Indexed OCR Text

Pages 861-880

عنه فلم نجد له أصلاً، وقال سعيد بن عبد العزيز: ما نعرفه، وإنا لنكرهه. قوله:
فاغسل عنك الدم: هو أن تغتسل عند أدبار حيضها وإقبال استحاضتها كما
تغتسل الحائض عند رؤية كليهما؛ لأنّ المستحاضة طاهرة ودمها دم عرق كدم
الجرح السائل، وهذا إنّما يكون في امرأة تعرف دم حيضها من دم استحاضتها،
قال أبو عمرو: وكان مالك يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يوجبه عليها
كما لا يوجبه من سلس البول، وممن أوجبه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه
والأوزاعي(١) وهؤلاء كلّهم ومالك منهم لا يرون عليها غسلا غير مرّة واحدة
عند إدبار حيضها وإقبال استحاضتها ثم تغسل عنها الدم وتصلى ولا تتوضأ إلا
عند الحدث عن مالك وهو قول عكرمة وأيوب، وكذلك التى تقعد أيامها
المعروفة ثم تستطهر عند مالك ولا تستطهر عند غيره تغتسل أيضًا عند أيامها
واستطهارها،/ ولا شيء عليها إلا أن تحدث حدثًا يوجب الغسل، وأمّا عند
الشّافعى وأبي حنيفة والثوري ومن ذكرنا معهم: فتتوضأ لكل صلاة على
حسب ما ذكرنا، وذهبت طائفة من العلماء: إلى أن الغسل لكل صلاة واجب
على المستحاضة للأحاديث السابقة؛ ولأنه لا يأتى عليها وقت صلاة إلا وهي
فيه شاكة هل هي حائض أو طاهر، مستحاضة أو هل طهرت في ذلك الوقت
بانقطاع دم حيضها أم لا فواجب عليها الغسل للصلاة، وهذا أيضًا عن عليّ
وابن عبّاس وابن الزبير وسعيد بن جبير وهو قول ابن علية، وقال آخرون:
عليها أن تجمع بين كلّ صلاتين كما تقدم، وروى ذلك عن ابن عباس وعليّ
وهو قول النخعى وعبيد الله بن شدّاد، وقال آخرون: تغتسل كل يوم مرة في
أي وقت شاءت من النهار أسنها، رواه معقل الخثعمي عن عليّ، وقال آخرون:
تغتسل من طهر، رواه مالك في الموطأ عن ابن المسيب، وكان مالك يقول: ما
أرى الذى حدثنى به من طهر أنّ طهر الآخر وهم، قال الخطابي: ما أحسن ما
قال مالك ولا أعلمه قولا لأحد(٢) من الفقهاء وإنما هو من طهر إلى طهر،
وفيه نظر لما قال أبو عمر ليس لوهم؛ لأنّه صحيح عن سعيد معروف من
[٣٩٥ / ب]
(١) قوله: (الأوزاعى)) غير واضحة ((بالأصل)) وكذا أثبتناه.
(٢) قوله: (الأحد)) غير واضحة ((بالأصل)) وكذا أثبتناه
٨٦١

مذهبه رواه عند جماعة، وهو قول سالم وعطاء بن أبي رباح والحسن البصرى
وروى مثله عن ابن عمرو أنس ورواه عن عائشة، وقد روى سعيد بن المسيب
في ذلك مثل قول مالك والفقهاء .
٨٦٢

٨١ - باب ما جاء في دم الحيض يصيب الثوب
[٣٩٦ / ١]
حدثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى قالا:
ثنا/ سفيان عن ثابت بن هرمز أبي المقدام عن عدىّ بن دينار عن أم قيس بنت
محصن قالت: سألت رسول الله عَّلِ عن دم الحيض يصيب الثوب قال:
((اغسليه بالماء والسدر وحكيه ولو بضلع))(١). هذا حديث خرجه أبو حاتم في
صحيحه عن محمد بن عمر الحمدانى عنه، وقال: قوله عليه السلام: ((اغسليه
بالماء)) أمر فرضى، وذكر السدر والحك بالضلع أمر ندب وإرشاد، وقال أبو
الحسن ابن القطان: وهو حديث في غاية الصحة، وعاب على أبي مُحمَّد
قوله: الأحاديث الصحاح ليس فيها ذكر الضلع والسدر، قال: وهو قد يفهم
منه أنّ حديث أم قيس هذا يروى على وجهين: أحدهما: فيه ذكر الضلع
والسدر، والآخر: لا يذكر ذلك فيه وهي الطرق الصحيحة، والوجه الآخر: أنّ
الأحاديث الصحاح من غير روايتها ليس منها ذلك، فلو كان الأول كان مال
الحديث بالاضطراب وترجيح أحد روايته على الأخرى، وإذا كان الوجه الثاني
فذلك لا يكون تضعيفًا له إذا صح طريقه فاعلم إلا أن إنه إنما يعني هذا الوجه
أعني : أنّ غيره من الأحاديث كحديث أسماء ليس فيه ذلك، وحديث أم
قيس المذكور مثبت اللفظ صحيح الإسناد، ولا أعلم له علّة، والعجب أنه أورد
قبله حديث ابن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر، وهو عنى ما أنكر عليه زوجها
هشام فلم يقل أبو محمد فيه شيئًا بل سكت عنه، ثم ذكر هذا بعده، وهو
أحق بأن يصحح فلم يبال: وقال فيه: ما ذكرناه والله تعالى أعلم، ولما ذكره
عبد الحق في الكبير أتبعه عدي: لا أعلم روى عنه إلا ثابت، وقد وثقه
النسائي فكان يلزم أبا الحسن ألا يصححه كما فعل في حديث عمرو بن
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٦٢٨)، والدارمي (٢٤٠/١)، وابن حبان (ح/٢٣٥)،
وعبد الرزاق (١٢٢٦) وابن خزيمة (٢٢٧)، والحلية (١٢٣/٧)، والكنز (٢٧٢٨٣).
وصححه الشيخ الألباني. (الإرواء: ١٩٧/١).
غريبه: قوله: ((ولو بضلع) أي: بعود وهو في الأصل واحد أضلاع الحيوان. أريد به العود المشبه به .
٨٦٣

