Indexed OCR Text
Pages 41-47
قول العلماء فيه وفی کتابه قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسى(١): ((أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمد السمر قندى مناولةٌ، أخبرنا أبو بشر عبد الله بن محمد بن محمد بن عمرو، حدّثنا أبو سعيد(٢) عبد الرحمن بن محمد الإدريسى الحافظ قال: محمد بن عيسى بن سورة الترمذى الحافظ الضرير، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم فى علم الحديث، صنف كتابَ الجامع والتواريخَ والعللَ ، تصنيف رجلٍ عالمٍ متقنٍ، كان يُضُربُ به المثلُ فى الحفظ . قال الإدريسى: سمعتُ أبا بكر محمد بن أحمد بن الحرث المروزى الفقيه يقول: سمعتُ أحمد بن عبد الله أبا داود المروزى يقول: سمعتُ أبا عيسى محمدبن عيسى الحافظَ يقول: كنتُ فى طريق مكة، وكنتُ قد كتبتُ جزءين من أحاديث شيخٍ، فمرّ بنا ذلك الشيخُ ، فسألتُ عنه ؟ فقالوا: فلان، فذهبتُ إليه وأنا أظن أن الجزءين معى، وحملتُ معى فى محلى جزءين كنتُ أظنّ أنهما الجزءان اللذان له، فلما ظفرتُ به وسألتُهُ أجابنى إلى ذلك، أخذتُ الجزءين فإذا هما بياضٌ، فتحيَّتُ ، فجعل الشيخُ يقرأ علىَّ من حفظه ثم ينظر إلىّ ، فرأى البياضَ فى يدى، فقال: أمّا تستحى منى؟ ! قلتُ: لا، وقصصتُ عليه القصةَ وقلتُ: أحفظُ كلَّ، فقال: اقرأ ، فقرأْتُ جميعَ ماقرأ علىّ على الولاء، فلم يصدقنى، وقال: استظهرت قبل أن تجئ ! فقلتُ : حدّثْنى بغيره ، فقرأ علىَّ أربعين حديثا من غرائب حديثه، ثم قال : هاتِ اقرأ ، فقرأْتُ عليه (١) فى الجزء المخطوط فى شروط الأئمة الحفاظ أصحاب الكتب الستة ، الذى أشرت إليه فى التعليق رقم (١) من الصفحة (٨١) من هذه المقدمة. (٢) فى الأصل ((أبو سعد)) وهو خطأ، والادريسى هذا هو محدث سمرقند ومصنف تاريخها ، مات سنة ٤٠٥ وله ترجمة فى الأنساب ( ورقة ٢٢) وتذ كرة الحافظ (٣ : ٢٤٩ - ٢٥٠ ). - ٨٤ - من أوله إلى آخره كما قرأ ، فما أخطأتُ فى حرفٍ ! فقال لى: مارأيتُ مثلك (١) !! ) . ووصفه السمعانى فى الأنساب بأنه « إمام عصره بلا مدافعةٍ ، صاحب التصانيف)) وبأنه ((أحد الأئمة الذين يقتدى بهم فى علم الحديث)). ونحوَ ذلك قال ابنُ خلكان . ونقل الذهبى فى تذكرة الحفاظ، والصفدى فى نكت الهميان، والمزَّى فى التهذيب أن ابن حِبَّانَ ذكره فى الثقات وقال: (( كان من جمع وصنف ، وحفظ وذَا كَرَ)) ووصفه المزّى فى التهذيب بأنه ((الحافظُ صاحب الجامع وغيره من المصنفات ، أحدُ الأئمة الحفّاظ المبرّزِين، ومَن نفعَ اللهُ بِه المسلمين)). وقال الذهبى فى الميزان ((الحافظُ العَلم، صاحبُ الجامع ، ثقة مجمع عليه، ولا التفات إلى قول أبى محمد بن حزم فيه فى الفرائض من كتاب الإيصال: إنه مجهول (٢)، فإِنه ما عَرَف ولا دَرَى بوجود الجامح ولا العِلَلِ له)». وقال الحافظ ابن حجر فى تهذيب التهذيب: (( وأما أبو محمد بن حزم فإنه (١) هذه الحكاية منقولة أيضا فى الأنساب وتذكرة الحفاظ والتهذيب. (٢) ابن حزم هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه المحتهد أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى ، ولد بقرطبة سنة ٣٨٤ ومات فى ٢٨ شعبان سنة ٤٥٦ وكتابه [ الايصال ] ذكره الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ (٣٢٢:٣) وسماه [ الايصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الاسلام والحلال والحرام والسنة والاجماع] وقال: ((أورد فيه أقوال الصحابة فمن بعدهم والحجة لكل قول)) ووصفه فى (ص ٣٢٦) بأنه ٢٤ مجلها، مع أنه ذكر قبل ذلك أن المحلى ٨ مجلدات ، والحلى مطبوع معروف، فالإيصال ثلاثة أضعاف المحلى . وقد ذكر ابن حزم فى المحلى الحديث الذى فى إسناده الترمذى (٩: ٢٩٥ - ٢٩٦) وضعفه، ولكن لم يذكر مطعنا فى الترمذى . - ٨٥ - نادى على نفسه بعدم الاطلاع، فقال فى كتاب الفرائض من الإيصال(١): محمد بن عيسى بن سورة مجهول . ولا يقولَنَّ قائلٌ: لعله ما عَرَف الترمذىّ ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه - : فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة فى خلق من المشهورين من الثقات الحفاظ، كأبى القاسم البغوى، وإسمحيل بن محمد الصفار، وأبى السباس الأصم، وغيرهم . والعجبُ أن الحافظ ابن الفرضى ذكره فى كتابه المؤتلف والمختلف ونَيَّةً على قدره، فكيف فات ابن حزمٍ الوقوفُ عليه فيه !)) . وأنا أظن أن هذا تحامل شديد من الحافظ ابن حجرٍ عَلَى ابن حزمٍ، ولعله لم يعرف الترمذىّ ولا كتابه، بل لعل الحافظ الذهبيَّ أخطأ نظرُه حين نقل ما نقل عن كتاب الإيصال، وما أظنُّ ابن حجر رَأى كتابَ الإيصال ونقل منه، وإنما أرجّح أنه نقل من الذهبى، والله أعلم. وقال العلامة طاش كبرى زاده (٢) فى كتاب مفتاح السعادة: ((وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام ، وله فى الفقه يدٌ صالحةٌ، أخذ الحديث عن جماعة من الأئمة ، ولقى الصدرَ الأولَ من المشايخِ)) . وقال ابن العِبَاد الحنبلى(٣) فى شذرات الذهب: ((كان مبرزاً على الأقران ، آيَةً فى الحفظ والإتقان )». ونقل الحاكم أبو أحمد (٤) عن أحد شيوخه قال: ((مات محمد بن إسماعيل (١) فى التهذيب ((الاتصال)) وهو تصحيف. (٢) هو المولى أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده ، توفى سنة ٩٦٢ (٣) هو أبو الفلاح عبد الحى بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد ، ولد فى ٨ رجب سنة ١٠٣٣، ومات فى ١٦ ذى الحجة سنة ١٠٨٩ (٤) هو محدّث خراسان الامام الحافظ الجهيد الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحق النيسابورى مات سنة ٣٧٨ عن ٩٣ سنة، وله ترجمة فى التذكرة (١٧٤:٣- ١٧٦) وهو غير تلميذه الحاكم أبى عبدالله صاحب المستدرك، = - ٨٦ - البخارى ولم يخلف بخراسانَ مثلَ أبى عيسى فى