Indexed OCR Text
Pages 41-60
(٤١)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
نبذة عن ((المؤرخين))
المؤرخون لهم كبير سلطان في تطويع أقلامهم حيثما شاءوا وكيفما أرادوا، يضعون
بها أناساً ويرفعون آخرين: إما لتعصب أو جهل أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق
به أو لغير ذلك من الأسباب.
والجهل والتعصب في الؤرخين أكثر منه في أهل الجرح والتعديل ..
ولذلك وضع للمؤرخ شروط حتی یقبل مدحه وذمه:
أولها: الصدق.
ثانيها: النقل الذي يعتمد على اللفظ دون المعنى؛ لأن الناقل إذا اعتمد اللفظ فقد
برئ من العهدة، وأدى الأمانة كما تلقاها ورآها، أما إذا اعتمد المعنى وأداه بلفظ من
عنده، فقد يبعد تعبيره عن الواقع الذي عبر عنه القائل الأول؛ فيختلف الحكم بين عبارة
القائل وعبارة الناقل.
ثالثها: ألا يكون ذلك الذي نقله أخذه في المذاكرة، وكتبه بعد ذلك.
رابعها: أن يسمي المنقول عنه.
خامسها: التحري منه فيما يراه من الكلام الذي يتضمن غمزًاً أو لمزًا أو جرحًا أو
خطأً على أحد المعتبرين من السلف الصالح؛ لما أمرنا من الإمساك عما كان بينهم،
والتأويل بما لا يحط من أقدارهم .
كما يشترط فيه أيضًا عند ترجمته للأعلام. ما يلي:
أولا: معرفته بحال صاحب الترجمة علمًا ودينًا وغيرهما من الصفات.
ثانيًا: أن يكون حسن العبارة، عارفًا بمدلولات الألفاظ.
ثالثًا: أن يكون حسن التصور؛ حتى يتصور جميع حال ذلك الشخص، ثم يعبر عنه
بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه.
رابعًا: ألاّ يغلبه الهوى.
(٤٢)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
خامسًا: حضور التصور زائدًا على حسن التصور والعلم. فهذه عشرة شروط في
المؤرخ، وأصعبها الاطلاع على حال الشخص في العلم؛ فإنه يحتاج إلى المشاركة في
علمه، والقرب منه حتى تعرف مرتبته . أهـ.
وبالجملة: فلابد أن يكون المؤرخ عالمًا عادلاً عارفًا بحال من يترجم له ليس بينهما من
الصداقة ما قد يحمله على التعصب له، ولا من العداوة ما قد يحمله علي الغض منه.
والله أعلم.
--
(٤٣)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
المتكلمون في الرجال
ومن يعتد قوله منهم
قال الحافظ السخاوي: وأما المتكلمون في الرجال فخلق من نجوم الهدى ومصابيح
الظلم، المستضاء بهم في دفع الردى، لا يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة وظلواوه وهلم
جرا (١) .
سرد ابن عدي في مقدمة كامله هنا منهم خلقًا إلى زمنه وفي عنوان هذا الفصل
قال: ((ذكر من استجاز تكذيب من تبين كذبه من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى
یومنا هذا رجلاً عن رجل».
قال العلامة الشيخ أبو غدة: وقول ابن عدي في الصحابة والتابعين وتابعي التابعين
متعلق بمن استجاز لا بمن تبين كذبه؛ إذ الصحابة كلهم عدول والتابعون أكثرهم ثقات.
وذكر ابن عدي رهطًا من الصحابة، وسرد من التابعين عددًا لم يظهر ضعف فيهم إلا
الواحد بعد الواحد؛ كالحارث الأعور والمختار الثقفي الكذاب.
فلما مضى القرن الأول ودخل الثاني كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من
الضعفاء الذين ضعفوا غالبًا من قبل تحملهم وضبطهم للحديث؛ فتراهم يرفعون الموقوف
ويرسلون كثيرًا، ولهم غلط كأبي هارون العبدي(٢).
فلما كان عند آخر عصر التابعين تكلم في التوثيق والتجريح طائفة من الأئمة هم:
أبو حنيفة والأعمش وشعبة وغيرهم، تكلم بعضهم في تكذيب البعض، وتحدث بعضهم
في التضعيف والتوثيق، ونظر بعضهم في الرجال، وكان هؤلاء متثبتين لا يكادون
يروون إلا عن ثقات.
(١) ينظر: ((المتكلمون في الرجال)) ص ٨٤ للحافظ السخاوي بتحقيق أبي غدة، و"فتح المغيث
بشرح ألفية الحديث)) ص٤٧٩ - ٤٨١.
(٢) انظر تهذيب التهذيب: ٤١٢/٧ - ٤١٤.
(٤٤)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
وقد قسم الحافظ الذهبي من تكلم في الرجال أقسامًا:
قسم تكلم في الرواة جميعهم کابن معين وأبي حاتم.
وآخر تكلم في كثير من الرواة كمالك وشعبة.
وثالث تكلم في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي وهذا الكل على ثلاثة أقسام
أيضًا :
أحدهم: متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث.