[٣٩٦/ ب] نجدان ونظائره لكونهم لم يرو عنهم/ إلا واحد، وإن كان قد وثّق كما سبق،
والله أعلم، ولفظ العسكري في كتاب الصحابة حليه بضلع واسقيه ماء
وسدر))، وفي لفظ: قال عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - الحل مثل الغسل.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو خالد الأحمر عن هشام بن عروة عن
فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سئل رسول الله عَ ◌ّه عن
دم الحيض يكون في الثوب قال: ((اقرضيه واغسليه وصلى فيه))(١). هذا حديث
خرجه الأئمة الستة في كتبهم، ولفظ البخاري سألت امرأة النبي عَ لَّهِ فقالت:
يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيض كيف تصنع؟
قال: ((إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرضه ثم لتنضحه ثم لتصل
فيه))(٢). ولفظ مسلم(٣) ((يصيب ثوبها من دم الحيضة قال: تحته ثم لتقرضه
بالماء ثم تصلي فيه))، وفي لفظ لأبي داود(٤): من حديث محمد بن إسحاق
تصلى فيه: ((قال: تنظر: فإن رأت فيه دمًا فلتقرضه بشيء من ماء، ولتنضح ما
لم ير ولتصلىّ فيه)). وفي لفظ حبيبة: ((ثم اقرضيه بالماء ثم انضحيه))، وزعم في
الفرد أنّه حديث تفرد به أهل المدينة، وفي لفظ الترمذى(6): ((اقرضيه بماء ثم
رشيه) ولفظ ابن خزيمة(٦): ((كيف تصنع بثيابها التى كانت تلبس، يقال: إن
رأيت منها شيئًا فلتحكه ثم لتقرضه شيء من ماء، وتنضح في سائر الثوب ماء
وتصلي فيه))، وفي لفظ: إن رأيت فيه ماء فحكيه))، وفي لفظ: (( ثم رشّى
(١) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/٦٢٩) ونصب الراية (٢٠٧/١) وابن أبي شيبة (٩٥/١).
وصححه الشيخ الألباني .
غريبه: قوله: ((اقرضيه)) من القرض. وهو أن تقبض بإصبعين على الشيء ثم تغمز غمزًا جيدًا.
وفي النهاية: القرض الدلك بالأصابع، مع صبّ الماء عليه حتى يذهب أثره .
(٢-٣-٤) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الحيض، باب ٣٠٠))، والوضوء، باب (٦٣)))
ومسلم في (الطهارة، ح/١١٠) وأبو داود في (الطهارة، باب ((١٣٠))، ح/٣٦٠).
(٥) صحيح. رواه الترمذي فى: أبواب الطهارة، ١٠٤. باب ما جاء في غسل دم الحيض من
الثّوب، (ح/١٣٨). وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)).
(٦) صحيح. رواه ابن خزيمة: (٢٧٦) والدارمي (١٩٧/١، ٢٣٩).
وصححه الشيخ الألباني . (الصحيحة: ٥٣٩/١).
٨٦٤

[٣٩٧ / ١]
وصلى فيه))، وفي لفظ: ((تنضحيه وتصلى فيه))، ولفظ أبي نعيم: ((لتحكه ثم
لتقرضه بالماء، ثم لتنضحه، ثم لتقرضه بالماء، ثم تنضحه، ثم لتصلى فيه))(١).
حدثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرنى عمرو بن الحارث/ عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي عَّلِ أنها قالت: ((إن
كانت إحدانا لتحيض ثم لتقرض الدم من ثوبها عند طهرها فتغتسله وتنضح
على سائره ثم تصلى فيه)). هذا حديث تفرد ابن ماجة(٢) به موقوفًا وإسناده
صحيح، وفي الصحيحين(٣): ((ما كان لإحدانا إلَّا ثوب واحد تحيض فيه، فإن
أصابه شيء من دم بلّته بريقها ثم تضعه بظفرها))، وفي كتاب أبي داود(٤)
بسند فيه ضعف: يغسله فإن لم يذهب أثره فليقرضه بشيء من صفرة قالت:
كنت أحيض عند النبي ثلاث حيضات جميعًا لا أغسل لي ثوبًا)). ورواه
الدارمي في مسنده بسند جيّد، وفي لفظ لأبي داود: «أخذ النبي عَ لِ الكساء
فلبسه، ثم خرج يصلي الغداة، ثم جلس: فقال رجل: يا رسول اللّه هذه لمعة
من الدم، فقبض إلى يأتليها فبعث بها إليَّ مصروره في يد الغلام، فقال:
اغسلى هذه وأجفّيها ثم أرسلى بها إليّ))، فقلت: فجاء رسول الله عَّله نصف
النهار وهي عليه))(٥). وحديث أبي هريرة: أنّ خولة بنت يسار أتت النبي عَ ◌ّه
فقالت: يا رسول الله: ليس لى إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه، قال: ((فإذا
طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلى فيه، قالت يا رسول الله: إن لم يخرج
(١) صحيح. رواه أحمد (٣٤٥/٦)، والبيهقي (١٣/١) وأبو عوانة (٢٠٦/١).
(٢) صحيح. رواه ابن ماجة فى: ١. كتاب الطهارة ١١٨١. باب في ما جاء في دم الحيض
يصيب الثوب، (ح/٦٣٠). وصححه الشيخ الألباني .
(٣) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الحيض، باب ((٩))) ومسلم في (الطهارة، ح/١١٠)
وأبو داود (ح/٣٥٨) والترمذي (ح/١٣٨). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد اختلف أهل
العلم في الدم يكون على الثوب فيصلّى فيه قبل أن يغسله. ومالك في (الطهارة، ح/١٠٣) .
(٤) حسن. رواه أبو داود فى: ١. كتاب الطهارة، ١٣٠. باب المرأة تغسل ثوبها الذى تلبسه في
حيضها، (ح/٣٥٧).
(٥) حسن. رواه أبو داود فى: ١. كتاب الطهارة، ١٤٠. باب الإعادة من النجاسة تكون في
الثوب، (ح/٣٨٨) .
٨٦٥

أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره)). ورواه الإمام أحمد(١)، وفي تاريخ
ابن أبي خيثمة في الأوسط: ثنا أبو داود وثنا علىّ بن ثابت عن الوازع بن
نافع عن ابن سلمة عن خولة بنت يسار قالت: قلت: يا رسول الله، ست
جعله من مسنده، وفي كتاب الطبراني عن يحيى بن إسحاق عن عثمان بن
[٣٩٧/ ب] أبي شيبة ثنا علىّ بن ثابت الجورى عن الوازع عن أبي سلمة/ عن خولة بنت
حكيم فذكره والله أعلم، والوازع تركه جماعة منهم النسائي، وحديث امرأة
من غفار قالت: أردفنى رسول الله عَ له على حقيبة رحله قالت: فوالله لتركب
رسول الله عَّلي أتى الصبح فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله، وإذا بها دم منى،
وكانت أول حيضة حضتها قالت: فتقبّضت إلى الناقة أو استحييت، فلما
رأيت رسول الله عَ لّه يأتى ورأى الدم قال: مالك لعلك نفست، قلت: نعم.
قال: ((فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء واطرحى فيه ملحًا، ثم
اغسلى ما أصاب الحيضة من الدم، ثم عودي لمركبك)). قالت: فلما أفتح
رسول الله عَِّ خيبر رضخ لنا من الفئ، قالت: وكانت لا تظهر إلا جعلت
في طهورها ملحًا، وأوجبت به أن يجعل في غسلها حتى ماتت))(٢). أنبأ به
أبو الحسن بن الصلاح رحمه اللَّه تعالى بقراءتي عليه، ثم الحافظ أبو علي
البكري، أنبأ أبو عبيد الله محمد بن محمد بن عاصم أنبأ الشيوخ أبو طاهر
روح وأبو الفضل بن عباس أنبأ أبو الرجاء الداري وأبو سعيد محمد بن
عبد الواحد قالوا: أنبأ الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن مندة -
رحمه الله تعالى - بجميع كتاب المردفين، قال: أنبأ أبو الحسن على بن محمد
ابن على بن محمد السيرافي ثنا القاضى أبو عبد الله أحمد بن إسحاق بن
حرمان النهاوندي ثنا محمد بن عبد الرزاق، نا سليمان ثنا محمد بن عمرو
(١) صحيح. رواه أحمد (٣٦٤، ٣٨٠) والبيهقي (٤٠٨/٢) والفتح (٣٣٤/١) والإرواء (١/
١٨٩) والصحيحة (ح/ ٢٩٨).
(٢) حسن. رواه أبو داود (ح/٣١٣) والبيهقي (٤٠٧/٢) وبداية (٢٠٤/٤).
غريبه: قوله: ((حقيبة)) بفتح الحاء المهملة هي كل ما شدّ في مؤخّر رحل أو قتب، والرحل: هو
المركب للبعير، وهو أصغر من القتب، وقال ابن الأثير: الحقيبة: هي الزيادة التى تجعل في مؤخّر
القتب .
٨٦٦

[٣٩٨ / ١]
الرازي ثنا سلمة - يعني ابن فضيل - ثنا محمد يعنى ابن إسحاق عن سليمان
ابن سحيم عن آمنة بنت أبي الصلت عنها، قال ابن منده: وانبأ محمد بن
أحمد بن محمد بن عبد الرحيم أنبأ عبد الله بن محمد المقرى ثنا ابن أبي
عاصم، ثنا أحمد بن محمد بن مبارك/ ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثنا أبي
ثنا ابن إسحاق عن سليمان بن سحيم عن آمنة بنت أبي الصلت الغفارية
قالت: أتيت النبي عليه السلام في نسوة من بنى غفار فقلنا: يا رسول الله قد
أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا، وهو يسير إلى خيبر. فنداوي الجرحى
ونعين المسلمين ما استطعنا فقال: ((على بركة الله)) فخرجنا معه، وكنت جارية
حديثة السن، فأردفنى عليه السلام على حقيبة راحلته))، واعترض ابن القطّان
على سكوت أبي محمد عنه وإبرازه من إسناده منه بقوله، ولم يتقدّم له فيها
شيء، ولا يعرف لها غير هذا، ولا هي مذكورة في غيره، وزعم بعضهم: أنها
آمنة بنت الحكم كان الحكم اسم لأبي الصلت، وأنها أم سليمان كذا قاله أبو
الوليد بن الفرض في كتابه، ولم يحصل بهذا كله في حدّ من يحتج برواية،
وضبط اسمها آمنة بألف مطولة قبلها همزة مفتوحة وميم مكسورة بعدها نون،
وكذا وقع ذكرها في سير ابن إسحاق وكتاب أبي داود، وخالف في ضبط
اسمها أبو بكر بن ثابت فقال في كتابه التلخيص، باب الفرق بالتذكير
والتأنيث مع الاتفاق في الحروف، فذكر في هذا الباب: أمية بن أبي الصلت
الشاعر وآمنة بنت أبي الصلت هذه، وروى حديثها المذكور من عند ابن
إسحاق، ثم من طريق الواقدي بزيادة أم عليّ بن أبي الحكم في نفس الإسناد
بين سليمان بن سحيم وأمية المذكورة، ثم جعله من روايتها عن النبي ولم
يذكر الجارية إلا أنها صاحبة القصة فكان أمية على رواية الواقدي صحابية،
وشيء من هذا لم يثبت، ولو جهدت جهدك لم تجد فيه إلا ما قلناه من أنّها
مجهولة، وكذلك الغفارية المذكورة ليس ينبغى أن يقبل قولها عن نفسها أنها
صحابية، كما لا تقبل قول أحد عن/ نفسه أنّه ثقة والله تعالى أعلم. انتهى
كلامه وفيه نظر من وجوه: الأوّل: قوله: ولا يعرف لها غير هذا، ولا أنّها
مذكورة في غيره وليس كذلك؛ لأنّ ابن عبد البر ذكر أنّ لها حديثًا عن النبي
عَ له غير هذا في القدر رواه عنها ابنها سليمان، الثاني قوله: أنّها مجهولة،
[٣٩٨/ ب]
٨٦٧

مردود بأمرين: الأوّل: برواية اثنين عنها، سليمان ابنها، وأمّ عليّ الثاني: كونها
صحابية(١) معروفة بالصحبة، قال النسوي: أمية بنت قيس أبي الصلت الغفارية
لها صحبة، وهي ممن بايعت النبي - عليه الصلاة والسلام -، وكذا ذكرها
البلاذري في تاريخه وابن حبان والدارمي في أنسابه، ولما ذكرها ابن سعد في
الطبقات الكبرى، قال: أسلمت وبايعت بعد الهجرة، وشهدت مع النبي -
عليه الصلاة والسلام - خيبر، وزاد في حديثها بعد قولها: وصحّ لنا من الفئ
ولم يسهم لنا وأخذ هذه القلادة التي في عنقى وأعطانيها وعلقها بيده في
عنقي، فوالله لا تفارقني أبدًا، فكانت في عنقها حتى ماتت وأوصت أن تدفن
معها.
الثالث: قوله: اسمها كذلك وقع في سير ابن إسحاق، والذى رأيت في
السير بخط عبد الله بن ربيع الحافظ شيخ أبي محمد بن حرام مضبوطًا بياء
مثناة من تحت، وقد كتب أحمد بن دراح العطلى في الحاشية عن آمنة - يعني
بنون- وفي نسخة أخرى بخطه أمية بن أبي الصلت من غير تسمية، وكذا هو
في نسخة أخرى مغربية جيّدة الضبط قديمة بياء مثناة من تحت، وكذا هو في
كتاب الإكليل لأبي عبد الله الحاكم النسخة التى عليها خطّه وقرأها عليه
البيهقي وغيره من العلماء، الرابع: قوله في الغفارية إنّها مجهولة لا يقبل قولها
عن نفسها غير جيد؛ لأنّها صحابية معروفة الصحابة، والاسم سماها السهيلى
ليلى،/ قال: ويقال: هي امرأة أبي ذر فلئن كانت ليلى فقد روى عنها غير آمنة
وهو برئ من القسم الثعلبى فيما ذكره أحمد بن أبي خيثمة في تاريخه وأبو
القاسم في معجمه الكبير، وقال أبو حاتم البستي في كتاب الصحابة: وشرطه
ذكر من روى دون غيرهم ليلى الغفارية كانت تغزو مع النبي عَ لَّه، ولما
ذكرها أبو عمر في استيعابه بنحوه زاد راويًا آخر وهو محمد بن القاسم
الطائي، وذكر لها حديث غير المذكور، وهو قول النبي- عليه الصلاة
والسلام- لعائشة: ((هذا عليّ بن أبي طالب أوّل النّاس إيمانًا)) ولئن كانت امرأة
أبي ذر، فلا حاجة لنا إلى تعريفها لشهرتها الخامس: ترك اعلاله الحديث
[٣٩٩ / ١]
(١) قوله: ((صحابية)) غير واضحة (بالأصل)) وكذا أثبتناه .
٨٦٨