العلم والخفظ: تورع والزهد، بكى حتى عمى ، و بقی ضريراً سِنین)) . وفى التهذيب: ((قال أبو الفضل البَيْلَانى: سمعتُ نصر بن محمد الشيركوهى يقول: سمعت محمد بن عيسى الترمذى يقول: قال لى محمد بن إسمصيل - يعنى البخارىّ - ما انتفعتُ بك أكثرُ مما انتفعتَ بِى)). وهذه شهادة عظيمة من شيخه إمام المسلمين وأمير المؤمنين فى الحديث فى عصره . ونقل فى التهذيب عن يوسف بن أحمد البغدادى الحافظ قال: ((أضرّ أبو عيسى فى آخر عمره)). وهذا مع ماتقدم مما نقل الحاكم أبو أحمد ومن حكاية الترمذى مع الشيخ الذى اختبر حفظَه -: يردّ على من زعم أنه وُلِدِ أكمهَ . وقال ابن الأثير فى تاريخه: (( كان إمامًا حافظً، له تصانيفُ حسنة، منها الجامع الكبير، وهو أحسن الكتب)). وفى كثف الظنون فى الكلام عن [ الجامع الصحيح ] الترمذى: (( وهو ثالث الكتب الستة فى الحديث، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه ، فيقال: جامع الترمذى، ويقال له: السنن أيضاً، والأول أكثر)). وقال الحافظ أبو الفضل المقدسى: «سمعتُ الإمام أبا إسميلَ عبلكله بن محمد. الأنصارىّ(١) بهراةً، وجَرَىٌّ بين يديه ذِكرُ أبى عيسى الترمذى وكتابه ، فقال : كتابُهُ عندى أنفعُ من كتابِ البخارى ومسلمٍ، لأن كتابى البخارى = ذاك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد النيسابورى المعروف بابن البيع وبالحاكم، ولد فى ربيع الأول سنة ٣٢١ ومات فى صفر سنة ٤٠٥ وله ترجمة فى التذكرة (٣: ٢٢٧ - ٢٣٣). (١) هوشيخ الإسلام الهروى، الحافظ الإمام الزاهد، صاحب منازل السثرين ، سمع جامع أبى عيسى من عبد الجبار بن محمد الجراحى عن المحبوبى عن الترمذى، ولد سنة ٣٩٦، ومات فى ذى الحجة سنة ٤٨١، وله ترجمة فى تذكرة الحفاظ (٣: ٣٥٤ - ٣٦٠). - ٨٧ - ومسلم لا يقفُ على الفائدة منهما إلّ المتبحرُ العالِمُ، وَكتابُ أبى عيسى يَصِلُ إلى فائدته كلّ أحدٍ من الناس)) . ونقل أبو على منصور بن عبد الله الخالدى عن الترمذى أنه قال فى شأن كتابه [الجامع]: ((صنفتُ هذا الكتاب فرضتُهُ على علماء الحجازِ والعراقِ وخُراسانَ فَرَضُوا به ، ومن كان فى بيته هذا الكتاب فكأنما فى بيته نِّيَتَكَمُ(١)» . ٠ وقال العلامة طاش كبرى فى ترجمة الترمذى: (( له تصانيف كثيرة فى علم الحديث، وهذا كتابُهُ الصحيحُ أحسنُ الكتب وأكثرها فائدةً، وأحسنُهَا ترتيباً ، وأقلّها تكراراً، وفيه ماليس فى غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال ، وتبين أنواع الحديثِ ، من الصحيح والحسن والغريب ، وفيه جرح وتعديلٌ، وفى آخره كتابُ العِلَل، وقد جمع فيه فوائدَ حسنةً ، لا يخفى قدرُها على من وقف عليها )) . وقال الحافظ أبو الفضل المقدسى: « وأما أبو عيسى الترمذىُّ وَحْدَهُ فَكتَابُهُ على أربعة أقسام: قسم محميح مقطوع به، وهو ماوافق فيه البخارىّ ومسلماً ، وقسم على شرط الثلاثة دونهما (٢)، كما بينّه، وقسم آخرُ الغذِّيَّةً، أبان عن علته ولم يُقْفِلُ، وقسم رابعٌ أبان هوعنه ، وقال: ما أخْرجتُ فى كتابى إلّ حديثاً قد عمل به الفقهاء (٣) ، وهذا شرطٌ واسعٌ ، فَإِن على هذا الأصل كلُّ حديثٍ (١) نقل ذلك الذهبى فى التذكرة ، وابن حجر فى التهذيب، وطاش كبرى زاده فى مفتاح السعادة . (٢) يريد أبا داود والنائى وابن ماجه، ولسنا نوافق أبا الفضل على هذا التقسيم بتفصيله ، ونظن أنه أرادبه التقريب والتمثيل فقط . (٣) نقل الذهبى فى التذكرة من هذه القطعة إلى هنا، ولكنه نسبها إلى أبى نصر عبد الرحيم بن عبد الحق اليوسفى، وأظنه أخطأ فى اسمه، = - ٨٨ - احتج به محتجٌ أو ◌َمِلَ بموجَبه عاملٌ أخرجه، سواءًا صَحَّ طريقُهُ أو لم يصحّ . وقد أزاح عن نفسه الكلام"، فإِنهُ شَفَى فى تصنيفه ، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه ، وكان من طريقته - رحمه الله - أن يترجمَ الباب الذى فيه حديث مشهورٌ عن صحابيّ قد صح الطريقُ إليه وأُخرج من حديثه فى الكتب الصحاح ، فيوردُ فى الباب ذلك الحكمَ من حديث صحابيّ آخر لم يخرجوه من حديثه ، ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول ، إلّ أن الحكم صحيح ، ثم يُتْبِهُ بأن يقول: وفى الباب عن فلانٍ وفلانٍ، ويَعُدُّ جماعةً فيهم ذلك الصحابيُّ المشهورُ وأكثرَ ، وقلما يسلكُ هذه الطريقةَ إلّ فى أبوابٍ معدودةٍ . . والله أعلم )» وللقاضى أبى بكر بن العربى فى أول شرحه على الترمذى ، الذى سمَّه [عارِضَةَ الأَحْوَذِىّ(١)] -: فصلٌ نفيس فى مدح كتاب الترمذى ووصفه ، ولكن طابعيه حرفوه حتى لايكاد يفهم ، وسأنقله هنا بشىء من الاختصار والتصرف، لنَصِلّ إلى المراد منه، قال: ((اعلموا - أنار الله أفئدتكم - أن كتاب الْجُغْفِيّ(٢) هو الأصل الثانى فى هذا الباب، والموطأ هو الأول وا باب، وعليها بناء الجميع، كالمُشَيْرِىّ(٣) والترمذى فمن دونها .... وليس فيهم مثلُ كتابٍ = وأنه ((عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد أبو نصر اليوسفى)) وهو أخو ((عبد الحق بن عبد الخالق)) كما فى الشذرات (٤: ٢٤٨). وعبد الرحيم هذا مات بمكة سنة ٥٧٤ ، ويظهر أنه نقل هذه الجملة عن أبى الفضل المقدسى ، فظنها الذهى من كلام أبى نصر . (١) قال ابن خلكان (١: ٦١٩): ((أما معنى عارضة الأحوذيّ: فالعارضة القدرة على الكلام ، يقال : فلان شديد العارضة: إذا كان ذا قدرة على الكلام . والأحوذي: الخفيف فى الشىء لحدقه ، وقال الأصمعى: الأحوذي الشعر فى الأمور القاهر لها، الذى لا يشذ عليه منها شىء. وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة. وفى آخره ياء مشددة). (٢) يريد به صحيح البخارى . (٣) يريد به صحيح مسلم . - ٨٩ -- ..