فهذا الصنف إذا وثق شخصًا فعض عليه بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف
رجلاً فانظر هل هناك من شاركه في تضعيفه، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فارجع إلى
قولهم، لا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً - يعني مبينا سبب تضعيفه - حيث لا يكفي قول
ابن معين مثلاً: هو ضعيف من غير بيان السبب ثم يجيء البخاري وغيره فيوثقونه.
:قال الحافظ الذهبي: لم يجتمع اثنان - أي من طبقة واحدة - من علماء هذا الشأن
قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة. أهـ. (١)
وقسم ثان: متسمح کالترمذي والحاكم.
وثالث: معتدل كأحمد والدارقطني وابن عدي فجزى الله الكل عن الإسلام
والمسلمين خيرًا، فهم مأجورون إن شاء الله تعالى.
(١) المتكلمون في الرجال ص ١٢٣ .
(٤٥)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
جهود الصحابة والتابعين في مقاومة الوضاعين
سئل عبدالله بن المبارك غيث عن الأحاديث الموضوعة فقال: تعيش لها الجهابذة ثم
تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(١) .
وإليك ما بذله هؤلاء الجهابذة في سبيل حفظ الحديث الشريف، أوجزها لك على
النحو التالي :
أولاً: التزام الإسناد:
لم يكن المسلمون في صدر الإسلام إلى خلافة عثمان يكذب بعضهم بعضًا؛ فالثقة
تملأ صدورهم، والإيمان يعمر قلوبهم؛ حتى إذا ما وقعت الفتنة العمياء التى تبناها
عبدالله بن سبأ اليهودي، وتكونت على إثرها الفرق والأحزاب، وبدأ الكذب على
رسول الله من ذوى الأغراض والأهواء وقف الصحابة والتابعون لها وقفة قوية؛
للحفاظ على الحديث الذي كان محفوظًا في الصدور، ومكتوبًا من بعض الصحابة في
السطور، وأصبحوا يشددون في طلب الإسناد من الرواة، والتزموه في الحديث؛ لأن
السند للخبر كالنسب للمرء.
يقول محمد بن سيرين: «لم يكونوا ظاوهم يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة
قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا
)) (٢)
يؤخذ عنهم)»(٢) .
كان الصدق والإخلاص والأمانة رائد هؤلاء؛ فكان السند عندهم قائمًا، يرويه
صحابي عن آخر إذا لم يسمعه من رسول الله منّم مباشرة؛ فكان البراء بن عازب
يحدث عن عليٌّ عن رسول الله عزَّم؛ وكذلك أبو أيوب الأنصاري عن أبي هريرة،
وقد حدَّث الصحابة بعضهم عن بعض لم يلتزموا الإسناد دائمًا، وإن عرفوه قبل
الإسلام، ولعل خير دليل ما كانوا يسندونه من القصص والأشعار في الجاهلية، وإنما
(١) الحجر: ٩.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي: ٨٤/١، سنن الدارمي: ١١٢/١.
(٤٦)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
التزموا التثبت من الإسناد بعد وقوع الفتنة، وهكذا كان ابن عباس لا يأذن للبعض أثناء
الحديث، أي: لا يعطي المحدث أذنه ولا يصغي إليه؛ حتى إذا ما سئل في ذلك أجاب :.
كنا إذا سمعنا الرجل يقول: قال رسول الله عزَّم - ابتدرناه بأبصارنا، وأصغينا إليه
بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف(١) .
والتزم من بعدهم التابعون فكان الشعبي يتنقل من راوٍ إلى راوٍ حتى قال يحيى بن
سعيد: ((وهذا أول من فتش في الإسناد)) وقال أبو العالية: ((كنا نسمع الرواية
بـ (البصرة) عن أصحاب رسول الله؛ فما رضينا حتى رحلنا إليهم فسمعناها من
(٢)
أفواههم)) (٢).
ويقول عبدالله بن المبارك: الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٣)
وقد أتقن التابعون، الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره؛ فها هو أبو داود
الطيالسي يقول: وجدنا الحديث عند أربعة: الزهري وقتادة وأبي إسحاق والأعمش،
فكان قتادة أعلمهم بالاختلاف، والزهري أعلمهم بالإسناد، وأبو أسحاق أعلمهم
بحديث علي وابن مسعود، وكان عند الأعمش من كل هذا (٤) .
ولا يطعن في التزام التابعين بالإسناد المتصل ما روي عن بعض التابعين من
المراسيل؛ لأن هناك روايات تؤكد أن هذا المُرْسِل كان يذكر من حدثه عندما يسأل عن
الإسناد، وهذا يؤكد أنهم كانوا على جانب كبير من العلم ومعرفة السند، وإنما كانوا
يتركونه اختصارًا، وكان الجالسون يثقون فيهم، وكيف لا وهم أنفسهم سندٌ؟!
ثانيًا: مضاعفة النشاط العلمي والتثبت من الحديث:
من نعم الله على المسلمين أن الصحابة قد تفرقت في الأمصار والأقطار، وزاد الله
لهم في الأعمار؛ ليسهموا في حفظ السنة عقب الفتنة وظهور البدعة، وكان التابعون
(١) صحيح مسلم: ٨١/١.