بدخلو علىّ بين سليمان وأمه إذ هي مجهولة العين والحالة، وأظنّه إنما ترك ذاك
لكونه جاء على لسان بن أبي سيرة وهو ممن لا يعتمد على قوله ولو كان ثقة
لكان إعلاله الحديث بهذه العلّة حسن، وليس لقائل أن يقول سليمان ثقة
مجمع عليه، وروى عن أمه وليس مدلسًا فلا اعتبار ممن أدخل بينهما راويًا
لاحتمال أن تكون ماتت وهو صغير كما جرى(١) لأبي عبيدة بن عبد الله
وغيره، أو يكون سمع منها ولم يسمع هذا بعينه فسمعه عنها هذا إذا صرّح
بالسماع منها، وهنا فلم يصرّح به والله تعالى أعلم، السادس: قوله أنَّ الغفارية
صاحبة القصة، وقد قدمنا عن ابن مندة أنها هي صاحبتها لا غيرها وهذا كلّه
مشيًا على مذهبه، وما استلزمه وإلا فلنحن في غنية عن هذا جميعه؛ لأنَّ من
كان مذكورًا في كتب الصحابة كفينا مؤنته سواء شهد له التابعى بالصحبة أو
لم يشهد له، وسواء روى عنه واحد أو أكثر، هذا هو المعمول عليه والجارى،/ [٣٩٩/ ب]
وأمّا إعراض المنذري عن كلّ من تقدّم ذكره وتضعفيه لحديث محمد بن
إسحاق فغير حسن؛ لأنّه ممن لا يضعف به الأحاديث لا سيّما هو فإنّه فعل
ذلك في غير حديث صححه أو سكت عنه، وهو من روايته وأحيانًا ينبّه عليه
فما أدرى ما يوجب ذاك وليس بقائل أن يقول العلة بصحته بما عضده من
متابعات وشواهد؛ لأنّه لم يقل ذلك ولو قاله ما قبل منه إلا بإبرازه ذكر ذلك
لكى يعلم هل المتابع أهل لذلك أم لا، هذا هو الاصطلاح ولسنا من يحسن
الظن به أو الحرص في إبرازه ولا صدوره والله تعالى أعلم، وحديث الحسن
عن أبيه عن أم سلمة: ((أنّ إحداهن يتبعها القطرة من الدم فإذا أصاب إحداكن
ذلك فلتنفئه برقيها)). رواه الدارمى(٢) من حديث أبي بكر الهذلى وهو ضعيف
وفي الأوسط(٣) لأبي القاسم من حديثه عن أحمد بن زهير ثنا علىّ بن
السكن ثنا محمد بن ربيعة العلائى ثنا المنهال بن خليفة عن خالد بن سلمة
(١) قوله: ((جرى)) سقطت من ((الأصل)) وكذا أثبتناه.
(٢) قوله: ((الدارمي)) والحديث الذى رواه بإسناده سقط من ((الأصل)) إلا كلمات بسيطات،
وعليها أتممنا لفظ الحديث .
(٣) صحيح. أورده الهيثمي في (مجمع الزوائد)) (٢٨٢/١) وعزاه إلى الطبراني في (الأوسط))
ورجاله موثقون .
٨٦٩

[٤٠٠/ ١]
عن مجاهد عنها قالت: ((كانت إحدانا تحيض في الثوب وإذا كان يوم طهرها
غسلت ما أصابه ثم صلت فيه، وإنّ إحداكن اليوم تفرغ خادمها فتغسل ثوبها
يوم طهرها)). لم يروه عن مجاهد إلا خالد تفرد به المنهال، ورواه ابن خزيمة
في صحيحه عن أحمد بن أبي شريح الرازى انبأ ابن أحمد ثنا المنهال بلفظ،
وقيل لهما: ((كيف كنتن تضعن ثيابكن إذا أطمثت على عهد النبي عد له.
قالت:((إِنّ كنا لنطمث في ثيابنا أو في دروعنا فما نغتسل منه لا أثر ما أصابه
الدم)) الحديث. غريبه، قوله: تضلع بضاد معجمة، قال ابن الأعرابي: الضلع
العود هاهنا، وقال الأزهري: الأصل ضلع الجنب، ويقال للعود الذى فيه عرض
واعوجاج ضلع شبيها/ بالضلع، وفي ديوان الأدب: في باب فعل بكسر بالفاء
وفتح العين الضلع واحد الأضلاع والضلع أيضًا الجبيل(١) المنفرد، وأنبأ ابن
سيده فقال: هو الجبيل الصغير الذى ليس بالطويل: وقيل: هو جبل مسروق
طويل وقيل: هو الحبل مشدد، وأمّا قول القشيرى في روايتنا يخطئ من جهة
ابن حيوة عن النسائي بصلع بالصاد المهملة، وفي الحاشية: الصلع بالصاد
المهملة المجرد وقع في مواضع بصاد معجمة ولعلّه تصحيف؛ لأنّه لا معنى
يقتضى تخصيص الضلع وأمّا الحجر فيحتمل أن يحمل ذكره على غلبة الوجود
واستعماله في الحك فيشبه أن يكون وهما انتهى ما ذكرنا قبل يوضح ذلك،
ويبين أنّه غير مصحف والتصحيف ما أجده وبخط غير معروف ولعلّه إن صحّ
كون الصلع بضم الصاد المهملة، وذلك أنّ أبا نصر حكى في صحاحه
والصلاع بالضم والتشديد العريض من الصخرة الواحدة، وكذلك الصلع لأنّه
مقصود منه، وقال الأصمعي: الصلع الذي لا ينبت وأصله من صلع الرأس،
وكذا ذكره ابن سيدة في محكمه، وفي الجامع: والضلع الحجر والذى في
الحديث رقاع يصلح، قيل: هو الحجر، وقيل: هو الأرض التى لا تنبت فتعيّن
أن المرتع للكاتب ما فسّر به هذا الحديث هنا فيوهمه هناك أيضًا، وليس
صحيحًا؛ لأنّ عامة الأصول إنّما فيها ضلع بالمعجمة كما سبق فإنه ليس بالضلع
الذى هو العظم والله تعالى أعلم أما قوله اقرضيه، قال أبو موسى المديني -
(١) قوله: ((الجبيل)) غير واضحة (بالأصل)) وكذا أثبتناه.
٨٧٠

