Indexed OCR Text
Pages 1-20
شِرْج ◌ُمْنَّ النَّسَائِيّ المُسَتَى شُرُوْقُ أَنَوَارِ الْمِنَنِ الْكُبْرَى الْإِلَهِيَّةُ بِكَشْفِ أَسْرَارِ السُنَّنِ الصُغْرَى النَسَائِيَةُ تَأْلِيفْ فَضِيلَة الشَّيْخِ محمد اخْ تَ بَنْ محمد عَنْ أَحَمَرْبِ الَِّيَ سْتِيطي 9 المُدُرسِنْ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوَي الشَّرِيفُ بِالْمَدِيْنَة المُثَّوْرَةُ غر القدلد واوالدين مسلمين المُتوفى فيالمدينةسنه١٤٠٥هجرية ١٠٥٧ وقف لله تعالى طبع على فقد أحَد أمحنين غفر الله لهولوالديه المسلمين الجزء الأول شَرْحُ سُبْنَ النَّسَائِي محمد محمد المختار الشنقيطى ، ١٤٢٥هـ ح فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الشنقيطي، محمد محمد المختار شرح سنن النسائي المسمى شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية/ محمد محمد المختار الشنقيطي .- الرياض، ١٤٢٥هـ ١٩٢٠ ص٤ ١٧ × ٢٤ سم ردمك: ٢ - ٤٧٣ - ٤٤ - ٩٩٦٠ أ- العنوان ٢- الحديث - شرح ١- الحدیث - سنن ١٤٢٥/٤٤٣ دیوي ٢٣٥٫٥ رقم الإيداع: ٤٤٣ / ١٤٢٥ ردمك: ٢ - ٤٧٣ - ٤٤ - ٩٩٦٠ وقف لله تعالى حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ التمهيد التمهيد التمهيد بِسْمِ الَّهِ الرَّحْضِ الرَّحِيعُ شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وهادي عباده المتقين إلى صراطه المبين، ومنزل الكتاب على خيرته من خلقه أجمعين، وفاتح أبواب الخير والسعادة بالوصول إليه للقاصدين، وحافظ الشريعة من تزييف المنحرفين عنها والملحدين، الممتنّ على أهلها بتأييده للعلماء العاملين، الذين حفظوها وحافظوا عليها فدوّنوها أكمل تدوين، الذائدين عنها بأقلامهم وألسنتهم كل تزوير فيها بكذب ومين، فجزاهم الله أحسن جزائه للمجاهدين كما وعدهم بقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَّدِيَّهُمْ سُبَُّأْ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ ﴾﴾، ورزقنا التوفيق والهداية إلى سلوك سبيلهم والتمسك بهدي أئمتنا الهداة المهديين، وجمعنا وإياهم في دار كرامته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وإن كنا لسنا لذلك أهلاً فهو أهل للكرم والتفضل على عباده المجدين والمقصرين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين المنزل عليه ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزَّلَ إليهم)) فبيّنه أتم التبيين؛ حتى تركهم على المحَجَّةِ البيضاء التي من زاغ عنها وتركها هلك مع الهالكين، وعلى آله وصحابته السالكين لسبيله في إقامة الحق ونشر الدين، والدعوة إليه بجهادهم جميع المكذبين والطاعنين فيه من المخالفين، ورضي عمن تبعهم على نهجهم وتمسك بدينهم في مشارق الأرض ومغاربها من الدانين والقاصين. التمهيد ٦ التمهيد أما بعد : - فيقول العبد الفقير إلى رحمته تعالى المدعو باسمه - محمد المختار وهو ابن محمد بن سيد الأمين بن حبيب الله بن أحمد مزيد بن بون واسمه سعيد الجكني نسباً الرشيدي مولداً ومنشأ، ثم المدني إقامة وهجرة الشنقيطي شهرة - ولد في ضاحية قرية الرشيد، بموضع يسمى ((الشُّقيق)) كان مزرعة لأهله، وقرية الرشيد في منطقة - تكانت - بكاف معقودة عند أهل البلاد وهي من بلاد موريتانيا ولد بها عام ١٣٣٧هـ وإنما اشتهرت النسبة لأهل هذه البلاد بشنقيط - وهي قرية من قراها - لأنها صارت علماً عليهم بالتغليب - قيل لأن الجنود من أسلافهم الذين فتحوا تلك البلاد لما اجتمعوا حين غزوها من المغرب كان اجتماعهم فيها أولاً فنسبوا إليها، وقيل إنهم لما استقروا بتلك البلاد كان يصعب عليهم السفر إلى الحج إلا من طريق المغرب، فيتواعدون هذا المكان ليجتمعوا فيه فنسبهم أهل المغرب إلى هذه القرية، فاشتهروا بذلك - وأكثر المنتسبين إليها - ومن بينهم الكاتب - لا يعرفونها إلا بالاسم، وقد اشتهروا الآن باسمهم وهم - الموريتانيون - فالعبد الفقير خرج من مسقط رأسه على رأس سنة ١٣٥٧هـ، وهو على تمام التاسعة عشرة من عمره مهاجراً من البلاد أيام حكم الفرنسيين لها، وجاور بالمدينة المنورة. أقول - وبالله أستعين -: لما رأيت كتب الحديث المسماة عند علماء السنة بالسِّتَّة، وبالأصول الستة، أو الأمهات الستة، أو الخمسة وهي شهيرة باسمها غنيّة عن التعريف بها، ورأيت الأربعة