Indexed OCR Text
Pages 21-40
اضطرابٍ فيما يصنعون وتقلقلٍ ، فمنهم من يُتُقْن، ومنهم من يعجز، ومنهم من
يُوفَّقُ، ومنهم من يَفَشَل، ومَرَدُّ ذلك إلى إسناد العمل لغير أهله أحياناً ، وإلى
ضنّ الناشرين بالنفقة والأجر غالباً.
وأما دور الطباعة القديمة عندنا - وفى مقدمتها مطبعة بولاق - فلم يُمْنَ
مصححوها بهذا النوع من الفهارس أصلاً ، وما أظنهم فكروا فى شىء منه ، مع
أن مطبوعات المستشرقين كانت موجودة معروفة . ومن أمثلة ذلك: [سيرة ابن
هشام] نشرها المستشرق [وستنفلد] فى سنتى ١٨٥٩ - ١٨٦٠ ومعها فهارس مفصلة،
ثم طبعت فى بولاق سنة ١٢٩٥ ( توافق سنة ١٨٧٨ م) بدون فهارس . وأنا
أستبعد جدا أن لا تكون طبعة [وستنقله] فى يد مصححى مطبعة بولاق عند
طبع الكتاب !!
وصنع الفهارس على هذا النحو ابتكار طريف ، والفهارس مفاتيح الكتب ،
والمستشرقين الفضلُ الأوّل فى تطبيقه على المطبوعات العربية، أعانهم على ذلك
وجود المطابع .
وكما اغترَ الناسُ بصناعة المستشرقين فى التصحيح اغتَرُ وا بصناعتهم
فى الفهارس، بل كانوا أشد بهم اغتراراً، وأكثر لهم خنوعا وخضوعا،
ووقع فى وحمهم اليقينُ بأن هذه الفهارس شئٍ لم يعرفه علماء الإسلام
والعربية ، بل ظنوا أن أنواع المعاجم كلها من ابتكار الإفرنج ، وأن
ماعندنا منها تقليد لهم واقتباسٌ منهم.
وأول من علمناه نَفَى هذه الأسطورةَ ، وأَكْذَبَ هذا الوَهَمَ - : صديقُنا
الأخُ العلامة الأستاذ ((محمد أحمد الغمراوى)) المدرسُ بكلية الطب المصرية،
فى كتاب [ مرشد المتعلم(١)] الذى ترجمه عن اللغة الانكليزية، وألحق به
فصلاً بقلمه فى ((كتب المراجعة فى اللغة العربية)) وصف فيه كثيراً من المعاجم
العربية، وذكر تاريخ مؤلفيها، ثم قال (ص ٢٧٥ - ٢٧٧): ((ولملك
(١) طبع بمطبعة دار الكتب المصرية سنة ١٩٣٤.
٤٤ حسـ
لاحظتَ فى وصف هذه القواميس (١) أنها هجائية، أى مرتبة ترتيباً هجائيا على
حروف المعجم : الألفى فالياء فألتا .. هلم جرًا ، فى جميع حروف الكلمة ، على
نسق المعاجم الإفرنجية. لكن المنجم الإفرنجية فى هذا تابعةٌ غيرُ متبوعةٍ ،
فهى فى ذاتها متأخرةُ النشوء، نشأت مد عهد النهضة، أى بعد القرن الخامس
عشر، والترتيب الهجائي جاء بعد ذلك، كمطرة فى تاريخ نشوئها ، حتى إن أول
قاموس هجائى إنجليزى لم يظهر إلّ فى القرن السابع عشر، ولم يكن قاموساً بالمعنى
المعروف، إنما كان مجموعة كلمات صعبة دراسية. وإذا تنزلنا فى استعمال كلمة
((قاموس)) وأطلقناها على مثل هذه المجموعة - : فين مولد القواميس الهجائية
فى اللغة العربية قديم جدًّا. لكن استعمال ((قاموس)) بهذا المعنى فيه تجوز
كبير، ولاداعى له فيما نحن بصدده، من أى الاثنين أسبق إلى الترتيب الهجائي:
الشرقُ أم الغرب؟ فإن أقدم القواميس العربية التى ذكرنا لك ظهر فى القرن
الخامس الهجري (٢)، أو الحادي عشر الميلادي)). ثم قال: ((فتاريخ القراميس
العربية الهجائية يرجع على الأقل إلى القرن العاشر، أى نحو سبعة قرون قبل
تاريخ أول مجموعة كلماتٍ انجليزية هجائية، وأكثر من ثلاثة قرون قبل أول
قاموس هجائى لاتينى ظهر فى أوربا حين كانت اللاتينيةُ لغةَ الأدب فى أوربا ،
قبل أن يكون لأوربا لغاتٌ أدبية . فالعربُ هم أسبقُ الأم الحديثة قاطبة إلى
القواميس تأليفاً واستعمالاً للترتيب الهجائى ، ومع ذلك فإن أكثر المتأديين
يعتقدون أن الترتيب المجائى شىء ابتدعه الافرنج ، واختصت به القواميس
الإفرنجية)).
(١) اقرأها دائما: ((المعاجم)).
(٢) يشير بذلك إلى كتاب [المفردات فى غريب القرآن] للراغب الأصفهانى،
الحسين بن محمد المتوفى سنة ٥٠٢ ولكن سنذكرفيما يأتى معاجم عربية
أقدم منه كثيرا .
- ٤٥ -
فإذَنْ : أولُ معجم لَطِيّ(١) ظهر فى أوربة كان فى القرن الثالث عشر
الميلادى أو بعده ، وأول مجموعة هجائية الكلمات الانجليزية ظهرت فى القرن
السابع عشر أو بعده.
فالشرقُ شرقٌ، والغربُ غربٌ: الشرقُ دْعًا ابتكارٌ وإنشاء،
والغربُ دائما تقليدٌ ثم تنظيمٌ !!.
٠
وإنما أعان العَرْبَ على الظهور ، وعلى تثبيت قدمه فى العلوم
والصناعات، وعلى امتلاك أعنّةِ الدنيا -: أن نهضتَه - المقتبسةَ من
الشرق - اقترنتْ باختراع الآلات الميكانيكية وباختراع البارود ،
والذين عرفوا البارود أوّلاً م العربُ، وحاربوا الإفرنج بالمدافع
فى أواخر عهد الفردوس المفقود ((الأندلس))، وعرف العرب أيضاً
مبادئ الميكانيكا، ولو تأخرتْ كارتةُ هزيمتهم وتفرُّقِهِم قليلاً حتى
يتهيأ لهم استكمالُ ما عرفوا أو بدؤا فى معرفته -: ما قامت للافرنج
قائمة، ولكانت أوربةُ كلُّها بلاداً إسلامية، أو فى حماية الإِسلام.
ولكن هكذا قُدَ: فكان، وربما دار الفلكُ دورتَه ، فوصلَ
المسلمون من أسباب مجدهم وعزم ما انقطع، وهاهى البشائر تلوح فى
الآفاق، لا يحجبها إلّ غيايات من الضعف والتفريج، إذا ما هبتْ عليها
نسماتُ الاسلام الشعتْ، ثم يثبُ الأسدُ وبَتَهِ، إن شاء الله .
ونعودُ إلى ابتكار العرب المعاجمَ والفهارسَ:
(١) هذا هو التعريب الصحيح القديم لكلمة ((لابنى")).
- ٤٦ -
فأولُ مَّن أعلمه فَكَّر فى ذلك: الخليلُ بن أحمد(١) ، إمامُ اللغة والعربية،
ومخترعُ العَروض ، فى أواسط القرن الثانى الهجرى ، فإِنه ألّف [ كتاب العين]
فى اللغه(٣) وفى أوله مانصه:
(( هذا ما ألفه الخليلُ بن أحمد البصرى ، رحمة الله عليه ، من حروف
ا ب ت ث مع ما تكلمتْ به ، فكان مدارَ كلام العرب وألفاظهم، ولا يخرج
منها عنه شىء . وقد أراد أن تعرفَ بها العربُ أشعارَها وأمثالها ومخاطباتِها ،
وأن لا يَشِذَّ عنه شىء من ذلك. فأعملٍ فَكرِه فيه، فلم يمكنه أن يبتدئ
بالتأليف من أول ا ب ت ث وهو الألف ، لأن الألف حرف معتلّ .
فلما فاته الحرفُ الأول كره أن يبتدئ بالثانى، وهو الباء، إلّ بعد حجةٍ
واستقصاء النظر، فدقّ ونظر إلى الحروف كلها، وذَاتَهَا، فصيَّ أَوْلاَها بالابتداء
أدخلَ حرفٍ منها فى الخلق. وإنما كان ذوقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف
ثم يُهر الخرفَ، نحو: أَبّ، أَتْ، أَنْ، أَخْ، أَعْ، أَخْ. فوجَد المينَ
أدخل الحروف فى الخلق؛ فجعلها أولَ الكتاب ، ثم ما قَرُب منها، الأرفعَ
فالأرفع ، حتى أتى على آخرها ، وهو الميم. فإذا سُئلتَ عن كلمة وأردتَ أن
تعرف موضعها ، فانظر إلى حروف الكلمة، فمهما وجدتَ منها واحداً فى
الكتاب المقدّم فهو فى ذلك الكتاب. وقَلَبَ الخليلُ ا ب ت ث فوضعها
(١) هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدى، ولد سنة ١٠٠ ومات
سنة ١٧٠، وقيل ١٧٥ - أى فى القرن الثامن الميلادى، لأن سنة ١٧٥ هجرية
توافق سنة ٧٩١ - ٧٩٢ ميلادية . وقد نقل علاء الدين البنوى
فى محاضرة الأوائل (ص ٦٩) عن السيوطى قال: ((أول من وضع
اللغة على الحروف الخليل بن أحمد)» .
(٢) هو من كنوز العرب النادرة المفقودة، وكان العلامة الأب أنستاس الكرمنى
قد شرع فى طبع ما وجده منه قبل الحرب العظمى ، منذ بضع وعشرين
سنة ، فطبع ببغداد قطعة منه فى ١٤٤ صفحة، وهى عزيزة الوجود .
- ٤٧ -
علی قدر مخرجها من الحلق ، وهذا تأليفہ : ع حم ،خغ، ق ك، ج ش ض ،
ص س ز، ات د، ظ ذث، ول ن، ف ب م، واى)).
هذا ماقى صدر [ كتاب العين] وسواء أ كان من قول تلميذه وراوية كتابه
الليث بن المظفر بن نصر بن سيّار، أم من قول الخليل نفسه، على عادة المتقدمين
فى كتبهم فى التحدث عن أنفسهم بضمير الغائب - : فإن ذلك لا ينقص من
دلالته شيئاً، إنه يدل على أن الخليلَ أولُ من فَكّر فى التأليف على حروف
المجم ، ووضّع اللغةِ عليها.
وقد حكى تلميذُه اليتُ حكايةَ تأليف الكتاب، نقلها محمد بن إسحقَ
النديم [فى الفهرست] (١) عن الكسروى (ص ٦٤ - ٦٥ طبعة مصر سنة ١٣٤٨)
وحكاها ياقوت أيضاً فى [معجم الأدباء] عن الكروى (٦: ٢٢٧ طبعة
مرجليوث سنة ١٩٣٠) وبين الروايتين فروق ضئيلة فى الأنفاظ ، وشىء من
الخطأ والتحريف ، جمعت ما بينهما، وأصلحتُ ما استطعت إصلاحه :
قال ابن النديم: ((قال أبو الحسن على بن مهدىّ الكروى(٢): حدثنى
محمد بن منصور المعروفُ بالزّاجِ (٣) المحدِّثُ، قال: قال الليث بن المظفَّر بن نصر
(١) الفهرست ألفه ابن النديم سنة ٣٧٧.