(٢) مقدمة التمهيد لابن عبدالبر ص ١٥ .
(٣) رواه مسلم في مقدمة صحيحه: ١/ ٨٧.
(٤) تذكرة الحفاظ: ١/ ١٠٨.
1
(٤٧)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
وأتباع التابعين على نطاق واسع من التنقل والترحال في سبيل تحمل الحديث عن الثقات
ومذاكرة الأحاديث. يقول سعيد بن المسيب: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب
الحديث الواحد، وعن الزهري وعن ابن المسيب مثله(١).
وكان أئمة الحديث في هذا العصر على جانب عظيم من الوعي والاطلاع؛ فقد كانوا
يحفظون الحديث الصحيح والضعيف والموضوع؛ حتى لا يختلط عليهم الحديث؛
وليميزوا الخبيث من الطيب.
ثالثًا: تتبع الكذبة:
وذلك بمحاربتهم على رءوس الأشهاد، ومنعهم من التحديث؛ ويستعدون عليهم
الحكام؛ فكان من نتيجة ذلك أن توارى كثير من الكذابين، وكفوا عن كذبهم بعد
افتضاح أمرهم وكشف عوارهم.
رابعًا: بيان أحوال الرواة:
كان لابد للصحابة والتابعين ومن بعدهم من معرفة الرواة معرفة تمكنهم من الحكم
بصدقهم أو كذبهم فدرسوا حياتهم وتواريخهم وأحوالهم.
يقول ابن عدي في كامله: قال الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم
التاريخ.
كانوا يبينون أحوالهم وينقدونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية، ولا توجههم عاطفة
فلا يحابون أباً ولا أخًا ولا ولدًا؛ فهذا ابن أنيسة يقول: لا تأخذوا عن أخي، وهذا
علي بن المديني يقول عن أبيه: سلوا عنه غيري، بل إنهم كانوا يعينون أيامًا للناس
يحدثونهم فيها عن الكذابين؛ قال أبو زيد الأنصاري النحوي: أتينا شعبة يوم مطر نطلب
الحديث، فقال: ليس هذا يوم الحديث، اليوم يوم غيبة، تعالوا نغتاب الكذابين(٢).
قلت وحاشاه فظالله أن يكون مغتابًا: إذ لا غيبة الفاسق(٣) وأفسق الفساق الكذابون.
(١) جامع بيان العلم: ٩٤/١، المحدث الفاصل: ٢٨.
(٢) وينبغي التنبيه على ضعف هذا الأثر.
(٣) الكفاية: ٤٥، وانظر (السنة قبل التدوين)): ٢٣٣ مكتبة وهبه.
(٤٨)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق.
سئل ◌ِنَّم: أيكذب المؤمن؟ قال: ((لا)) ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ يَفْترونَ عَلَى الله
الكَذِبَ لا يُفْلِحُون﴾(١) .
وهكذا تكوّن علم الجرح والتعديل، الذي وضع أصوله كبار الصحابة والتابعين،
على ضوء الشريعة الغراء وسنة خير الأنبياء فقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيَّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْبَأَ فَتَبِيُّوا .... ) الآية(٢) .
وقوله عزَّم في الجرح: ((بئس أخو العشيرة))(٣).
وفي التعديل: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقيم الليل)).
وقد بين هؤلاء من تقبل روايته ومن لا تقبل، وتكلموا في العدالة وموجباتها، وفي
الجرح وأسبابه، وقد نص الخليفة عمر على العدالة ووضع أول الأسس لذلك في کتاب
له إلى أبي موسى الأشعري فقال: والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرباً عليه
شهادة زور، أو مجلودًا في حد، وقال الإمام مالك: لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ
ممن سوي ذلك: لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه معلن
بالسفه وإن كان من أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا
تتهمه أن يكذب على رسول الله عدّام، ولامن رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا
يعرف ما يحدث.
خامسًا: وضع قواعد لمعرفة الموضوع من الحديث:
ومن هذه القواعد ما يدل على الوضع في السند، وما يدل عليه في المتن وذلك
بعلامات هي:
١- علامات الوضع في السند:
أ - أن يعترف الراوي بأنه كذاب، والاعتراف سيد الأدلة، وأن يقر باختلاقه فيما
روى؛ وفي مثل هذا يقول أبو جزي للجالسين حوله وهو مريض: أشهدكم أني وضعت
من الحديث كذا وكذا، وإني أستغفر الله منها وأتوب إليه. وهذا أقوي دليل على كون
الحديث موضوعًا.
(١) النحل: ١١٦.
(٣) سبق تخريجه .
(٢) الحجرات: ٦.
(٤٩)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
ب - وجود قرينة تقوم مقام الاعتراف بالوضع: كالرواية عن شيخ لم يلقه، أو يروي
عن شيخ في بلد لم يرحل إليه، أو يروي عن شيخٍ وُلُد الراوي بعد وفاته أو توفى
هذا الشيخ والراوي صغير لا يدرك.