[٤٠٠/ ب]
رحمه الله تعالى - يعني ادلكيه بأطراف أصابعك وأظفارك مع صب الماء حتى
يذهب أثره وقرضه إذا قبضته بإصبعك على جلده ولحمه فأملنه وقصوصه
شتمته وتناولته باللسان، وقال المرى: سألته امرأة عن دم الحيض قرصة بالماء
أي/ قطعة، قال المنذري: وقد روى مخفّفا ومثلا ومعناهما واحد قوله حبسته
بتاء مثناه من فوق معنى الحك والقشر والحيض أصله عند اللغويين السيلان،
يقال: حاض الوادى إذا سال، قال الأزهري: وغيره الحيض جريان دم المرأة في
أوقات معلومة مرضية رحم المرأة بعد بلوغها، ومخرجه عقب الدم، يقال:
حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضًا: فهي حائض كذا ذكره أبو
العباس في صحيحه وفي الصحاح: يالها قال الشاعر:
كحائضة يرى بها غير طاهره
#
وفي كتاب السبكى عن كتاب الرّاعي: هو اجتماع فرج المرأة، وفي شرح
الصحيح للترمذي: سمى بذلك تشبيهًا بالحيض وهو ماء أحمر يخرج من شجر
السمر يقال من ذاك حاضت السمرة، وفي المحكم يجمع على حيض
وحوائض، ويقال: امرأة طامث بالمثلثة والمثناة وطامث ودارس وعارك وضاحك
وضاحك و کابر ومعصر ونافث وطامي بالهمزة بمعنی واحد، حکاه الهروى
والقاضي أبو بكر بن العربي وغيرهما، وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان: أنّ
الأرنب يحيض، وكذلك الخفاش واختلف النّاس في أول من حاض فزعم
بعضهم: أنّ أوّل ما كان على بنى إسرائيل ورد لقول النبي عَلٍ: ((هذا شيئ
كتبه الله على بنات آدم))(١) وقال تعالى: ﴿وامرأته قائمة فضحكت﴾ قال قتادة
وغيره: حاضت .
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحج، ح/١٢٠) والفتح (٤٠٠/١).
٨٧١

٨٢ - باب الحائض لا تقضى الصلاة
[٤١ / ١]
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا علىّ بن مسهر عن سعيد بن عروبة عن/
قتادة عن معاذة عن عائشة: أن امرأة سألتها أتقضى الحائض الصلاة؟ قالت لها
عائشة: أحرورية أنت قد كنا نحيض عند النبي عَّ ثم نطهر ولم يأمرنا
بقضاء الصلاة)). هذا حديث اجتمع على تخريجه الائمة الستة(١) بلفظ: ((فكنا
نؤمر بقضاء الصوم ولم نؤمر بقضاء الصلاة))، وفي كتاب البخاري: ثنا موسى
بن إسماعيل ثنا همام ثنا قتادة قال: حدثتنى معاذة فهذا يوضح لك صحة
سماع قتادة من معاذة، خلافًا لمن أنكره وهو شعبة وأحمد وابن معين كما
أسلفناه قبل، وفي صحيح مسلم ما يوضح أنّ السائلة هي معاذة نفسها، وفي
الباب حديث أبي سعيد الخدرى المذكور في الصحيحين(٢) مرفوعًا وفيه:
((أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلنا بلى قال: فذاك من نقصان دينها))
وحديث ابن عمر مرفوعًا من عند مسلم(٣) بنحوه وفيه: ((تمكث الثلاثة والأربع
لا تصل))، وقال فيه حسن صحيح غريب، قولها: أحرورية تعني: الخوارج،
ويسمون المرأة والمحكمة والمارقة، قال الإمام أبو الحسن بن أحمد بن إسحاق
البشري في كتابه افتراق الأمة: وهي ترضى بجميع هذه الألقاب إلا
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الحيض، باب ((٢٠))، ومسلم في (الحيض، ح/٦٨)
وأبو داود (ح/٢٦٢) والترمذي (ح/١٣٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في
(الحيض، باب ((١٧))، والصيام، باب ((٦٤)))، وابن ماجة (ح/٦٣١)، والدارمي (ح/٩٨٨)،
وأحمد ٣٢/٠٦، ٩٤، ٩٧، ١٢٠، ١٤٣، ١٨٥، ٢٣١).
غريبه: قوله: ((أحرورية أنت)) أى خارجية أنت . والحرورية: طائفة من الخوارج نسبوا إلى حروراء،
وهو موضع قريب من الكوفة، وكان عندهم تشدّد في أمر الحيض. شبهتها بهم في تشدّدهم في
أمرهم وكثرة مسائلهم وتفننهم بها. وقيل: أرادت أنّها خرجت عن السنة كما خرجوا عنها
أهـ. السندى .
(٢) صحيح. رواه البخاري في (الحيض، باب ((٦))،، والصوم، باب ((١٤١).
(٣) لم أقف في مسلم بهذا اللفظ. ولكنه في (الإيمان، ح/١٣٢) بلفظ: ((تمكث الليالي ما
تصل)). وأورده ابن حجر في الفتح (١٩٢/٤) وتلخيص (١٦٣/١).
٨٧٢