(٢) له ترجمة فى [معجم الأدباء] (٤٢٧:٥ - ٤٣٢) وكان موجودا سنة ٢٩٨
وقال ابن أبى طاهر: («وكان الكسروى أديبا ظريفا حافظا ، راوية شاعر!
عالما بكتاب [ العين] خاصة)).
(٣) ((زاج)) بالزاى والجيم، كما فى القاموس وكتب الرجال، وفى ياقوت «راح))
بالمهملتين ، وهو خطأ مطبعى . ويظهر أن الكسروى أخطأ اسم شيخه
فسماه «محمد بن منصور)) والصحيح أنه ((أحمد بن منصور)) وله ترجمة
فى [تاريخ بغداد] الخطيب (٥: ١٥٠-١٥١) و [التهذيب] (٨٢:١ -
٨٣) ومات الزاج هذا فى يوم الخميس ١٠ ذى الحجة سنة ٢٥٧.
بن سيّار: كنتُ أصير (١) إلى الخليل بن أحمد ، فقال لى يوماً: لو أن إنساناً
قَصد وألّف حروف ا ب ت ث على ما أُمَثِّلُه لاستوعَبَ فى ذلك جميعَ كلام
العرب، فتهيأ له أصل لا يخرج عنه شيء منه بتةً . قال: فقلت له: وكيف يكون
ذلك ؟ قال: يؤلفه على الثنائىّ والثلاثىّ والرباعىّ والخماسى"، وإنه ليس
يُعُرف للعرب كلامٌ أكثرُ منه. قال الليث: نجملتُ أستفهمه ويصفُ لى،
ولا أقفُ على ما يصفُ . فاختلفتُ إليه فى هذا المعنى أيامًا، ثم اعتلَّ وحججتُ،
فمازلتُ مشفقاً عليه ، وخشيتُ أن يموتَ فى علته، فيبطل ما كان يشرحه لى ،
فرجعت من الحج وصرت(٢) إليه، فإذا هو قد ألف الحروفَ لَّا، على مافى
صدر هذا الكتاب، فكان يعلى علىَّ ما يحفظ ، وما شّكَّ فيه يقول لى : سَلْ
عنه فإذا صَحَّ فأثْبِتْه، إلى أن عملتُ الكتابَ(٣)، قال علىّ بن مهدى: فأخذتُ
(١) فى الفهرست ((أسير)) بالين، وهو تصحيف.
(٢) فى الفهرست ((وسرت)) بالسين، وهو تصحيف .
(٣) هكذا هذه الرواية، وليس من همنا هنا أن تحقق الخلاف فى تأليف كتاب
[ العين]، وهو خلاف قديم معروف ، ولكن الذى أرضاه وأرجحه ،
مما قرأت وفهمت : أن الخليل وضع الكتاب جملة ، فرسم حدوده، وبنى
هيكله، وملأ أكثر المواد بمفرداتها، أوكثيرا منها، إملاء على تلميذه
الليث بن المظفر، ثم زاد فيه الليث ما صحّ عنده مما أذن له به الخليل.
وقد وجدت عند كتابة هذا مایشیر إلى قوته وتأییده ، فيما نقل ابن خلكان
فى ترجمة الخليل (١: ٢١٦) عن حمزة بن الحسن الاصبهافى قال:
(( وبعدُ، فإن دولةَ الإسلام لم تُخرجْ أبدعَ للعلوم التى لم يكن
لها عند علماء العرب أصولٌ - : من الخليل، وليس على ذلك برهانٌ*
أوضحُ من على العروض، الذى لا عن حكم أخَذَه ، ولا على مثلٍ تَقَدَّمه
احتذاه، وإنما اخترعه مِن تَمَرٍّ له بالصفّارين، من وَقْع مطرقةٍ على=
- ٤٩ - ٤ - مقدمة سنن الترمذى
- ٤٨ -
من محمد بن منصور نسخةَ هذا الكتاب ، وهى { العين] انتسخها محمد بن منصور
بن الليث بن المظفر)) .
ثم جاء العلماء بعد الخليل ، فوضعوا كتب اللغة على حروف المعجم ، إذ
وجدوا أن ترتيب الحروف على ماصنع الخليلُ فيه عنت وإرهاقٌ، لا يتقنه إلاّ من
كان مثلَ الخليل، ورأوا أن الالفَ كما تكون حرفاً معتلاً تكون همزةً، أى
حرفًا غير معتل، وأنها لاتكون حرف علة فى أول الكلمة، فتلدوا الخليل فى أصل
النظر والفكر، فرتبوا على ترتيب المعجم ، وكلهم اعتبر أصل الكلمة بعد نفى
الزوائد عنها ، ثم رتبوا : فمنهم من رتب على أوائل الكلمات ، فبدأ بما أوله
الهمزة، وهكذا ، كترتيب [المصباح المنير] مثلاً ، ومنهم من رتب على أواخر
الكلمات ، فقسم الكلمات إلى أبواب على عدد الحروف ، ثم رتب كل باب
على فصول باعتبار أوائل الكلمات ، وهكذا، كترتيب [الصحاح] و[القاموس]
مثلاً . وكلهم راعى الترتيب فى الحروف المتوسطة فى الكلمات أيضاً ، فما كان
ثانيه ب مقدم على ما كان ثانيه ت وهكذا .
=طَسْتٍ ، ليس فيها حجةٌ ولابيانٌ يؤديان إلى غير حليتهما، أو يفسِّرَان
غيرَ جوهرهما، فلو كانت أيامُهُ قديمةٌ ، ورسومُه بعيدةً - : لَشَكّ فيه
بعضُ الأمم ، لصنعته ما لم يصنعه أحدٌ ، منذ خلقَ اللهُ الدنيا، من
اختراعه العلم الذى قدمتُ ذكره، [ ومن تأسيسه بناءَ كتابِ المين]،
الذى يَخْصُرْ لغةَ أمٍّ من الأمم قاطبةً ، ثم من إمداده سيبويه من علم
النحو بما صنف منه كتابه، الذى هو زينةٌ لدولة الإسلام)».
وإن شئت الإسهاب بعد هذا فاقراً الفهرست لابن النديم (٦٣ - ٦٥)
ومعجم الأدباء لياقوت (٤ : ١٨١ - ١٨٣ و ٦ : ١٩٧ - ١٩٨ و
٢٢٢ - ٢٢٧) وبغية الوعاة السيوطى (٢٤٣ - ٢٤٥ و ٣٨٣)
ومفتاح السعادة أيالش كبرى زاده (١ : ٩٤ - ٩٦) وكشف الظنون
( ٢ : ٢٨٩ - ٢٩١ طبعة الاستانة)
- ٥٠ -
ومعاجم اللغة يعسر حصرها، وليس هذا أيضاً بموضعه، وإنما يهنا أن
يعرف القارئ أن المعاجم المرتبة على أوائل الكلمات قديمة وكثيرة ، لما وقع
فى وهم كثير من الناس أن جُلّها مرتب على أواخر الكلمات، لما اشتهر بينهم
من الصحاح والقاموس ولسان العرب.
وفى كلام الأخ الأستاذ الغمراوى - الذى نقلنا آنفاً (ص ٤٥) - مايوم القارئ
أن كتاب [المفردات] الراغب الأصفهانى أقدم المعاجم المرتبة على أوائل الكلمات،
وليس كذلك، فإن هذا الترتيب قديم جدًّا ، ومن أقدم ماوصل إلينا منه
كتابُ [جمهرة اللغة] لابن دُريد ، وهو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد ،
مات فى رمضان سنة ٣٢١ ، وهو مطبوع فى حيدر آباد ، فى ثلاث مجلدات كبار
ضخام ، طبع فى سنى ١٣٤٤ - ١٣٤٦ ، وقد قال فى خطبته مانصه :
(فارتجلتُ الكتابَ المنسوبَ إلى [جمهرة اللغة]، وابتدأتُ فيه بذكر
الحروف المعجمة ، التى هي أصلٌّ تَفَرَّعَ منها جميعُ كلام العرب ، وعليها مدارُ
تأليفه وإليها مآل أبنيته . وبها معرفة متقاربه من متباينه ، ومنقاده من جامحه،
ولم أَجْرٍ فى إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا ، ولا الطعن فى أسلافنا،
وأَنِى يَكونُ ذلك؟ وإنما على مثالهم تحتذى ، وبسبيلهم نقتدى،
وعلى ما أصَّلُوا نَبْتِى. وأُلَّف أبو عبد الرحمن الخليلُ بن أحمد الفرهودى
رضوان الله عليه [ كتابَ المين] فأتعب من تصدَّى لغايته، وتَنَّى من سَماً إلى
نهايته، فالمنصفُ له بالغَلَب معترفٌ، والمعاند متكلف ، وكلُّ مَنْ بعدهله
تبعٌ، أَقَرَّ بذلك أم جَحَدَ ، ولكنه رحمه الله ألف كتاباً مشكلاً ، لتقوب ضمه،
وذكاء فطنته، وحدّة أذهان أهل دهره. وأملينا هذا الكتابَ والنقصُ فى الناس
فاش ، والعجزُ لهم شاملٌ، إلا خصائص كدرارى النجوم، فى أطراف الأفق ،
فسهَّلْنَا وَعْرَه، ووطّنًا شَأْزَه(١). وأجريناء على تأليف الحروف المعجمة، إذ
(١) ((الشأز)): المكان الغليظ المرتفع .
- ٥١ -
كانت بالقلوب أعْبَقَ(١) ، وفى الأسماع أَنْفَذَ، وكان علمُ العامَّةِ بها كلم الخاصَّةِ،
وطالبُها من هذه الجهة بعيداً من الخَيْرَةِ ، مُشْفِياً على المراد)) .
..
وكتابُ [غريب القرآن] لأبى بكر محمد بن عُزَير (٢) السجستانى، المتوفى
سنة ٣٣٠، وهو كتاب معروف، طبع بمصر فى سنة ١٣٢٥، وأوله بعد الحمد
والصلاة : (( هذا تفسير غريب القرآن ألّف على حروف المعجم، ليقرب تناوله
ويسهل حفظه على من أراده)». وذكر الحافظ عبد الغنى الأزدى المصرى المتوفى
سنة ٤٠٩ فى كتاب [المؤتلف والمختلف] -: ابنَ مُزَيرِ هذا فقال: ((صاحب
كتاب غريب القرآن على حروف المعجم» .
وترتيب اللغة على حروف المعجم هو الأساسُ والأصلُ للفهارس، ثم
اخترع علماء الإسلام - قياساً عليه - ترتيبَ الأعلام على حروف المعجم، وأولُ
من علمناه فعل ذلك الإمامُ أبو عبد الله البخارى(٣) فى كتابه [الجامع الصحيح]
قال: ((بابُ تسميةِ مَن حُمَِّ مِنِ أهلِ بدرٍ، فى الجامع الذى وَضَعَهُ
(١) ((أعبق)» أى ألزق.
(٢) ((عزير)) بضمّ العين المهملة وفتح الزاى وآخره راء، هذا هو الراجح،
وضبطه بعضهم كذلك ولكن آخره زاى . قال الذهبي فى المشتبه (ص
٣٦١): ((قال ابن ناصر وغيره: من قال يزايين محف ». وقال أبو البركات
بن الأنبارى فى نزهة الألباء (ص ٣٨٦): ((وسمعت شيخنا أبا منصور
موهوب بن أحمد الجواليقى يحكى عن أبى زكريا يحي بن على التبريزى
أنه قال: رأيت خط أن بكر بن عزير، عليه علامة الراء غير معجمة.