ج - أن ينفرد راوٍ معروف بالكذب برواية حديث، ولا يرويه ثقة غيره؛ فيحكم على
روايته بالوضع .
د - حال الراوي نفسه.
٢- علامات الوضع في المتن:
أ - ركاكة اللفظ في المروي، ويعرف ذلك أهل اللغة والفصاحة من المحدثين ..
ب - فساد المعنى، كقولهم: ربيع أمتي العنب والبطيخ، أو قولهم: الباذنجان لما أكل له،
أو الباذنجان شفاء من كل داء، أو كل حديث يشتمل على سخافات لا تصدر عن
العقلاء، فضلا عن سيد الحكماء وخير الأنبياء الذي أوتى جوامع الكلم واختصر له
الكلام اختصارًا .
ج - ومنها ما يناقض نص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي.
د - ومنها ما يدعيه البعض من أن الصحابة عرفوا بعض الأحاديث، ولكنهم تواطئوا
على كتمانها، وللشيعة باع طويل في مثل هذه الدعاوى الكاذبة.
هـ ـ وكل حديث يخالف الحقائق التاريخية؛ كحديث وضع الجزية عن أهل خيبر، وهو
كاذب من عدة وجوه، ذكرها ابن القيم في عشرة أدلة قوية منها:
أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي في غزوة الخندق؛ فمتى شهد في خيبر؟!
ومنها أن الجزية لم تكن نزلت حتى ذلك الحين، ولا يعرفها الصحابة ولا العرب،
وإنما فرضت بعد عام تبوك فأين خيبر منها؟!
و - موافقة الحديث لمذهب الراوي المتعصب المغالي في تعصبه؛ كالروافض والمرجئة:
هؤلاء في أهل البيت، وهؤلاء في الإرجاء.
ز - ومنها اشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير.
(٥٠)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
ألفاظ تدل على الصحة أو الحسن
من هذه الألفاظ :
جيد - قوي - صالح - محفوظ - معروف - مجود - ثابت - مشبه .
الجید:
جاء في عبارة المحدثين: جيد وأجود، وجوَّده؛ فمثلا: أخرج الترمذي في باب ((ما
جاء في الصدق والكذب)) قال : حدثنا يحيى بن موسى قال: قلت لعبدالرحيم بن
هارون الغساني: حدثكم عبدالعزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي علّم
قال: «إذا کذب العبد تباعد منه الملك میلاً من نتن ما جاء به)).
قال يحيى: وأقر به عبدالرحيم بن هارون، فقال: نعم.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، تفرد به
عبدالرحيم بن هارون.
ولما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل أن أصح الأسانيد الزهري، عن سالم،
عن أبيه- قال شيخ الإسلام: عبارة أحمد أجود الأسانيد، وهذا يدل على أن ابن
الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح.
وعن علي ◌ِالله قال: ((جعث مرة جوعًا شديدًا؛ فخرجت لطلب العمل في عوالي
المدينة؛ فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًاً، فظننتها تريد بله، فقاطعتها: كل ذنوب على تمرة.
فعددت ستة عشر ذنوبًا، حتى مجلت يداي، ثم أتيتها، فعدت لي ست عشرة تمرة،!
فأتيت النبي ◌ُِّم فأخبرته، فأكل معي منها» رواه أحمد.
قال الشوكاني: حديث علي - عليه السلام - جود الحافظ إسناده. أهـ.
قال البلقيني: من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة.
وقال بعضهم: لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم، إلا أن الجهبذ منهم لا يعدل عن:
صحيح إلى جيد إلا لنكتة؛ كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في
بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبةً من الوصف بصحيح.
القوي:
وهو عندهم مثل الجيد.
(٥١)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
الصالح:
قال أبو داود في شأن كتابه: ((ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وما كان فيه
من حديث فيه وَهَنٌ شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو
صالح وبعضها أصح من بعض».
فقد فهم من قوله: «وهن شدید فقد بینته» أن الحديث الذي فیه وهن لكنه ليس
بشدید لا یبینه، ویکون عنده صالحاً للاحتجاج به بقوله بعد ذلك: ((ما لم أذكر فيه شيئا
فهو صالح)).
قال النووي: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مطلقاً، ولم يصححه غيره من المعتمدين،
ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود، وعلله السيوطي بأن الصالح للاحتجاج لا يخرج
عنهما، ولا يرتقي إلى الصحة إلا بنص، فالأحوط الاقتصار على الحسن، وأحوط منه
التعبير عنه بـ((صالح)).
وإذا كان أبو داود يخرِّج عن كل من لم يُجْمَع على تركه، ويخرِّج الإسناد الضعيف
إذا لم يجد في الباب غيره - إلا أنه أقوى عنده من رأي الرجال - ولا ينبه على الضعيف
إلا إذا اشتد وهنه ، فيحتمل أن يريد بقوله: ((صالح)) الصالح للاعتبار دون الاحتجاج،
فيشمل الضعيف أيضاً.
وقال ابن كثير: إنه روى عنه: ((وما سكتُّ عليه فهو حسن)) فإن صح ذلك، فلا
إشكال.