بالمسارقة(١) فإنها تأباه وهم الذين خرجوا على عليّ - رضي الله عنه -
بحروراء ممدودة، وحكى بعضهم القصر أيضًا بعد مناظرة ابن عباس إيّاهم
ورجوع الغين فقال: على ما نسميكم قال: أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء،
قال أبو العباس في الكامل: والنسبة إلى مثل حروراء حروراوى وأحكم،
ولذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة، ولكنه ينسب إلى البلد
يجدن الزوائد فقيل الحروري، قال الصلتان العبدي: يعنى فيما أرى أمه شهرت
سبقها وقد زيد في شرطها الأصبحى،/ وحرورية وأزرق يدعو إلى الزرقي، [٤٠١/ ب]
فمثلنا ابنا مسلمون على دين صديقنا والنبي وذكر الشهرستانى أنهم كانوا
بحروراء من ناحية الكوفة، ورأسهم عبد الله بن الكوار عتاب بن الأعور،
وعبد الله بن وهب الراسبي، وعروة بن جرير، ويزيد بن عاصم، وحرقوص بن
زهير البجلي، وكذا ذكر جماعة من العلماء: أنّ حروراء قرب الكوفة منهم أبو
الحسن بن المدائنی في كتاب أخبار الخوارج، وأبو جعفر الطبري، وابن أعثم في
كتاب الفرج تأليفه، وأبو محمد الرباطي، وابن أبي حازم وابن الخزار، وزاد
السمعاني على ميلين من الكوفة، وأمَّا ما ذكره إمام الإسلام أبو القاسم
عبد الرحمن بن محمد في كتاب الفرق بين الفرق من أنّ حروراء موضع
بالشّام فيشبه أن يكون وهمًا لما أسلفنا من كلام الأئمة، وتفرّده فيما أعلم بهذا
القول؛ ولأنّ عليًا إنّما كان بالكوفة وقتالهم له كان هناك ولم يأت أنّه قاتلهم
بالشام؛ ولأنّه بعد فراغه إنّما كان يرسل إليهم رجلا بعد آخر ليظهر لهم
شبهتهم والله تعالى أعلم، وأمّا قول الشهرستاني أنّ راسهم كان ابن الكوار
وغيره فهو غير صواب لما ذكره من أسلفنا قوله كان رئيسهم ابن الكوار
وحرقوص، وإنما الذين عددهم كانوا رؤوسًا في قومهم كبارًا، قال الشهر ستاني:
وكبار فرقهم ستة الأزارقة، والصغرية، والنجدات، والفجاردة، والإماضية،
والثعالبة والباقون فروع وهم البيهية، والضليّة، والميمونية، والحمرية، والخلفية،
والأطرافيّة، والشّيعية، والحازمية، والأحبشة، والمعتدية، والراشدية، والشيبانية،
والمكرمية، والمعلومية، والحفصية، والحارثية، واليزيدية، والزيادية، ويجمعهم القول
(١) كذا ورد هذا السياق ((بالأصل)).
٨٧٣

[٤٠٢/ ١] عن عثمان/ وعليّ ومقدمون ذلك على كل طاعة يصححون المناكحات إلا
على ذلك، ويكفرون أصحاب الكبائر ويرون الخروج على الإمام إذا خالف
السنة، وجوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا وإن احتيج إليه فيجوز أن
يكون عبدًا أو حرًّا أو نبطيًا، أو فارسيًّا، وحكى القرطبي أنَّهم يرون على
الحائض قضاء الصلاة إذ لم تسقط عنها في كتاب الله تعالى على أصلهم في
ردّ السنة على خلاف بينهم في هذه المسألة، وقد أجمع المسلمون على
خلافهم وأنّه لا صلاة تلزمها، ولا قضاء عليها، وقيل: أنّ عائشة إنما قالت لها
ذلك لمخالفتهم السنة وخروجهم عن الجماعة، فخافت عليها عائشة فقالت لها
ذلك؛ لأنّ السنّة بخلاف ما سألت، وحكى عن سمرة أنّه كان يأمر أهله
بقضاء الصلاة في الحيض فأنكرت عليه أم سلمة، وذكر النووى رحمه الله
تعالى إنّها لا تقضى في زمنه الحيض شيئًا إلا ركعتى الطواف .
٨٧٤

٨٣ - باب الحائض تتناول الشيء من المسجد
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عائشة
قالت: قال لى رسول الله عَ ليه: ((ناولينى الخمرة من المسجد فقلت إنى حائض
فقال: ليست حيضتك في يدك)). هذا حديث خرجه مسلم(١) في صحيحه
وخرّج أيضًا حديث أبي هريرة أن النبي عَّم قال: ((يا عائشة ناولينى
الخمرة))(٢) الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث ثابت بن عبيد
عن القاسم عنها/ أنّ النبي عَِّ قال: ((ناولينى الخمرة)) قال ورواه البيهقي عن
عائشة فقال حديث ثابت عن القاسم أحب إليّ، وذلك أن البيهقي يدخل بينه
وبين عائشة عروة، وربما قال: حدّثتني عائشة وبين البيهقي لا يحتج بحديثه
وهو مضطرب الحديث حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلىّ بن محمد نا وكيع
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان النبي عَّهِ يدنى رأسه إلىّ
وأنا حائض وهو مجاور تعنى معتكفا فأغسله فأرجّله)). هذا حديث خرجه
الجماعة(٣) في كتبهم من حديث الزهري عن عروة حدثنا محمد بن يحيى ثنا
[٤٠٢/ ب]
١
صوان
البطن
(١) صحيح. رواه مسلم في (الحيض، ح/١٢) والنسائي (١٤٦/١، ١٩٢) وابن ماجة (ح/
٦٣٢) وحبيب (٣٨/٢).
وصححه الشيخ الألباني .
(٢) المصدر السابق لمسلم: (ح/١٣).
غريبه: قوله: ((الخمرة)) قال الهروىّ وغيره: هذه هى السجادة، وهو ما يضع عليهالرجل جزء
وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة من خوص. وقال الخطابيّ: هي السجادة يسجد عليها
المصلى. وسميْت خمرة؛ لأنّها تخمر الوجه، أي: تغطيه. وأصل التخمير التغطية، ومنه خمار
المرأة. والخمر؛ لأنّها تغطى العقل .
(٣) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الحيض، ح/٢،، والاعتكاف، باب ٣،٢٥))،،
ولباس، باب ((٧٦) ورواه مسلم في (الحيض، ح/٦، ٧، ٩) وأبو داود (ح/٢٤٦٧. ٢٤٦٩)
والترمذي (ح/٨٠٤) وصححه . والنسائي في (الحيض، باب ترجيل الحائض رأس زوجها وهو
معتكف في المسجد، وباب غسل الحائض رأس زوجها)، ومالك في (الطهارة، باب (٢٨)، ح/
١٠٢) وابن ماجة (ح/٦٣٣، ١٧٧٨) وأحمد (٢٦٢/٦) والطبري (١٠٦/٢) وابن كثير (١/
٣٢٥) وابن أبي شيبة (٢٠٢/١) والتمهيد (٣٢٢/٨) والمسانيد (٧٤٨/٢).
٨٧٥

