القاتلين الملك الحلاحلا
وفي القاموس: أخطيت لغة رديئة. وخطئ في دينه وأخطأ: سلك سبيل
خطأ عمداً كان أو غير عامد. قال البدر العيني - رحمه الله تعالى -: (وأصل
خطايا: خطائي، فقلبوا الياء همزة كما في قبائل جمع قبيلة، فصارت: خطائئي
بهمزتين فقلبت الثانية ياء فصارت: خطائي، ثم قلبوا الهمزة ياء مفتوحة
فصارت: خطايي أي بياءين، فقلبت الياء - أي الأخيرة - ألفاً فصارت:
خطايا). اهـ. فيحتمل أن المراد بهذا الدعاء محو ما سلف منها، فتكون
المباعدة: المبالغة في عدم المؤاخذة بها، أو المراد العصمة منها في المستقبل،
وتكون إضافتها حينئذٍ لاحتمال حصولها كما هي العادة في جنس البشر، أو
على تقدير حصولها. وقد استشكل هذا الدعاء ونحوه وما هو كثير في السنة من
طلبه المغفرة ومبالغته في ذلك، مع كونه معصوماً عند الأكثرين من الذنوب: أما
من الكبائر فباتفاق، وأما من الصغائر فعند الأكثرين - وعلى فرض تجويزها -
فقد أخبره الله أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد يجاب عن هذا
وما فيه معناه: أنه من طلبه الدرجة العالية. ويتضمن أموراً منها: عدم الاغترار
بالله وأمن مكره، ومنها: إظهار الحاجة والفقر إليه تعالى، ومنها: تعليم أمته
الدعاء، ومنها: أن الدعاء في نفسه قربة يزاد بها العبد رفعة عند الله، وفيه:
شكر نعمه عمله. وفي الحديث: ((من لم يسأل الله يغضب عليه))، كما قيل:
وبني آدم حين يسأل يغضب
الله يغضب إن تركت سؤاله
والأحاديث في فضل الدعاء والحث عليه كثيرة مشهورة، مع أن فعله لذلك
فيه تعليم للأمة وحث لهم على الدعاء. وقوله: (كما باعدت) الكاف في محل
نصب نعت لمصدر محذوف، وما مصدرية والتقدير: مباعدة مثل مباعدتك، أو:
تبعيداً مثل تبعيدك، أو: إبعاداً مثل إبعادك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه
أن المشرق والمغرب لا يجتمعان، فكذلك يكون حالُه مع الذنوب: أنه لا يجتمع
معها كما لا يجتمع المشرق والمغرب. وقوله: (نقّني) فعل طلب بصيغة الأمر
وهو، من: التنقية من الشيء، وهو مجاز عن إزالة الذنب ومحوه حتى لا يكون

كتاب الطهارة
٢٥١
N
ب ٤٩/ ح ٦١
له أثر، والجملة مؤكدة لمعنى التي قبلها، جعل محو الذنوب كغسل الشيء من
الوسخ ونحوه حتى ينقى منه، واستعار لفظ التنقية للإزالة. وقوله: (كما ينقى)
مثل قوله: (كما باعدت). و(الدنس) بفتح الدال والنون: الوساخة، وتخصيص
الثوب الأبيض لأن التنقية فيه أظهر من غيره. وقوله (البرد) حَبُّ الغمام،
والمبالغة في الغسل إنما تكون عادة بالماء، فقد يكون ذكر هذه الأشياء على
سبيل المبالغة بذكر كل شيء من شأنه أن يغسل به.
الأحكام والفوائد
الحديث دليل على استحباب دعاء الاستفتاح وأنه يكون بهذا اللفظ،
وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في كتاب الصلاة، وفيه: جواز قول الإنسان
لغيره فداك أبي وأمي، وقد تقدم ذلك، وفيه: استعمال الأدب في السؤال
وحرص الصحابة على الفائدة وأنه ينبغي لمن يكون مع العلماء سؤالهم عن كل
ما أشكل عليه من فعلهم ليستفيد وليس في ذلك منافاة للأدب، وفيه: جواز
التطهير بالثلج والبرد وأنهما كالماء في ذلك وهذا محل الشاهد ومناسبة
الحديث للترجمة، وفيه: استحباب الإلحاح في الدعاء، وأنه لا ينبغي لأحد
تركه، وإن عظمت منزلته عند الله، وفيه: استعمال التوكيد في الألفاظ، وأن
افتتاح الصلاة يكون بالتكبير وسيأتي إن شاء الله تعالى.
٤٩ - الوضوء بماء الثلج
٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِير عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ
أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَّ بِمَاءِ الثَّلْجِ
وَالْبَرَدِ، وَتَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَس.
■ [رواته: ٥]
١ - إسحاق بن إبراهيم: تقدم ٢.
٢ - جرير بن عبد الحميد: تقدم ٢.
٣ - هشام بن عروة بن الزبير الأسدي أبو المنذر، وقيل أبو عبد الله،
رأى ابن عمر ومسح رأسه ودعا له، وسهل بن سعد وجابراً وأنساً، روى عن