--.. أبى عيسى، حلاوةَ قطع، ونَقَاسةً مَنْزَعٍ، وعذُوبةَ مَشْرَعٍ. وفيه أربعة عشر علماً، وذلك أقربُ إلى العملِ وأسلم: أَسْنَدَ ، وصَحَّح، وضَعََّ ، وعَدّدَ الطرقَ، وجَرَحَ ، وعَدَّلَ، وَأَسْتَى، وَأَكْنَى(١)، ووَصَل، وَقَطَع، وأُوضح المعمول به، والمتروكَ، وَبَيَّنَ اختلاف العلماء فى الردّ والقبول لآثاره، وذكر اختلافَم فى تأويله . وكلُّ على من هذه العلوم أصلٌّ في بابه ، وفردٌ فى نِصَابه . فالقارئُ له لا يزالُ فى رياضٍ مُوقةٍ ، وعلوم متفقة مُتَّسِقَةٍ ، وهذا شىء لايسمُّهُ إلّ العلمُ الغزير، والتوفيقُ الكثير، والفراغُ والتدبيرُ ». كتبه الأخرى وصفه العلماء فيما مَضّى بأنه ((صاحب التصانيف )، وَمَّوْا كُتُبًا من مؤلفاته، ولكنّا لم تَرَ منها إلاّ كتابين: [ الجامع الصحيح] وكتاب [الشمائل] وهو كتاب نغير معروف مشهور ، ولعل باقى كتبه فَقَدٍ فيما فَقَدٍ من فائس المؤلفات، وكنوز الأئمة العلماء. وفى التهذيب: ((ولأبى عيسى كتابُ الزهد، مفردٌ، لم يَقَعْ لنا، وكتاب الأسماء والكنى)) وهذا بيان مؤلفاته، كما ظهر لنا من أقوال العلماء : ١ الجامع الصحيح . ٢ الشمائل. ٣ الملل(٢). ٤ التاريخ (٣) ٥ الزهد . (١) يقال: ((سَاهُ وَسَّاهُ وأَسْتَمَاهُ)) بمعنى. ويقال: ((كَنَهُ وَكَتَّاهُ وَأَكْنَاهُ)» بمعنى. (٣،٢) ذكرهما ابن النديم فى الفهرست، وكتاب العلل هذا غير ((كتاب العلل)) الذى فى آخر الجامع الصحيح . - ٩٠ - ٦ الأسماء والكنى. ولعل له كتباً أخرى لم يض خبرُها حين أكتب هذا . فاته اختلف فى تاريخ وفاته اختلاف غيرجيد، فقال السمعانى فى الأنساب فى مادة «الترمذی )): « توفی بقر ینه بون سنة نیف وسبعين ومائتين ، إحدى قرى ترمذ)) وقال فى مادة ((البرعى)): (( مات بقرية بوغ سنة ٢٧٥ )) وياقوتُ قَلَّ السمعانيَّ فى الأولى، وابنُ خلكان قّده فى الثانية. وذكر الشيخ عابد السندى بخطه على نسخة الترمذى أنه ولد سنة ٢٠٩، وعاش ٦٨ سنة ، ومات سنة ٢٧٧ ، وهذا خطأ . والصواب ما نقل الحافظ الزى فى التهذيب عن الحافظ أبى العباس جعفر بن محمد بن المُعْتَزّ (١) الُسْتَغَفِرِىّ أنه قال: (( مات أبو عيسى الترمذى بترمد . ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة مضت من رجب سنة ٢٧٩)». وهو الذى اعتمده العلماء، فأرخوه فى هذه السنة ، والمستغفرى مؤرخ كبير، وقد رحل إلى خُراسانَ، وأقام طويلاً بتلك النواحي، كما يدل على ذلك ترجمته فى الأنساب السمعانى (ورقة ٥٢٨) وتذكرة الحفاظ الذهبى (٣: ٢٨٣) ومن كلّ ما تقدم تُرجِّح أن الترمذىَّ ولد بقرية « بوغ)» ومات بها ، وأن الذين قالوا إنه ولد ومات ببلدة ((ترمذ)» -: إنما تجوَّرُوا، فأرادوا القريةَ القريبة منها، التابعة لها، ومثل هذا كثير. (١) ((المعتز)) بالعين المهملة والتاء المثناة الفوقية والزاى، كما ضبطه الذهبي فى المشتبه (ص ٤٨٩) وقد كتب محرفا فى كثير من الكتب، كتذكرة الحفاظ والأنساب، والصواب ما كتبنا، والحمد لله رب العالمين. - ٩١ - كلمة عن والدی الأستاذ الأكبر الشيخ محمد شاكر وأَرَى