وبناء على ما تقدم يمكن أن نقول: إن التعبير بكلمة ((صالح)) صالحة لأن تكون بمعنى
صالح للاحتجاج، فتشمل الصحيح والحسن لذاتهما ولغيرهما؛ وأن تكون بمعنى صالح
للاعتبار، فتستعمل في الضعيف الذي يصلح أن يكون تابعاً أو شاهداً.
وقال الشوكاني في مقدمة ((نيل الأوطار)): وقد اعتنى المنذري - رحمه الله - في نقد
الأحاديث المذكورة في سنن أبي داود، وبین ضعف کثیر مما سكت عنه، فيكون ذلك
خارجاً عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعاً فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في
مواضع يسيرة، قد نبهت على بعضها في هذا الشرح - يريد نيل الأوطار - ولذلك كثيراً
ما يقول فيه: سكت عنه أبو داود والمنذري .
(٥٢)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
المحفوظ:
قال ابن حجر: إن خولف راوي الصحيح والحسن بأرجح منه لمزيد ضبطه أو كنثرة
عدده أو غير ذلك من وجوه الترجيحات - فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله، وهو
المرجوح يقال له: الشاذ.
فالمحفوظ: هو حديث الثقة الذي رجحت روايته على حديث الثقة الذي كانت
روايته مرجوحة بأحد وجوه الترجيحات المعتبرة في الترجيح، ويقال لمقابله: الشاذ.
المعروف:
قال ان حجر: فإن وقعت المخالفة مع الضعف، فإن كان الراوي المخالف ضعيفاً
لسوء الحفظ أو الجهالة أو نحوهما فالراجح من الحديثين يقال له: المعروف، ومقابله يقال
له: المنكر.
فالمعروف: هو حديث الثقة المخالف لحديث غير الثقة .
وهذا باعتبار الأغلب، وإلا فقد يطلق كل من المحفوظ والمعروف أحدهما على
الآخر.
المجود والثابت:
وهما يشملان عند المحدثين الصحيح والحسن.
المشبه: قال السيوطي: من ألفاظهم المشبه، وهو يطلق على الحسن وما يقاربه؛ فهو
بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح.
قال أبو حاتم: أخرج عمرو بن حصين أول شيء أحاديث مشبهة حساناً، ثم أخرج
بعد أحاديث موضوعة؛ فأفسد علينا ما كتبنا. أهـ.
(٥٣)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
مبحث في « ألفاظ خاصة عند أهل الجرح والتعديل)).
لقد اعتنى علماء الحديث عناية خاصة بمصادر الأخبار التي تتوارد عليهم، ويفتشون
في إسنادها؛ فالإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء.
ومن لوازم معرفة الإسناد: السؤال عن رجاله من حيث: أمانتهم ومعتقداتهم
وعباداتهم وسلوكهم. يقول شعبة بن الحجاج: ما كانوا يأخذون عن الرجل حتى ينظروا
إلی صلاته وهيئته وسمته .
قال الشعبي في الربيع بن خثيم: كان من معادن الصدق، وقال: حدثني الأعور وكان
كذاباً.
وفي ثوير بن أبي فاختة قال الثوري: كان من أركان الكذب، وكان الأعمش يروي
عنه. قلت: وكان الأعمش سليمان بن مهران من أمراء المؤمنين في الحديث، وقال في
حجاج بن أرطاة: عليكم به؛ فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه.
وقال الأوزاعي في إسماعيل بن مهاجر الدمشقي: كان مأموناً على ما حدث.
تلك ألفاظ قد عرضناها لك أيها القارئ، أطلقت في تجريح بعض الرواة وتوثيقهم،
ولكنها لم تكن منظمة ولا محددة؛ حتى جاء القرن الثالث والرابع الهجريين؛ حيث
التدوين لسائر المعارف والعلوم التي تخدم الكتاب والسنة، ومنها وضع قواعد علم الجرح
والتعديل حتى توثقت عراه واستقامت دعائمه، ورسخت قواعده، وبينوا مرادهم في
كثير من الألفاظ، وألفوا العديد من المصنفات الخاصة بالثقات، وأخرى خاصة بالضعفاء
والمتروكين والكذابين، وثالثة جمعت بين الثقات والضعفاء إلى غير ذلك من كتب
التواريخ المعنية برجال الحديث بصفة رئيسة؛ وكذلك كتب الطبقات والأنساب، ومع هذه
الجهود الطيبة الواعية والدقيقة، إلا أنه ما من كامل إلا وهناك ما هو أكمل منه، وما من
قانون بشري إلا وتتفاوت فيه العقليات وتعتريه المعضلات والمشكلات التي هي أشبه
بالثغرات التي تخترق هذا الصرح الشامخ التليد.