ب ٥٠ / ح ٦٢
٢٥٢
كتاب الطهارة
أبيه وعمه عبد الله بن الزبير وأخويه عبد الله وعثمان، وابن عمه عباد بن
عبد الله وابنه يحيى بن عباد وابن عمه عباد بن حمزة بن عبد الله وزوجه
فاطمة بنت المنذر بن الزبير، وعنه أيوب السختياني - ومات قبله -
وعبيد الله بن عمر ومعمر وابن جريج وابن إسحاق وابن عجلان ومالك بن
أنس والسفيانان والحمَّادان وخلائق يطول ذكرهم، وثقه ابن سعد والعجلي
وقال: ((ثبت لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار في العراق، فإنه انبسط في
الرواية عن أبيه فأنكر ذلك عليه أهل بلده. والذي أرى أن هشاماً تساهل
لأهل العراق لأنه كان لا يحدث عن أبيه إلَّا بما سمع منه، فكان تساهله أنه
أرسل عن أبيه بما كان يسمعه من غير أبيه)). قال ابن خراش: كان صدوقاً
تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق.
وقال له المنصور: أتذكر يوم دخلنا عليك فقال لنا أبي: اعرفوا لهذا الشيخ
حقه، فقال: ما أذكر ذلك، فعوتب في ذلك فقال: لم يعودني الله في الصدق
إلَّا خيراً. قال ابن حبان في الثقات: كان متقناً ورعاً فاضلاً حافظاً. سمع منه
بآخرة: وكيع وابن نمير ومحاضر. وذكر ابن حجر عن أبي الحسن بن القطان
أنه تغير بآخرة، قال: ولم نر له في ذلك سلفاً. وقيل: إنه ولد هو والأعمش
في يوم واحد سنة ٦١، وهي سنة مقتل الحسين بن علي ثًا، وتوفي ١٤٥
وقيل: ١٤٦ وقيل: ١٤٧، وقد بلغ ٨٧ سنة تَُّهُ.
٤ - عروة بن الزبير: تقدم ٤٤.
٥ - أم المؤمنين عائشة: تقدم ٥.
تقدم شرحه في الذي قبله.
٥٠ - باب الوضوء بالبرد
٦٢ - أَخْبَرَنِي هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حدثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ
صَالِحٍ عَنْ حَبِيبٍ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: شَهِدْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِك يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ فَسَمِعْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ واعْف عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ
وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ.

كتاب الطهارة
٢٥٣
ب ٥٠ / ح ٦٢
[رواته: ٦]
0
١ - هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي أبو موسى البزاز الحافظ
المعروف بالحمّال، روى عن ابن عيينة وحسين بن علي الجعفي وجعفر بن
عون وأسود بن عامر وخلق كثير غيرهم، وعنه الجماعة سوى البخاري، وابنه
موسى بن هارون وأبو حاتم وأبو زرعة وخلائق غيرهم. قال أبو حاتم وإبراهيم
الحربي: صدوق، زاد الحربي: ((لو كان الكذب حلالاً تركه تنزهاً)). ووثقه
النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة ٢٤٣، وقيل: إن مولده
سنة ١٧١ أو ١٧٢، وقيل: مات ٢٤٩. وقيل: إنما سمي حَمَّالاً؛ لأنه كان
بزازاً فتزهد، فصار يحمل الشيء بالأجرة فيأكل منها، والله أعلم.
٢ - معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي مولاهم القزاز، أبو
يحيى المدني أحد أئمة الحديث، روى عن مالك وابن أبي ذئب وهشام بن
سعد وإبراهيم بن طهمان وجماعة، وعنه ابن المديني ويحيى بن معين
والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة آخرون. قال أبو حاتم: أثبت
أصحاب مالك وأتقنهم معن بن عيسى، وقال ابن سعد: كان يعالج القز يشتريه
مات بالمدينة سنة ١٩٨، وكان ثقة كثير الحديث ثبتاً مأموناً، وذكره ابن حبان
في الثقات، وقال الخليلي: متفق عليه، والله أعلم.
٣٠ - معاوية بن صالح بن حدير بن سعد بن فهد الحضرمي أبو عمرو
- ويقال أبو عبد الرحمن - الحمصي، أحد الأعلام قاضي الأندلس، وقيل في
نسبه غير ما ذكر. روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ويحيى بن سعيد
الأنصاري وعبد الرحمن بن جبير بن نفير ومكحول الشامي وجماعة كثيرة،
وعنه الثوري والليث بن سعد وابن وهب ومعن بن عيسى وزيد بن الحباب
وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين - كما ذكره الطيالسي، ووثقه العجلي والنسائي
وابن مهدي وأبو زرعة وابن سعد. يقال: إنه خرج من حمص سنة ١٢٥ إلى
المغرب فولي قضاءهم، ويقال: إنه مرّ بمصر سنة ١٥٤ فكتب عنه أهلها.
وذكره ابن حبان في الثقات.
٤ - حبيب بن عبيد الرحبي أبو حفص الحمصي، روى عن العرباض بن
سارية والمقدام بن معدي كرب وأبي أمامة وعتبة بن عبد السلمي وحبيب بن