وصنف كتاب غريب القرآن ، وأجاد فيه ، ويقال : إنه صنفه فى خمس
عشرة سنة ، وكان يقرؤه على أبى بكر بن الأنبارى ، فكان يصلح له فيه
مواضع)). وانظر أيضا بغية الوعاة السيوطى (ص ٧٢ - ٧٣ ) .
(٣) توفى البخارى ليلة السبت أول شوال سنة ٢٥٦ (٢ سبتمبر سنة ٨٧٠).
- ٥٢ -
أبو عبد الله، على حروف المعجم(١))). فذكر أولاً النبيَّ صلى الله عليه وسلم،
ثم ساق أسماء الصحابة على الحروف، وفى بعض روايات البخارى ذِكْرُ أبى بكر
وعمر وعثمانَ وعلىٍ - وحدَهم قبلَ سائر الصحابة. ولعله قد سبَقَ البخارىَّ غيرُه
إلى ذلك مما لم أعلم به، أو مما غاب عنى علمُ الآنّ.
ثم ألَّف العلماء ما لاحصر له من الكتب فى التراجم على اختلاف أنحاثها
ومراميها - : على حروف المعجم . وأولُ من عنى بذلك فيما علمتُ - علماء
الحديث، فقد صَنعوا مالم يَصنع أحدٌ، ووصلوا إلى مالمِ يَصِلْ إليه أَحَدٌ، أَنَّوا فى
تراجم رجال الحديث والرواية مؤلفاتٍ ضخمةً واسعةً ، وصغيرةٌ موجزةً ، لم
يطبع منها إلاّ النزر اليسير، وهذا النزر فى ذاته كثير خطير ، وعندى فى
مكتبتى من ذلك لمؤلف واحدٍ ٣٢ مجاراً(٣)، وهو الإمام الكبير الحافظ
أحمد بن على بن حجر العسقلانى المصرى ، شيخ الإسلام وقاضى القضاة ، المتوفى
ليلة السبت ٢٨ ذي الحجة سنة ٨٥٢ (٢٢ فبراير سنة ١٤٤٩ ميلادية)
وله فى ذلك مؤلفات أخرى لم تطبع .
وأقدم كتابٍ عرفتُهُ فى رجال الحديث مرتبٍ على الحروف - : [ كتابُ
الضعفاء الصغيرُ] للبخارى الإمام ، وهو مطبوع على الحجر بالهند، طبعة قديمة
بدون تاريخ، فى ٣٤ صفحة، ثم [كتابُ الضعفاء والمتروكين] للنأى صاحب
السنن (٣)، وهو مطبوع مع كتاب البخارى أيضاً ، فى ٢٢ صفحة، ثم كتابُ.
(١) البخارى (٨٧:٥ من الطبعة السلطانية و٢٥١:٧ من فتح البارى
طبعة بولاق) .
(٢) بيانها : الإصابة فى تمييز الصحابة ٨ مجلدات، تهذيب التهذيب ١٢ مجدداً،
لسان الميزان ٦ مجلدات ، الدرر الكامنة ٤ مجلدات ، تقريب التهذيب
مجلد واحد ، تعجيل المنفعة مجلد واحد .
(٣) هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائى، ولد سنة ٢١٥، ومات
فلسطين يوم الاثنين ١٣ صفر سنة ٣٠٣ .
- ٥٣ -
٢
[ الكامل فى معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الحديث] للإمام الحافظ عبد الله
بن عَدِىّ الْجُرْجَانى، المتوفى فى أول جمادى الآخرة سنة ٣٦٥ (٥ فبراير
سنة ٩٧٦ م) ، وهو كتاب كبير لم يطبع ، ومنه أجزاء مخطوطة بدار
الكتب المصرية .
--.. .
وقد كانت كتب التراجم فى العصور الأولى مرتبةً على السنين
والطبقات(١) ، مثل [كتاب الطبقات الكبير] لمحمد بن سعد المتوفى فى جمادى
الآخرة سنة ٢٣٠ (فبراير أو مارس سنة ٨٤٥) وهو مطبوع فى أوربة فى ثمانية
مجلدات كبار ، ومثل تواريخ البخارى الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير ،
وهذا الصغير مطبوع فى الهند .
ومَن مارس كتب التراجم وأطال القراءة فيها وجد أن مارُتِّب منها على
السنين والطبقات أجلُّ نفعاً وأعلى فائدة المستفيد، من الكتب المرتبة على
الحروف ، لأن القارئ يدرس رجال العصر الواحدِ وأحوالهم متقارنةً متقاربةً ،
ومتابعةً متواليةً، فيعرفُ النظائرَ والأقرانَ ، والشيوخَ والتلاميذَ ، فيستفيدُ
صورةٌ مجموعة غيرَ مفرقة ، بخلاف مارتب على الحروف ، فقد يُرغم هذا
الترتيبُ المؤلّفَ على أن يأتى برجل من الطبقة الأولى بعد رجل من الطبقة
العاشرة مثلاً ، فلا يجد القارئ فيها تناسباً بين ما يقرأ .
وإنما اضطر المتقدمون - رحمهم الله - إلى معاجم الأعلام، لأن
المطابع لم تكن وُجدتْ، وأرادوا التيسير على القرّاء والباحثين، لأن
الكتبَ المعاجمَ أسرعُ دِلالة الباحث على ما يطلب من التراجم .
وأنا أظن - بل أ كاد أوقنُ - أنه لو وجدت المطابعُ فى العصور السالفة،
(١) وصنع ذلك بعض المتأخرين أيضا كالحافظ الذهبى المتوفى سنة ٧٤٨
فى كتابيه [تاريخ الإسلام] و[تذكرة الحفاظ].
- ٥٤ -
بين أيدى أئمتنا المتقدمين، مكانأكثر اتذه بها مِنَّا، ولوضعوا
كتبهم فى التراجم - كلَّا أوجاً : - عنى "طبقات. ثم ألحقُوا بها ماشاءًا
من فهارسَ ، تسهيلاً للمستفيد والبحث .
وهذه كتبُ رجال الحديث أكثرُمن وُضِعتُ كُتَبّ على معنى الفهارس،
فإنك تجدهم يذكرون الراوى المترجم، ويذكرون أين روايته من كتب السنة،
خصوصا فيما صُنع لتراجم الرواة فى الصحاح الستة أو السبعة المعروفة(١) ، وفيما
ألحق بها من مؤلفات مؤلفيها، واصطلحوا على رموز لهذه الكتب يضعونها
بجوار اسم الراوى المذكور فيها ، فتجد فى كتابٍ [تهذيب التهذيب] المحافظ
ابن حجر - مثلاً - الرموز التى اعتمدها الحافظ المِزَّى مؤلفُ أصله، وهو [تهذيب
الكال(٢)]، وهى (ع) للكتب السنة، و(٤) لأصحاب السنن، و(خ)
البخارى ، و (م) لمسلم، و(ب) لأبي داود، و (ت) الترمذى،
و (س) للنسائى، و(ق) لابن ماجه، و (خت) البخارى فى التعاليق،
و (بخ) له فى الأدب المفرد، و(ى) له فى جزء رفع اليدين، و (عخ) له
فى جزء خلق أفعال العباد، و(ز) فى جزء القراءة خلف الإمام ،
و(مق) لمسلم فى مقدمة كتابه، و(مد) لأبى داود فى المراسيل، و(قد)
له فى جزء القَدَر، و(خد) فه فى الناسخ والمنسوخ، و(ف) فى التفرد ،
(١) البخارى ، ومسلم، وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وابن ماجه ، وقد
يلحق بها الموطأ .
(٢) [تهذيب التهذيب] لابن حجر فى ١٢ مجلدا، وهو اختصار إلى الثلث من
[تهذيب الكمال] للمزّى ، وهو الحافظ الأوحد ، محدث الشام، الإمام
جمال الدّين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعى الكلى
المزى - بكسر الميم والزاى، نسبة إلى ((المزة)) وهى قرية بجوار دمشق -
ولد سنة ٦٥٤ ومات فى ١٢ صفر سنة ٧٤٢ .
و(ض) له فى فضائل الأنصار، و(ل) له فى المسائل(١)، (وكد) له فى مسند
مالك، و(ثم) الترمذى فى الشمائل، و(سى) للنسائى فى عمل اليوم والليلة،
و(كن) له فى مسند مالك، و(ص) له فى خصائص علىّ، (وعس) له فى
مسند على، و(فق) لابن ماجه فى التفسير. ثم إذا أراد أن يترجم راويًا وضع
بجوار اسمه رموزَ الكتب التى له فيها روايةٌ، ثم يذكر بعض شيوخه وبعض
تلاميذه ، وقد تبع فى ذلك ماصنعه الحافظُ المزّى ، ولكنه اختصر منه وحذف،
فإن المزّى يذكر فى كتابه كلّ شيوخ الراوى وكل تلاميذه، ويضع فوق اسم
كل شخص منهم بالمرة رمزَ الكتب التى فيها روايته ، وهذا أقرب إلى نوع
الفهارس ، لأن الراوى قد يروى عن عشرين شيخا مثلاً ، وروايته فى كل الكتب
السنة ، ولكنه يروى عن فلان فى البخارى، وعن فلان فى مسلم، وهكذا ،
ويكون لكل شيخ من شيوخه تلاميذ آخرون رووا عنه فى أبى داود أو الترمذى
(١) هو كتاب [مسائل الإمام أحمد] تأليف أبى داود صاحب التن، سليمان
بن الأشعث، المولود سنة ٢٠٢، والمتوفى يوم ١٦ شوال سنة ٢٧٥
(فبراير سنة ٨٨٩ م) وهذا الكتاب أسئلة لأبى داود سأل عنها شيخه
الإمام أحمد بن حنبل فى الحديث والفقه ، فكتب أبو داود المسائل وأجوبتها،
وقد طبع فى مصر بمطبعة المنار سنة ١٣٥٣ بنفقة الأخ الشيخ إبرهيم
بن حمد الصنيع التاجر بجدّة . ومنه فى المكتبة الظاهرية بدمشق نسخة
عتيقة كاملة ، هى من أقدم الكتب المخطوطة فى الدّنيا، لأنها بخط أحد
تلاميذ المؤلف ، وكتبت فى حياته سنة ٢٦٦ وقد أخبرت عنها صديقى
الأستاذ الكبير العلامة الدكتور منصور فهمى بك مدير دار الكتب المصرية،
ورجوته أن يأمر باستحضار نسخة منها مصوّرة بالتصوير الشمسى ، فأجاب
حفظه الله الرجاء، وجاءت النسخة المصوّرة إلى دار الكتب . ولا أعرف
كتابا مخطوطا أقدم منها، إلا كتاب [ الرسالة] الشافعى، المحفوظ
بدار الكتب، بخطّ الربيع بن سليمان، كتبه فى حياة الشافعى، أى قبل
آخر شهر رجب سنة ٢٠٤ ( يناير سنة ٨٢٠ م) .
- ٥٦ -
- مثلاً - فيكون تحديد موضع الرواية فى كل راءٍ شَ تقريباً لمعنى الفهارس،
يدرك ذلك تمام الإدراك من عافى هذه الصناعة، دوج سابقها، ودرس طرقها.
ولذلك كثيراً ما أتمنى أن أوفق إلى ناشر يعينى على طبع [تهذيب الكمال]
المزّى، لأتين فيه موضع رواية كل راو فى الكتب الستة وغيرها بأرقام الصحف،
ليكونَ الكتابُ كتاباً وفهرساً لها معاً، ويكون هذا تحقيقاً لمقصد مؤلفه من
التسهيل والتيسير .