ومن هذه المعضلات: اختلاف مراد بعض الأئمة في اللفظة الواحدة كقولهم: فلان
((ليس بشيء)) فأكثر النقاد يستعملونها، ويقصدون بها غالبا الجرح الشديد، الذي نزل عن
درجة الاعتبار إلي درجة الترك؛ بينما يذكر لنا ابن القطان أن مراد يحيى بن معين من
(٥٤)
الجزء الأول
. مقدمة التحقيق
هذه اللفظة أن أحاديث هذا الراوي قليلة. أو اختلافهم في الراوي الواحد؛ كقول أبي
زرعة في خطاب ابن القاسم الحراني: ثقة. بينما نقل سعيد البرذعي عنه أنه قال عنه:
منكر الحديث يقال: إنه اختلط قبل موته. كذلك تتجسم المشكلة حين تسمع بعض:
الألفاظ النادرة الاستعمال، وقد وردت على لسان أحد النقاد، وهو يستعملها في تجريح
أحد الضعفاء أو تعديل أحد الثقات؛ فيصعب عليه معرفة مراده في بعض الأحيان هل
أراد التوثيق أو قصد التجريح؛ حتى إن الحافظ العراقي - وهو إمام هذا الفن في وقته -
التبس عليه مراد أبي حاتم في قوله: (هو على يدي عدل) حيث عدها في ألفاظ
التوثيق، وهي في الحقيقة من ألفاظ التجريح.
قال ابن حجر العسقلاني: كنت أظن أنها من ألفاظ التوثيق حتى ظهر لي أنها عند ابن
أبي حاتم من ألفاظ التجريح، ومن وقف على عبارات القوم ومصطلحاتهم فيها فهم.
مقاصدهم ومراميهم؛ ولكي أسهل لك مهمة التعرف على بعض هذه العبارات التي:
استعملت في تجريح الرجال وتوثيقهم سأقوم بشرح بعض ألفاظها شرحاً مبسطاً؛ لعلك
بها تهتدي وبسلوك أهلها تقتدي (١).
(سداد من عيش))
استعمل هذه العبارة أبو بكر الأعين في وصف حال سويد بن سعيد الهروي حيث
قال: «هو سداد من عیش هو شيخ)».
معنى اللفظة { بكسر السين}: «كل شيء سددت به خللاً)) هذا قول أبي عبيدة: في
معناها:
وقال النضر بن شميل: (أي ما یکفي حاجته)).
«کان فسلاً))
هذا التعبير استعمله شعبة بن الحجاج فى اثنين من الرواة: ميمون البصري الكندي،
وسيف بن وهب التيمي. قال أهل اللغة: الفسل: الرَّذِل النَّذْلُ لا مروءة له ولا جلد.
وأخذوا من المعنى اللغوي المعنى الاصطلاحي الذي أراده وهو أنه ضعيف وأحاديثه
ضعيفة ومعلّة.
.(١) وقد استفدنا هذا المبحث القيم من كتاب د. سعد الهاشمي.
٠
(٥٥)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
(جمال المحامل))
استعملها المحدثون على معناها المجازي في تجريح الرواة وتعديلهم فقالوا: جمال
المحامل، أو جمازات المحامل، أو ليس من أهل القباب، يعنون به: كمال الرجل في
عقله وتجربته؛ فتستعمل بالمعنى الاصطلاحي في التوثيق؛ كما تستعمل في التجريح إذا
سبقت بـ ((ليس) أي ليس هو من جمال المحامل؛ وكذلك من أهل القباب، أو ليس من
أهل القباب.
وأول من استعمل هذا التعبير هو الإمام مالك حيث جرح به عطاف بن خالد بن
عبدالله بن العاص أبا صفوان المدني فقال عنه: ليس هو من جمال المحامل، ونقل المزي
عنه أنه قال: ليس من أهل القباب، ومعنى القباب الهوادج، وهي مركب من مراكب
النساء. قال صاحب المحكم: هو من العصي يجعل فوقه الخشب ثم يقبب، وقال ابن
الأثير: القبة من الخباء بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب.
وخلاصة القول فيه: أنه لا يقوى على تحمل الحديث.
«ما أشبه حدیثه بثياب نيسابور)»
هذا التشبيه استعمله الحافظ إبراهيم الجوزجاني؛ لتضعيف رواية إسماعيل بن عياش
وتجريحه، مأخوذ من طريقة أهل نيسابور في بيعهم للثياب؛ حيث يضعون عليها الأثمان
العالية كي يغروا بها المشتري، ولعلهم اشتروها بأبخس الأثمان.
قال الجوزجاني: قلت لأبي اليمان: ((ما أشبه إسماعيل بثياب نيسابور يرقم بائعه على
الثوب مائه، ولعله اشتراه بعشرة أو بدونها)) وكان إسماعيل من أروى الناس عن
الكذابين، وهو في حديث الثقات من الشاميين أحمدُ منه في حديث غيرهم.
« في دار فلان شجر يحمل الحدیث»
هذا التعبير من مفردات علي بن المديني، وقد استعمله في تجريح اثنين من الرواة:
عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة الذي روى عن سلام بن مطيع الخزاعي، وخليفة بن
خياط بن خليفة بن خياط العصفري أبو عمرو البصري.
أما الأول فقد اتفق الأئمة على تضعيفه؛ بل اتهمه بعضهم بالوضع.