من الخمسة قد شرحت شروحاً مستوفاة من مطول ومختصر، ورأيت الخامس منها وهو - النسائي - لم يظهر له على وجه البسيطة حتى الآن شرح يكون وافياً به إلا تعاليق مختصرة جداً لا تفيد إلا في حل بعض الألفاظ. وكنت لا أرى للاشتغال بالتأليف في هذا الوقت كبير فائدة إلا الشهرة، أو أخذ شهادات الغالب عليها أن تكون غروراً لصاحبها وخديعة له ولغيره، فلما لم أر أحداً تصدى لخدمة هذا الكتاب العظيم حتى يكون مِثْل غيره من أصول السنة، استخرت الله تعالى في القيام بخدمته، وخدمة أهل العلم والمساهمة معهم في حفظ السنة والسعي في الخير، فانشرح صدري لذلك مع ما أنا فيه من الاشتغال واعتراض بعض الأمراض مع التقدم في السن الذي يعوق الإنسان في الغالب عن كثير من مقاصده، لكن الثقة بعون الله تعالى التمهيد ٧ التمهيد إذا حَسُنَت النية حملتني على الاقتحام، وجرأتني على رفض التواني والإِحجام، فشمرت عن ساق الجد، واستعنت بالله فإنه خير معين وممد. فاستعمل الصبر إلا فاز بالظفر وقلَّ من جدَّ في أمر يحاوله وإن لم أكن أرى نفسي أهلاً لما هنالك، ولا من فرسان ميادين تلك المسالك، فلا يمنعني ذلك من أن أجود بقلِّي وموجودي، وبعد ذلك لا أُلَام فإن خير الصدقة جهد المقل كما قال عليه، ورحم الله القائل: مؤملاً جبر ما لاقيت من عرج أسير وراء الركب ذا عرج فكم لرب الورى في الناس من فرج فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا فما على أعرج في ذاك من حرج وإن ضللت بِقَفْرِ الأرض منقطعاً وأعوذ بالله من طعن الحاسدين، وأهل الأهواء المغرضين، الذين استمرأوا الوقيعة في أعراض المسلمين، وخاصة أهل العلم والدين، وكأنهم لمحاسن أهل الفضل أعداء وعنها من المتصاممين، ولم يسمعوا ما قال بعض من عُني بنصيحتهم ونصيحة أمثالهم ممن هم للعورات متتبعون: فالناس لم يصنفوا في العلم لكي يصيروا هدفاً للذم والدعوات وجميل الذكر ما صنفوا إلا رجاء الأجر فهذا زمان غلب فيه الجهل وعم، وطغى على أهله بحر الفتن والفساد وطم، وكثر فيه النكير على أهل الخير ممن تورط في ظلمات الزيغ وارتطم، فالفضيلة بين أهله مغموطة مستورة، والعثرة ولو بسوء الظن علانية مشهورة، وقد سبق فيهم قول القائل: إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا شراً أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا وقول الآخر : عني وما سمعوا من صالح دفنوا إن يسمعوا سُبَّةً طاروا بها فرحا وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا صُمّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ومع هذا فالدعاوى الباطلة فيهم فاشية، وأقوال أهل الحق والمعرفة عندهم لاغية، فلذلك تقدمت فيهم الأنذال، وتأخر أهل الفضل والكمال، فهم كما قال من يصف مثل ما نحن فيه في الحال: التمهيد ٨ التمهيد أرى زمناً نَوْكَاه أسعدَ أهله ولكنّما يشقى به كل عاقل. فكبَّ الأعالي بارتفاع الأسافل مشی فوقه رجلاه والرأس تحته وقد اتضح فيه مصداق قول الرسول و الفجر: ((شبحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه)). ومع ذلك فأهل الحق لا تؤثر عليهم عوارض الأحوال، ولا يصدهم عن اتباعه كثرة الزعازع والأهوال، وواجب النصح عليهم فرض باق لا يزال، والنشء محتاجون إلى الخير على أيدي الكبار، وإلا فمن أين يعرفون السبيل المستقيم والطريق القويم، ولقد أحسن القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي إذ يقول: إذا استقت البحار من الركايا متى تصل العطاش إلى ارتواءٍ إذا جلس الأكابر في الزوايا ومن يثني الأصاغر عن مراد على الرفعاء من إحدى الرَّزایا وإن تَرَفِّعَ الوضعاء يوماً فقد طابت منادمة المنايا إذا استوت الأسافل والأعالي والتوجع من هذه الأحوال في الناس قديم، والأمر فيه على مر الأيام مستديم. والمقصود أن الفقير إليه تعالى قد شرع في شرح الكتاب المذكور على طريقة هذا بيانها : أولاً: البدء بالآية التي ابتدأ بها المصنف وهي آية الوضوء وشرحها شرحاً وافياً، ثم شرح الأحاديث على ترتيب المؤلف بصورة كالآتي: وهي أنني أبدأ بالرجال فأترجم لكل واحد منهم، وأذكر بعض رواته ومشايخه، وأعتمد في ذلك على كتاب ((تهذيب التهذيب))؛ لكن لا أتقيد بلفظه، ولا أستوفي كلامه، ولا أخرج عنه؛ إلا في النادر، واكتفيت بالتنبيه على هذا في