ومما يؤيد أن هذه الكتب فى الرجال إنما وُضعت على معنى الفهارس،
وأنه لم يمنعهم من جعلها فهارس تامةً إلاّ عدم وجود المطابع -: أنهم كثيراً
مايذكرون فى ترجمة الراوى موضع حديثه فى الكتاب الذى روى له ، إذا كان
للراوى حديث أو حديثان ، ولم يذكروا مواضع أحاديث الرواة الذين
فى روايتهم كثرة، ومع ذلك فقد يَدُلّون على بعضها إذا كان فى الإسناد مسنّ
يحتاجُ إلى نقدٍ أو إيضاحٍ.
ومَثلُ ذلك: أن الحافظ أبا الفضل محمد بن طاهر المقدسى (1) أنَّف [كتاب
الجمع بين كتابى أبى نصر الكلاباذى وأبى بكر الأصبهاتى فى رجال البخارى
ومسلم(٢)] مرتباً على الحروف، والتزم فى كل راوٍ مُقِلٍ أن يدل على موضع
حديثه من الصحيحين، فيقول مثلاً فى ترجمة ((سعيد بنِ يُحْدَ)): ((سمعَ
ابنَ عباس عند البخارىّ، والبَرَاءَ عند مسلم. رَوَى عنه مطرِّقُ بن طَرِيف
عند البخارىّ فى فضل الصحابة، ومالكُ بنُ مِنْوَلٍ عند مسلمٍ فى الفرائض»
فهو فى المقلّين فهرسٌ تامّ ، لا ينقصه إلّ الدلالة على موضعه برقم الصفحة، ولم
يكن ذلك ميسوراً فى المخطوطات . وقد يدل على موضع بعض الحديث من رواية
(١) ولد سنة ٤٤٨ ومات يوم الجمعة منتصف ربيع الأول سنة ٥٠٧ (٣٠
أغسطس سنة ١١١٣ م) .
(٢) طبع فى حيدر آباد سنة ١٣٣٣.
- ٥٧ -
:
الراوى المكثِر، لفائدةٍ، كما فى ترجمة «أحمد بن محمد بن حنبل الإمام)» إذ
يقول: ((رَوى عنه مسلمٌ بغير واسطة بينهما، وروى البخارى عن أحمد
بن الحسن الترمذى عنه حديثاً واحداً فى آخر المغازى ، فى مسند بُريدة قولَه: إنه
غزا مع النبى صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوةٌ. وقال فى كتاب الصدقات :
حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى ئنا أبى ثنا تُمامة ، الحديث، ثم قال عَقيبه:
وزادنى أحمد بن حنبل عن محمد بن عبد الله الأنصارى . وقال فى كتاب
النكاح : قال لنا أحمد بن حنبل رحمه الله، ولم يَقُلْ حدثنا ولا أخبرنا، وهو
حديث الثورى عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما
قال : حرم من النسب سبعٌ، الحديثَ)). فهذا فهرسٌ من وجهٍ ، ولا ينقصه أيضاً
إلّ رقم الصفحة.
ثم لم يَكْتَفِ علماء الحديث بهذا، فى سبيل الترفيه على الناس والتيسير لهم،
إذا ما أرادوا البحث عن الأحاديث فى دواوينها ، فابتدعوا نوعاً آخر طريقاً من
الفهارس، سَّوْه ((الأطْرافَ))، فيجمعُ أحدُهم أحاديثَ الصحيحين -
البخارى ومسلم - أو أحاديثَ السنن الأربعة - لأبي داود والترمذى والنسائى
وابن ماجه - أو أحاديثَ كتبٍ غيرها، أو يجمع أحاديثَ الكتب الستة ،
ثم يُغُردُ رواياتٍ كل صحابىّ وحده، ويرتبُ أسماء الصحابة على حروف المعجم ،
ويذكر أحاديثهم حديثاً حديثاً باختصار ، ويبين موضع كل حديث فى الكتاب
الذى هو فيه، كأن يكون فى البخارى فى أبواب الصلاة، أو فى مسلم فى أبواب
الطهارة ، وهكذا ، ويشير إلى إسناده باختصار أيضاً ، وإذا تكرر الحديث
بأسانيد متعددة أمتار إليها كلها وبيّن مواضعها .
ومن أقدم هذه الكتب : كتاب [أطراف الصحيحين] للامام الحافظ
خَلَف بن محمدون الواسطى ، المتوفى سنة ٤٠١ ( سنة ١٠١٠ - ١٠١١ م ).
وكتاب [ أطراف الغرائب والأفراد] للأمام الحافظ أبى الفضل محمد بن طاهر
- ٥٨ -
المقدسى ، المتوفى سنة ٥٠٧ ، وهو يجمع أطراف الكتب الستة، رتَّب فيه
كتاب [الأفراد ] الدار قطنى على حروف المعجم، وكتاب [الأطراف ]
المحافظ الكبير أبى القاسم على بن عساكر الدمشقى المتوفى ليلة الاثنين ٢١ رجب
سنة ٥٧١ (فبراير سنة ١١٧٦ م)
ومن أحدث كتب الأطراف : كتابُ {ذخائر المواريث فى الدلالة على
مواضع الأحاديث] للعلامة الصالح العارف بالله الشيخ عبد الغنى بن إسماعيل
النابلسى " توفى يوم الأحد ٢٤ شعبان سنة ١١٤٣ (مارس سنة ١٧٣٠ م)،
وهو أكتر كتب الأطراف فائدة ، مع الإيجاز التام ، وقد جمعله أطرافاً للمكتب
الستة وموناً مالك .
وكان هذا الكتاب نادر الوجود جدا، وحين كنتُ ببلد الله الحرام لأداء
فريضة الحج فى سنة ١٣٤٧ وجدتُ نسخةً جيدةً منه ، مكتوبة بخط أحد أحفاد
المؤلف، وتاريخ نسخها سنة ١٢١٥، فاستعرتُها من صاحبها الصديق الفاضل النبيل
الشيخ عبد الوهاب الدهلوى، أحد كبار الأعيان والتجار من الهنود بمكة، على أمل
أن أبذل وسعى فى السعى لطبعه، وقد وفق اللهُ لنشره الأخَ الشيخ محمود ربيع
أحد علماء الأزهر ، ولكنه طبعه طبعاً على غير ما كنتُ أرجو .
وكتب الأطراف كثيرةٌ، بعضُها مخطوط بدار الكتب المصرية، وبعضها
فى مكاتب أخرى، ولم يطبع منها إلاّ [ذخائر المواريث].
ثم لم يكتف العلماء بهذا أيضاً، فاخترع الحافظ جلال الدين السيوطى(١)
نوعاً آخر من الفهارس لكتب الحديث ، رَتَّب الأحاديثَ فيه على حروف
المجم ، باعتبار أوائل اللفظ النبوى الكريم ، وعمل فى ذلك كتباً كثيرة،
(١) توفى السيوطى ليلة الجمعة ١٩ جمادى الأولى سنة ٩١١ (اكتوبر سنة
١٥٠٥ م ).
-
أشهرها [ الجامع الكبير] أو [جمع الجوامع] ولم يطبع، و[الجامع الصغير]
(١)
وقد طبع مراراً
وأنا أعتقد أن المطابع لو كانت معروفةً فى عصر السيوطى لَوضَعَ عملَه عملاً
كاملاً، وَجَعَلَ هذه الكتبَ فهارسَ لكتب السنة على الطراز الحديث.
ومنذ بضع عشرات من السنين صنع محمد الشريف بن مصطفى التوقادى من
علماء الاستانة، كتابين، هما [مفتاح صحيح البخارى] و [مفتاح صحيح
مسلم]، فرغ من تأليفهما سنة ١٣١٢، وطبعا فى الاستانة سنة ١٣١٣، رتّب
أحاديث كل واحد منهما على الحروف ، باعتبار أوائل اللفظ النبوى الكريم،
وأشار إلى موضع كل حديث فى [ مفتاح التجارى ] بالأبواب والكتب ،
وبأرقام الأجزاء والصفحات ، لمن البخارى وشروحه لابن حجر والعينى
والقسطلاني، وفى [مفتاح مسلم] كذلك لمتن مسلم وشرحه النووى.
وهذه أثارةٌ من على عمّا عمل علماء الاسلام فى سبيل الفهارس،
يوفنُ قارئها أنهم فكروا كثيراً وعملوا كثيراً، وأنهم بذلوا كل الجهد
فى هذا السبيل، فوصلوا، على ضُؤْلَةٍ ما بأيديهم من الآلات، وأن
الافرنج لم يصنعوا إِلاّ أن اقتبسوا عملهم فى المخطوطات فقادوه فى
المطبوعات ، مع شىء من التحوير والتنظيم، ثم راح ناسٌ منّاً، جهلوا
آثار سلفهم الصالح، واستهوتهم أوربةُ بحبروتها وقوتها حتى عبدوها،
وحتى كادوا أن يفقدوا مقوّمات الأمم ، من دينٍ ولغةٍ ، وعصبيةٍ
(١) السيوطى هو أوّل من ابتدع هذا النوع، ولم يسبق إليه، كما نصّ على
ذلك العلامة علاء الدين السنوى، في كتابه [ محاضرة الأوائل ومسامرة
الأواخر] الذى فرغ من تأليفه سنة ٩٩٨ ( ص ٦٧ طبعة بولاق سنة
١٣٠٠ ) .
- ٦٠ -
ومجدٍ ، ليكونوا - زعموا - مجدِّدِين ومثقَقين !! راح هؤلاء مِجِّيرام
ودَيْدَنُهم الإشادةُ بالمستشرقين، ولا تصحيحَ إلاَّ ماسمح المستشرقون،
ولا فهارسَ إِلاّ ماصنع المستشرقون ، ولا علمَ إلّ ماقال المستشرقون ،
ولا لغة إلاما ارتفى المستشرقون !! الرأىُ الصحيح فى فهم القرآن
مافهم المستشرقون، والحديث الثابت ما أثبت المستشرقون !! وَقَرَ
فى نفوسهم، وأُشْرِبوا فى قلوبهم أن كلّ المستشرقين ((حَذَامٍ))،
والقولُ ماقالت حَذَامِ !!
بالله لقد تعبتُ أيّاماً طوالاً، فى إقناع بعض إخوانى بأن نسخةً
[ الرسالة] الشافعى، القديمةَ المحفوظة بدار الكتب المصرية -:
مكتوبةٌ كُّها بخط الربيع بن سليمان صاحب الشافعىّ ، وأنه كتبها فى
حياة مؤلفها، على كثرة ما جادلُهم بالدلائل الصحاح، والحجج القائمة،
حتى اقتتموا أو كادوا ، وهم ذوو نظر ناقب ، وفكر سليم ، وعلم
ومعرفة، وليسوا من عُبّاد الافرنج ، وما كان بهم إلاَّ أن القواعد التى
زعم المستشرقون لتأريخ الخطوط العربية لا تستقيمُ مع ما ادَّعى، وإلاَّ
أن المستشرق ((موريقس)) أرَّخ هذه النسخة فى مجموعة الخطوط
العربية بأنها كتبت نحو سنة ٣٥٠ فكان من العسير الاقتاعُ بما
يخالف ماوُجد من القواعد وما قال رجلٌ يقلده مئاتٌ وألوف من
العلماء والباحثين(١)، وهكذا أَثَرُ التقليد. واستهواؤُه للقوس،
(١) سأفصل القول فى شأن [الرسالة] بإسهاب إن شاء الله، فى مقدّمتها، إذ
أقوم بتحقيقها وطبعها عن نسخة الربيع، بمطبعة أولاد السيد مصطفى الحلى
رحمه الله .