عبد الرزاق أنبأ سفيان عن منصور بن صفية عن أمه عن عائشة قالت: ((كان
رسول الله عَّم يضع رأسه في حجرى وأنا حائض ويقرأ القرآن)). هذا حديث
خرجاه في صحيحهما(١)، وفي الباب حديث ميمونة بنت الحارث: ((كان
رسول الله عَّه يضع رأسه في حجر إحدانا فتتلو القرآن وهي حائض ويقوم
إحدانا لخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض)). رواه أبو عبد الرحمن من
حديث سفيان عن منبوذ بن أبي سليمان، ويقال ابن سليمان الموثق عبد بن
معين البستى(٢) عن أمه وهي مجهولة الحال لم يرو عنها غير ابنها فيما أعلم،
ولفظ أبي قرّة السكسكى في مسنده: ذكر ابن جريج في حديثه أخبرنى منبوذ
عن أمه أنّها أخبرته عن ميمونة سمعتها تقول لابن عباس: ((أي بني وأين
الحيضة من اليد كانت إحدانا)). الحديث وحديث أبي هريرة أن النبي عَ اله
[١/٤٠٣] ((كان في المسجد فقال يا عائشة ناولينى الثوب فقالت: إني/ حائض فقال: إن
حيضتك ليست في يدك))(٣). ذكره في المحلى من حديث يحيى بن سعيد عن
يزيد بن كيسان وأبي حازم عنه وصححه، وحديث أم سلمة قالت: ((دخل
رسول الله عَ ليه صرحه بالمسجد مناديًا بأعلى صوته إنّ المسجد لا يحل لجنب
ولا حائض)). ذكره ابن ماجة(٤) بعد هذا في باب اجتناب الحائض المسجد
فقال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى ثنا أبو نعيم ثنا ابن أبي عيينة
عن أبي الخطاب الهجري عن مجدوح الهذلى عن جسرة قالت: أخبرتنى أم
سلمة به وذكرته هنا اختصارًا، وهو حديث قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا
زرعة وذكره بلفظ: ((لا يصلح هذا الجنب ولا حائض إلا للنبي وأزواجه وعليّ
(١) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الحيض، باب ((٣)) ومسلم في (الحيض، ح/١٥)
وأبو داود (ح/٢٦٠)، وابن ماجة (ح/٦٣٤)، وأحمد (٦٨/٦، ٢٠٤)، وعبد الرزاق (١٢٥٢)
والمسانيد (٤٥٣/٢)، والكنز (٢٧٤٤٥) .
(٢) قوله: ((البستى)) وردت (بالأصل)) ((البنى)) وهو تصحيف، والصحيح ما أثبتناه.
(٣) تقدّم من أحاديث الباب ص٨٦٧.
(٤) ضعيف. رواه ابن ماجة في ((سننه)) (ح/٦٤٥). في الزوائد: إسناده ضعيف. محدوج لم
يوثق، وأبو الخطاب مجهول. وضعفه الشيخ الألباني. ضعيف ابن ماجة (ح/١٣٧)، وضعيف أبي
داود (ح/٣١) .
٨٧٦

وفاطمة)). قال: يقولون: عن خيرة عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة، قال أبو
محمد: وقد روى قلت عن جدّه عن عائشة غير أنّه لم يذكر النبي وأزواجه،
وقال البخاري في تاريخه: محدوج عن جسرة فيه نظر، وقال ابن جرير: أما
محدوج فساقط يروى المعضلات عن جسرة، وأبو الخطاب، مجهول فسقط
هذا الجند، ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن محمد بن يحيى ثنا معلى بن
أسد ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا إلا قلت ابن خليفة. حدثتنى جسرة بنت
دجانة قالت: سمعت عائشة تقول: جاء رسول الله عَّه ووجوه بيوت أصحابه
شارعة في المسجد فقال: ((دعوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل النبي عليه
السلام فلم يصنع القوم شيئًا وجاء أن ينزل فيهم رخصه، فخرج إليهم فقال:
دعوا هذه البيوت عن المسجد، فإِنِّى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). ولما
رواه أبو داود(١)قال: هو فليت العامري، ورواه محمد في تاريخه الكبير/ عن
موسى ثنا عبد الواحد عن فليت أبي حسان عن جسرة بزيادة إلا لمحمد وآل
محمد، وقال يحيى بن سعيد: عن سفيان عن فليت العامري، وقال ابن
مهدي: عن سفيان عن فليت سمع جسرة ودهثمة وعند جسرة عجائب، وقال
عروة: عن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((سدوا الأبواب إلا باب أبي
بكر))(٢). وهذا أصح، وقال ابن حزم: فليت غير مشهور ولا معروف بالثقة،
وفي موضع آخر وحديثه بمعنى هذا باطل، وقال أبو سليمان الخطابي وضعفوا
هذا الحديث فقالوا فليت روايته مجهولة، ولا يصح الاحتجاج بحديثه(٣)، وقال
البغوى في شرح السنة: بحديثه، وقال البغوى في شرح السنة: ضعف أحمد
هذا الحديث؛ لأن رواية فليت وهو مجهول انتهى كلامه، وفيه نظر؛ لرواية
الثوري وعبد الواحد اللذين سبق ذكرهما عنه، وقال الإمام: ما أرى به بأسا،
وهو معارض لما ذكره البغوي، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال البرقاني: وقلت له
يعنى الدارقطني: فليت بن خليفة عن جسرة، قال: من أهل الكوفة صالح،
[٤٠٣/ ب]
(١) حسن. رواه أبو داود فى: ١. كتاب الطهارة، ٩٢- باب في الجنب يدخل المسجد، (ح/
٢٣٢) .
(٢) رواه ابن أبي عاصم (٥٧٩/٢) وتغليق (١٠٨٥، ١٠٨٦).
(٣) قوله: ((بحديثه)) غير واضحة ((بالأصل)) وكذا أثبتناه .
٨٧٧