المقدمة من العزوٍ لَهُ في كل ترجمة، ثم بعد ذكر تراجم الرجال أذكر من أخرج الحديث غير المصنف، وأكتفي في العزو بأصل الحديث، ولا أعتني ببيان الاختلاف في الألفاظ في الغالب، إلا عند الحاجة، وتوقف الفائدة على ذلك كالزيادة المفيدة، أو النقصان في المتن، وكذا الاختلاف في إسناد الحديث بأن يكون من طريق واحد، أو طرق متعددة، إنما أعتني بذلك عند الحاجة إليه، ثم أتكلم على لغته، وإعرابه، ومعناه بعنوان لكل ذلك، ثم على التمهيد ٩ التمهيد فقهه، وما يستفاد منه ومناقشة الأدلة عند الخلاف بصورة مختصرة غير مخلة، وقد رقمت أحاديث الكتاب بالتسلسل، وجعلت الإحالة على ما تقدم سواءٌ . أكان من التراجم أو غيرها بأرقام الحديث دون أرقام الصحائف، وكأني ببعض المتنطعين أو المنتحلين للعلم يعترض بالتطويل، فَلْيعلم أني قصدت خدمة الكتاب من جميع نواحيه، ولم أقتصر في التراجم على التقريب، ونحوه لأنني أعلم أن كثيراً من الناس لا يتسنى له الاطلاع على التراجم لعدم المصادر، فأردت أن يكون الكتاب يكفي بنفسه عن الرجوع إلى غيره، ومع ذلك لا أبيعه بشرط البراءة من كل عيب، فإن الإنسان عرضة للسهو والنقصان، وكماله في أن يزيد صوابه على خطئه، ولم يجعل الله العصمة لغير أنبيائه، وليس المخطئ من أخطأ الصواب فحسب بل إن أكبر الخطأ في أن يعتقد الإنسان أن أحداً من الناس لا يخطئ، وقد اجتهدت وما عليَّ وراء الاجتهاد من سبيل، والله حسبي ونعم الوكيل، فإن صادف سعيي من ينظر إليه بعين الرضا فسيجد فيه ما يستفيد منه ولعله يرضى، وإن كانت الأخرى وهي أن ينظر إليه بعين السخط فينزل منه منزلة المُسْخِطِ وما عليه أَئِلُّ ولا على مثله أشجى وأُوَلْوِل. ولكن بقول من سبقني لحاله أتمثل: وعدت إلى مصحوب أول منزل ترکت هوی سعدی ولبنى بمعزل منازل من تهوى رويدك فانزل ونادتني الأشواق مهلاً فهذه لغزليَ نساجاً فكسّرت مغزلي غزلت لهم غزلاً رقيقاً فلم أجد فرحم الله امرأً أنصف أخاه، ودعا له بخير على ما بذله وأسداه، فإن الجزاء من جنس العمل، والله الذي يحقق لطالب الخير منه الأمل، وفيه الرجاء وعليه المعول، وقد سميته كما افتتحته وبدأته: (شروق أنوار المنن الكبرى الإلهية بكشف أسرار السنن الصغرى النسائية)، وإني لأرجو أن ينفعني به من هو مطلع على سري وعلانيتي ومدى تعبي فيه، وأن يرزقني الإخلاص في العمل كله والرغبة في فضله وكرمه دون غيره، وأن يجعله لي ذخراً أنتفع به عند القدوم عليه، وذكراً لي بعد الموت يدعو لي من نظر فيه، وأن يعينني على تتمة باقيه إنه خير معين، وبيده أزمة الأمور وإليه المصير يوم الدين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة المؤلف كتام ١٠ ترجمة المؤلف تكتثم ترجمة المؤلف أخذته الإمام الحافظ شيخ الإسلام قاضي مصر أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، نسبة إلى مدينة بخراسان يقال لها نسا، فهو خراساني المولد، والمنشأ، ٩ ولد سنة ٢١٥هـ، وقيل ٢١٤هـ. سمع من قتيبة بن سعيد وأكثر عنه، وكان رحل إليه، وهو ابن ثلاثين سنة كما جزم به الذهبي، وفيما نقل هو أن ذلك على التقريب، وقال: أقمت عنده سنة وشهرين، وسمع إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وأبا كريب، وسويد بن نصر، والحارث بن مسكين، وعيسى بن حماد زُغْبة، وخلائق في أقطار البلاد، غيرهم بخراسان والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، ورحل في هذه الآفاق، واستقر بمصر، وروى عنه خلائق كثيرون منهم: ابنه عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق ابن السني، وأبو علي الحسن بن رشيق العسكري، وأبو القاسم حمزة بن محمد بن علي الكناني الحافظ، وأبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوية ومحمد بن معاوية بن الأحمر، ومحمد بن القاسم الأندلسي، وعلي بن أبي جعفر الطحاوي، وأبو بكر أحمد بن أحمد المهندس، هؤلاء رواة كتاب السنن كما قال صاحب التهذيب، وابن الأحمر هو الذي أدخل كتاب السنن الأندلس، وروى عنه أيضاً أبو بشر الدولابي وهو من أقرانه وأبو عوانة في صحيحه وأبو بكر الحداد الفقيه وأبو علي بن هارون وأبو جعفر العقيلي وأبو علي النيسابوري الحافظ، وخلق غيرهم، وقد اتفق الأئمة على حفظه وإتقانه، وجلالة قدره، وتبريزه في علم الحديث، ومعرفته بالرجال، وثناء الأئمة