ب ٥٠/ ح ٦٢
٢٥٤
كتاب الطهارة
مسلمة الفهري وجبير بن نفير وغيرهم، وعنه حُريز بن عثمان وثور بن يزيد
ومعاوية بن صالح وآخرون، أدرك ولاية عمير بن سعد على حمص. وثقه
النسائي والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات. ويروى عنه أنه قال: أدركت
سبعين من الصحابة .
٥ - جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمن أو
عبد الله الحمصي، أدرك زمن النبي ◌َّو، وروى عنه وعن أبي بكر نظر اته
مرسلاً، وقيل: عن عمر وعن أبيه وأبي ذر وأبي الدرداء وجماعة كثيرة من
الصحابة، وعنه ابنه عبد الرحمن ومكحول وخالد بن معدان وأبو الزاهدية
وغيرهم. وثقه أبو حاتم، وقال النسائي: ((ليس من كبار التابعين أحسن رواية
عن الصحابي من ثلاثة: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وجبير بن
نفير)). قال الزيادي: مات سنة ٧٥، وكان جاهلياً أسلم في خلافة أبي بكر،
وقيل: مات سنة ٨٠. ووثقه العجلي وابن سعد وأثنى عليه غير واحد، ويقال:
إنه أدرك إمارة الوليد، وعلى ذلك يكون عاش بعد الثمانين لأن الوليد تولى
سنة ٨٦، والله أعلم ..
٦ - عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني، أبو عبد الرحمن
أو أبو عبد الله أو أبو محمد أو أبو حماد أو أبو عمرو شهد فتح مكة ويقال
كانت معه راية أشجع، ثم سكن دمشق. روى عن النبي ◌َّر وعن عبد الله بن
سلام، وعنه أبو مسلم الخولاني وجبير بن نفير وعاصم بن حميد الكوفي
وكثير بن مرة وخلق غيرهم. قال الواقدي: شهد فتح مكة وخيبر، ونزل حمص
وبقي إلى خلافة عبد الملك ومات سنة ٧٣، وفيها أرّخه غير واحد. قال ابن
حجر: ذكر ابن سعد أن النبي ول * آخى بينه وبين أبي الدرداء.
التخريج
: ١) أخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي مختصراً، وأخرجه ابن ماجه بأطول من
رواية المصنف وفي أوله زيادة: (اللهم صل عليه)، وأخرجه ابن الجارود في
المنتقى كرواية المصنف، وأخرجه الإمام أحمد في المسند بلفظ: ((ففهمت))
بدل ((فحفظت)) أو ((فسمعت)) لأن كلا من اللفظين في هذه الروايات.