- ٦١ -
عَصَمَنَا اللهُ وإياكم منه. وقديماً قال الشافعى: ((وبالتقليد أغْقُل من
أَغْفَ منهم ، والله يغفر لنا ولهم(١)».
عملى فى تصحيح الكتاب
ولقد اتبعتُ فى تصحيح كتاب الترمذى هذا أصحَّ قواعد التصحيح
وأدقّها ، واجتهدتُ فى إخراج نتِّه صحيحاً كاملاً، على ما فى الأصول التى وصفتُ
من اضطرابٍ واختلافٍ ، وعلى أنه لم يقع لى منه نسخةٌ يصحُّ أن تُسَى
(أصلاً)) بحقٍ ، كأن تكون قريبةً من عهد المؤلف، أو تكون ثابتةَ القراءة
والأسانيد، على شيوخ ثقات معروفين ، ولكنّ مجموع الأصول التى فى يدى
يخرج منها تصرّ أقرب إلى الصحة من أىِّ واحدٍ منها. ولم أكتب فيه حرفاً
واحداً إِلاَّ عن ثبت ويقين، وبعدَ بحثٍ واطمئنان، وذكرتُ كلَّ ما فى هذه
النسخ من زيادات ، بين قوسين هكذا [] مع الإشارة فى التعليق إلى مصدر
الزيادة، إلاَّ أن تكون الزيادةُ خطأ صرفاً، فإنى لا أزيدها فى المتن، ولكن
أُذكرها فى التعليق، مبيناً وجهَ الخطأ فيها. وذكرتُ كلَّ ما فى النسخ من
اختلاف ، سواء أ كان صحيحاً أم خطأ ، إنما أذكر فى المتن ما أراه أصحَّ من
غيره فى نظرى ، مع إيضاح وجه الترجيح، إن كان هناك وجه له .
وقد فعلتُ هذا كلَّ احتياطاً، فقد يكون مارأيتُهُ خطأً يراه غيرى صواباً ،
وأكونُ أنا المخطئَّ، وقد يكون ماظننتهُ راجعاً مرجوحاً فى الحقيقة، وإنما
احتطتُ فى عملى أشدَّ الاحتياط، وبذلتُ ما فى وسعى من جهدٍ .
ولا أستثنى من النسخ شيئاً فيما فعلتُ إلَّ النسخةَ المرموزَ لها بحرف (2)
(١) عن كتاب [ الرسالة] فى الفقرة (١٣٦).
- ٦٢ -
فإنى لم أذكر جميع مافيها من مخالفة لغيرها، إدلط . محتها، كماقلت آنفاً
فى وصفها .
وكأن القارئ فى هذه الطبعة من [ سنن الترمدة: أ فى جميع النسخ التى
وصفتُ، عن ثقة ويقين واطمئنان نفس ، إن شاء الله .
وقد جعلتُ الكتاب نوعين من الأرقام. من ٦ إلى آخره: أحدهما
الأبواب الكتاب، ليكون حصراً صحيحاً لها، وتمستمث به فى أنواعٍ من
الفهارس، والآخرُ للأحاديث، ليكون حصراً لها أي .. ، ولتكون أكثرُ
الفهارس عليه، فإنى أرى أن عَدَّ الأحاديث بالأرقام المساسية فى طبع كتب السنة
واجب، لتكون فيارسها منظمةً متقنةً، وثلا تختلف الفهارسُ باختلاف
الطبعات ، ولتكون الأرقام كأنها أعلام للأحاديث، ويسها أيضاً على الكاتبين
والمؤلفين إذا أرادوا الإشارة إلى حديث - : أن يشيروا إليه رقمه ، وفوائد أخرى
يدركها القارئ والباحث.
أما الفهارس فإِنى لم أضع مع هذا الجزء الأول إلاَّ فهرسَ الأبواب التى فيه ،
وشيئاً يسيراً عن بعض أبجانى فى الشرح، تخيرتُها من الأبحاث التى لى فيها رأى"
خاصٌّ ، أو تحقيق لم أجد غيرى صَنَعَه فيما قرأْتُ. وكذلك سأفعل إن شاء الله
فى سائر الأجزاء، ثم أضحُ الفهارسَ العامةَ المفصلةَ جملةً واحدة فى آخر الكتاب،
إن شاء الله ، وستكون على أنواع مختلفة ، منها : فهرس الصحابة الذين لهم
أحاديث فى الكتاب(١)، وآخر الصحابة الذين أشار إليهم قبله ((وفى الباب)) ،
وآخر لرجال الإسناد الذين تكلم عليهم الترمذى أو تكلمتُ عنهم فى الشرح ،
من جهة التوثيق والتضعيف،(٢) وسأفكر فى أنواعٍ أُخَرَ من الفهارس عند أوانها
إن شاء الله، ولستُ أعِدُ بشىء من ذلك الآن، فكلُّ شىء فى أوانه .
(١) فيكون هذا الفهرس كأنه مسند للصحابة الذين روى لهم الترمذى، ويستفاد
منه أيضا معرفة عدد مالكل صحابى من الأحاديث عنده .
(٢) فيكون هذا الفهرس كأنه كتاب ((معجم)) فى الجرح والتعديل.
- ٦٣ -
٤
٠
إنما أرجو أن يجد القارئ هذا الكتابَ تحفةً من التحف ،
ومثالاً يحتذى فى التصحيح والتنقيح، وأصلاً موثوقاً به حجة، وليعلمّ
الناسُ أنّا نُتقن هذه الصناعةَ، من تصحيحٍ وفهارسَ ونحوهما - :
أكثرَ مما يتقنُها كلّ المستشرقين، ولا أستثنى. وما أبغى بهذا
خراً، ولا أقوله غروراً بالنفس، وإنما أقول ما أراه حقًّاً، لى أو عَلَىَّ،
وقد صححتُ قبل هذا الكتاب كتُبّاً، منها كتابان كادا أَن يَبْلُنَا من
الإتقان الغايةَ ، فى نظرى ورأيى على الأقلّ ، وفى نظر كثير من
إخوانى من أهل العلم والمعرفة.
أولهما: كتاب [الخراج] تأليف يحيى بن آدم القرشى،
المتوفى سنة ٢٠٣، وقد كان أول ما نُشر، بمطبعة بريل فى مدينة ليدن،
نشره المستشرقُ العلامة الدكتور ((ت. وجوينبول)) سنة ١٨٩٦ م
(١٣١٤ هـ) ثم رغبت المطبعةُ السلفية فى إعادة نشره فى سنة ١٣٤٧،
فعهد إلىّ الصديقان الأخوان، السيد محب الدين الخطيب حفظه الله ،
والسيد عبد الفتاح قتلان رحمه الله -: تحقيقه وتصحيحه ، ولم يكن
معى من الأصول منه إلاَّ النسخة المطبوعة فى ليدن ، فصححتُه،
وحققتُ كلَّ كلمةٍ منه، وكتبتُ عليه حواشىَ نفيسةً مختصرة،
وهاهو فى أيدى الناس ، فمن شاء فليقرأه وليقارنْ بينه وبين طبعة
أوربة، ثم ليحكمْ بما يرى، وقد ألحقت به فهارسَ متقنةً دقيقةً:
للأبواب، ثم الرجال، ثم الشيوخ يحي بن آدم ، ثم القبائل والأمم ،
- ٦٤ -
ثم للأماكن، ولم تكن هذه الفهارسُ كلها فى الطبعة الأولى، بل كان
فيها بعضُها غيرَ صحيح ولا مستوُى.
ثانيهما: كتاب [ لباب الآداب] تأليف ((الأمير أسامة بن مُنْقِذٍ))
المولود سنة ٤٨٨ والمتوفى سنة ٥٨٤ ، نشره صديقى الفاضل الأديب
لويس سركيس فى سنة ١٣٥٤، ولم يكن يبدى منه إلاّ صورةٌ شمسية
عن نسخة كُتبت فى حياة المؤلف، فى (صفر سنة ٥٧٩) وأهداها
لابنه ((الأمير مُرْهَفِ بن أسامة)) وعليها وثيقة الإهداء بخط
الأمير مرهف، ثم وجدتُ بدار الكتب المصرية نسخة أخرى فى أثناء
طبع الكتب ، وهى نسخة جديدة غير جيدة ولاصحيحة. وقد ألحقتُ
به من الفهارس فهرسَ الأبواب، وآخرَ للأعلام، وآخر أيام العرب،
وآخر للأماكن، وآخر للقوافى، ولستُ أقول فى مدحه إلاَّ أن
أحيلَ القارئ عليه .
وقبل أن أختم هذا البحثَ أرى واجباً علىَّ - المناسبة الكلام
فى الفهارس - أن أُنَوَّةَ برجلٍ نابغةٍ مدهشٍ ، مجهولٍ مغمورٍ فى هذا
البلد، هو الأستاذ الشيخ مصطفى على بيومى. هذا الرجلُ قد نبغ فى
فنّ الفهارس وصناعتها نبوغاً مجيباً، وأنا أشهد له - شهادةً خالصةً لُه.
أنه قد فاق فى هذا كلّ من علمناه، ممن تقدم أو تأخر. هذا الرجلُ
لو كان فى بلد لم يُنْتَلَ بتقديسِ الأجانب، وعلم الأجانب ،
-- ٦٥ -
وعملِ الأجانب، ولغةِ الأجانب -: لكان له مَأنّ أَىُّ شَأْنِ، ولِعُهِد
إليه بوضع الفهارس لدور الكتب، ولما فيها من علومٍ ومعارفَ ،
وتراجمَ وتواريخَ. ولو كان لى شئٍّ من السلطان لعرفتُ كيف أُظهر
علمه ونبوغَه، ولعرفتُ كيف أنظّم عملَه، وكيف أوجَّههُ التوجيه
الصحيح، ولكن ....
طريقتى فى الشرح
كتاب الترمذى يمتاز بأمور ثلاثة ، لاتجدها فى شىء من كتب السنة
الأصولِ ، الستةِ أو غيرها:
أولها : أنه بعدَ أن ◌َوِىّ حديثَ الباب يذكر أسماء الصحابة الذين رُويت
عنهم أحاديثُ فيه، سواءأ كانت بمعنى الحديث الذى رواه، أم بمعنى آخر،
أم بما يخالفه، أم بإشارة إليه ولو من بعيد. وهذا أصعب ما فى الكتاب على
من يريد شرحه ، وخاصّةً فى هذه العصور، وقد عَدَّمَت بلادُ الإسلام نبوغَ
حفاظ الحديث، الذين كانوا مفاخر العصور السالفة. فمن حاول استيفاء هذا،
وتخريجَ كلِّ حديث أشار إليه الترمذى أعجزه، وفاته شىء كثير(١) . وقد حاول
الشيخ المباركفورى رحمه الله ذلك فى شرحه، فلم يمكنه تخريج كل الأحاديث.
وقد فكرتُ فى أن أتبعه فما صنع، ثم وجدتُهُ سیکونُ عملاً ناقصا، ووجدتُی
(١) رأيت فى ترجمة الحافظ ابن حجر العسقلانى المتوفى سنة ٨٥٢ أنه ألف كتابا
سماه «الباب: فى شرح قول الترمذى وفى الباب)» ولم أره، ولا أعلمه
موجودا فى مكتبة من المكاتب . ولو وجد هذا الكتاب أغى عن كثير
من العناء ، وأفاد أكبر الفائدة ، لحفظ مؤلفه وسعة اطلاعه والثقة بنقله.
- ٦٦ -
سأنسب أحاديث إلى كتبٍ لم أرها فيها بنفسى، وسأكون فيها مقلداً غيرى،
فَأَتَيْتُ(١).