عليه كثير، قال الحاكم: سمعت علي بن عمر الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدّم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره، وقال مرة: النسائي أفقه مشايخ عصره، وأعرفهم بالصحيح، والسقيم، وأعلمهم بالرجال فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرملة فَسْئِل عن فضائل معاوية فأمسك ترجمة المؤلف تكلفة ترجمة المؤلف كتّشه عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل وتوفي مقتولاً شهيداً. وقال الدارقطني: كان أبو بكر الحداد الفقيه كثير الحديث ولم يحدث عن أحَد غير أبي عبد الرحمن النسائي فقط، وقال: رضيت به حجة بيني، وبين الله تعالى. قال الدارقطني: سمعت أبا طالب الحافظ يقول: من يصبر على ما يصبر عليه أبو عبد الرحمن، كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث بشيء منه، وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة. قال ابن كثير كَذَتُهُ: كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ونقل عن الحافظ أبي علي أنه قال: للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج. وقال أيضاً: رحل إلى الآفاق واشتغل بسماع الحديث، والاجتماع بالأئمة الحذاق إلى أن قال: وقد جمع السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل حجماً بمرات، وقد وقع لي سماعهما، وقد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان، وصدق وإيمان، وعلم وعرفان. اهـ، قلت: وقوله انتخب منه إلخ يعني السنن الصغرى وهي هذه التي بأيدينا نشرحها الآن أعان الله على ذلك. قال الذهبي: تفرد بالمعرفة، والإتقان، وعلو الإِسناد، وفي التهذيب: قال ابن عدي: سمعت منصوراً الفقيه، وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن إمام أئمة المسلمين، وقال أبو علي النيسابوري: كان من أئمة المسلمين، وقال فيه: الإمام في الحديث بلا مدافعة، وقال أيضاً: رأيت من أئمة المسلمين أربعة في وطني، وأسفاري اثنان بنيسابور: محمد بن إسحاق وإبراهيم بن أبي طالب، والنسائي بمصر، وعبدان بالأهواز، وقال مأمون المصري: خرجنا إلى طرسوس فاجتمع من الحفاظ: عبدالله بن أحمد، ومربِّع، وأبو الأذان، وكيلجة، وغيرهم فكتبوا كلهم بانتخاب النسائي، وقال أبو الحسين بن المظفر: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم، والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار، ومواظبته على الحج والجهاد، وإقامته السنن المأثورة، واحترازه من مجالس السلطان، وأن ذلك لم يزل دأبه حتى استشهد. كان تَخَّْتُ قد صنف كتاب خصائص علي، فاتهمه بعض الناس بالتشيع. ترجمة المؤلف كلّشُ ١٢ ترجمة المؤلف كتش قال أبو بكر المأموني: سألته عن تصنيفه كتاب الخصائص، فقال: دَخَلْتُ دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب الخصائص؛ رجاء أن يهديهم الله. ثم صنف بعد ذلك كتاب فضائل الصحابة، وقرأها على الناس، وقيل له - وأنا حاضر: ألا تخرج فضائل معاوية فقال: أي شيء أخرج؟ اللهم لا تشبع بطنه، وسكت السائل، وقد ذكر الذهبي أن هذه منقبة لمعاوية للحديث الثابت عنه بَّر وفيه: اللهم من لعنته، أو شتمته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة. قال السيوطي فيه: الحافظ شيخ الإسلام وأحد الأئمة المبرزين، والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين، جال البلاد، واستوطن مصر، فأقام بزقاق القناديل، وذكر ابن كثير أنه ولي الحكم بحمص، ونقل ذلك عن شيخه المزي، وذكروا أنه كان له أربع نساء حرائر، وسريتان وأنه كان في غاية الحسن، وكان كل يوم يأكل ديكاً، ويشرب مرقه، ويشرب نقيع الزبيب الحلال، وأنه دخل دمشق فسئل عن فضائل معاوية فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأساً برأس حتى يروى له فضائل، فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من الجامع، فسار من عندهم إلى مكة فمات بها سنة ٣٠٣، ولم يختلفوا في أن هذا سبب موته، وإنما اختلفوا هل كان ذلك بدمشق، أو بالرملة؟ فمنهم من قال إنه بدمشق، وموته بمكة، ودفن بين الصفا والمروة، ومنهم من قال بالرملة، ودفن في بيت المقدس في صفر من السنة المذكورة ٣٠٣ هـ، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة وعمره على قول الذهبي: ٨٨ سنة - رحمنا الله وَإِياه برحمته الواسعة -. كتاب الطهارة ١٣ كتاب الطهارة بِسْمِ اللّهِ الرَّحْضِ الزَحية قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي: ١ - تأويل قوله عزّ وجلّ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ التأويل: تفعيل من أوّل الشيء، يؤوله، تأويلاً، وتأوّله؛ إذا ردّه إلى أصله، وثلاثيه آل يؤول، أولاً، ومآلاً - إذا رجع - والأول الرجوع، وتأويل الكلام تفسيره وبيان المراد منه، ومنه قول عبد الله بن رواحة ظبه في عمرة القضاء، وهو آخذ بخطام ناقة الرسول و ﴿ حينما دخل مكة: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله فالمراد: على تأويل رؤيا الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو القرآن الذي نزل بمقتضاها وهو قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَفَ اَللَّهُ رَسُولَهُ الزُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾، الآية وهذا هو الغالب في استعماله في القرآن، وقال الجوهري: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أوّلته تأويلاً وتأولته بمعنى، ومنه قول الأعشى : على أنها كانت تأول حبها تأول ربعي السقاب فأصحبا وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: إن التأويل، والمعنى، والتفسير واحد. وقال بعضهم: التفسير، والتأويل معناهما واحد بحسب عرف الاستعمال، والصحيح تغايرهما، وقال الراغب: التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ، وأكثر استعمال التأويل في المعاني كتأويل الرؤيا، وأكثر استعماله في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها، وفي غيرها، والتفسير أكثر ما كتاب الطهارة ١٤ كتاب الطهارة يستعمل في مفردات الألفاظ، والتأويل أكثر ما يستعمل في الجمل، اهـ. قلت: من استعماله في الرؤيا قول عاتكة بنت عبد المطلب بعد وقعة بدر لما ظهر مصداق رؤياها التي رأتها قبل الوقعة وهي أن رجلاً دخل المسجد فَنَادِى: يا آل غُدَر، قوموا إلى مصارعكم في ثلاث، فكذّبوها حتى قال أبو جهل: ((يا بني هاشم أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، ثم قال: ها نحن سنتربص بكم ثلاثاً فإن كان ما قالت حقاً فسيكون وإلا كتبنا عليكم أنكم أكذب أهل بيتٍ في العرب)) فقالت: ألمّا تكن رؤياي حقاً ويأتكم [بتأويلها] فَل من القوم هارب وقال الله تقدست أسماؤه حكاية عن يوسف،فَلَّا: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَىَ مِن قَبْلُ﴾ . وعند الأصوليين التأويل: صرف اللفظ عن المعنى المتبادر منه الذي يسمونه الظاهر إلى معنى مرجوح، وينقسم عندهم إلى مقبول، ومردود، وتلاعب. فالمقبول ما كان الصارف فيه صحيحاً، والمردود: ما كان في ظن المستدل صحيحاً، وهو في نفس الأمر فاسد، والتلاعب: ما كان لغير دليل. قوله : من العزة وهي القوة، والشدة، والرفعة، والغلبة وَعَزّهُ غلبه، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وقولهم في المثل: من عَزّ بزّ، أي من غلب سلب. وقول الخنساء تنعي إخوتها : إذ الناس إذ ذاك من عزَّ بزّا كأن لم يكونوا حمى يتقى أي من غلب سلب، وقول جرير في عبد الملك بن مروان: يعُزُّ على الطريق بمنكبيه كما ابترك الخليع على القداح أي يغلب عليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَّنِ فِى الْخِطَابِ﴾ أي غلبني والهاء في قول المصنف: ((قوله)) ترجع إلى الله تعالى، ولم يتقدم ذكر لفظ الجلالة لأنه في قلب كل إنسان حاضر، فهو بمثابة المذكور، فهو كقوله تعالى: ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ مع أن الضمير قد يعود إلى غير مذكور كما قال تعالى: ﴿حَقَّ تَوَرَتْ بِاَلِجَابِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. هذا صدر آية التيمم وتمامها ﴿وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ كتاب الطهارة ١٥ كتاب الطهارة وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنْتُمْ خَرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ . الكلام عليها ينحصر في أمور: الأول: في ابتداء المصنف الكتاب بها في بدء كتاب الطهارة كما فعل البخاري كَّلُ بدأ بها في كتاب الطهارة، وذلك مناسب من وجوه: ١ - التبرك في مبدأ الكلام بكلام