[٤٠٤ / ١]
وذكره ابن حبان في كتاب الثقات فهاتان الجهالتان الحال والعين قد زالتا ولله
الحمد، وقال أبو محمد الأشبيلي: وذكر حديث عائشة لا يثبت من قبل
إسناده، قال ابن القطّان: ما رآه عنى في تضعيفه هذا الحديث إلا فليت، وذكر
بعض ما أسلفناه من تحسين حاله، وجسرة وثّقها الكوفي فقال تابعية ثقة، وقول
البخاري: عندها عجائب لا يكفي لمن يسقط بها ما روت، ويجئ على نظر
أبي محمد أن تكون مشهورة مقبولة لرواية اثنين عنها فليت وقدامة بن عبد الله
العامري الهزلي، ولم أقل فيه صحيح، وإنما أقول إنّه حسن، وكلامه يعطى أنَّه
ضعيف فاعله انتهى وزاد عبد الغني بن سرور في/ الرواة عنها محدوجًا،
وذكرها ابن حبان في كتاب الثقات فهو إذًا صحيح على شرطه أيضًا والله
تعالى أعلم، وأما قول البزار أثر حديث: ((إن تعذّبهم فإِنَّهم عبادك))(١). ومن
حديث قدامة العامرى عن جسرة عن عائشة لا تعلم حدّث عن جسرة غير
قدامة مردود بما قدّمناه، ودجانة بكسر الدال المهملة لا غير قاله ابن حبيب في
كتاب العقل من الزمخشري في كتابه المستقصى في الأمثال، بخلاف النظائر
فإنه مثلث الدال حكاه الليلي، وحديث كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله
أن رسول الله عَ لُه قال: ((لم يكن لأحد أن يجلس في المسجد ولا يمرّ فيه إذا
كان جنبًا)). ذكره ابن حزم وضعَّفه بمحمد بن الحسن من رمى له وكثير بقوله
هما مذكوران بالكذب، وليس كما زعم أبو محمد؛ لأنّ كثيرًا ممن وثّقه أبو
زكريا يحيى بن معين في رواية ابن أبي حمزة وفي رواية معاوية بن صالح،
وخرّجه الحافظ أبو بكر بن خزيمة له حديثًا في صحيحه وكذلك الحاكم، وقال
محمد بن عبيد الله بن عمار: هو ثقة، وذكره البستى في الثقات، وخرّج له
حديثًا في صحيحه، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أرى به بأسًا، وقال
أبو الحسن فيما نقله عنه أبو العرب: حجازي ثقة ولم أر أحدًا رماه بكذب،
ولا شدُّوا القول فيه والَّذي رمى به قول أبي عبد الرحمن في تمييزه وذكره
وهو ضعيف، وقال أبو زرعة: ليّ، وفي رواية عن ابن معين ليس بشيء، وفي
رواية: ليس بذاك القوي، وقال ابن جرير الطبري هو عندهم لا يحتج بنقله،
(١) صحيح. رواه الطبراني (١٧٧/١٠) والمسير (٥٦٦/٢) وشرح السنة (٢٦/٤).
٨٧٨

[٤٠٤/ ب]
وحديث أنس بن مالك قال النبي عَّله: ((سدوا هذه الأبواب فإني لا أحل
المسجد))(١) ... الحديث وفيه فقال بعض الناس: ((سدوا الأبواب إلّ باب أبي
بكر))(٢)،/ فقال: ((إنى رأيت على أبوابهم ظلمة وعلى باب أبي بكر نورًا قال:
فكانت الأخيرة أعظم عليهم من الأولى))(٣). ذكره ابن عدى من حديث
كاتب(٤) الليث وهو منكر الحديث عنه عن يحيى بن سعيد عن أنس، وقد
جاءت أحاديث معارضة هذه: منها حديث عائشة: ((أن سعدًا رمى في الحلة
فضرب له النبيّ - عليه السلام - جنبا في المسجد ليعوده من قرب، وإنّ دمه
سال من خرجه حتى دخل حيًا القوم))(٥). وحديثها عن وليدة ((كان لها في
المسجد جنبًا أو خفش)) وهما في الصحيح، وكذا حديث ابن عمر: ((كنت
شابًا عزبًا وكنت أبيت في المسجد في عهد النبي عليه السلام))، وحديث
عثمان ابن أبي العاص: ((أنَّ وفد ثقيف قدموا على رسول الله عَّله فأتى لهم
المسجد حتى تكون أرق لقلوبهم)). خرجه ابن خزيمة (٦) في صحيحه، وكذا
حديث جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا
يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾(٧). إلا أن يكون عبد الواحد من أهل
الذمة، وحديث عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال عليه
الصلاة والسلام: ((لا يصلح في المسجد مقيمًا ولا ضيفًا)). ذكره الحافظ أبو
نعيم في كتاب المساجد(٨) من تأليفه، وحديث: ((المؤمن لا ينجس جعلت لى
الأرض مسجدًا وطهورًا)). وقد تقدم(٩) ذكرهما، وذكر زيد بن أسلم: أنّ
الصحابة كانوا يجنبون وهم في المسجد، ذكره ابن المنذر، وعن عطاء بن يسار
(١، ٢) تقدّما من أحاديث الباب .
(٣) انظر: الكنز: (٣٥٦٨٦).
(٤) أورد المصنف ((كلمة)) تحت هذا الرقم ((غير واضحة)) وقال: هذا منكر.
(٥) قوله: (القوم)) غير واضحة (بالأصل)) وكذا أثبتناه.
(٦) وكذا قوله: (ابن خزيمة)) كما سبق في حاشية ((٣)).
(٧) سورة التوبة آية: (٢٨).
(٨) انظر: كتاب المساجد لأبي نعيم .
(٩) تقدّم في بابه .
٨٧٩

قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله عَّه يجلسون في المسجد مجنبون
فيتوضئوا وضوءهم للصلاة، وعن جابر قال: كان يمر أحدنا في المسجد جنبا
[٤٠٥/ ١] محتارًا، ذكرهما سعيد بن منصور في سننه، وحديث ثمامة وقال: ((/وربطه
مشركًا في المسجد))، عند مسلم: (( وأنّ أهل الصفة كانوا يبيتون في المسجد))،
ولا شك أنّ فيهم من يحتلم، ولم يأت أنهم نهوا عن ذلك وفي المصنف ثنا
هشيم، عن العوام: ((أنّ عليا كان يمر في المسجد وهو جنب))، وعن أبي
عبيدة يمر ولا يجلس فيه ثم فسر: ((ولا جنبًا إلا عابرى سبيل)) وعن هشام
الجنب والحائض يمران في المسجد، وقال بكر: قلت للحسن: تصيبني الجنابة
فأستطرق المسجد أو آخذ من قبل دار عبد الله بن عمر قال: بل استطرق إذا
كان أقرب، وفي الأشراف: ورخّص في المرور ابن مسعود وابن عبّاس وابن
المسيّب وابن جبير، وهذا هو الملجى لأهل الظاهر بأن جوّزوا لهما دخول
المسجد وكذلك النفساء، قال أبو محمد؛ لأنّه لم يأت نهي عن شيء من
ذلك، وأمّا الشّافعى ومالك وأبو حنيفة: فمنعوهم مطلقًا، قال أبو حنيفة: وإن
اضطروا إلى ذلك تيمموا ومؤُّوا، وقال أحمد وإسحاق: الجنب إذا توضأ لا
بأس أن يجلس في المسجد.
٨٨٠