وأما الآخر فقد غمزه ابن المديني، ووثقه الكثير قال ابن عدي: ((وهو مستقيم
الحدیث صدوق».
(٥٦)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
«هو علی یدي عدل))
هذه العبارة من ألفاظ التجريح، وأول من استعملها أبو حاتم الرازي، وكان البعض
يظنها من ألفاظ التعديل، منهم الحافظ العراقي، وقد نقل ذلك عنه تلميذه الحافظ ابن
حجر العسقلاني، والعبارة كما فهمها تلاميذ الحافظ العراقي أنها كناية عن الهالك وهو
تضعیف شدید.
وذكرها أبو حاتم الرازي في جبارة بن المفلس وشبهه بالقاسم بن أبي شيبة وكلاهما
ضعيف متروك الحديث.
وكانت طريقة أبي حاتم في تجريحه لبعض الرواة: ينعتهم بأكثر من لفظ، أو يجمع
ألفاظا مترادفة، ويعقبها بلفظة شديدة قاسية.
فیذکر أحدهم مجرحاً له بقوله: ضعيف الحديث،؛ ليس بقوي، هو على يدي عدل.
فقوله: ((ضعيف الحديث)) يعني: من المنزلة الثالثة؛ أي لا يطرح حديثه بل يعتبر به.
وقوله: «لیس بقوي)) أي دون من قال فيه (لين الحديث) وهو الذي یکتب حديثه،
وينظر فيه اعتباراً، وقد يراد بها: الذي لم يبلغ درجة القوي الثبت. وقوله: ((هو على
يدي عدل أي: أنه متروك الحديث، أراد بهذا المنهج في عباراته التدرج في وصفه وبيان
حاله؛ حتى اتتهى به إلى ترك حديثه، والله أعلم.
«لا یکتب عنه إلا زحفاً»
من مفردات أبي حاتم الرازي أيضاً، ولم يشاركه واحد من رجال الجرح والتعديل
فيه، وقد استعملها أبو حاتم في خمسة من الرواة ::
خالد بن إلياس أو إياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة، لم يوثقه أحد من
النقاد .
عبدالحكم بن عبدالله القسملي، لم يوثقه أحد، واتهمه البعض بالوضع. قال
البخاري : منكر الحديث.
عبدالخالق بن زيد بن واقد الدمشقي، ضعفه النقاد، ولم يعدله أحد منهم.
داود بن عطاء المزني: لم يُوثقه أحد.
(٥٧)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
حمزة بن نجيح أبو عمارة: يكتب حديثه زحفاً كسابقيه.
((كان ممن أخرجت له الأرض أفلاذ أكبادها)»
تعبير استعمله ابن حبان البستي في تجريح الرواة، وقاله في محمد بن عبدالرحمن
البيلماني الذي كان ضعيفاً منكر الحديث مضطربه .
قال ابن عدي: وكل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه، وإذا روى عنه محمد بن
الحارث فهما ضعيفان.
«قد عر فته)»
هذه اللفظة تفرد بها الإمام المجاهد عبدالله بن المبارك، وإذا قال في الراوي: «قد
عرفته)» فقد أهلكه.
وقد سئل عن عبدالسلام بن حرب فقال: قد عرفته، وقد عد الحافظ الذهبي هذه
العبارة في المرتبة الثالثة من مراتب التجريح، وعدها الحافظ العراقي في المنزلة الثانية،
ولعل ابن المبارك لا يقصد هلاكه لدرجة تركه؛ فإن من النقاد من وثقه، وأنه قصد بها
مجرد التضعيف، والله أعلم .
«اتق حيات سلم لا تلسعك)»
لفظ تجريح استعمله ابن المبارك أيضاً في سلم بن سالم البلخي.
سئل عنه ابن المبارك فقال: اتق حيات سلم لا تلسعك، وقال في موضع آخر: هذا
من عقارب سلم ، وكان ابن المبارك يكذبه.
قال الخطيب البغدادي: كان رأساً من رءوس الإرجاء ومن دعاة هذا المذهب، والذي
أوقف ابن المبارك منه هذا الموقف أنه كان يروي الأحاديث الموضوعة ويسندها له.
قال ابن الجوزي: اتفق المحدثون على تضعيف رواياته .
«دجال من الدجاجلة»
هذا التعبير استعمله اثنان من النقاد: الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة وأبو
حاتم محمد بن حبان البستي.
قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)»: كل كذاب فهو دجال. وقد أطلق مالك هذه العبارة
(٥٨)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
على محمد بن إسحاق صاحب المغازي والسير.
واحتاط الأئمة والحفاظ من المحدثين في قبول هذا التجريح من مالك لمحمد بن
إسحاق؛ لأنهما من الأقران، واستعمله ابن حبان - ((دجال من الدجاجلة)) - فى محمد
بن أبي الزعيزعة وكان يروي الموضوعات.
(يفتعل الحديث)).