ثانيها : أنه فى أغلب أحيانه يذكر اختلاف الفقهاء وأقوالهم فى المسائل
الفقهية، وكثيراً مايُشير إلى دلائلهم، ويذكر الأحاديث المتعارضةً فى المسئلة .
وهذا مقصدٌ من أعلى المقاصد وأهمها، إذْ هو الغاية الصحيحةُ من علوم الحديث،
تغييرُ الصحيح من الضعيف، للاستدلال والاحتجاج، ثم الاتباعِ والعمل.
وقد بدالى أول الأمر أن أُزَفىّ القولَ فى ذلك، ثم أحجمتُ، إذْ لوفعلتُ
طالَ الكتابُ جدًّا، ولخرج عن كل تقديرٍ قدَّرناه له فى طبعه ، ولم أجِذْ من
الوقت ما يَسَعُ القيام به على الوجه الذى أُريد، فاقتصرتُ على مسائلَ قليلة ، من
دقائق مسائل الخلاف، مما اختلفتْ فيه أنظارُ العلماء، ودَقَّ وجهُ الصوابِ
فيه، وجعلتُها كالمثال لما لم أَذكرِ، يحتذيه العالمُ والعلمُ: والغيد والمستفيدُ.
وعلى النهج القويم سارَ عليه أمْتُنا من أهل الحديث سِرْتُ،
فيما عرضتُ له من مسائل الخلاف: لاحجةَ إلاَّ فيما قال اللهُ أو قال
رسولُه، وكلُّ أحد يؤخذُ مِن قوله ويُرَدُ إلاَّ رسول الله، ( وما كانَ
لمؤمن ولا مؤمنةٍ إذا قَضَى اللهُ ورسولُهُ أَمْرًا أنْ يكونَ لهمُ الجِيَرَّةُ
مِنْ أَمِمْ(٢)) . (فَلَ وَرَبَّكَ لاَيُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
(١) والشيخ المباركفورى رحمه الله إنما خرّج ما خرّج من الأحاديث منندا
غيره أيضا من أصحاب الكتب المجاميع والمخرجات ، كالمنتقى المجد ين تمية،
وشرحه نيل الأوطار الشوكانى، والتلخيص والفتح الحافظ ابن حجر ،
ولم أفعل مثل ما فعل إلا متعجلا أو الضرورة .
(٢) سورة الأحزاب (٣٦).
-- ٦٧ -
۔
مِنْهِمْ، ثُمْ لا يَحِدُوا فِى أَنفسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيً(١).
لا فقَلُِّ دِينَنَا الرجالَ ، ولا تُرِّقُ بين ماجمعه رسولُ الله، ولا تَجمعُ
ما فَرَّق بينه ، ولا نقولُ : مافَرَّقَ بين كذا وكذا؟ [لأنَّ قولَ
ما فَرَّق بين كذا وكذا؟ فيما فَرَق بينه رسولُ الله -: لا يَعْدُو أن يكون
جهلاً ثمّن قالَه، أو ارتيابًا شَرًّا من الجهل ، وليس فيه إلاَّ طاعةُ الله
باتِباعِه(٢)].
فقد أمرنا الله باتباع نبيه ، وجعل طاعته والرضا بحكمه شرطاً فى
صحة الإيمانبه، فماجاء منسنته فیما فیهنَصُّ کتابٍ فھو ییانٌ الکتاب،
بيانٌ لعامَّه وخاصَّه ، وناسخه ومنسوخه، ونحوذلك. [وماسَنَّ رسولُ الله
فيما ليس الله فيه حكمٌ - : فيحكم اللهِ سَنَّهُ. وكذلك أخبرنا الله فى
قوله: ( وإنك لَتَهْدِى إلى صراطٍ مستقيمٍ صراطِ اللهِ(٢)) وقد سَنَّ
رسولُ الله مع كتاب اللهَ، وسَنَّ فيما ليس فيه بعينه نصُّ كتابٍ .
وكلّ ماسَنَّ فقد ألزمنا الله اتِّاعَه ، وجعل فى اتباعه طاعتَه ، وفى
العُنُودِ(٤) عن اتَّاعها معصيتهُ التى لم يَعْذِرْ بها خلقاً، ولم يجعل له من
اتَّاعِ سُنَِ رسولِ الله ◌َخْرَجًا، لما وصفتُ ، وماقال رسولُ الله .
(١) سورة النساء (٦٥).
(٢) من كلام الشافى فى [ الرسالة] رقم (٥٨٥) .
(٣) سورة الشورى (٥٢ - ٥٣ ).
(٤) العنود - بضم العين المهملة - : العنوّ والطغيان، أو الميل والانحراف،
وفعله من أبواب: ((نصر ومع وكرم)) وأما العنود فانه مصدر سماعى .
- ٦٨ -
--- -...
أخبرنا سفيانُ عن سالمٍ أبو النّضْرِ (١) مولى ◌ُمر بن عُيد الله سمع
عُبَيْدَ الله بنَ أبى رافع يحدّث عن أبيه أن رسولَ اللهِ قال: ((لاأُلْفِيَنْ
أحدَ كم مُشْكِئًا على أربانه أتيه الأمرُ من أمرى، مما أَمرتُ به
أو نَهِيْتُ عنه -: فيقولُ لا ددى ما وَجَدْنا فى كتاب الله الَّعناء(٢)]
وقال الشافعى أيضا فيا وسنتُ مِن فرض اللهِ على الناس اتَّاعَ أمرٍ
رسولِ الله دليلٌ على أن سنةً رسول الله إنما قُبِلَتْ عن الله، فمن الَّمها
فبكتاب الله تَبعها، ولانجد خبراً الزمه اللهُ خلقَهُ نصَّابًِّا: إلاَّ كتابه
ثم سنةَ نبيه، فإذا كانت السنةُ كما وصفتُ، لاشِبْهَ لها مِن قول
خلق من خلقِ الله ـ: لم يجُ أن يَتَسخَهَ إِلاَّ مثلُها، ولا مِثْلَ لها غيرُ
سنة رسول الله، لأن الله لم يحملْالآدميّ بعدَه ما جَعل له، بل فَرضَ
على خلقه اتِّباءَه، فألزمهم أمره ، فالخلقُ كلُّهم له تَبَعٌ ، ولا يكونُ التابع
أن يخالفَ مافُرض عليه اتباعُه، ومَن وجب عليه اتباعُ سنة رسول الله
لم يكن له خلافُها، ولم يَقُمْ مَقَامِ أن يَنْسَحَ شيئاً منها(٢)].
فلا عذرَ لأحدٍ يعلمُ حديثاً صحيحاً أن يُخْالفَه ، لا تقليداً
ولا اجتهاداً، ولا استحساناً ولا استنباطاً، كما قال الشافعى - وهو
(١) هكذا فى أصل الربيع من [ الرسالة]، وهو محيح عربية، كما أوضحناه
فى شرحنا عليها .
(٢) من كلام الشافعى فى [ الرسالة ] رقم (٢٩٢ - ٢٩٥) وهذا الحديث
الذى رواه الشافعى حديث صحيح .
(٣) [الرسالة] رقم (٣٧٦).
- ٦٩ -
ناصرُ الحديثِ حقًّا .: [ لا يجوز لأحدٍ عَلِمَهُ من المسلمين .- عندى ..
أن يتركَه إلّ ناسياً أو ساهياً(٤١]. وكما قال أيضا: [ وأما أَنْ تُخالفَ
حديثاً عن رسول الله ثابتاً عنه - : فأرجو أن لا يؤخذَ ذلك علينا إن
شاء اللهُ. وليس ذلك لأحدٍ ، ولكن قد يحملُ الرجلُ السنةَ فيكونُ
له قولٌ يخالفُها، لا أنه عَمَدَ خلافَها، وقد يَنْفُلُ المرء ويُخطئ
فى التأويل(٢)].
ثالثها: أنه - أَغْنِى الترمذىَّ - يُثْنَى كلّ العناية فى كتابه بتعليل الحديث، فيذكر
درجته من الصحة أو الضعف، ويفصّل القول فى التعليل والرجال تفصيلاً جيداً ،
وعن ذلك صار كتابه هذا كأنّ تطبيقٌ عملىٌّ لقواعدِ علوم الحديث، خصوصاً علم
الملل، وصار أنفعَ كتاب العالم والمتعلم، والمستفيد والباحث، فى علوم الحديث .
ولقد عُنِيتُ بهذا الأمر كما عُنِى ، ورأيتُ أن أَجلَّ خدمةٍ لهذا
الكتاب التوسعُ فى تحقيق دقائق التعليل ، تقريباً لها فى أذهان
القارئين، وإرشاداً للمستفيدين، وتسهيلاً للباحثين، وليكون ذلك
حافزاً لطُلاَّب الحديث على أن يغوصوا فى أعماق فنونه ، ويستخرجوا
منها الدرر الغالية، التى بها يفقهون كتابَ الله حَقٌّ فِقِهه، ويُؤَّدُّون
أمانَةَ الله حَقَّ أدائها، حتى يَسْمُوا بذلك إلى الذِّرْوة العليا فى العلم
(١) كتاب [ اختلاف مالك والشافعى] تأليف الشافعى، وهو ملحق بكتاب
[الأم] (ج ٧ ص ١٨٦) .
(٢) [ الرسالة ] رقم (٥٩٨ - ٥٩٩) .
-- ٧٠ -
والعمل ، فى الدين والدنيا، [ فان من أدرك علمّ أحكام الله فى كتابه
نصًّا واستدلالاً، ووقَّقَةُ اللهُ للقول والعمل بما عَلِمَ منه: فازَ بالفضيلة
فى دينه ودنياه، وانتفتْ عنه الرِّيَبُ، وَنَوْزَتْ فى قلبه الحكمةُ،
واستوجَبَ فى الدين موضعَ الإمَامَةِ(١)] .
ولِيَعَلَمَّ مَن يُرِيدُ أن يَعْلَمَ : مِن رجلٍ أَسْلَسَ العصبية المذهبية
قيادَهُ، حتى مَلكتْ عليه رأْيَه، وغَلَتْهُ على أمره ، حَادَتْ به عن
طريق الهُدى: أَوْ مِن رجلٍ قرأ شيئاً من العلم فداخلّه الغرور ،
إذْ أعجبتْه نفسُه، فتجاوزبها حدَّها، وظنّ أن عقلَه هو العقلُ الكامل،
وأنه ((الحكم الْتُرْضَى حكومتُهُ)» فذهبَ يَلعبُ بأحاديث النبيّ،
يُصحح منها ما وافق هواء وإِن كان مكذوباً موضوعًا، ويُكذِّب
مالم يعجبه وإِن كان الثابتَ الصحيحَ : أَوْ مِنْ رجلٍ استولى المبشرون
على عقله وقلبه ، فلا يَرَى إلاّ بأعينهم، ولا يَسمعُ إلاّ بآذانهم ،
ولا يَهتدى إلّ بهديهم، ولا يَنَظرُ إلّ على ضوء نارم يَحسبها فوراً،
ثم هو قد ◌َّمَّاه أبواه باسم إسلاميٍ، وقد عُدَّ من المسلمين - أو عليهم -
فى دفاتر المواليد وفى سِجِلاَّتِ الإحصاء ، فيأبى إلاّ أن يدافع عن هذا
الإِسلام الذى أُلْسَهُ حِنْسِيَّةً ولم يعتقده ديناً ، فتراه يتأوّل القرآن
ليخضعه لما تعلّ من أُسْتَاذِيهِ، ولا يَرْضَى من الأحاديث حديثاً يخالف
آراء هم وقواعدَم، يَخْقَى أن تكون حجثُهم على الإسلام قائلةً !! إذْ هو
(١) [ الرسالة] رقم (٤٦).
- ٧١ -
لا يفقه منه شيئًا: أَوْ مِن رجلٍ مثلٍ سابقه، إلاّ أنه أراح نفسه،
فاعتنق ما قتوه فى روحه من دین وعقيدة ، ثم هو یأبی أن یسرف
الإِسلامَ دينا أو يعترفَ به ، إلّ فى بعض شأنه ، فى التسمى بأسماء
المسلمين، وفى شىء من الأنكحة والمواريث ودفن الموثَى: أَوْ مِن
رجلٍ مسلمٍ عُلُمَ فى مدارسَ منسوبةٍ للمسلمين، فعرف من أنواع العلوم
كثيراً، ولكنه لم يعرف من دينه إلّ نزراً أو قشوراً، ثم خدعَتْه
مدنيةُ الإفرنج وعلومُهم عن نفسِه، فظنهم بلغوا فى المدنية الكالَ
والفضلَ ، وفى نظريات العلوم اليقينَ والبداهةَ ، ثم استخفَّ الغُرور،
فزعم لنفسه أنه أعرَفُ بهذا الدين وأعلمُ، من علمائه وحَفَظَتَه
وخُلْصَائِهِ ، فذهب يضربُ فى الدين يميناً وشمالاً، يرجو أن ينقذه
من جمود رجال الدين !! وأن يُصَفّه من أوهام رجال الدين !! : أَوْ مِن
رجلٍ كَشَف عن دخيلة نفسه ، وأُعلن إلحاده فى هذا الدين وعداوتَه ،
من قال فيهم القائلُ: ((كفروا باله تقليداً): أُوْ مِن رجلٍ ممن ابْتُلِيَتْ
بهمُ الأمةُ المصرية فى هذا العصر ، ممن يسميهم أخونا النابغةُ الأديبُ
الكبيرُ كامل كيلانى ((المجدِّدِينَت(١))) ... أَوْ مِن رجلٍ ...
أَوْ مِن رجلٍ ..
(١) هكذا - والله - سماهم هذا الاسم العجيب، وحين سأله سائل عن معنى هذه
التسمية، أجاب بجواب أعجب وأبدع: هذا جمع مخنث سالم !! فأقسم
له سائله أن الغة العربية فى أشد الحاجة إلى هذا الجمع فى هذا الزمن ! !
لِيعلمُوا هؤلاء كلّهم ، ولِيعلمَ مّن شاء مِن غيرِمٍ: أَنّ المحدِّثين
كانوا مُحَدَّتِين مُلْهَمِين، تحقيقاً لمعجزة سيد المرسلين، حين استنبطوا
هذه القواعد المحكمة لنقد رواية الحديث ، ومعرفة الصَّحاحِ من
الزِّيَافِ، وأنهم ما كانوا هازلين ولا مخدوعين، وأنهم كانوا بادّين
على هدى وعلى صراط مستقيم ، فكانت تلك القواعدُ التى ارتضوها
للتوثَّقِ من صحة الأخبارِ أحكمَ القواعدِ وأدقّها ، ولو ذهبَ الباحثُ
المنتثبّتُ يُطبَّقُها فى كل مسألةٍ لا إثباتَ لها إلّ سمةُ النقل فقط -:
لَآَتْهُ ثمرتها الناضجةَ، ووضعتْ يدَه على الخبر اليقين . وعلى ضوء
هذه القواعد سار علماؤنا المتقدمون فى إثبات مفرداتِ اللغة
وشواهدها، وفى تحقيق الوقائع التاريخية الخطيرة، وأن تجدّ من ذلك
شيئا ضعيفاً أو باطلاً إلّ ما أبطلته قواعدُ المحدِّثين، وإلّ فيما لم يَثَل
العنايةَ بتطبيقها عليه(١).
(١) انظر فيما يتصل بهذا البحث وتفصيله باب ((الرواية والرواة)) ج ١
ص ٢٧٣ وما بعدها من كتاب تاريخ آداب العرب] لامام الكتاب فى
هذا العصر وحجة العرب،السید مصطفىصادقالرافعىرحمه الله ورضیعنه.
- ٧٢ -.
- ٧٣ ٢
.......
أما بعد :
فقد حدثتْ أمورٌ لا خيارَ لي فيها، أرغمتنى على العدول عن إتمام هذا
الشرح الآن ، ١ كتفاء بتصحيح متن الترمذى وتحقيقه فقط، وأرجو أن
أوفق لإتمام ذلك على النحو الذى رسمتُ ، وعلى النحو الذى ظهر به هذا
الجزء الأول، غيرَ مقَيَّدٍ بالشرح والتحقيق والتخريج. وأسأل اللهَ المونَ
والتوفيق والسداد .
عن كوبرى القبة بمصر
وكتب
أبوالاشبال
صدري
فى يوم الثلاثاء ( ١٣ جادى الثانية سنة ١٣٥٧
٠١ /٢ أغسطس سنة ١٩٣٨
ترجمة الترمذى
يقلم
أَحَدَ مُحَ شَاءِ
- ٧٤ -
- ٧٥ -
مصادر ترجمة الترمذى
١ - تهذيب الكمال المحافظ الزِّى. مخطوط بدار الكتب
٢ - تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر
٩ : ٣٨٧- ٣٨٩
٣ - ميزان الاعتدال الحافظ الذهبي
٤ - تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبى
١٠
٢ : ١٨٧- ١٨٨
ورقة ٩٥، ١٠٦
٦ - وفيات الأعيان لابن خلكان
٧ - نكت الهميان للصلاح الصََّدِىّ
ص ٢٦٤ - ٢٦٥
٨ - معجم البلدان لياقوت
٩ - الكامل لابن الأثير
٧ : ١٦٤ -١٦٥
١٠ - النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى
٣ : ٨١ - ٨٢
١١ - مفتاح السعادة لطاش کبرى زاده
١٢ - شذرات الذهب لابن العماد
٢ : ١٧٤ - ١٧٥
١٣ - شروط الأمة أصحاب الكتب الستة للحافظ أبى الفضل المقدسى مخطوط
١٤ - شروط الأمة الخمسة الحازمى
جزء صغير مطبوع
١٥- كشف الظنون
١ : ٣٧٥
١٦ - الفهرست لابن النديم
ص ٣٢٥
١٧ - شرح ملاً على القارى على الشمائل
٧:١ - ٨
١٨ - شرح محمد بن قاسم جَشُوس على الشمائل ١: ٤
١٩ - عارضة الأحوذي للقاضى أبى بكر العربى ٥:١-٦
.....
ترجمة الترمذى
نسبه ومولده ونسبته
أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ (١) بن موسى بن الضحَّك الثُّلِى(٣)
البُوغِىِ التَّمذى الصَّرير .
هكذا ذُكر نسبه فى أكثر الروايات، وهو الذى اعتمده الأمة العلماء ،
وحُكِىَ فى نسبه قولان آخران: «محمد بن عيسى بن سَوْرَة بن شدَّار(٣) ))
و((محمد بن عيسى بن يزيد بن سَوْرَة بن الشّكَنَ(٤)) .
ولد سنة ٢٠٩ ولم أجد مَن نصَّ على ذلك صريحاً إلّ ماكتبه العلامة
الشيخ محمد عابد السندى بخطه على نسخته من كتاب الترمذى ، التى وصفنا
آنفاً(٥)، ولعله نقل ذلك استنباطاً من كلام غيره من المتقدمين، أو من كتاب
آخر لم يَصِلْ إلى ، وقد صرح بذلك أيضاً جَشُوس فى شرحه على الشمائل ،
وشأنُهُ شأنُ سابقه. وقد ذكر الحافظ الذّهبى فى [ ميزان الاعتدال ] أنه مات
سنة ٢٧٩ وقال: ((وكان من أبناء السبعين)). وقال العلامة ملاً على القارى
فى شرح [الشمائل] بعد أن ذكر وفاته سنة ٢٧٩: ((وله سبعون سنة)).
وقال الصلاح الصَّفَدى فى [ نكت الهميان ]: ((ولد سنة بضع ومائتين))
فالله أعلم بصحة ذلك .
(١) سورة: بفتح السين المهملة وإسكان الواو .
(٢) السلمى : بضم السين المهملة وفتح اللام .
(٣) الأنساب للسمعانى، ورقة (٩٥) وورقة (١٠٦) .
(٤) تهذيب الكمال للمزى .
(٥) ص (١٣ - ١٤) من هذه المقدمة.
- ٧٧ -
- ٧٦ -
٣ :١١٧
٥ - الأنساب السمعاني
١ : ٦١٢ - ٦١٣
٢ : ٣٠٧، ٣٨٣
١١:٢
وقد قيل إنه وُلد أكمه(١) ، وهذا خطأ يردّه ما عرف من ترجمته،
مما سيأتى إن شاء الله .
ولا نعرف أين ولد، أفى قرية ((بُوغ)) أم فى بلدة ((ترمذ)) أفقد قال
السمعانى فى تعليل نسبته إلى ((بوغ)): ((إمَّا أنه كان من هذه القرية،
أو سَكن هذه القريةَ إلى أن مات(٢))). ونقل ملاً على القارى عن الترمذى
أنه قال: ((كان جَدِّى مَرْوَزِيًّا فى أيام ليث بن سيَّار، ثم انتقل منه
إلى ترمذ (٣))) .
٠٠
٠
و ((بوغ)))) بضم الباء الموحدة وإسكان الواو وآخرها غين معجمة،
قرية من قرى ((ترمذ)» بينهما ستة فراسخ ، فمن المحتمل أن يكون من أهل
هذه القرية فينسب إليها أو إلى مدينتها ، وهو الأقرب، إذْ يبعد أن يكون من
أهل البلدة فينسب إلى قرية من قرأها من غير أن تكون له بها صلة .
و ((ترمذ)) اختلف فى ضبطها كثيراً، والمعروف المشهور على الألسنة
كسر التاء وأليم وبينهما راء ساكنة، بوزن ((إنمد)) كما ضبطها صاحب
الناموس. قال السمعانى فى الأنساب ( ورقة ١٠٥): ((والناس مختلفون
فى كيفية هذه النسبة : بعضهم يقول بفتح التاء المنقوطة بنقطتين من فوق ،
وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على لسان تلك البلدة، وكنتُ أقتُ بها
أثنى عشر يوما -: فتحُ التاء [ وكسر الم(٤)]، والذى كنا نعرفه قديمًا فيه
٠
(١) نقل ذلك الحافظ الزى فى التهذيب وابن العماد فى الشذرات وغيرهما.
(٢) الأنساب ورقة (٩٥) .
(٣) شرح الشمائل (٨:١).
(٤) الزيادة لم تذكر فى نسخة الأنساب، ولعلها سقطت من الناسخ ، وقد أثبتها
ابن خلكان (٥٧٩:١) وياقوت فى معجم البلدان (٣٨٢:٢)
والفير وزابادى فى القاموس فى مادة ((ترمذ)»: نقلوها عن السمعانى.
- ٧٨ -
كسر التاء والميم جميعاً، والذى يقوله المتنوقون (١) ، أن ... بضم التاء والم،
وكل واحدٍ يقول معنّ لما يدعيه)). وقال الحافظ شعر فى تذكرة الحفاظ:
((قال شيخنا ابن دقيق العيد: وترمذ بالسكر هو لخوض على الألسنة،
حتییکون کالمتواتر(٣))).