الله تعالى. ٢ - أن الأصل في الاستدلال على الأحكام الشرعيّة كتاب الله تعالى أولاً وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ثانياً . ٣ - أن أكثر أحكام الطهارة ينبني على هذه الآية الكريمة ويتفرع عنها، فالكلام على الطهارة بيان لمعنى الآية الكريمة، ولهذا أَوْرَدَ المصنف في شرحها جميع أحاديث الطهارة شرحاً لها كما يأتي. الثاني : سبب نزولها: ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة رضيها أنها خرجت مع رسول الله ◌َ﴾ - في بعض أسفاره - وهي غزوة المريسيع، والصحيح أنها كانت في سنة ست من الهجرة كما يأتي بيانه في شرح الحديث إن شاء الله، وهي غزوة بني المصطلقِ من خزاعة، والمريسيع اسم ماءٍ لهم كانوا عليه بالساحل من ناحية قُدَيد، قالت عائشة: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فذكرت الحديث قالت: فقام رسول الله والر حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن الحُضَير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وهذا السبب متفق على أنه سبب النزول، وأن التيمم لم يكن شرع قبل ذلك كما يأتي إن شاء الله تعالى. غير أنه أشكل على العلماء أي الآيتين تعني عائشة ؤنا؟ أهي: هذه، أم آية النساء؟. وذلك لأن آية النساء فيها ما يدل على أنها متقدمة على غزوة المريسيع، لأن فيها ذكر تحريم الصلاة في حال السكر، وذلك قبل تحريم الخمر، وتحريم الخمر مختلف فيه فقيل: كان في حصار بني النضير، وذلك سنة أربع من الهجرة وقيل: بعد بدرٍ، وقبل أحدٍ، وذلك كله قبل نزول آية كتاب الطهارة ١٦ كتاب الطهارة التيمم في غزوة المريسيع وهي التي كانت فيها قصة الإفك، وفي سياق حديث الإفك قالت: كان يعرفني قبل نزول آية الحجاب تعني صفوان، ونزول الحجاب صبيحة عرس النبي ◌ّل9 بزينب، وذلك بعد مقتل بني قريظة في آخر سنة خمسٍ، فتعيَّن كونها سنة ست كما قال خليفة بن خياط. ولهذا الاختلاف قال القاضي أبو بكر بن العربي كثّثُ: وهي معضلة ما وجدت لدائها من دواءٍ عند أحدٍ، وهما آيتان فيهما ذكر التيمم إحداهما في النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أية آية عنت عائشة؟ وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة كانت عند فقد العِقد في غزوة المريسيع قال خليفة بن خياط: سنة ستّ، وقال غيره سنة خمس، وليس بصحيح، وحديثها يدلّ على أنّ التيمم قبل ذلك لم يكن معلوماً ولا معمولاً به، فالله أعلم كيف كانت حال من عدم الماء وحانت عليه الصلاة، فإحدى الآيتين مُبَيِّنَة والأخرى زائدة عليها، وإحداهما. سفريَّة، والأخرى حضريّة، ولما كان أمراً لا يتعلق به حكم خبأه الله ولم يَتَيسَّر بيانه على يدي أحدٍ، ولقد عجبت من البخاري بوّب في كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذكر فيها التيمم، وأدخل حديث عائشة فقال: ((وإن كنتم مرضى أو على سفر)). وبوّب في سورة المائدة فقال: باب ((فلم تجدوا ماءً)) وأدخل حديث عائشة بعينه وإنما أراد أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة وأراد فائدة أشار إليها هي أن قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ إلى هذا الحد نزل في قصة علي وأن ما وراءها قصة أخرى، وحكم آخر لم يتعلق بها شيء منه، فلما نزلت في وقت آخر قرنت بها، والذي يقتضيه هذا الظاهر عندي أن آية الوضوء يذكر التيمم فيها في المائدة، وهي النازلة في قصة عائشة. وكان الوضوء مفعولاً غير متلو فكمل ذكرهُ، وعقب بذكر بدله واستوفيت النواقض فيه ثمّ أعيدت من قوله: ﴿وَإِن كُم ◌َّهَ﴾ إلى آخر الآية في سورة النساء مركبة على قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِ سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ حتى تكمل تلك الآية في سورة النساء جاء بأعيان مسائلها كمال هذه ويتكرر البيان وليس لها نظير في القرآن، والذي يدل على أن آية عائشة هي آية المائدة أن المفسرين بالمدينة اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ﴾ يعني من النوم، وكان ذلك في قصة عائشة والله أعلم اهـ. كتاب الطهارة ١٧ كتاب الطهارة قال الفقير إليه تعالى كاتب الحروف: فتحصل من هذا أن الراجح أنها آية المائدة إلا أن طرفاً منها ألحق بآية النساء، فإذاً تقَرَّر من هذا أن آية المائدة