هذا التعبير من استعمال أبي حاتم وأبي زرعة في تجريح محمد بن أبان بن عائشة
القصراني.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: هو كذاب كان يفتعل الحديث،
وكان لا يحسن أن يفتعل. قال أبو زرعة: أول ما قدم ابن أبان مدينة ((الرّيّ)) قال
للناس: أى شيء يشتهي أهل ((الري)) من الحديث؟ فقيل له : أحاديث في الإرجاء،
فافتعل لهم جزءاً في الإرجاء.
كما استعمل هذه العبارة أبو حاتم في تجريح سهل بن عامر البجلي، قال عنه
البخاري: منكر الحديث وكل ما قلت فيه أنه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه؛ ولعلك.
ترى من خَلق ابن أبان لأحاديث الإرجاء أنه كان كذاباً وضاعاً، يختلق الأسانيد والمتون
لترويج بدعة الإرجاء، وذلك من أقوى الأدلة على أن عبارة ((يفعل الحديث)) تعد من
الألفاظ الصريحة الدالة على الوضع.
(فلان یزرف الحديث»
هذا التعبير نقله قرة بن خالد السدوسي البصري الثقة في تجريح محمد بن السائب بن
بشر الكلبي، وكان يقول: كانوا يرون أن الكلبي يزرف أي يكذب، وفي قوله: يزرف
أي أنه كان يزيد في الحديث مثل يزلف. قال عنه ابن حبان: كان سبئيًا من أولئك الذين
يقولون: إن عليًا لم يمت، وأنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وإن :
رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها.
((كان يثبج الحديث))
هذا القول استعمله معمر بن راشد الأزدي في تجريح إسماعيل بن شروس.
والثبج: اضطراب الكلام وتفنته، يعني: لم يؤت به على الوجه الصحيح؛ لكن
(٥٩)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
استعمال معمر بن راشد لهذا التعبير في إسماعيل بن شروس يفيد أنه كان يضع الحديث؛
لأن هذا التعبير كناية عن الوضع.
کان «مجالدٌ» یجلد في الحدیث
هذا من قول الشافعي في تجريح الرواة، وهو نوع من تخفيف الجرح، وتجنب
الألفاظ الشديدة التي يستعملها بعض الأئمة النقاد.
قال إبراهيم المزني: سمعني الشافعي يوماً وأنا أقول: فلان كذا. فقال: يا إبراهيم
أُكْسُ ألفاظك أحسنها فلا تقل: فلان كذاب؛ ولكن قل: حديثه ليس بشيء. وقال عن
حرام: الرواية عنه حرام ولم يقل: كذاب وكان فرّ يدعو على بعض الرواة ولم يصرح
بتکذیھم؛ ذکر له أبو جابر البياضي فقال: بيض الله عيني من يروي عنه.
(هو عصا موسى تلقف ما يأفكون))
انفرد بهذا القول ((مطين)» حيث جرح به الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وقد
أوضح ((مطين)) هذا التعبير فقال عن ابن أبي شيبة المذكور: ((كذاب ما زلنا نعرفه بالكذب
مذ هو صبي» ..
وهذا القول من ((مطين)) من المنافسة التي تقع بين الأقران؛ قال أبو نعيم: وقع بين
ابن أبي شيبة ومطين كلام؛ حتى خرج كل واحد منهما إلى الخشونة والوقيعة في
صاحبه .
((حمالة الحطب، حاطب ليل))
هذا من استعمالات الناقد يحيى بن معين في تجريح النضر بن منصور الباهلي ويقال:
العنزي ويقال: الغنوي، قال عنه ابن معين: ليس بثقة، كذاب.
وحمالة الحطب أم جميل زوجة أبي لهب في سورة ((المسد))، يضرب بها المثل في
الخسران فيقال: أخسر من حمالة الحطب.
كما استعمل تعبير ((حاطب ليل)) سعيد بن عبدالعزيز بن أبي يحيى الدمشقي الثقة
الثبت في سعيد بن بشير الأزدي مولاهم أبو عبدالرحمن البصري حيث قال عنه: كان
حاطب ليل، وإنما شبهه بحاطب الليل؛ لأنه ربما نهشته الحية أو العقرب أثناء احتطابه
ليلاً؛ فكذلك المکثر من الكلام ربما يتكلم بما فيه هلاكه.
(٦٠)
الجزء الأول
مقدمة التحقيق
قال ابن عدي: له عند أهل دمشق تصانيف ولا أرى بما يرويه بأساً، ولعله يهم في
الشيء بعد الشيء، ويغلط، والغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق.
«قد فرغ منه منذ دهر)»
هذا التعبير استعمله الجوزجاني في تجريح حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر البزار
الكوفي القارئ (ت ١٨٠ هـ) وهذا الحديث كناية عن تجريحه وترك حديثه، ولم يتفرد
الجوزجاني في تضعيفه لخفض؛ بل ضعفه أيضاً معظم النقاد.
هذه بعض ألفاظ الجرح والتعديل طولت في بعضها تطويلاً غير مُمِلٌ، واختصرت.
البعض الآخر اختصاراً غير مخلٌّ؛ لعلها تكون مناراً هادياً للمشتغلين بعلوم الحديث،
راجياً الله أن يتقبلها بقبول حسنٍ، إنه على ما يشاء قدير.