من الواجب علىّ قبل أن أختم هذه المقدمة أن أترجم ترجمةً موجزةً لوالدى، تنويهاً بقدره، وإشادةً بذكره، ورعايةً لحقّه، إذ هو والدى وأستاذى ومعلمى ، وله علىَّ وعلى مئاتٍ - بل ألوفٍ - من إخوانى ومشايخى الأيادى البيضاء ، والنعمُ ، السابغاتُ، وبمناسبة أنه أستاذى فى هذا الكتاب ، كتابِ الترمذى، قرأه لى ولإخوانى قراءةَ درسٍ وتحقيقٍ. هو الإمام الجليل، والنابغة العظيم، والكاتبُ القدير، والشاعرُ الملهَمُ، والسياسىُ الخطير، شيخُ الشيوخ، وزعيمُ العلماء، مجدّدُ مجدٍ الأزهر ، العالم العلامة ، السيد الشريف: محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر بن عبد الوارث، من آلٍ أبى عَلْيَاء: أسرةٍ كريمة معروفة، من أشرف الأسر وأكرمها بمدينة ((جرجا)). ولد بها فى منتصف شوال سنة ١٢٨٢ (مارس سنة ١٨٦ م) وحفظ بها القرآن، وتلقى مبادئ التعليم، ثم رحل إلى القاهرة، إلى الأزهر الشريف، فتلقى العلم عن كبار الشيوخ فى ذلك العهد، ثم صار أميناً للفتوى(١)، مع أستاذه المعظيم ، الشيخ العباسى المهدىّ، وأصهر إلى جدّى، لأمى، العلامة الكبير، إِمام العربية غيرَ مُدَافَعٍ، العارفِ بالله («الشيخ مُرُونَ بنِ عبد الرازق(٣)). (١) صدر قرار تعيينه فى ١٥ رجب سنة ١٣٠٧ (مارس ١٨٩٠). (٢) ولد بقرية ((بنجا)) وهى قرية قديمة من قرى مركز طهطا بمديرية جرجا، فى يوم الخميس ٢٥ جمادى الأولى سنة ١٢٤٩، وتوفى ريوم السبت ٢٦ جمادى الأولى سنة ١٣٣٦ رضى الله عنه . - ٩٢ - ثم ولى منصب ((نائب محكمة مديرية القليوبية(١))) ومكث فيه نحو سبع سنين، إلى أن اختير قاضياً لقضاة السودان فى سنة ١٣١٧ (٢). وهو أولُ مَن ولى هذا المنصب ، وأولُ مَنَ وَضْع تُظُم القضاء الشرعىّ فى السودان ، على أوثق الأس وأقواها . ثم عُيّنَ فى سنة ١٣٢٢ شيخاً لعلماء الإسكندرية، فوضع القواعد الثابتة لتنظيم المعاهد الدينية الإسلامية، حتى تؤقى ثمرها ، وتخرج المسلمين رجالاً حداً ، يعيدون للإسلام مجده فى أنحاء الأرض ثم عُيِّنَ وكيلاً لمشيخة الجامع الأزهر الشريف(٣)، فيذرَ فيه بذورَ الإصلاح، وتفعيَّدَ غرسَه حتى قَوِىّ واستوى، أوكاد . إلى أن سم الدسائسَ تُحاكُ حولَه، داخلَ الأزهر وخارجَه ، فاتهزَ فرصةً إنشاء الجمعية التشريعية فى ( سنة ١٩١٣ م ) فسمى إلى أن صار عضواً فيها، معيناً مِن قِبل الحكومة المصرية ، وبذلك ترك المناصبّ الرسمية، وأبى أن يعود إلى شىء منها ، ولم يخضع بعد ذلك لشىء من مغرياتها ، بل فَضَّل أن يعيش حرّ الرأى والعمل، والقلب والقلم . وكانت له فى الصحف ، أثناء الحرب العظمى، جولاتٌ صادقة، ومقالاتٌ نَيرة، لا يزال صداها يَدْوِى فى أذهان كثيرٍ من عُنُوا بالشئون السياسية فى ذلك الوقت، إذ كان مربى كتاباته كلّها إلى الدفاع عن بيضة الإسلام ، وردِّ كيد المهاجمين، من المعتدين والخائنين، خشيةَ أن يكون ما كان، من تقطّع أوصال (١) صدر بذلك