كتاب الطهارة
٢٥٥
ب ٥٠ / ح ٦٢
اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (يصلي على ميت) جملة حالية، والميْت والميّت - بالتخفيف
والتشديد - كهيْن وهيّن، وقوله: (فسمعت من دعائه) الفاء عاطفة و(من دعائه):
من بيانية وتحتمل التبعيض، والهاء راجعة إلى النبي بَطّ، فيحتمل أنه جهر
بالدعاء على خلاف عادته ليسمعهم، ويحتمل أنه لم يجهر به ولكن عوفاً كان
قريباً منه فسمع كلامه، وذكر النووي أنه يحتمل أنه علّمه إياه بعد الصلاة، وفيه
بُعد والله أعلم، لأن الصيغة لا تعطي ذلك، والحامل على هذا التأويل كون
الدعاء على الجنازة عند أغلب العلماء سراً لا جهراً، كما سيأتي في بابه إن
شاء الله تعالى.
وقوله: (اللهم اغفر له) المغفرة: ستر الذنب وعدم المؤاخذة به،
والعفو: المحو والخلو من الشيء، ومنه قول لبيد في خلو الديار من
ساكنها :
عفت الديار محلها فمقامها
بمنى تأبد غولها فرجامها
وقال عباس السلمي :
فمطلا أريك قد خلا فالمصانع
عفا مجدل من أهله فمتالع
أو: محوه وعدم المؤاخذة به، من قولهم: عفى الأثر؛ إذا محته الريح
ونحوها، ومنه قول حسان :
إلى عذراء منزلها خلاء
عفت ذات الأصابع فالجواء
تعفيها الروامس والسماء
ديار من بني الحسحاس قفر
الروامس: هي الرياح، وتعفيها: تمحو معالمها وآثار أهلها .
قال في القاموس: العفو عَفْوُ الله رَك عن خلقه والصفح، وترك عقوبة
المستحق: عفا عنه وعفا له وعن ذنبه، والمحو والامتحاء، قال الزبيدي: قال
شيخنا: كون العفو لا يكون إلّا عن ذنب، وإن اشتهر في التعارف غير صحيح؛
فإنه يكون بمعنى عدم اللزوم، وأصل معناه: الترك، وعليه تدور معانيه؛ فيفسّر
في كل مقام بما يناسبه من عدم عقاب وترك إلزام. اهـ.
وقوله: (وأكرم نزله) النزل: ما يقدم للضيف عند قدومه، والمراد:
كرامة الله لعباده المؤمنين عند قدومهم عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا

ب ٥٠/ ح ٦٢
٢٥٦
كتاب الطهارة
تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * ثُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ومنه ما جاء
في الحديث من سؤال يهود للنبي وَلّ عن أول نزل أهل الجنة.
وقوله: (وأوسع مدخله) المدخل بضم الميم: الإدخال، وبفتحها: بمعنى
الدخول، يقال: دخل يدخل دخولاً ومدخلاً، وأدخله إدخالاً ومُدخلاً بالضم،
وهكذا في الإخراج، وكلاهما يكون مصدراً أو اسماً لمكان الدخول أو
الإدخال في المضموم، وهذا هو المناسب هنا للتوسيع والله أعلم. وقوله:
(واغسله بالماء والثلج والبرد) مبالغة في التنظيف كما تقدم في حديث
الاستفتاح، وفيه دليل على جواز التوكيد، على ما تقدم في الذي قبله.
وقوله: (اغسله بالماء والثلج والبرد) المبالغة في التنظيف هنا المراد بها
التنظيف المعنوي؛ لأنه تنظيف من الذنوب، فذكر الماء والثلج والبرد على
سبيل التمثيل والتشبيه بالتنظيف الحسي الذي يحصل بهذه الأشياء، وتقدم في
حديث الاستفتاح.
وفيه دليل على استحباب هذه الصيغة في دعاء الجنازة، ولا ينافي ذلك
استحباب غيرها، وسيأتي ذلك في باب الجنائز إن شاء الله. وفيه أيضاً
استحباب المبالغة في الدعاء للميت، وسيأتي إن شاء الله.
آخر الجزء الأول تمت مراجعته صبيحة الخميس
الموافق ٢٩ رجب سنة ١٤٠٠ أعان الله على الباقي
وتم تصحيحه في السابع عشر من شهر رمضان سنة ١٤٠٣ بالمسجد
النبوي، بقراءة ومشاركة الشيخ محمد نذير حامد الحلبي المنتدب بالجامعة
الإسلامية مع مؤلفه، غفر الله للجميع وأعان على إتمام الباقي.
أ
1

شِرْوُج ◌ُنِنَّ النَّسَانِيّ
المُسَتَّى
شُرُوْقُ أَوَارِ الْمِنَنِالْكُبْرَى الْإِلَهِيَةُ
◌ِكَشْفِ أَسْرَارِ السُنَّنِ الصُّغْرَى النَّسَائِيَةُ
تَألِيفْ فَضِيلَة الشَّيْخِ
محمد أَخْ تَر ◌َنْ محمد عَنْ أَحَ مَزْيٌ الْعِي ◌َسْقِطِي
9
المُرسِنْ بِالمَسْجِد النَبَوَي الشَّرِيفْ بِالمَدِينَة المُنَّوَرَةُ
المُتَوفى فيلمدِینَةسنة١٤٠٥هجرية
وقف لله تعالى
طبع على نفقة أحد الحثيمن غز النقدل والدي المسلمين
الجزء الثاني

.
.
. .
.
.
.