هي التي نزلت في شأن عائشة، وذكر فيها الوضوء ليكون مفروضاً بالقرآن كما كان مفروضاً بالسنة، وليرتب عليه بدله، وتذكر أسبابه، وهي أسباب بدله أيضاً، وأن آخر آية النساء تأخر نزوله عن أولها حتى كان بعد نزول آية المائدة، ثم قرن بأول الآية لتتم الفائدة هنالك تمامها في المائدة. فهذا ما صح في سبب نزول الآية، وهو يؤيد القول بأن ذكر الوضوء لم يكن أول بيان وجوبه لأنّه كان معلوماً قبل ذلك، ولكن ليرتب عليه البدل كما تقدم. وقد ورد في سبب نزول آخر آية النساء أن الصحابة رضوان الله عليهم أصابتهم جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك للنبي وَّ فنزلت. ورَجَّح القرطبي أن آية التيمم آية النساء لعدم ذكر الوضوء فيها، ويردّه ما تقدم. قال العيني: وقد ذكر الحميدي في جمعه حديث عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة فذكر القصة، وفيها فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى اُلْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم ◌َرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَّةَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِنَ الْغَّبِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُومِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قلت: وهو نص في موضع النزاع. الثالث: توضيح معاني ألفاظها وبيان مفرداتها: قوله: (يا) حرف نداء القريب والبعيد، وقيل: يختص بالبعيد حقيقة أو حكماً وقيل: للقريب وقيل: بينهما وبين المتوسط، وهو عند بعضهم أصل حروف النداء، ولهذا يختص بأمور: منها: أنه لا يقدر عند الحذف منها غيره نحو ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَنَّهَا الْمََّلُونَ الْمُكَذِبُونَ﴾. ومنها: أنه يختص بنداء لفظ الجلالة نحو - يا الله - ومنها: أنه لا يستعمل في الاستغاثة غيره، وفي الندبة إمّا بالواو، أو به عند أمن اللبس. ومنها: أنه يختص بنداء أيها، وأيتها كما قال بعضهم نحو: ﴿يَأَيَّهَا النَّفْسُ﴾. كتاب الطهارة ١٨ كتاب الطهارة وقوله: (أي): اسم يتوصل به لنداء ما فيه أل، وذلك أحد معانيه التي يأتي لها في اللغة، وهي ((خمسة)). الثاني: أن تكون شرطية نحو ﴿أَيَّا مَّا تَدْعُواْ﴾ الثالث: أن تكون استفهامية نحو ((أي الفريقين)) والرابع: أن تكون موصولة نحو ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، وقول الشاعر: إذا ما لقيت بني مالك فسَلِّم على أيهم أفضل الخامس: أن تكون بمثابة الصفة، فتكون بعد النكرة صفة نحو: لقيت رجلاً أي رجل، وتكون حالاً بعد المعرفة نحو: ((لقيت محمداً أي رجل)) وهي في النداء وصلة كما تقدم؛ إلا عند الأخفش؛ فإنه يرى أنها موصولة، وصَدْرُ صلتها ضمير محذوف، وهو العائد فيكون التقدير ((يا من هم الذين آمنوا)) و((يا من هو الرجل)). وقوله: ((ها)): للتنبيه، وهو أحد معانيه، فتدخل على أربعة أشياء: الأول: ضمير الرفع المخبر عنه باسم الإشارة نحو ﴿هَكَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ﴾. والثاني: اسم الإشارة غير المختصة بالبعيد نحو: ((هذا)). الثالث: نعت أي في النداء، كما هنا، ونحو: يا أيها الرجل، وهي هنا واجبة للتنبيه على أنه المقصود بالنداء، وعند بعضهم أنها عوض عما تضاف إليه أي. وفي لغة بني أسد يجوز فيها حذف الألف، ويجوز فيها ضم الهاء إتباعاً كما في قراءة ابن عامر ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. ﴿وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾، والضم للإتباع، وذكر بعضهم أنها عوض عن تكرير حرف النداء لأن الأصل في ((يا أيها الرجل)) يا أي يا الرجل. الرابع: اسم الجلالة في القسم؛ منه قول الصديق ظُه في حديث أبي قتادة في صحيح مسلم في قصة سلب القتيل يوم حنين: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسدٍ من أسود الله ينافح عن الله ورسوله؛ فيعطي سلبه أصيبع من قريش ... الحديث، وتكون بقطع الهمزة، ووصلها مع حذف الألف، وإثباتها . وقوله: (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول قيل إنه جمع مفرده الذي، وهو الذي مشى عليه ابن مالك في ظاهر قوله: جمع الذي الأولى الذين مطلقاً وهو الراجح. واحتج له بأنه جاء على صفة جمع المذكر، ولهذا رفعَه كتاب الطهارة ١٩ كتاب الطهارة بعضهم بالواو كما قال ابن مالك: وبعضهم بالواو رفعاً نطقاً وهي لغة هذيل كما في قول بعضهم: يوم النخيل غارة ملحاحا نحن الذون صبّحوا الصباحا ورجح العيني تَّتُهُ: أنّه اسم دال على الجمع، وليس بجمع، واحتج بأنّه أخص من مفرده لأنّ مفرده يكون للعاقل، وغيره، وهو لا يكون إلا للعاقل والمشهور الأول، وقد جاء الذي بمعنى الذين كما يأتي المفرد بمعنى الجمع كما في قول الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد وهو هنا إما صفة لـ((أي))، وهو الجاري على ألسنة المعربين، وفيه وجه آخر وهو أنه نعت لموصوف محذوف التقدير: أيها القوم الذين آمنوا، أو الناس الذين آمنوا، والخطاب بالذين لجماعة الذكور، ويدخل فيه في عرف الشرع الإناث؛ إما لأنهم مخاطبون على ألسنة الذكور، أو لأنهم تبع للذكور في أغلب الأمور. وقوله: ((ءَامَنُواْ﴾): صلة الموصول، وأصل هذا اللفظ أن يراد به وصف جماعة الذكور كما تقدم، والإيمان في اللغة: التصديق ومنه قول أبناء يعقوب لأبيهم: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِعُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾. ولكنه في عرف الشرع: مخصوص بالتصديق الجازم بما جاء به الرسول وَ* عن الله تعالى فيكون على ذلك له حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وهذا أصله في الشرع كما في حديث جبريل المشهور فإنه لمّا سأله وَّله بقوله: أخبرني عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره، وشره)) الحديث، وجاء في الشرع مراداً به الصلاة، وهي من أعماله، ولوازمه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس، كما جاء مراداً به سائر وظائف الشرع في قوله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)). لأن من شرط صحة التصديق مطابقة الجوارح للقلب بالعمل كما سيأتي. ويطلق على مراقبة الرب كما في قوله وَّلير: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) الحديث، فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن لا يكفر أحد بذنب من هذه الأعمال، ولا كتاب الطهارة ٢٠ كتاب الطهارة غيرها من الكبائر ما عدا الشرك بالله، والخلاف في ترك الصلاة عمداً، فالمراد أنه ساعة الزنا ترفع من قلبه عظمة الرب فينقص إيمانه بذلك، فكأنه غير مصدق بمشاهدته له ساعة التلبس بالمعصية ولو استشعر مراقبته لما غشيها، ومنهم من جعل المراد بالنفي نفي الكمال، وهو يرجع إلى ما قدمناه والله أعلم. قوله: (﴿إِذّآ﴾): كلمة تأتي في العربية لمعنيين أحدهما: أن تكون للمفاجأة فتختص بالجمل الاسمية، ولا يصدر بها الكلام، ولا تفتقر إلى الجواب، نحو: خرجت فإذا الصديق بالباب. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ﴿فَإِذَا هِى شَخِصَةُ﴾، الثاني: أن تكون ظرفاً لما يستقبل من الزمن كما هنا فتكون متضمنة معنى الشرط، وتفتقر إلى الجزاء غير أنها لا يجزم بها وسمع الجزم بها في الشعر في قول الشاعر: وإذا تصبك خصاصةٌ فتحمّل استغن ما أغناك ربك بالغنى وتختص بالجمل الفعلية، فإن وليها اسم قدر الفعل بينها، وبينه كما في قوله سبحانه: ﴿إِذَا اَلسَمَاءُ أَشَقَّتْ﴾ التقدير إذا انشقت السماء، وقد أشار ابن مالك إلى ذلك بقوله: جمل الأفعال كهن إذا اعتلى والزموا إذا إضافة إلى وأكثر أهل العربية على أنّ العامل فيها جواب الشرط، وأن الجملة بعدها في محل جر بالإِضافة إليها، كما دل عليه البيت السابق، واعترض بعضهم على ذلك بقول زهیر: بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا وزعم بعضهم: أن الجملة هي التي تعمل فيها، ورُدَّ بأن المضاف إليها لا يعمل في المضاف، وأجابوا عن ذلك بأنها حينئذٍ لا تكون مضافة كما أنها إذا جزمت لا تكون مضافة، وذكر ابن هشام أنها قد تخرج عن الشرطية كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِنَّ أَسَابَهُمُ الْبَغْىُ مُمْ يَنَصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ والواقعة بعد القسم كما في قوله تعالى: ﴿وَلنَّحْمِ إِذَا هَوَى﴾ ﴿وَّلِ إِذَا يَغْنَى﴾ على ما هو مقرر في موضعه من كتب العربية. وقوله: ﴿﴿قُمْتُمْ﴾): من القيام الذي هو ضد الجلوس، ويقال قام إلى الشيء إذا نهض لفعله، أو سعى لكن يعدى في السعي بفي فيقال: قام فيه،