وهذه البلدةُ ((ترمز)) قال السمعانى: (( مدينة قديمة على طرف نهر بلخ
الذى يقال له جَيْتُون(٣))». وقال ابن خلكان: ((سأنت من رآها: هل هى
فى ناحية خُوَارَزْم، أم فى ناحية ما وراء النهر؟ فقال: بل هى فى حساب ماوراء
النهر من ذلك الجانب(٤))). وقال يا قوت: ((مدينةٌ مشهورة من أمهات المدن،
راكبةٌ على نهر جيحون من جانبه الشرقى، متصلةُ العمل بالصَّانِيَانِ(٥)، ولها
قُهُدٌُ(٦) وَرَبَضٌ ، يحيط بها سور، وأسواقُها مفروشة بالآجُرْ ، ولهم شِرْبٌ
يجرى من الصغانيان، لأن جيحون يستقل عن شرب قُرَام )).
(١) فى القاموس: ( تنيق فى مطعمه وملبسه: تجوّد وبالغ كتنوّق)) والكلمة
كتبت خطأ فى الأنساب ((المفتون)) وفى معجم البلدان ((المتأنقون)
والصواب ماهنا نقلا عن ابن خلكان .
(٢) (٢ : ١٨٨).
(٣) ورقة (١٠٥).
(٤) وفيات الأعيان (١: ٥٧٩).
(٥) قال ياقوت فى المعجم: ((صغانيان: بالفتح وبعد الألف نون ثم ياء مثناة
من تحت وآخره نون ، والعجم يبدلون الصاد جما ، فيقولون : جنانيان،
ولاية عظيمة بما وراء النهر متصلة الأعمال بترمذ» ثم قال: «وقد نسبوا
إليها على لفظين: صغانىّ، وصاغَآتىّ)).
(٦) هكذا ضبطت الكلمة فى القاموس ، بضم القاف والهاء والدال ، وقال ياقوت
فىالعجم: «بفتح أوله ونانیه وسكونالنون وقتحالدال وزاى، وهو فىالأصل
اسم الحصن أو القلعة فى وسط المدينة، وهى لغة كأنها لأهل خراسان وما وراء
النهر خاصة، وأكثر الرواة يسمونه قهندز - يعنى كضبط القاموس - وهو=
- ٧٩ -
شيوخه وتلاميذه
أدرك الترمذىُّ كثيراً من قدماء الشيوخ وسمع منهم ، وكان عصرُه عصرً
النهضة العلمية العظيمة فى علوم الحديث ، وهى النهضة التى نرى أن الذى أثارها
أو كانت له اليد الطولى فى إحيائها وبعنها -: هو الإمام محمد بن إدريس
الشافعىُ المطلِئُّ ناصرُ الحديث،(١) إذْ عَلَّ الناسَ عامةً، وأهلَ العراقِ ثم مصرّ
خاصةً، معنى الاحتجاج بالسنة ، ومعنى العمل بها مع القرآن، وحَددَ أصولَ
ذلك وحَرَّرَها ، وأقام الحجةً على مناظريه بوجوب الأخذ بالحديث وأخمهم ،
وعن ذلك تَرَى أن الأئمة أصحاب الكتب الستة نبغوا فى الطبقة التالية لمصر
الشافعىّ مباشرةً، وإن لم يدركوه رؤيةً وسماعاً. تقدم موته، ولكنهم أدركوا
أقرانه ومعاصريه ومناظريه وكبارَ تلاميذه، وهاك بيانً عن تواريخ مولد كلٍّ
منهم ووفاته، لتظهر المقارنةُ بينهم واضحةٌ :
البخارى محمد بن إسماعيل أبو عبد الله: ولد فى شوال سنة ١٩٤ ، ومات
يوم السبت غرة شوال سنة ٢٥٦ .
مسلم بن الحجاج القشيرى أبو الحسين: ولد فى سنة ٢٠٤، ومات فى ٢٥
رجب سنة ٢٦١
الترمذى محمد بن عيسى أبو عيسى: ولد فى سنة ٢٠٩، ومات فى ١٣
رجب سنة ٢٧٩
= تعريب كهندز، معناه القلعة العتيقة ، وفيه تقديم وتأخير، لأن كهن :
هو العتيق، و: دز: قلعة ، ثم كثر حقى اختص بتلاع المدن ، ولا يقال
فى القلعة إذا كانت مفردة فى مدينة غير مشهورة ».
(١) ولد الشافعى سنة ١٥٠ ومات سنة ٢٠٤.
- ٨٠ -
أبو داود سليمان بن الأشعث السجستانى: ولد سنة ٠٠٠، ومات فى ١٦
شوال سنة ٢٧٥
النسائى أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن: ولدنسبة= ٠، ومات فى ١٣
صفر سنة ٣:٣
ابن ماجه محمد بن يزيد بن ماجه أبو عبد الله: ولد سنة ٠ ٢٠، ومات فى ٢٢
رمضان سنة ٢٧٣
وقد رَوَى هؤلاء الأمَّةُ السنةُ عن شيوخٍ كثيرين. وشدد بعضُهم بالرواية
عن بعض الشيوخ ، واشترك بعضُهم مع غيره فى الرواية عن آخرين، واشتركوا
جميعاً فى الرواية عن تسعة شيوخ فقط ، وهم :
: ولد سنة ١٦٧ وماتسنة ٢٥٢
محمد بن بشار بنْدَارٌ
١: ٥ ٢٥٢
: ( ( ١٦٧
محمد ن المُتَتَّى أبو موسى
مات سنة ٢٥٤
٠٠
زياد بن يحيى الحتانى
٢٤٦ D >>
عباس بن عبد العظيم العنبرى :
< < ٢٥٧
أبو سعيد الأشجُّ عبد الله بن سعيد الكندى :
أبو حفص عمرو بن على الفلاَّس: ولد بعد سنة ١٦٠ ومات سنة ٢٤٩
< < ٢٥٢
يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقى: ولد سنة ١٦٦
مات سنة ٢٥٦
محمد بن مَعْرَ الفَيْسِى البَحْرَانِى:
( ( ٢٥٠ (١)
نَصَرِين على الجَهْضَيِىُّ
:
(١) حصر هؤلاء الشيوخ وجدته فى [مجموعة فوائد حديثية] مخطوطة قديمة، بخط
أحد تلاميذ الحافظ أبى المعالى محمد بن رافع السلامى - بتشديد اللام -
( المولود فى ذى القعدة سنة ٧٠٤ والمتوفى فى ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٤)
وأظن أنها بخط الحافظ ابن حجر العسقلانى ، لأنها تشبه خطه شبها قويا،
وهى فى مكتبة أستاذنا العلامة الكبير أحمد تيمور باشارحمه لله، وقد نقلت =
٦ - مقدمة سنن الترمذى
- ٨١ -
وقد أدرك أبو عيسى الترمذىُ شيوخً أقدم من هؤلاء، وسمع منهم ورَوّى
عنهم فی کتابه هذا ، منهم :
عبد الله بن معاوية الجُمَّحِىُّ: مات سنة ٢٤٣ وقد جاوز المائة .
على بن حُجْرٍ المروزىُ: مات سنة ٢٤٤٠ وقد قارب المائة .
سُوَيْدُ بن نَصْر بن سُوَيد المروزى: مات سنة ٢٤٠ عن ٩١ سنة
قُتَيْبَةُ بن سعيد التَقَفِىُّ أبو رَجَاء: ولد سنة ١٥٠ ومات سنة ٢٤٠
أبو مُطْعَبٌ أحمد بن أبى بكر الزهرى المدنى: ولد سنة ١٥٠ ( (( ٢٤٢
مات سنة ٢٤٤
محمد بن عبد الملك بن أبى الشَّوَارِب :
٠
إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الحَرَوِىِّ: ولدسنة ١٧٨ ومات سنة ٢٤٤
مات سنة ٢٤٥
إسمميل بن موسى الفزارى الشُدِّئُ :
وغيرُ هؤلاء أيضاً، وكثير منهم من شيوخ البخارى، والترمذى السويؤُ
البخارىِّ وخِرِّيجُهُ، وعنه أَخذَ علَمَ الحديث، وتَفَقَّ فيه ومَرَنَ بين يديه ،
وسأله واستفاد منه، وناظره فوافقه وخالفه، كمادة هؤلاء العلماء ، فى اتباع الحقّ
حيث كان، وفى إنكار التقليد والإعراض عنه ، كما ترى فى الحديث (رقم ١٧ )
من هذا الكتاب ، إذ يَرَى الترمذىُّ اختلافَ الرواة فى حديثٍ ، فيسألُ عنه
٠
= المجموعة بخطى فى شهرربيع الثانى سنة ١٣٣٤، وفى ضمنها جزء صغير
فى شروط أصحاب الكتب الستة لأبى الفضل محمد بن طاهر المقدسى ، وهو
أحد مصادر هذه الترجمة . وهذه الفائدة التى هنا سبق أن نشرتها
فى المجلة السلفية فى العدد الأول منها ، الذى صدر فى شهر ربيع الثانى
سنة ١٣٣٥ (فبراير سنة ١٩١٧). وفى هذه الفائدة هناك أيضا شيخ
عاشر، وهو إبرهيم بن سعيد الجوهرى، وذكر كاتبها أن فى رواية البخارى
عنه نزاعا، ولم أذكره هنا، لأنى لم أجد أىّ دليل يدل على أن البخارى
روى عنه .
- ٨٢ -
الحافظ الدارمىّ عبدَ الله بن عبد الرحمن، ويسأل عنه البخارى: أىُّ الروايات
فيه أصح؟ فلم يرجّح واحدٌ منها شيئاً، ثم يرَى البخارى يختار إحدى الروايات
ويضعها فى كتابه ((الجامع الصحيح))، ثم لايرضى الترمذىُ أن يقلد شيخه
البخارىّ فيما رآه أشبه، فيرجّحُ هو روايةٌ أخرى، بما قام لديه من دليل .
وقد طاف أبو عيسى البلاد ، وسمع خلقاً من الخراسانيين والمراقبين
والحجازيين، كما فى التهذيب، ولكنّى لا أظنه دخل بغداد، إذ لو دخلها لسمع
من سيدّ المحدّثين وزعيمهم: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (المولود سنة ١٦٤
والمتوفى سنة ٢٤١ (١))، ونترجم له الحافظ أبو بكر الخطيب فى [تاريخ بغداد].
والرواة عن أبى عيسى الترمذى كثيرون، ذكر بعضهم فى تذكرة الحفاظ
وفى التهذيب، وأحثهم عندنا ذكراً المحبوبيّ راوى كتاب الجامع عنه، ترجم
له ابن العماد فى شذرات الذهب (٢: ٣٧٣) فقال: ((أبو العباس المحبوبى محمد
بن أحمد بن محبوب الروزى، عماً ث مرو، وهيخها ورئيسُها، توق فى رمضان
[ سنة ٣٤٦] وله سبع وتسعون سنة، رَوى جامع الترمذى عن مؤلفه، ورَوى
عن سعيد بن مسعود صاحب النضر بن ثُمَيل وأمثاله )). ووصفه السمعانى
فى الأنساب ( ورقة ٥١١) بأنه ((شيخ أهل الثروة من التجار بخراسان، وإليه
كانت الرحلة)» .
وقد أراد البخارىُ أن يشهد لتلميذه الترمذىِّ شهادةٌ قيمةً فسعَ منه حديثاً
واحداً ، كمادة كبار الشيوخ فى سماعهم ممن هو أصغر منهم ، رحم الله الجميع.
(١) ذكرت فيما مضى فى (ص ٧) من هذه المقدمة مايفهم منه أن الترمذى
لقى الإمام أحمد بن حنبل، وهذا خطأ أعترف به وأستغفر الله منه .
- ٨٣ -