الأمر العالى فى ٧ شعان سنة ١٣١١ (١٣ فبراير سنة ١٨٩٤). (٢) صدر بذلك الأمر العالى فى ١٠ ذى القعدة سنة ١٣١٧ (١١ مارس سنة ١٩٠٠). (٣) صدرت بذلك الإرادة السنية فى ٩ ربيع الثانى سنة ١٣٢٧ (٢٩ أبر إلى سنة ١٩٠٩). - ٩٣ - الأمة الإسلامية، وتفرقها أماً متباينة ، ببدعة القوميّات التى اخترعتها أوربة ، لِتُرِّقَ بها كلَّ المسلمين، وتضربَ بعضَهم ببعضٍ، ولتفتَهم عن المبدأ السياسىّ والاجتماعىّ السليم، الذى وضعه اللهُ لهم ، وأمرهم باتباعه والعضّ عليه بالنواجذ: (إنَّ هَذِهِ أَثْتُكُمْ أُنَّةً وَاحِدَةٌ ، وَأَنَ رَبُّكُمْ فَعْبُدُونِ(١) ) . ( وَإِنَّ ◌َذِهِ أُمْتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ ، وَأَنَ رَّكُمْ فَاتَُّونِ(٣)). (مُحَمٌَّ رَسُولُ اللهِ، وَالَّذِينَ مَةُ أَشِدَّهُ عَى الكُعَّارِ رُحَاهُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّمَا سُجَّداً يَبْتَفُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً، سِاَهُمْ فِ رُجُوهِمْ مِنْ أَثَرِ الشَّجُودِ، ذُلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ ، وَمَثَلُهُمْ فِى الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أُخْرَجَ شَطْأَّهُ فَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقٍ ، يُعْجِبُ الزُّرَّعَ لِيَفِيِظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمَ(٣) . ثم قامت الثورة المصرية فى سنة ١٩١٩ م، فضَرب فيها بسببرٍ وافر ، وتبعه أهل الأزهر قاطبةً، فكان هو الروحَ الوثَّبَةَ فيهم ، وكان هو القائدَ، وكان هو الزعيمَ . وكتب فى الشؤون السياسية المصرية عشرات من المقالات فى الصحف، أبانت عن بعد نظره ، وصدق فراسته ، حتى لقد توقع فيها كثيراً مما حصل بعد سنين، إذ درس مراعى السياسة الإنكليزية فى شؤون الأمة المصرية والأمة الإسلامية، وعرف كيف يَسْتَوْن إلى نيل مقاصدهم ، حتى لقد كنّا فى العهد القريب ، إذا أُدْلَهُمَّ الخطبُ، واضطربت الأمورُ -: رجعنا إلى مقالاته فى الظروف المشابهة (١) سورة الأنبياء (٩٢) . (٢) سورة المؤمنون (٥٢) . (٣) سورة الفتح (٢٩) . - ١٤ ســ لها، فوجدنا أنه يكاد يصف ما نحن فيه ، وكأنه يكتبه حين قرأناه ، وكأنه ينظر إليه بنور الله . ولم يفكر يوماً واحداً فى خوض معترك الأحزاب المصرية ، بل كان يترفَّ عن أن يُسْلِمَ مقادَه إلى أحدٍ من الناس، كائناً من كان، كما أَبى من قبلُ أن يعود إلى إسكرِ المناصب الحكومية ، وكان يقول الزعماء والقادة قولة الحق ، فينقد خطأ المخطئِّ، ويمدح صواب المصيب، وعن ذلك كان يظنّ كثيرٌ من الناس أن له هوّى أو ضلماً مع بعض الأحزاب أو الزعماء، إذ كان يَكْثُر خطأُ المخطئ، فُيُكْثِرُ من نقده والنصيحة له، فيظنّ المنتقَدُ أو أنصارُه وأتباعُه أن الناقدّ مِن خصومه ، أو من أنصار خصومه . ويجانب هذا لم يَدَعْ مسئلةً شرعيةً أو اجتماعيةً أثيرت فى الصحف مما يتعلق بشؤون الإسلام والمسلمين -: إلّ قال فيها ما يراه حقا وصواباً، وصَدَعَ بما أمر اللهُ به الدعاةَ والهداةَ، وَأَعْرَضَ عن المنكرين، ثقةً بربّه، وتوكُّلاً عليه، إذْ كان أبرزَ سجاياه أنه صُلْبٌ فى دينه ، صلب فى عقيدته ، صلب فى رأيه، شجاعٌ غيرُ جبان، لا يرهب أحداً من الناس، ولا يَخْشَى إلّ اللهَ. أما من الوجهة العلمية فإنه أقوى رجل ظهر فى الأزهر فى العلوم العقلية كلها، ولذلك لم يكن يَصْدُ له أحدٌ فى مناظرةٍ أو جدالٍ، لإبداعه فى إقامة الحجج وإنحام المناظر ، لخِصْبٍ ذهنه وتسلسل أفكاره ، وانتظامها على قواعد المنطق الصحيح السليم . وقد قرأ لنا من الكتب والعلوم الكثيرَ الطّبَ، قرأ لنا التفسيرَ مرّتين: تفسيرَ البغوى، وتفسير النسفى، وقرأ لنا من كتب السنة: صحيح مسلم، وسان الترمذى، وسان النسائى، وشيئاً من صحيح البخارى . ومن العلوم الأخرى : - ٩٥ - الهداية فى فقه الحنفية ، وجمع الجوامع فى الأصول، والخبيصى فى المنطق ، والرسالة البيانية فى البيان، وكثيراً من الرسائل الصغيرة فى علوم مختلفة . ٠۵ وهذا غيرُ ما قرأه من الكتب، ولم أكن من حاضريه ، بعد إتمامى الدراسةَ واشتغالى بالمناصب الحكومية . ومنذ بضع سنين اعتزلَ الدنيا ، فأقعده المرضُ فى المنزل ، بل ألزمه الفراش ، إذا أصابه الفالح ، فاحتمله صابراً محتسباً، راضياً عن ربه وعن نفسه، موقناً أنه قَضَى دَيْنَه، فقام بما وجبَ عليه خيرَ قيامٍ، نحوَ دِينه ونحوَ أمته ، منتظراً دعوةً ربه لعباده الصالحين: ( يَا أَتُهَا النَّفْسُ المطمئِنَّةُ. ارْجِعِى إلى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِ فِى عِبَادِى. وادْخُلِ جَنّتِى(١)) قولاً، اللهُ بعونه ورعايته ، وتغمده بعفوه ورحمته . وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين. ٢٧١ جمادى الثانية سنة ١٣٥٧ ٢٣١ أغسطس سنة ١٩٣٨ وكتب أبو الأشبال الثلاثاء ٣ ات عفا الله عنه (١) سورة الفجر (٢٧ - ٣٠) - ٩٦ - جريدة المراجع التفسير الكتاب الأجزاء المؤلف ووفاته الطبع وتاريخه تفسير الطبرى ٣٠ محمد بن جرير ٣١٠ بولاق ١٣٢٣ (( البيضاوى القاضى البيضاوى ٦٨٥ ( ١٢٨٣ الدر المنثور ٦ الجلال السيوطى ٩١١ ١٣١٤ مصر المصاحف ١ ابن أبى داود ٣١٦ ١٣٥٥ الحديث والمصطلح الكتاب الأجزاء المؤلف ووفاء الطبع وتاريخه صحيح البخارى ٩ ٢٥٦ بولاق ١٣١٣ فتح البارى(١) ١٣ ٨٥٢ ( ١٣٠١ شرح العينى على البخارى شواهد التوضيح؟ ١ ابن مالك ٦٧٢ المند ١٣١٩ صحيح مسلم مسلم بن الحجاج بولاق ١٢٩٠ ھ A ٨ الاسئلة ١٣٣٤ (١) كل ما أشرنا فيه إلى صفحات البخارى فإنما تريد به المتن الذى بحاشية [ فتح الباري] وإذا أردنا غيره ذكرناه صريحا. مصر ١٣٤٨ على البخارى ٢ ٢٦١ البخارى ابنحجر العسقلانى ٨۵۵ المینی ٢٥ الشباب الخفاجي ١٠٦٩ حاشية الشهاب ٨ - ٧ - مقدمة سنن الترمذي - ٧