كتاب الطهارة
٢٥٩
٤٨
ب ٥١ / ح ٦٣
٥١ - سؤر الكلب
٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِناءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ)).
] [رواته: ٥]
د
١ - قتيبة بن سعيد: تقدّم ١.
٢ - مالك بن أنس الإِمام: تقدّم ٧.
٣ - أبو الزناد عبد الله بن ذكوان: تقدّم ٧.
٤ - عبد الرحمن بن هرمز الأعرج: تقدّم ٧.
٥ - أبو هريرة نصه: تقدّم ١.
التخريج
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك في الموطأ وابن ماجه
وابن الجارود والبزار والدارقطني، وأخرج الدارقطني بإسناد صحيح عن
عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة: ((إذا ولغ الكلب في الإِناء
فاغسله ثلاث مرات))، وأعلّه الدارقطني وغيره، قال البيهقي: (تفرّد به
عبد الملك عن أصحاب عطاء، وعطاء عن أصحاب أبي هريرة، والحفاظ
الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يروونه سبع مرات) اهـ. وفي
ذلك دليل على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة
(ثلاث مرات)) وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه ولمخالفته أهل الحفظ
والثقة تركه شعبة بن الحجاج ولم يحتج به البخاري، وأخرج ابن عدي في
الكامل عن حسين بن علي الكرابيسي قال: حدثنا إسحاق بن الأزرق قال:
حدثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم
فلیرقه ثم لیغسله ثلاث مرات)).
وأخرجه من رواية عمر بن شبة موقوفاً ولم يرفعه غير الكرابيسي.
قُلت: فتبين بذلك أن المروي عن أبي هريرة من الطرق الصحيحة هو
الثابت المعول عليه المروي عن غيره من الصحابة، وأن الثلاث إنما رويت

ب ٥١ / ح ٦٣
٢٦٠
كتاب الطهارة
موقوفة، ولعلها من رأيه واعتقاده أن الغسل سبعاً مستحب وليس بواجب كما
أشار ابن حجر إلى احتماله، وقد حاول العيني تَخّْتُهُ تقوية هذه الرواية
والاحتجاج بها لرأي إمامه فتكلّف في ذلك بما لا يرضاه المنصف.
اللغة والإعراب والمعاني
تقدّم الكلام على لفظة (إذا). وقوله: (شرب) هذه رواية مالك تَخْلَقُ في
الموطأ والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه ((إذا ولغ))،
والمعروف في اللغة التعبير عن شرب الكلب ونحوه بالولوغ. ورواه ابن سيرين
عن أبي هريرة: ((إذا شرب)) كرواية مالك، وروى ابن خزيمة وابن المنذر من
طريقين عن هشام بن حسان عنه مثله. ورواية مسلم عن هشام بن حسان بلفظ:
((إذا ولغ)) وهي المشهورة عنه. وقد رواه ورقاء بن عمر عن أبي الزناد شيخ
مالك بلفظ: ((إذا شرب)). أخرجه الجوزقي، ومثله لأبي يعلى عن المغيرة بن
عبد الرحمن. وقد رُوِيَ عن مالك أيضاً: ((إذا ولغ))، كرواية الجمهور، فلذلك
قال ابن حجر نَّلهُ: كأن أبا الزناد حدّث باللفظين لتقاربهما في المعنى. قال:
وهذا يدل على أن قول ابن عبد البر: ((لم يروه بلفظ شرب غير مالك)) غيرُ
مُسَلَّم به. وقوله: (شرب وولغ) هنا بمعنى، لأن شرب الكلب هو الولوغ وكذا
غيره من السباع، ولغ الكلب في الإِناء يلغ فيه ولوغاً شرب بطرف لسانه،
وقيل: إذا أدخل لسانه في الشراب وحرّكه، فإن أدخله وليس في الإناء شراب
يقال لحسه. فإن كان فيه شيء غير مائع يقال: لعقه، وقيل: الولوغ أعم من
الشراب لأنه إذا أدخل لسانه في المائع وحرّكه ولغ ولو لم يشرب.
وفي اللسان: الولغ شرب السباع بألسنتها، ولغ السبع والكلب وكل ذي خطم
وولغ يلغ فيهما ولغاً شرب ماء أو دماً، وأنشد ابن بري لحاجز الأسدي اللص:
بغزْوٍ مثل ولغ الذئب حتى يثوب بصاحبي ثأر منيم
وقال آخر:
بغزوٍ كولغ الذئب غاد ورائح وسير كنصل السيف لا يتعوَّج
وفي التهذيب بعض العرب يقول بالغ، أرادوا بيان الواو فجعلوا الفاً
مكانها قال الشاعر: