Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٢" - جاء في كتاب ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ١: ١٣١: «سألتُ أبي عن حديثٍ رواه الزهريُّ، وأسامة بن زيد، ونافعٌ، وابنُ إسحاق، والوليد بن كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبيه، عن علي: نهاني رسول الله وَلّر عن القراءة راكعاً. ((ورواه الضحاكُ بن عثمان، وداودُ بن قيس الفَرَّاء، وابنُ عجلان، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن عليٍّ، أيُّهما الصحيح؟ قال أبي: لم يقلْ هؤلاء الذين رَوَوْا عن أبيه: ((سمعت علياً)) إلا بعضهم. وهؤلاء الثلاثة [الذين زادوا: عن ابن عباس] مستورون، والزيادة من الثقة مقبولة ... ))، فجاءت منه بمثابة: ثقات، لكن لا يلزم أن يكون ثقة بالمعنى الاصطلاحي الذي يقال عن حديث صاحبه: صحيح، كما تقدم التنبيه إلى هذا آخر الفقرة السابعة، ص ٣٣. ٣" - وقال الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٧: ٣٣٥ ترجمة الحسن بن الطيِّب الشجاعيِّ البلخي: ((حدثني البرقاني قال: كلَّمتُ أبا بكرِ الإِسماعيليَّ في روايته عن الحسن بن الطِّب الشجاعي فقال: نحن سمعنا منه قديماً، وكان إذ ذاك مستوراً وكتبُه صحاحاً وإنما أفسدَ أمره بأُخَرَة، أو كما قال. («سألت البَرْقاني عن الحسن بن الطيب فقال: كان الإِسماعيليُّ حَسَنَ الرأي فيه، فذكرتُ - المتكلِّم هو البرقاني - له أنه عند البغداديين ذاهبُ الحديث، فقال: لما سمعْنا منه كان حالُه صالحاً)). ٤" - وفي ((تاريخ بغداد)) أيضاً ٩: ٣٥ ترجمة سليمانُ بن حرب، قال يحيى بن أكثم: ((قال لي المأمون: مَنْ تركتَ بالبصرة؟ فوصفتُ له مشايخَ، منهم: سليمانُ بن حرب، وقلت: هو ثقةٌ حافظ للحديث عاقلٌ في نهاية السِّتر والصِّيانة، فأمرني بحمله إليه ... )) إلى آخر الخبر وفيه ظرافةٌ وحضورُ بديهة. ٥ " - وفي ((النجوم الزاهرة)) لابن تَغْرِي بَرْدِي ٣:٣: «قال أحمد بن يوسف: قلتُ لأبي العباس بن خاقان: الناس فِرقتان في ابن طُولون، فرقةٌ تقول: إن أحمدَ: ابنُ طولون، وأخرى تقول: هو ابنُ يَلْبَخ التركي، وأمُّه قاسم جارية طولون. فقال: كذبوا، إنما هو ابن طولون، ودليلُه: أن الموفَّق لما لَعَنه نَسَبَه إلى طُولون ولم ينسبُه إلى يَلْبَخ، ويلبخ مِضْحاكٌ يُسُخَر منه، وطُولون معروفٌ بالسِّتر)). ٦" - وترجم أبو بكر المالكيُّ في ((رياض النفوس)) ٣١٣:١ - من الطبعة القديمة - لأبي الوليد عبد الملك بن قطن المهري اللغوي، ومما نقله عنه في ترجمته قوله: ((كانت شِدَّةٌ وأَزْمة عظيمة، وضاق بنا الحال، فبلغني أن رجلاً من أشراف مَهْرة عنده طعامٌ كثير يَصِلُ منه ويُعطي، قال: فَحَسُنَ عندي أن أنالَ منه شيئاً، فركبتُ دابتي ومضيتُ حتى وصلتُ منزلَه، فوجدته جالساً في مسجده وعنده جماعة من الناس مستورون وغيرهم، فجلست وعرَّفته بنفسي ... )). ٧" - وترجم ابن بَشْكُوال في كتابه «الصِّلَة) ١: ٣١٤ أبا المُطَرِّف عبد الرحمن بن أحمد المَعَافريَّ القرطبيَّ وقال: ((كان من أفاضل الرجال أولي النَّباهة، وكان محمود السيرة، جميل الطريقة، تولى القضاء، وانصرف عن العمل محمود السيرة لم تتعلَّقْ به لائمة، سمحاً في أخلاقه، جيد المعاشرة لإخوانه، باراً بالناس، ولما وَصَلَ كتابه بالعزل اشتدَّ سروره، وأعلن شكر الله عليه، ودخل بيته فعاود طريقته من الزهد والانقباض إلى أنْ مضى لسبيله مستوراً)). ٤٢ ٨ " - وقال في ترجمة أبي الأَصْبَغ عَسْلون بن أحمد بن عَسْلون ٢: ٤٤٧: ((روى عنه الصاحبان(١) وقالا: كان رجلاً صالحاً مستوراً، جالسناه وصحبناه)). ٩" - وجاء فيه ٢: ٥٣٥ في ترجمة ابن الصنَّاع: ((قال ابن حَيَّن(٢): كان مشهوراً بالفضل، مقدَّماً في حملة القرآن، مبرزَ العدالة، التمستُه أيامَ اشتد القحط، فمضى مستوراً، وأَتْبعه الناس ثناءً حسناً جميلاً)). ١٠" - وقال في ترجمة أبي القاسم يحيى بن عمر بن حسين بن نابل القرطبي ٢: ٦٦٢: ((من بيئة طهارة وهَدْي وسُنَّة هو وأبوه وجدُّه كلُّهم على طريقة مُثْلى، قال ابن حَيَّان: كان فقيهاً حافظاً صالحاً ورعاً خيِّراً عفيفاً مستوراً مقتدياً بالسلف)». فهذه عشرة نصوص ناطقة بالمعنى الذي قدَّمته: السِّترُ: الفضلُ والنُّبْل والعقَّة، والمستور: هو الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات. ٢٠ - وقد يوثَّقون جماعةٌ توثيقاً إجمالياً مُبْهَماً، فيقولون: شيوخ فلان ثقات (٤٨٤٥). يريدون القبولَ العامَّ، لا التوثيقَ الاصطلاحي الذي يُصحَّح حديثُ صاحبه، وينبغي تقييد هذا القبول العام بأنه: ١" - قبولٌ عامٌّ عند قائله، لا عند كل أحد. قال الحافظ رحمه الله في مقدمة ((لسان الميزان)) ١: ١٥: ((مَنْ عُرِف مِن حاله أنه لا يَروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل: وُصِف بكونه ثقةً عنده، كمالكٍ وشعبةَ والقطان وابن مهدي، وطائفةٍ ممن بعدهم)). ٢" - وبأنه قبولٌ أغلبيِّ لا كليٌّ، بمعنى أن أغلبَ شيوخه داخلون تحت القبول العام، لا جميعَهم، فقد قيل ذلك في شيوخ شعبة، وشعبةُ يضعِّف بعضهم. والصيغة التي يأتي معها حَصْرٌ واستثناءً أقوى في دلالتها من الصيغة التي ليس فيها ذلك، أعني: أن قولهم: شيوخ مالك ثقات إلا عبد الكريم بن أبي المخارق، وشيوخ ابن أبي ذئب ثقات إلا أبا جابر البياضي، وهكذا، أقوى من قولهم: شيوخ شعبة ويحيى القطان وأمثالهما ثقاتٌ، ذلك لأن الاستثناء دليل الحصر والتتبع . ويُلحق بهذا التوثيق الإجمالي توثيقان آخران: الأول: قال الحافظ في ((تهذيبه)) ١: ٣٤٧ ترجمة أُسِيد بن المُتّشَمِّس: ((قال ابن أبي خَيْئَمة في ((تاريخه)): سمعتُ ابن معين يقول: إذا روى الحسن البصري عن رجلٍ فسمَّاه فهو ثقةٌ يُحتجُّ بحديثه)). وقد روى الحسن عن أسِيد هذا. وفي ((الجرح والتعديل)) ٦: ٣٢٣ - آخر الصفحة - عن ابن أبي خيثمة أيضاً، عن ابن معين أنه قال: ((إذا حدَّث الشعبيُّ عن رجلٍ فسماه فهو ثقة يحتجُّ به)). الثاني: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في ((البداية والنهاية)) ٩: ٢١٦: ((صرَّح كثير من الأئمة (١) هما ابن شِنْظير وابن ميمون، كما هو في مقدمة مؤلفه. (٢) هو مؤرخ الأندلس أبو مروان بن حَيَّن المتوفّى سنة ٤٦٩، ويلقِّبه الأديب الكبير - بل أمير الشعراء في نظر الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله - الأستاذُ علي بك الجارمُ في قصته ((هاتف من الأندلس)): ((حطيئة التاريخ)) !. ٤٣ بأن كلَّ من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة)). ويدخل تحت (من استعمله): من استعمله والياً أو قاضياً أو عاملًا على جِباية الزكوات ونحو ذلك. والله أعلم. فهذان من التوثيق الإجمالي، ويقال فيهما ما قيل فيما سبق. وقال ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)) ص ٢٣٨ (٩٣١): ((حكم شيوخ عبد الله - بن الإِمام أحمد - القبول إلا أن يثبت فيه جرح مفسَّر، لأنه كان لا يكتب إلا عمن أذن له أبوه فيه)). فانظر مكانة التوثيق الإِجمالي عند ابن حجر. ٢١ - ومن نوادر ألفاظهم: قولُهم في الرجل: فقيه البدن، ومثلُها عند الأصوليين: ففيه النّفْس(١). وقد نقل المصنف رحمه الله هنا في ترجمة أحمد بن سعيد الدارمي قولَ الإمام أحمد فيه: ((ما قَدِم علينا خراسانيُّ أفقهُ بَدَناً منه)). وفي ((تهذيب)) ابن حجر ٩: ٣٠ عن أبي حاتم الرازي أنه قال في الإِمام الشافعي: ((فقيه البدن صدوق)). وكنت علَّقتُ على ((الأنساب)) للإمام السمعاني رحمه الله (الشاشي) ٧: ٢٤٥ ما نصُّه: ((يتكرَّر ورود هذه الكلمة ((فقيه البدن)) في كتب الجرح والتعديل، وكنتُ سألتُ عنها - مكاتبةً - شيخنا العلامةَ الحافظَ عبد الله الغماري، فكتب إليَّ حفظه الله بخير وعافية: ((كلمة ((فقيه البدن)) يقولُها المحدثون، ويقولُ الأصوليون: ((فقيه النفس))، ومعناها: أن الشخص تمكَّن في الفقه حتى اختلط بلحمه ودمه وصار سَجيّة فيه، ومرادُ المحدثين بها ترجيحُ الراوي الموصوفِ بها ولو كان أقلَّ من الثقة، بحيثُ لو تعارضتْ روايةُ الصدوق الفقيه البدن مع رواية الثقةِ غيرِ المتقن: قُدِّمت رواية الصدوق المذكور)). انتهى كلام شيخنا. وقلت هناك: ومن هذا المعنى قولُ بعضهم في أبي حفص عمر بن محمد الشَّيْرَزي الآتية ترجمته - هناك ص ٤٨٥ -: ((لو فُصِد عمرُ لَجَرى منه الفقهُ مكان الدم!)) كما في ((معجم البلدان)) ٣٢٢:٥. وممن قيل فيه ((فقيه البدن)): سُخْنون، وسعيد بن عبَّاد، ومحمد بن سعيد بن غالب الأزديُّ ، ومحمد بن سعيد الكلبي (ابن عَيْشون)، وأبو القاسم بن حماس بن مروان الهَمْداني، ونفيس الغَرابيلي، انظر تراجمهم على الترتيب في ((طبقات علماء إفريقية)) لأبي العرب التميمي المتوفّى سنة ٣٣٣ - والمَلَاحقِ التي ألحقها به محققاه علي الشابي ونعيم اليافي ص ١٨٤، ٢٣٨، ٢٤٢، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٥٠. ٢٢ - ومن ألفاظ الذهبي رحمه الله قوله: ((مشَّاه فلان)). وغالبُ ما يَستعملها مع ابن عدي، فإنه يُشير إلى تضعيف بعض الأئمة له ثم يقول: ومشّاه ابن عدي. انظر التعليق علىٍ ترجمة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، والحسين بن زيد بن علي، ودُرُسْت بن زياد، وقال ((مشّاه النسائي)) في الحجاج بن أبي زينب، وقال في ((الميزان)) ٣ (٦٥٣٣) في ترجمة عون بن أبي شدَّاد: ((ضعَّفه أبو داود في قول، ومشَّاه غيره، سمع أنساً، وأبا عثمان النهدي، وقال ابن معين: ثقة)) فيكون الذي مشّاه هو ابن معين. وقال في ((الميزان)) ١ (٩٧١) ترجمة إسماعيل بن يَعْلَى الثقفي: ((مشَّاه شعبة وقال: اكتبوا عنه فإنه شریف)) . (١) انظر من هو فقيه النفس في مقدمة ((المجموع)) ١: ٧٣، وما كتبته في ((أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء)) ص ١٣٨. وَوَصَف ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) ١: ١٢٧ شهاب الدين الأذرعيَّ الحلبيَّ أحدَ شيوخ البرهان بأنه ((فقيه النفس)). ٤٤ ويبدو أن غالبَ استعمالاته لهذه الكلمة يكونُ للدلالة على أن كلمة التوثيقِ التي قيلت فيه من التوثيق الخفيف اليسير، فابنُ عدي قال في إبراهيم الأسلمي ١: ٢٢٢، ٢٢٦: ((لم أجد له منكراً إلا عن شيوخ يُحْتَملون، ولعله من قِبَل غيره، وهو من جملة من يكتب حديثه)». وقال في الحسين بن زيد بن علي ٢: ٧٦٢: ((أرجو أنه لا بأس به إلا أني وجدتُ في بعضٍ حديثه النكرةَ)). وقال في دُرُسْت بن زياد ٣: ٩٦٩: ((أرجو أنه لا بأس به)). ولفظ النسائي في الحجاج بن أبي زينب: ((ليس بالقوي)) كما في ((الميزان)) ٢ (١٧٣٦)، و ((تهذيب التهذيب)) ٢: ٢٠١. وقولُ شعبة في إسماعيل بن يعلى الثقفي: ((اكتبوا عنه فإنه شريف)). وكلمة (شريف) من ألفاظ التعديل الخفيف، بل أرى الآن: أنها بمثابة قولهم: ((مستور)) على المعنى الذي تقدم الحديثُ عنه ص ٤٠، وكنت ذكرت بعض الشواهد على ذلك في دراسة ((التقريب)) ص ٧ تعليقاً، ومنها كلمة شعبة هذه، وأزيد الآن: ما جاء في ((الميزان)) ٢ (٣٦٦٠) وغيره: ((قيل لابن المبارك: إن شبيبَ بنَ شيبةَ المِنْقَريَّ يدخل على الأمراء! قال: حدِّثوا عنه، فإنه أشرفُ من أن يكذب)). وفي ((سنن الترمذي)) ٧: ٢٧٦ (٢٦١٤): ((سمعتُ قتيبة بن سعيد يقول: ما رأيتُ مثل هؤلاء الأشراف الأربعة: مالك بن أنس، والليث بن سعد، وعباد بن عباد المهلَّبي، وعبد الوهاب الثقفي)). وفي التهذيبين ترجمة عثمان بن عاصم الأسدي، قال يعقوبُ بن سفيان: ((حدثنا أبو نُعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حَصين، أسديٌّ، شريف، ثقة ثقة، كوفي)). والشاهد من هذا: أن تمشيةَ شعبةَ لحالِ إسماعيلَ الثقفي: من هذا القبيل. هذا ما يتعلَّق بغالب قول الذهبي: مشاه فلان، وأنه يريد الإِشارةَ إلى تعديل خفيف يسير قيل في الرجل، وقد يكون فيه مَغْمَزْ يسيرٌ من جهة ضبطه، كقوله: مشَّاه النسائي، وإنما قال فيه: ليس بالقوي، وهذا ((مُشْعِرٌ أنه غير حافظ)) - انظر التعليق على (١٥٢) - فمثلُ هذا يقربُ حالُه مِن حالٍ مَن يقولُ فيه ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. لكنْ يبقى السؤال: لم قال فيه: مشاه النسائي، وفيه قولُ ابن معين: ((ليس به بأس))، وقولُ ابن عدي: ((أرجو أنه لا بأس به فيما يرويه))، كما في التهذيبين؟. وإنما أكرِّر القولَ بأن هذا غالبُ استعمالِ الذهبي لهذه الكلمة: مِن أجلِ كلامه في عون بن أبي شدَّاد: ((ضعَّفه أبو داود في قولٍ، ومشَّاه غيره))، ثم أَفْصَح عن هذا الغيرِ وقولِه فقال: ((وقال ابن معين: ثقة)). وتوثيقُ ابنٍ معين - وهو من المتشدِّدين - لا يقال عنه: تَمْشِيه. إنما أَفهمُ من قوله هنا ((مشَّاه)): موقفُ الذهبيِّ من توثيق ابن معين لهذا الرجل، وأنه - عند الذهبي - لا يُغْنِيه ولا يفيدُه قوةً، فهو في هذه الحال ميَّلٌ لعدم توثيق الرجل. ٤٥ ويكونُ للذهبي رحمه الله في عبارته (مشاه فلان): وجهتان: الأولى - وهي الغالبة - : الإِشعار بتوثيقٍ خفيفٍ قيل في الرجل. الثانية - وهي الأقلُّ - : الإِشعار بخفّةِ التوثيقِ الذي قيل في الرجل، عنده، والله أعلم. ٢٣ - ومن ألفاظِ الذهبيِّ: قولُه في الرجل - على قلَّة -: مقبول. قال ذلك في إسحاق بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكة، وإسماعيل بن عبيد الزُّرَقي ولفظه فيه: ((مقبول ولم يترك))، وليس فيه أيُّ جرحٍ ليقول: ولم يترك؟! وحالُه أحسنُ بكثير من حال الأول، فليس في الأول شيء إلا روايةُ جمعٍ عنه، والاختلافُ في أن ابن حبان ذَكَرَه أو ذَكَرَ آخَرَ مثلَه في الاسم واسم الأب، أما الثاني: فذكره ابن حبان في ((ثقاته))، وخرَّج حديثه في ((صحيحه))، وكذلك الحاكم في ((مستدركه)) وصححه، وقال الترمذيُّ عن الحديثِ نفسِه: حسن صحيح، وهذا يقوِّي مِن شأنه وإن كان لم يروِ عنه إلا واحد، كما تقدم الكلام عن هذه المسألة ص ٢٤ في الجواب عن الأمر الثاني. ولينظر: هل يفسّر قولُه هذا بكلامه الآتي ص ٥٤ بواسطة القاضي زكريا الأنصاري؟ . ومهما يكن ففي تسوية الحكم على الرجلين بالقبول: نظرٌ. وينبغي التنبيهُ إلى أنه ليس للذهبي اصطلاح في كلمة (مقبول) كما هو الشأن في ((تقريب التهذيب)). ٢٤ - ومن الألفاظ الواردة في ((الكاشف)): شيخ. جَعَل ابنُ أبي حاتم رحمه الله مراتبَ الجرح والتعديل في كتابه ((الجرح)) ٢: ٣٧ ثمانيةَ مراتبَ، أربعاً للتعديل، ومثلها للتجريح . فالأولى من مراتب التعديل: التوثيقُ الصريح، والثانيةُ: الصدوقُ، ونحوه، والثالثةُ: شيخٌ، والرابعة: صالح الحديث. وقال عن أهل الثانية: ((يُكْتب حديثه ويُنْظَر فيه))، وقال عن الثالثة: ((يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية))، وقال عن الرابعة: ((يكتبُ حديثُه للاعتبار)). ومرادُه مِن ((النظر)): الموازنةُ بين مروياتٍ مَن كان مِن أهل هذه المرتبة، ومروياتِ أهلِ المرتبة التي قبلها، هل هناك مخالفةً أوْ لا؟ ثم يكونُ العمل بها. فأفاد أن أهلَ الثانيةِ والثالثةِ يكتبُ حديثُهم للاحتجاح به بعد النظر، بقرينةٍ قوله عن الرابعة: ((يكتبُ حديثُه للاعتبار)). نعم، هناك احتجاجٌ دون احتجاج، ونَظرٌ دون نظر. وبهذا يتبيّن أن كلمة ((شيخ)): من ألفاظ التعديل الخفيف، لكنها فوق كلمة ((صالح الحديث)) كما هو صريحُ صنيعِ ابن أبي حاتم، مع أنه قد استقرَّ كلامُ المتأخرين من عهد السخاوي فمن بعده على أن ((شيخ)) و((صالح الحديث)) من ألفاظِ المرتبة السادسةِ الأخيرة من مراتب التعديل، لكن من المعلوم أنهم يذكرون في المرتبة الواحدة ألفاظاً بينها بعضُ التفاوت اليسير. وأرى أن ((شيخ)) مثل ((محلُّه الصدق)) فهي للدلالة على التعديل لا التليين ولا التمتين، والمصنفُ - وغيره - قد يجمعُ بينهما، كما قال في ((الميزان)) ٤ (٩٩٣٦) عن أبي إدريس السَّكوني مستذْرِكاً على تجهيل ٤٦ ابن القطان حاله: ((قلت: قد روى عنه غير صفوان(١)، فهو شيخٌ محلُّه الصدق، وحديثُه جيد)). وقال المصنف في مقدمة ((الميزان)) ١: ٣ - ٤: ((لم أتعرضْ لذكرٍ مَن قيل فيه: محلُّه الصدق، ولا مَنِ قيل فيه: لا بأس به، ولا من قيل: هو صالح الحديث، أو يكتب حديثه، أو هو شيخ، فإن هذا وشِبهَه يدلُّ على عدمِ الضعْفِ المطلق)). وقال في ((الميزان)) أيضاً ٢ (٤١٧٧): ((سمع منه أبو حاتم وقال: شيخ، فقوله: ((هو شيخ)) ليس هو عبارةَ جرحٍ ، ولهذا لم أذكرُ في كتابنا أحداً ممن قال فيه ذلك، ولكنها أيضاً ما هي عبارة توثيق، وبالاستقراء يُلُوحُ لك أَنَّه ليس بحجة. ومن ذلك: يُكْتبُ حديثه، أي: ليس هو بحجة))(٢). وفي ((نصب الراية)) للحافظ الزيلعي رحمه الله من كلام ابن القطان في ((بيان الوهم والإِيهام)): سُئِل أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان عن طالب بن حُجَير ((فقالا: شيخ، يَعْنيانِ بذلك أنه ليس من أهل العلم، وإنما هو صاحبُ رواية)). أي: هو من أهل الرواية والنقل، لا من أهل الدرايةِ والعلم والفقه، فهي بمثابة كلمة: راوي، لا زيادة ولا نقصان، لذلك قد يقترن بها ما يُنْزِلها عن مرتبةِ مَن محلُّه الصدق، كما قال أبو زرعة في يحيى بن راشد البصري - ((الجرح)) ٩ (٦٠٣) -: ((شيخ لين الحديث))، فكأنه يقول: راوٍ لين الحديث. وفي ((الجرح والتعديل)) ٣ (٥٧٠) ترجمة الحكم بن عطية: ((سمعت أبي يقول: سمعت سليمان بن حرب يقول: عَمَدتُ إلى حديث المشايخ فَغَسَلتُهُ ... قلت: يحتج به؟ قال: لا، مِن ألفِ شيخٍ لا يُحتج بواحد، ليس هو بالمتقن، هو مثل الحكم بن سنان)). وكان قد قال قبلُ ٣ (٥٤٥) في الحكم بن سنان: ((عنده وَهَم كثير، وليس بالقوي، ومحلُّه الصدق، یکتب حديثه)). وأرى أن قول أبي حاتم ((من ألف شيخ لا يحتجُّ بواحد)): فيه ظاهرةٌ من تشدُّدِه المعروفِ به، يدلُّ على ذلك قولُ الحافظ ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) ١ : ٤٦١: ((والشيوخُ في اصطلاح أهل هذا العلم: عبارةٌ عمن دون الأئمة والحفّاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره))، والله أعلم. ٢٥ - ومن ألفاظ الذهبي التي يُكْثِر استعمالَها: قولُه: لا يعرف. وعادتُه أن يقولَها بدلاً من كلمة ((مجهول)) التي اصطلح على أنه إذا أطلقها فهي من قول أبي حاتم. فهو يقول: (لا يعرف) فيمن تفرد عنه راوٍ واحد، سواءٌ صرَّح بالتفرد أوْ لا، وسواء كانت دعوى التفرُّدِ مسلَّمةً أو لا، وسواء كان الرجل ثقة - مع كونٍ ظاهرِه مجهول العين - أو لا . قال في ((الميزان)) ١ (٨٢٢) في ترجمة أَسْقَعَ بن أَسْلَع: ((ما علمتُ روى عنه سوى سُويد بن حُجير الباهلي، وَثَّقه مع هذا يحيى بن معين، فما كلّ مَن لا يُعْرَفُ ليس بحجة، لكنْ هذا الأصل)). وقال في ((الميزان)) ٤ (٩٤٥٢): ((يحيى بن إسحاق لا يُعرف، تفرد عنه يحيى بن أبي كثير، لكنْ وثقه (١) انظر تهذيب التهذيب)) ١٢: ٦، وإنما المراد من النص محلُّ الشاهد منه. (٢) وقال ٤ (٩٣٩٨): ((قال أبو حاتم: يكتب حديثه، مع أن قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق، ولا هو بصيغة إهدار)). وانظر الكلام على فقرة ١٢ صفحة ٣٦. ٤٧ يحيى بن معين)) - وانظر التعليق على (٣٦٧٨) - وهذا ذَهابٌ منه إلى اختيار ابن القطان المذكورِ سابقاً آخر صفحة ٣٣، وسيأتي صفحة ٥١ أن هذا اختيار الحافظ ابن حجر أيضاً. وقال ٤ (٩٤٥٥): ((يحيى بن إسماعيل، حدَّث عنه إبراهيم بن سعد، لا يُعرفُ، وخبره منكر)). أما أمثلةُ دعواه التفردَ مع عدم الموافقة عليها: فستأتي إن شاء الله ص ٥٨ . وهل يريد المصنفُ بقوله: ((لا يعرف)) جهالةَ عينه، أو جهالةَ عدالته؟ قال المصنف في ((الميزان)) ١ (١٦٢٢): ((الحارث بن سعيد العُتَقيُّ، مصريٌّ، لا يعرف))، فقط لم يذكر راوياً عنه، أما هنا (٨٥٤) فقال: ((وعنه نافعُ بن يزيد، وابنُ لَهِيعة))، وعلَّق عليه الحافظ البرهانُ سِبْطُ ابن العجمي بعد أن نقل كلامه من ((الميزان)) قال: ((انظر كيف روى عنه رجلان، فخرج بذلك عن جهالة العين، ولم يذكُر في ((الميزان)) روايةَ أحدٍ عنه)). فهذا صريحٌ منه في أن من ((لا يعرف)) فهو مجهول العين. أما ابنُ حجر فنقل في ((التهذيب)) قولَ الذهبي (لا يعرف))، وفسَّرَه فقال: ((يعني حاله))(١). وقال الذهبي في ((الميزان)) ١ (١٧٨٩) في ترجمة حُرَيث بن ظُهَير: ((روى عن ابن مسعود، وعنه عُمارة بن عُمير، لا يعرف)). وفسَّرها الحافظ كذلك في ((التهذيب)) ٢: ٢٣٤: ((يعني عدالته)) أيضاً، لكنه قال في ((التقريب)) (١١٨١): ((مجهول))، واصطلاحُه فيه إذا أطلق الجهالةَ أراد جهالة عينه. ورأيتُ له نصاً في ((التهذيب)) ١٠: ٤٨٠ يتفق مع السبط في فهمه لكلمة ((لا يعرف)) وأنها لجهالة العين. فإنه قال في ترجمة نَهِيك بن يَرِيم الأوزاعيِّ: ((جرى الذهبيُّ على عادته فيمن لم يجدْ له إلا راوياً واحداً فقال: ((لا يعرف)). فهذا يعني أنه مجهول العين، لكن المصنفَ يَعدِلُ عن كلمة (مجهول) للأمر الذي أسلفتُه: اصطلح على إطلاقها إذا أخذها من أبي حاتم، فاصطلح على إطلاقٍ (لا يعرف) حينما يريد أن يحكم بالجهالة من قِبَل نفسه. وقد أطلق (لا يعرف) في تراجمَ أرقامُها من ((الميزان)): ١ (١٦٤٢، ١٨٥٦)، ٢ (٤٢٣٦، ٤٢٥٥، ٤٤٥٥ مع ٤٤٥٨، ٤٧١٦، ٤٧١٨، ٤٧٢١، ٤٧٩٣)، ٤ (٩٤٥١، ٩٤٥٢، ٩٤٥٥، ٩٤٧٣، ٩٥٨٩، ٩٦٨٢، ٩٦٩٩) وغيرها. وفي ((الكاشف)): (٣٢٩، ٧٧٣) وغيرها. ويعكِّر على قولنا: إن الحافظ يفهم من كلمة الذهبي هذه جهالةَ عدالته: أنه كثيراً ما يقول الذهبي في رجل ((لا يعرف))، ويقول الحافظ عنه في ((التقريب)): مجهول - أي: مجهول العين -. فمن ذلك: المثال الذي تقدم: حُرِيثُ بن ظُهَيرِ. والحارثُ بن مالك: قال في ((الميزان)) ١ (١٦٤٢): ((لا يعرف))، وفي ((التقريب)) (١٠٤٦): ((مجهول))، والحسنُ بن سَلْم العجليُّ ١ (١٨٥٦) مع ((التقريب)) (١٢٤٤)، وعبدُ الله بن ثابت المروزيُّ (١) ومع ذلك قال في ((التقريب)) (١٠٢٣): ((مقبول)) !. ٤٨ ٢ (٤٢٣٦) مع (٣٢٤١) من ((التقريب))، وعبد الله بن حاجب ٢ (٤٢٥٥) مع (٣٢٦٠)، وعبد الله بن محمد الليثي (٢٩٦٨) من ((الكاشف)) مع (٣٦٠٢)، وفيه أيضاً محمد بن حسان (٤٧٩١) مع (٥٨١٠). فهذه شواهدُ تؤيِّد قولَ البرهان الحلبي وقولَ الحافظ ابن حجر الذي قاله في ترجمة نَهِيك بن یریم الأوزاعي، وتعكّر على تصريحه في ((التهذيب)) ٢: ١٤٢، ٢٣٤ في ترجمتي الحارث بن سعيد العُتَقي وحُرَيث بن ظُهَير بأن الذهبي يريد جهالة العدالة. ومع هذا فإنه يبدو لي أن كلمة الذهبي تَحتملُ كِلا التفسيرين، والقرائنُ والسياقُ يرشد إلى أحدهما. والله أعلم. ٢٦ - ومن ألفاظ الذهبي: جُهِل، ويُجْهَل، فعلان مبنيانِ لِما لم يُسَمَّ فاعله، من كلمة: مجهول، وهما بتخفيف الهاء، ويُضبطان في بعض الكتب المطبوعة: جُهِّل ويُجَهَّل - بتشديد الهاء - خطأً، لأن اسم المفعول منهما حينئذ: مجهَّل. أما المجهول: فبتخفيفِ هاء فعله، وقد ضَبَط المصنف الياء مِن يُجهل بالضم، وكذلك ابنُ الإِسكندري صاحبُ نسخة السبط، أكثر من مرة،وضَبَطَه مرةً واحدةً ضبطاً كاملا (يُجْهَل) في ترجمة إسماعيل بن رياح بن عَبيدة السُّلَمي (٣٧٣). أما قولهم: جهَّله فلان: ففعلٌ ماضٍ مبنىٌّ للمعلوم، ومشدَّد الهاء، كما يُضْبط على الصحة في الكتب المطبوعة، بمعنى نَسَبه إلى الجهالة، لا إلى الجهل. ٢٧ - ومن الألفاظ الكثيرة الدوران في كتب الجرح والتعديل - ومنها ((الكاشف)) -: قولهم: مجهول. ومعلومٌ أن الجهالاتِ ثلاثةٌ : جهالةُ العين، وجهالةُ العدالة الظاهرة والباطنة معاً، وجهالةُ العدالة الباطِنة فقط. وجهالةُ العين: هي المرادةُ عند إطلاقهم كلمة مجهول - إلا عند أبي حاتم ومن معه .. ويعبِّرون عن الجهالة الثانية: بجهالة العدالة اختصاراً، وبجهالة الحال، وبجهالة الوصف، وهي الجهالةُ المرادةُ إذا أطلقها أبو حاتم الرازي(١)، وأَسْتَبعدُ أن يكون ولده على غير اصطلاحه، وأَميلُ إلى أن أبا زرعة مثلُه في هذا الاصطلاح. فكلُّ جهالةٍ تُنقَل عن هؤلاء الثلاثة في أحد الرواة: فهي جهالة العدالة الظاهرة والباطنة. ويندر إرادتهم جهالة العين، كما تراه في ترجمة خالد بن عُرْفُطة. ويعبّرون عن صاحب الجهالة الثالثة بالمستور (٢)، أو عدلِ الظاهر خفيِّ الباطن. وليست العدالةُ الباطنةُ هي العدالةَ التي لا يعلمها إلا الله تعالى! إنما المرادُ بها حالُ الرجل الخاصةُ في بيته ومعاملته وسفره، وأما الظاهرةُ: فهي حالُه الظاهرة، بأن تُرى عليه علائم التديُّن والاستقامة، دون أن يُعرَف شيءٌ عن حاله الخاصة. وبماذا تزول جهالة العين؟ اشتهر القولُ بأنها تزولُ برواية ثقتين عنه، وهذا هو قول الإمام محمد بن يحيى الذُّهْلِي، أسنده إليه (١) ((فتح المغيث)) ١: ٢٩٦، ((الرفع والتكميل)) ص ٢٢٩. وله اصطلاح آخر فيها يأتي بعد إن شاء الله ص ٦٠. (٢) أما ((المستور)) عند الحنفية: فهو مجهول العدالة الظاهرة والباطنة، كما في ((شرح التحرير)) ١: ٢٤٧، وسيأتي ص ٥٢. ٤٩ الخطيب في ((الكفاية)) ص ٨٩. فهما من حيثُ العددُ اثنان، ومن حيثُ الوصفُ ثقتان، ومشى على هذا المتأخرون، ولا يُكْسِبه ذلك عدالةً عندهم. لكن للأئمة المتقدمين الآخرين مذاهبُ أخرى مختلفةٌ متعدِّدة، لا بدَّ من ملاحظتها واعتبارها، ومن الخطأ الكبير فهمُ كلامهم وتنزِيلُ أقوالهم وأحكامهم على الرواة، على وَفْق ما اعتمده المتأخرون من كلامٍ إمامٍ واحد من المتقدمين، هو الإِمام الذهلي، مع أن الواحد منهم قد تختلفُ إطلاقاتُه من راوٍ إلى آخر، وهذا العلمُ كلُّه علم (مصطلح) فلا بدَّ من الوقوفِ على مصطَلَحات كلِّ إمامٍ على حِدَة، وتنزيلِ أقواله على وَفْقها . وللحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى مَقُولٌ جيدة في ((شرح علل الترمذي)) ١: ٨١ - ٨٥ في شرح مذاهبٍ عددٍ من المتقدمين في إطلاق الجهالة، ومن الضروري الرجوعُ إليها، وتُّعّ آخَرُ يُضاف إليها، ليحصُل شِبهُ استقراء لمصطلحاتهم في هذه الكلمة . ومما قاله ابن رجب - واستحسَنَه - : ما حكاه يعقوبُ بن شيبة، عن يحيى بن معين، قال له يعقوب: ((متى يكون الرجلُ معروفاً؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثلُ سِماك بن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين)). فأفاد أن رواية اثنين ممن يَنْتقي الرجالَ عن راوٍ: تَرِفِعُ عنه الجهالة، كابن سيرين والشعبي، أما من يروي دون انتقاء: فلا، لذا قال ابن رجب: ((وهذا تفصيلٌ حسن، وهو يُخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تَبِعه عليه المتأخرون)) . على أن ابن معين قد يوثَّق مَنْ لم يروِ عنه إلا رجلٌ واحد، كما تقدَّم نقلُه عنه قريباً ص ٤٦ أول فقرة ٢٥، وهذا ليس من قبيل التعارض، بل هو من باب اعتبار القرائن، فمن روى عنه واحد وشَهِدت القرائنُ عند ابن معين وغيره أنه ثقة: وثقوه، ومن ليس كذلك: وقفوا عند ظاهر أمره: فمن روى عنه واحد فقط، قالوا: مجهول العين، ومن روى عنه اثنان فأكثر - كلٌّ حسبَ اصطلاحه واعتباره - قالوا: معروف العين مجهول العدالة، وهكذا ... ثم ذكر ابن رجب أمثلةً على المجهول والمعروف عند ابن المديني(١) وأبي حاتم وأحمد، واستظهر أخيراً: ((أنه لا عبرةَ بتعدُّد الرواة، وإنما العبرةُ بالشهرة وروايةِ الحفاظ الثقات)). وروايةُ الحفاظ الثقات: تنفعُ المجهول، لكنها لا تجعله ثقةً: عدلاً ضابطاً، وقد تقدم ص ٣١ ما جاء في ((فتح المغيث)) ١: ٢٩٨ أن ((كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوِّي أمره))، وأزيدُ هنا ما جاء في ((الجرح والتعديل)) ٢: ٣٦ تحت ((باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقوِّيه، وعن المطعون عليه أنها لا تقوِّيه)). قال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عن رواية الثقات عن رجلٍ غير ثقة، مما يقوِّيه؟ قال: إذا كان معروفاً بالضعف لم تقوِّه روايتُه عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه. وقال: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل، مما يقوِّي حديثه؟ قال: إي لعَمْري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري! قال: إنما ذلك إذا (١) كررت القول في التعليقات أن لابن المديني ملحظاً خاصاً في قوله ((مجهول)): اعتماداً على قول ابن رجب، ثم رأيت الأخ الأستاذ إكرام الله بن إمداد الحق استظهر في بحثه ((علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال)) ص ٦٤٠ أنه يريد: جهالة العين غالباً. وفي ص ٦٤٨ أنه يريد بقوله ((ليس بمشهور)): غالباً عدم اشتهاره برواية الحديث. والله أعلم. ٥٠ لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يُتكلّم فيه)). فَآَلَ كلامه إلى كلام أبي حاتم. ويلاحظ أنه ليس في كلامهم تصريح بالتوثيق . وأما ابن حبان رحمه الله: فقد اشتهر أنه يوثق المجاهيل ومن يقول فيه: لا أعرفه، ولا ابن من هو، ولا، ولا، وهذا هو مرادهم بقولهم: يوثق المجهول عيناً الذي لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد. وأقول: نعم، ولكن بشرط أن لا يكون في هذا المجهول العين تضعيف، لأن ابن حبان لا يرى الجهالة جرحاً، ويرى أن الأصل في المسلم العدالة والبراءة والسلامة من أي جرح، حتى يثبت عليه ما يجرحه، وغير ابن حبان يرى أن الأصل في المسلم الجهالة حتى يثبت فيه ما يجرحه أو يعدِّله. فالتعديل عند ابن حبان يثبت بأحد أمرين: - بالقول، كأنْ يُنقل عن شعبة مثلاً: فلان ثقة. - وبالبراءة الأصلية . وإذا كانت الجهالة العينية قد ارتفعت برواية واحد مشهور عن هذا الراوي، فلم يبقَ إلا البحث عن عدالته، وعدالته ثابتة بالبراءة الأصلية، فلا حاجة إذاً إلى شيء آخر عند ابن حبان، إنما الحاجة عند غير ابن حبان إلى البحث عما يرفع جهالة عدالته. وابن خزيمة مع ابن حبان في ارتفاع جهالة العين برواية واحد مشهور، لكنه مع الجمهور في ضرورة البحث عن عدالته، والعدالة لا تثبت عنده بالبراءة، بل لا بد من نصٍّ عليها. هذا تقرير قولهم عن ابن حبان . قال الحافظ في مقدمة (لسان الميزان)) ١: ١٤: ((مسلك ابن حبان في كتاب ((الثقات)) الذي ألَّفه أنه يذكر خلقاً ممن نصَّ عليهم أبو حاتم وغيره أنهم مجهولون، وكأن عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره)) أي: عند غير ابن حبان، أما ابن خزيمة فمع الجمهور. ويلاحظ قول الحافظ: كأن عند ابن حبان .. ، فظاهره أنه يقول هذا وينسبه إلى ابن حبان اجتهاداً منه، وكلام السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ٢٩٤ يؤيِّد ذلك. وكلامه في مقدمة ((الثقات)) صريح في هذا، قال رحمه الله ١: ١٣: (( .. إن العدل من لم يُعرَف فيه الجرح، (إذِ التجريحُ)(١) ضدُّ التعديل، فمن لم يعلم بجرح فهو عدل، إذا لم يبَيِّن ضدُّه، إذ لم يكلّف الناسُ من الناس معرفةَ ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر)). فجعل العدالة مرتكزة على أمر سلبي، هو: عدم وجود شيء جارح فيه، في حين أنه جعلها مرتكزة على أمر إيجابي في مقدمة ((صحيحه))، هو التزامه في غالب شئونه بأحكام الإسلام أمراً ونهياً، فعلاً وتركاً. قال رحمه الله هناك ١: ٨٣: (( .. والعدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله، لأنا متى (١) زيادة من ((لسان الميزان)) ١: ١٤ ٥١ ما لم نجعل العدل إلا من لم يُوجد منه معصيةٌ بحال: أدَّانا ذلك إلى أَنْ ليس في الدنيا عدل، إذِ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل العدلُ: من كان ظاهرُ أحواله طاعةَ الله، والذي يُخالِفُ العدلَ: من كان أكثرُ أحواله معصيةَ الله)). وعبَّر عن هذا المعنى في مقدمة ((المجروحين)) ١: ٨ بقوله: ((وأقلّ ما يثبت به خبر الخاصة ۔ یرید: الآحاد - حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه .. )). ومن أجل هذا: ذهب بعض المعاصرين إلى أن شرط ابن حبان في ((صحيحه)) أقوى وأشد من شرطه في ((ثقاته))، وكأن الحافظ ابن حجر رحمه الله يشير إلى هذا المعنى حين يقول في ((التهذيب)) مراراً: فلان ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وأخرج حديثه في ((صحيحه))؟ والله أعلم. وهل شارك أحدٌ ابن حبان بمذهبه الذي ذهب إليه في ((ثقاته))؟ الجواب: ذكر السخاوي رحمه الله في ((فتح المغيث)) ١: ٢٩٣ - ٢٩٧ عدداً من المجاهيل الذين لم يروِ عنهم إلا راوٍ واحد، ثم قال: ((قَبِل أهلَ هذا القسم مطلقاً من العلماء مَنْ لم يشترط في الراوي مزيداً على الإسلام، وعزاه ابن المَوَّاق للحنفية حيث قال: إنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد، وبين من روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق. انتهى . وهو لازمُ كلِّ من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن الراوي تعديل له، بل عزا النووي في مقدمة ((شرح مسلم) لكثير من المحققين الاحتجاجَ به، وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وإليه يُومِىءُ قول تلميذه ابن حبان ... وقيَّد بعضهم القبول بما إذا كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل، كابن مهدي وغيره ... وهو مخدوش. وكذا خصَّه ابن عبد البر بمن يكون مشهوراً، أي بالاستفاضة ونحوها في غير العلم، بالزهد، أو بالنجدة، فأما بالشهرة بالعلم والثقة والأمانة: فهي كافية من بابٍ أولى . ويقرُب من ذلك: انفراد الواحد عمن يروي عن النبي وَّ . وخصَّ بعضهم القبول بمن يزكيه - مع رواية الواحد - أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل، واختاره ابن القطان، وصححه شيخنا - أي ابن حجر - وعليه يتمشّى تخريج الشيخين في ((صحيحهما)) لجماعة، أفردهم المؤلف - أي الحافظ العراقي - بالتأليف ... وكذا صرَّح ابنُ رُشَيد بأنه لو عدَّله المنفرِد عنه: كفى، وصححه شيخنا أيضاً إذا كان متأهِّلاً لذلك. وبالجملة: فروايةُ إمام ناقل للشريعة لرجل ممن لم يروِ عنه سوى واحد في مقام الاحتجاج: كافيةٌ في تعریفە وتعديله)). ثم نقل عن ابن كثير قوله: ((إذا كان - الذي لم يَرو عنه إلا واحد - في عصر التابعين والقرون المشهود لأهلها بالخيرية: فإنه يُستأنَس بروايته ويُستضاء بها في مواطن)). ٥٢ وعن ابن المَوَّاق: ((لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في ردِّ المجهول الذي لم يروِ عنه إلا واحد، وإنما يُحكى الخلاف عن الحنفية)). وعن ابن رُشَيد قوله: ((لا شك أن رواية الواحد الثقة تُخْرج عن جهالة العين إذا سماه ونَسَبه)). هذه خلاصة ما في ((فتح المغيث))، واقتصرت على حكاية الأقوال والمذاهب، وإليك البيان: ١" - أما من لم يشترط في الراوي مزيداً على الإِسلام: فلم أره مسمَّى، ولا أراه قريباً من مذهب أحدٍ سُمِّ إلا ابن حبان وشيخه ابن خزيمة، كما تقدم قريباً، لكنهما يشترطان في الراوي عنه أن يكون مشهوراً غير ضعيف، فمذهبهما يتميز بهذين الشرطين. ٢" - وأما كونه مذهب الحنفية - في حكاية ابن المواق عنهم -: فهذا يحتاج إلى تفصيل، قال فخر الإِسلام البَزْدَوي رحمه الله في ((أصوله)) التي شرحها عبد العزيز البخاري في ((كشف الأسرار)) ١: ٧١٩: ((وأما العدالة: فإن تفسيرها الاستقامة، وهي نوعان: قاصر وكامل، ١ - أما القاصر: فما ثبت منه بظاهر الإسلام واعتدال العقل، لأن الأصل حالة الاستقامة، لكن هذا الأصل لا يفارقه هوىٍ يُضِلُّه ويصدُّه عن الاستقامة، ٢ - وليس لكمال الاستقامة حدٍّ يُدرَك مداه، لأنها بتقدير الله تعالى ومشيئته تتفاوت، فاعتبر في ذلك ما لا يؤدي إلى الجرح ... والمطلق من العدالة ينصرف إلى أكمل الوجهين)). فقول الحنفية بالعدالة القاصرة: مماثلٌ لقول ابن حبان: ((إن العدل مَن لم يعرف فيه الجرح .. ))، لكن ابن حبان يحتج بحديثٍ من هذا شأنُه، أما الحنفية: فلا، قال عبد العزيز البخاري في شرحه المذكور: (كشف الأسرار)) الموضع المذكور: ((وبهذه العدالة لا يصير الخبرِ حجةً، لأن هذا الظاهر عارضه ظاهرٌ مثلُه، وهو هوى النفس فإنه الأصل قبل العقل، وحين زُرِق العقلَ والنُّهَى ما زايله الهوى، وإنه داعٍ إلى العمل بخلاف العقل والشرع، فكان عدلاً من وجه دون وجه .. ، فتردَّد الصدق في خبره بين الوجود والعدم من غير رُجْحان، فشُرط كمال العدالة، وهو أن يكون مجانباً لمحظور دينه، ليثبتَ رجحان دليل العقل على الهوى، فيترجَّحَ الصدق في خبره)). وأما الجهالة عندهم: فجهالة عدالة، وجهالة في رواية الحديث بأن لم يُعرف هذا المجهول إلا بحدیث أو حدیثین. أما جهالة العدالة: فقال الكمال ابن الهمام في «تحريره)» ٢٤٧:٢: ((مسألة. مجهول الحال - وهو المستور -: غير مقبول، وعن أبي حنيفة في غير الظاهر من الرواية عنه: قبول ما لم يردّه السلف. وجهها: ظهور العدالة بالتزامه الإِسلام ولـ: أمِرتُ أن أحكم بالظاهر(١)، ودُفِعَ بأن الغالب أظهر، وهو الفسق)). فأفاد أن المستور في مصطلح الحنفية يساوي مجهول الحال والعدالة في مصطلح المحدثين، وأفاد أيضاً أن قبول روايته هو قول نقل عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله لكن في كتب النوادر التي هي غير كتب ظاهر الرواية، ومعلوم في أصول المذهب أن كتب ظاهر الرواية هي المعتمدة في المذهب، ولا يعتبر بما في سواها إلا إنْ نُقل معه ترجيح من علماء المذهب، وهذا من ذاك، ونُقِل معه ردُّه، كما ترى. (١) اشتهرت هذه الجملة على الألسنة كثيراً، حتى ذكرها بعضُ العلماء المتقدمين في كتبهم حديثاً، وهو ظاهر كلام ابن الهمام هنا، وليس بحديث، وإن كان معناه صحيحاً مسلَّماً به مستفاداً من أحاديث كثيرة. انظر التعليق المطوّل لشيخنا المحقق الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله، على ((المصنوع)) لعليّ القاري رحمه الله تعالى ص ٥٨. ٥٣ أما قول الكمال بعد أسطر: ((وأما ظاهر العدالة: فعدل واجب القبول)): فمراده: عدلُ الظاهِر خفيُّ الباطن، الذي يسميه المحدثون مستوراً. وأما الجهالة الثانية: فقال الإِمام البزدوي ١: ٧٠٤ ما ملخّصه ــ ومثله ابن الهمام ٢: ٢٤٩ -: ((أما المجهول: فإنما نعني به المجهول في رواية الحديث، بأن لم يعرف إلا بحديث أو حديثين، فإنْ رَوَى عنه السلف وشَهدوا له بصحة الحديث صار حديثه مثلَ حديث المعروف، وإن سكتوا عن الطعن بعد النقل: فكذلك، وإن اختُلِف فيه مع نقل الثقات عنه: فكذلك عندنا، فأما إذا كان ظهر حديثه ولم يظهر من السلف إلا الردُّ لم يقبل حديثه وصار مستنكراً لا يعمل به على خلاف القياس، وأما إذا لم يظهر حديثه في السلف فلم يقابل بردّ ولا قبول: لم يترك به القياس، ولم يجب العمل به، لكن العمل به جائز، لأن العدالة أصل في ذلك الزمان، ولذلك جوّز أبو حنيفة رحمه الله القضاء بظاهر العدالة من غير تعديل، حتى إن رواية مثل هذا المجهول في زماننا لا يحل العمل بها، لظهور الفسق)». ففي هذا النقل عدة فوائد وملاحظات، أهمها: أن الأمر ليس على الإطلاق الذي حكاه ابن المواق عن الحنفية، وغير ابن المواق كثيرون ينسبونه إليهم، وهذا العزوُ غيرُ الدقيق الواقع من بعض العلماء إلى مذاهبَ أخرى غير مذاهبهم: كثير جداً في كتب العلم، من الحنفية وغيرهم، فلا بدَّ من التثبتِ ومراجعةٍ كتب المذاهب المنسوب إليها القول. ومن فوائد هذا النقل: أن الإمام أبا حنيفة إنما قال هذا القول - على ما فيه من قيود - بناء على واقع عصره، أما ابن حبان المتوفى سنة ٣٥٤، بعد أبي حنيفة بمائتي سنة وأربع سنين: فلا عذر له إن كان ينظر إلى عصره، لكن كلامه يدل على أنه ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على النظر والاستدلال، لا لملحظٍ زمني. فافترقا. وأما ما نقله السخاوي عن النووي رحمه الله في مقدمة ((شرح مسلم)): فهو صحيح هنا، وعبارته ١: ٢٨ : (المجهول أقسام: مجهولُ العدالة ظاهراً وباطناً، ومجهولُها باطناً مع وجودها ظاهراً - وهو المستور - ومجهولُ العين. فأما الأول: فالجمهور على أنه لا يُحتج به، وأما الآخران: فاحتج بهما كثيرون من المحققين)). فمراد السخاوي: مجهول العين الذي دخل تحت قول النووي: وأما الآخران ... لكنْ يبدو لي أنه حصل سَبْق ذهن للإمام النووي في حكاية أصحاب هذه الأقسام الثلاثة، يدلُّ على هذا كلامُه نفسِه في (التقريب)) ص ٢١٠ بشرحه ((التدريب)) - وهي المسألة السادسة من مسائل النوع الثالث والعشرين - قال: ((روايةُ مجهولِ العدالةِ ظاهراً وباطناً لا تقبل عند الجماهير، وروايةُ المستور - وهو عدلُ الظاهر خفيُّ الباطن -: يَحتج بها بعضُ مَن ردَّ الأول ... وأما مجهول العين: فقد لا يَقْبلُه بعضُ من يقبلُ مجهول العدالة)). ونحوه في ((إرشاد طلاب الحقائق)) له ص ١١٢ من المسألة الثامنة من النوع الثالث والعشرين، ولفظه في مجهول العين: ((الثالث: مجهول العين، وقد يَقبلُ مجهولَ العدالة من لا يقبل مجهول العين))، وقال أولاً عن مجهول العدالة: ((لا تُقبل روايته عند الجماهير)) أي: القليلُ من العلماء من يقبل رواية مجهول العدالة، وبعض هذه القليل - وهو النادر - من يقبلُ رواية مجهول العين. وهذا هو الذي يتمشّى مع كلامِ ابن الصلاح أصلٍ كلام النووي ومصدرِه، وهو المتفِق مع النظر. فأشدُّ المجاهيل الثلاثة جهالةً هو مجهولُ العين الذي لم نُثْبِت شخصيته ووجوده بعدُ؛ ثم مجهولُ ٥٤ العدالة، وهو من أُثبتْنا وجودَه بين صفوف الرواة وارتفعتْ عنه جهالته العينية، لكنا لم نعرف شيئاً من حاله وعدالته؛ ثم مجهولُ الباطن، وهو من عَرَفنا ظاهره بالخير والصلاح، ولم تَتَبَيَّن لنا حالُه الخاصة الداخليةُ، وهو المستور. والله أعلم. ولا بد من التنبيه أخيراً إلى ثلاثة أمور: أولها: أن من شرط الراوي الواحد الذي يُثبتُ العدالة - عند ابن حبان - لمن يروي عنه: أن يكون مشهوراً، كما جاءت عبارة ابن حجر في ((اللسان)) ١: ١٤ . وكأنه يعني الشهرةَ بطلب الحديث والاعتناء به، كما سيأتي في نقل القاضي زكريا الأنصاري عن الإمام الذهبي. أما إذا كان ضعيفاً: فلا يفيد شيئاً، كما صرح به ابن حجر في المصدر المذكور، وتبعه تلميذه السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ٢٩٨. ثانيها: قال الكمال ابن الهمام فى ((تحريره)) ٢: ٢٥٣ - بشرحه - بعد أن حكى المذاهب في قبول حديث المجهول: ((ومعلوم أن المقصود مع ضبطٍ))، فنَّه إلى ضرورة ضبط هذا الراوي المجهول، وهو - أي الضبط - شرط في كل راوٍ، لكنْ حال هذا المجهول تقتضي التنبيه لمثل هذا، إذ يخشى منه عدم الضبط، لعدم معرفته . ولسان حال ابن حبان مقرًّ بهذا غير منكر له، ولا ريب. ثالثها: أرجو القارىء الكريم أن يكون على ذُكْر من كلام شيخنا أحمد الصديق الذي تقدم بطوله ص ٢٤، فإن فيه بيان أهمية الاختبار والاعتبار، وبالتالي مكانة الضبط، ويتبيَّن منه أن الضبط عامة - في حق الراوي - وخاصة بالنسبة لحديثِ المبحوث فيه: إنما هو العمود الفِقَري للسنة، لذلك كان الضعف ينجبر إذا سلم نص الحديث، وإذا كان النص مختلاً مضطرباً لا ينجبر وإن رواه الثقات. ولذلك كان التلقِّي بالقبول لحديث ما والعملُ به: آيةَ صحته، وإن كانت أسانيده التي وصلت إلينا ضعيفة، إما لأن الأئمة الذين تلقَّوْه بالقبول وقفوا على أسانيد صحيحة له لم تصلنا، وإما لأنهم رأوه متلائماً مع (أحاديث الباب)، فحكموا على راويه - أو رواته - بالضبط له، أو لغير ذلك. ومن هذا القبيل: ما نقله شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله في ((فتح الباقي)) ١: ٢٩٩ عن الإمام الذهبي أنه قال: ((كل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تلييناً، ولا اتفق لهم علم بأن أحداً وثقه: فهذا الذي عناه الحفاظ بأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح. قال: ومن ذلك إخراج الشيخين لجماعة ما اطلعنا فيهم على جرح ولا على توثيق، فيحتج بهم، لأنهما احتجا بهم)). قلت: الشقُّ الأول من هذا الكلام يصلح أن يكون موضحاً لقول الخطيب في ((الكفاية)) ص ٨٨ : ((المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به ... )). والشق الثاني منه: يُستفاد منه أن احتجاج صاحب الصحيح بحديث راوٍ غير موثق - ولا مجرَّح - ينزَّل منزلة شهرته بين الحفاظ بالطلب وبالعناية به، لأنه لا يحتج إلا بمن يصلح الاحتجاج به عنده، وهذا التعليل - ((لأنهما احتجا بهم)) - يرشح لقول من قال: تفرُّدُ الثقة عن الراوي وتعديلُه له - أو تعديل إمام آخر له ــ يعتبر توثيقاً للراوي كافياً. ٥٥ ومثل هذا التعليل: قول السخاوي ١: ٢٩٦ : ((معرفةُ البخاري به التي اقتضت له روايته عنه - ولو انفرد بها - كافيةٌ في توثيقه)). وقال الذهبي أيضاً في ((الميزان)) ٢ (٧٠١٥) مؤكّداً لقوله المذكور، في ترجمة مالك بن الخير الزَّبادي: (في رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحداً نصَّ على توثيقهم، والجمهور على أن مَن كان مِن المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه: فحديثه صحیح)). وعلَّق الحافظ في ((اللسان)) ٥: ٣ فقال: ((بل هذا شيء نادر، لأن غالبهم معروفون بالثقة، إلا من خرَّجا له بالاستشهاد)). فيكون قد أقره على ما حكاه من مذهب الجمهور، وخالفه في العدد، وهذا لا يضرّ. وأرى أن الأمر نسبيٍّ، فعددُهم كثير بالنظر إلى ذات الرقم الذي بَلَغوه، وعددهم قليل بالنظر إلى عدد رواة الصحيحين. والله أعلم. وبهذا القول للذهبي وبموافقة ابن حجر له: استدل شيخنا العلامة جِهْبِذُ العصر ونَقَّادتُه مولانا حبيب الرحمن الأعظمي حفظه الله تعالى وأمتع به المسلمين، استدل على قبول مذهب ابن حبان في ((ثقاته))، فقد كتبتُ إليه أسترشده في الجزم باعتماد توثيق ابن حبان لراوٍ ولو انفرد، فكتب إليّ أثابه الله ما نصه: ((وأما توثيق ابن حبان إذا انفرد: فهو مقبول عندي، مُعْتَدَّ به إذا لم يأت بما ينكر عليه، وهو الذي يؤدي إليه رأي الحافظ ابن حجر، فإنه أقرَّ قول الذهبي في («الميزان)): إن الجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه: فحديثه صحيح، أقرَّه الحافظ في حق من لم يوثقه أحد، فإذا كان ابن حبان وثقه: فهو أولى بالقبول))(١). كما تقدم بعضُه في ص ٣٣، وموافقةُ شيخنا عبد الله الصديق له. وكأن كلام ابن كثير - السابق ص ٥١ - يجعل حديث هؤلاء بمثابة الحديث (المشبّه) الذي قالوا فيه: إنه قريب من الحديث الحسن، فمتى تُوبع بأدنى متابع صار حسناً لغيره. والله أعلم. ولا ريب أن حال الأكثر الأغلب من المذكورين في ((ثقاته)): القبول - على تفاوت مراتبه -، وأما التعلُّق عليه بأنه یذکر: - بعض من انفرد بالرواية عنه أحد الضعفاء. - وبعض من يقول فيه: لا أعرفه، ولا أعرف أباه، ولا ... فهذا مما لا ينبغي، ذلك أن كتابه ((الثقات)) يحتوي على آلاف مؤلَّفة ممن لهم رواية، فإذا وجد فيهم تراجم قليلة جداً - بل عدد نادر لا يذكر بجانب تلك الكثرة - فإنه لا يحسن بنا إهدار الكتاب كلِّه من أجل هذا العدد النادر. والله المستعان. (١) وإذا تأملتَ كلام سبط ابن العجمي السابق ص ٣٢: وجدتَه موافقاً مؤيداً لهذا الفهم. ٥٦ وأَراني لم أَنْتَه بعد من الحديث عن هذا الصنف من الرواة، ولا بدَّ لي من إتمام الكلام عنه بالحديث عن نقطتين : - مدى إمكانية الحكم على راوٍ بأنه تفرَّد بالرواية عنه فلان فقط. - التنبيه إلى مصطلحات خاصة في كلمة (مجهول) ونحوها. أما النقطة الأولى: فإن طريقَ معرفة التفرُّد: أمرٌ معلوم، هو التُّع والاستقراءُ، ثم إصدارُ الحكم، وهذا شأن الأئمة الموصوفين بأنهم أهلُ ذلك. أما أنْ يقومَ بعمليَّة التتُع رجلٌ من أهل زماننا: فلا بدَّ له من تقييد حكمه بأن هذا ما وصل إليه بحثه في الكتب المسمّاة: كذا وكذا ... وقد قال الإِمام الذهبي - وهو من أهل التُّع والاستقراء بشهادة ابن حجر له في ((شرح النخبة)) ص ١٥٦ - في ((تذكرة الحفاظ)) ٣: ٩٤٨ في ترجمة الإمام أبي بكر الإسماعيلي صاحبٍ ((المستخرج على صحيح البخاري)): ((صنَّف - الإسماعيليُّ - ((مسند عمر رضي الله عنه))، طالعته وعلَّقتُ منه، وانْبَهرتُ بحفظ هذا الإمام، وجزمتُ بأن المتأخرين على إياسٍ من أن يلحقوا بالمتقدِّمين)). والذهبيُّ الذي هو من أهل التتبع: سيأتي ما يتعلق به في هذه الجزئية. فالحكمُ على أن فلاناً لم يروِ عنه إلا فلان - بهذا الحصر التام - شأنُ أئمةِ التتبع القُدامى، أمثالِ ابن المديني وابن معين وأحمد والبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة .. ، ومع ذلك فسيمرُّ بك في التعليقات أمثلةٌ على الاستدراك عليهم دعواهم هذه، وأن إمكانية دعوى التفرد من إمام من أمثال مَن ذكرتُ: على خَطَرِ النقد والاستدراك، إلا إذا أخذتْ من هذا الإمام بالتسليم، وتناقلها جماعة العلماء دونَ استدراك عليها، لأن لسانَ حالِ الإِمامِ الناقل لها الساكتِ عليها: موافقٌ مسلِّم، وحينئذ يُحكَم بالاطمئنان على الرجل بالجهالة العينية. وسببُ صعوبةِ هذا الحكم وكونِه على خَطَر الاستدراك: تفرُّق الرواة في الأمصار، وانتشار الأسانيد بانتشارهم. قال الحافظ في ((التهذيب)) ١: ٤ وهو يتحدث عن هذا المعنى: ((وسببُه انتشارُ الروايات وكثرتُها وتشعبها)). ومن الأمثلة التي ستمرُّ بالقارىء في التعليق - وبعضها جدید -: ١" - قولُ ابنٍ معين في رواية الدوري ٢: ٢٤٨ (٣٨٢٣) عن شَبِيب بنِ بِشْر البَجَلي: «لم يروِ عنه غيره)» أي: غيرُ أَبي عاصمِ النبيل، مع أن المزيَّ رحمه الله ذكر في ((تهذيب الكمال)) خمسةَ رجال آخرين سوى أبي عاصم . ٢" - وأغرب من هذا ما حَصَل لابن معين نفسِه أنه قال في رواية الدوري ٢: ٤٦٢ (٤٨١٠) عن عيسى بن جارية الأنصاري: ((لا يُعلَم أحدٌ روى عنه غير يعقوب القُمِّي)) مع أنه قال عنه برقم (٤٨٢٥): «یحدِّث عنه يعقوب القُمي وعَنْبَسة قاضي الري)). وأما المزي فأوصلهم إلى خمسة !. ٥٧ ٣" - وقال ابن المديني عن أبي ماجدة الحنفي العجلي: ((لم يروِ عنه غير يحيى الجابر))، كما نقله ابن حجر آخِر ترجمته. مع أنه روى عنه أيضاً أيوبُ السَّخْتِياني. وانظر لزاماً (٣٠٤٤). ٤" - وقال أبو حاتم: أحمد بن علي النُّميري إمام مسجد سَلَميَة لم يروِ عنه غير محمود بن خالد الدمشقي، مع أن ابن حبان ذكر رواية يزيد بن عبد ربه أيضاً، وكذلك ذكره ابن مَنْدَه وزاد: محمد بن أبي أسامة، فصاروا ثلاثة. ٥ " - وقال أبو زرعة - ((الجرح)) ٩ (٨٦٩) - في يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحه، المترجم هنا (٦٣٩٤): ((ثقة ولم يروِ عنه إلا أسامة بن زيد))، مع أن ابن أبي حاتم قال قبلَ نَقْله هذا القولَ: ((روى عنه عبد الله بن أبي بكر وأسامة بن زيد)). ٦" - وقال أبو داود في عَجْلان - والد محمد بن عَجْلان الآتي برقم (٣٧٥٤) -: ((لم يروِ عنه غير ابنه محمد))، مع أنه روى عنه بُكير بن عبد الله بن الأشَج أيضاً، وإسماعيل بن أبي حَبِيبة (إن كان محفوظاً) كما في التهذيبين . ٧" - وقال أبو داود أيضاً في عبد الله بن عمر بن غانم الإفريقي المترجم هنا برقم (٢٨٧٣): ((لم يروِ عنه غيرُ القَعْنَبِيِّ)) مع أنه روى عنه عثمانُ بنُ محمد بن خُشَيش القيرواني - ذُكر في الرواية عنه عند ابن حبان في ((المجروحين)) ٢: ٣٩ - وداودُ بنُ يحيى، كما في ((الميزان)) ٢ (٢٦٥٤) و ((رياض النفوس)) للمالكي ١ : ١٤٤ - وسماه داود بن أبي يحيى -. لكنْ يَحتمل أن يكون مرادُ أبي داود هنا: لم يرو عنه ثقة غير القَعْنَبِي، فالقيرواني وداود غير ثقات. قال الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٧٢٣: ((قد يُطلقون النفيَ ويَقصِدون به الطرق الصحيحة، فلا ينبغي أن يُوردَ على إطلاقهم مع ذلك الطرقُ الضعيفة)). ٨ " - وقال الترمذي في ((سننه)) ٧: ٣٢٧ (٢٦٨٥) عن خلفِ بنِ أيوبَ العامريِّ المترجَم هنا (١٣٩٦): ((لم أَرَ أحداً يروي عنه غير محمد بن العلاء، ولا أدري كيف هو))، مع أن المزي ذكر في ترجمته تسعة رواة عنه! ونقل الحافظُ قصةً عن الحاكم يُستفاد منها أيضاً أن ابن معين روى عنه، فكَمُلوا عشرة. ٩" - وحكى الحافظ في ((تهذيبه)) ٤: ٣٨٤ عن البزار أن الأوزاعي تفرد بالرواية عن صالح بن جُبير، مع أنه روى عنه ثمانية رجال !. ١٠" - وقال ابن عدي في ((الكامل)) ١: ٤٠٠ آخر ترجمة أَصْبَغ بن زيد الجُهَني: ((لا أعلم روى عن أَصْبَغ هذا غيرُ يزيد بن هارون))، مع أن المزي ذكر عشرة يروون عنه فيهم يزيد بن هارون. ١١" - وادَّعى ابنُ حزم في ((المحلَّى)) ١٠: ٣٢ (٢٠٠٤) أن زينب بنت كعب بن عجرة ((مجهولة، لا تُعرف، ولا روى عنها أحدٌ غيرُ سعد بن إسحاق - بن كعب بن عجرة - وهو غير مشهور بالعدالة))، مع أنه روى عنها ابنُ أخيها الآخر: سليمان بن محمد بن كعب. ٥٨ ١٢" - وقال ابن القطان في إسحاق بن كعب بن عجرة المترجم برقم (٣١٨): ((ما روى عنه غير ابنه سعد))، ونَبَّهت في التعليق إلى أنني وقفت على رواية أبي مَعْشَر عنه في ((المسند)) ٤: ٢٩. وانظر أيضاً (٢٣٥٥). ١٣" - وقال الذهبي في ((الميزان)) ٢ (٤٩٢٣): ((تفرَّد عنه داود بن الحصين)) مع أن ابن حبان ٥: ١٠١ أضاف إليه آخر: محمدَ بنَ يحيى بن حبان. ١٤" - وقال أيضاً ٢ (٢٦١٧) عن داود بن أبي صالح: ((روى عنه الوليد بن كثير فقط))، فتعقَّبه الهيثمي ٤: ٢ برواية كثير بن زيد أيضاً عند أحمد في ((المسند)) ٥: ٤٢٢ قال: ((ولم يُضَعِّفه أحد)). ١٥" - وقال ٢ (٤٥٤٦) عن عبد الله بن محمد بن صَيْفي: ((وعنه صفوان بن مَوْهَب فقط)) وقال ابن حبان ٥: ٤٤ من ((الثقات)): ((روى عن ابنه يحيى بن عبد الله)). ١٦" - وقال في ترجمة دُحَيبةَ العَنْبَرِية ٤ (١٠٩٥٢): ((ما روى عنها سوى عبد الله بن حسان العنبريِّ)) وسَلَفه في هذا الحصر اقتصارُ شيخه المزي على ذكره، فَتَبِعه، وتبعه ابن حجر أيضاً، مع أن ابن حبان قال في ((الثقات)) ٦: ٢٩٥: ((روى عنها كثير بن قيس بن الصلْت العَنْبري))، فهذان اثنان رَفَعا عنها جهالة العين، يُضَاف إليها: ذكر ابن حبان لها في ((الثقات)). وإذا كان المصنف قال ٤ (٧٠١٥) في ترجمة مالك بن الخير الزَّبَادي: ((الجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأتِ بما ينكر عليه: أن حديثه صحيح)) - ووافقه عليه ابن حجر - : فقبولُ حدیثِ هذه: أمر قريب جداً. ١٧" - وقال ٢ (٥٠٠٥): ((عبد الرحمن بن يربوع ... ما روى عنه سوى ابن المنكدر)) فتعقَّبه الزيلعيُّ في ((نصب الراية)) ٣: ٣٤ - ٣٥، والحافظ في ((التهذيب)) ٦: ٢٩٥. وهذا كثيرٌ منه رحمه الله تعالى تجدُ أمثلته العديدةَ في حواشي السبط البرهان، وما علقتُه عليه. قال الزيلعي في الموضع المذكور - والحافظ أيضاً في هذا الموضع الأخير- مبيناً سبب وقوع الذهبي في هذا المأخَذ: ((ذكر شيخنا الذهبي في ((ميزانه)) - ٢ (٥٠٠٥) - عبد الرحمن بن يربوع فقال: ما روى عنه سوى ابن المنكدر، وهذا غلطً، فإن البزار قال في ((مسنده)) عَقِيب ذِكْرِه لهذا الحديث عن عبد الرحمن بن يربوع: قديمٌ، حدَّث عنه عطاء بن يسار ومحمد بن المنكدر وغيرهما، وأظن أن الذي أوقع الذهبيَّ في ذلك كونُ المزيِّ لم يذكر راوياً عنه غير ابن المنكدر، وكثيراً ما وقع له مثل ذلك في كتبه! والله أعلم)). ونقلَ الحافظُ قولَ الذهبي هذا وتعقَبه بقوله: ((أخطأ في هذا الحصر، وكأنه تلقَّاه من هذه الترجمة وقلَّد في ذلك شيخه المزي!)). بل جعل الحافظ ذلك عادة للذهبي، فقد قال في ((الميزان)) ٤ (٨٩٤٧): ((موسى، عن محمد بن سعد، ما روى عنه سوى الجُرَيري))، فتعقّبه في ((التهذيب)) ١٠: ٣٧٩ بقوله: ((ذكره الذهبي في ((الميزان)) وأشار إلى أنه مجهول، كعادته فيمن لم يذكر له المزيُّ إلا راوياً واحداً)). وقال أيضاً في ترجمة نَضْر بن عبد الله السُّلمي ١٠: ٤٣٩: ((قرأت بخط الذهبي - ٤ (٩٠٧٣) -: لا ٥٩ يعرف، وهذا كلامُ مُسْتَرْوِح، إذا لم يجد المزيَّ قد ذكر للرجل إلا راوياً واحداً جعله مجهولاً، وليس هذا 13 بمطرد)). وقد اعتمد البرهانُ السبطُ في ((حاشيته)) هذه مسلكَ الذهبِيِّ وحكمَه، فنقل كثيراً من أقواله التي نقلتُ نماذجَ منها، وسكت عنه، فيقال في صنيعه ما قِيل في حقِّ الذهبي أيضاً. وهنا يَرِدُ سؤالٌ تكملةً للبحث: هل قَصَد المزي استيعابَ شيوخِ المترجَم والرواةِ عنه؟. والجواب: ما قاله المزي نفسه في مقدمة ((تهذيبه)) ١: ١٥١: ((ذكرت أسماءَ من روى عنه كلُّ واحد منهم، وأسماءَ من روى عن كل واحد منهم في هذه الكتب أو في غيرها، على ترتيب حروف المعجم ... )). وقال الحافظ في مقدمة ((تهذيب التهذيب)) آخر صفحة ٣: ((ثم إن الشيخ - المزيَّ - رحمه الله قَصَدَ استيعابَ شيوخِ صاحب الترجمة، واستيعابَ الرواةِ عنه، ورتَّب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة، وحَصَل من ذلك على الأكثر، لكنه شيءٌ لا سبيلَ إلى استيعابهِ ولا حَصْرِه)). وصنيع المصنف الذهبي - وهو تلميذُ المزيِّ الفاهمُ عنه مقاصده في كتابه - نراه ينفي ويحصر: ما روى عن فلان إلا فلان: بناءً على اقتصار المزيِّ على ذِكْرِ هذا الواحد ! . وكأن المزي رحمه الله لفَرْط تتبعه واجتهاده في ذلك ادَّعى هذه الدعوى، وإلا فمثلُه لا يَغيبُ عن ذهنه أنه ((شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره)) ! . ولقد ترك رحمه الله للمتعقِّبين عليه ثغرةً واسعةً، مثلِ مُغْلَطاي، كما أَوْقَع المستسلمين لظاهر صنيعه في مآخذَ عليهم، مثلَ الذهبي . بل إني أقول: لا يبعدُ أن يفوتَه ذكرُ بعضٍ هؤلاء - الشيوخ والتلامذة - وهم من رجال الكتب الستة، وإنْ كنتُ لا أستحضر مثالاً على ذلك، لكني لا أَبْعده، وهو إن وُجِد فنادر. وكان يُظَنُّ أن المزيّ استوعبَ ما عند البخاري وابن أبي حاتم مما يتعلَّق بغرضه هذا، لكني رأيتُ أمثلةً تخالفُ هذا الظن. انظر التعليق على (١٢٣، ٣٧٤)، والمثال السابق برقم ١٦". لذلك قلتُ في أول كلامي عن هذه النقطة: ((إذا أُخذت - دعوى التفرد - من هذا الإمام بالتسليم، وتناقلها جماعة العلماء دون استدراك عليها ... )) ولم أَقصِرْ كلامي على متابعة إمام واحد للإمام القائل فقط، بل قلت: جماعة العلماء، اعتباراً من واقع الإمام الذهبيِّ في متابعته للمزي. فدعوى التفرّدِ تحتاج إلى تتُّع، ودعوى تسليمِ العلماءِ بها تحتاج إلى تتبّع أيضاً. والله وليُّ التوفيق . أما النقطة الثانية - وهي المصطلحات الخاصةُ بكلمة (مجهول) ونحوها - : ١" - فتقدم أن الأصل في إطلاق (مجهول) إرادة جهالة العين. ٢ " - وتقدم أن اصطلاحَ أبي حاتم - وألحقتُ به ابنه عبد الرحمن وأبا زرعة - في إطلاقها: جهالةُ الحال. وانظر ما يأتي بعد أسطر. ٦٠ ٣" - وأن ابن حجر مشى في ((التقريب)) على أنها في مجهول العين. ٤" - واصطلح المصنفُ في ((الميزان)) على أنه إذا أطلقها ولم ينسُبها إلى قائل: فهي مستفادةٌ من أبي حاتم، فيكونُ معناها جهالة الحال. نعم، سها رحمه الله أحياناً، فأطلق الجهالةَ وهي من كلامه وحكمه، لا من عند أبي حاتم، كما تجدُ مِصْداق ذلك بشواهده في التعليقات النفيسة لشيخنا العلامة المحقق الكبير الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى، على ((الرفع والتكميل)) للإمام اللكنوي رحمه الله تعالى ص ٢٢٥ فما بعدها. وعكسُ هذا، فقد يقول أبو حاتم (مجهول) في راوٍ ما، فيقولُ الذهبي فيه كلمةً أخرى من مصطلحاته الخاصة به . مثال ذلك: أن أبا حاتم قال في مِذْلاج بن عمرو السلمي: ((مجهول))، فذكره المصنف في ((الميزان)) وقال: ((لا يُدْرى من هو)) كما سيأتي قريباً. ٥ " - ولكنْ: هل كلُّ من أطلق عليه أبو حاتم (مجهول) هو مجهولُ الحال، بمعنى أنه لم تُعرفْ عدالته؟ . الجوابُ التفصيليُّ الشافي يحتاج إلى دراسة شاملة فاحصة، لكني أريد التنبيه إلى أنه قد يُطلقُ الجهالةَ في عددٍ من أعراب الصحابة رضي الله عنهم، يريد أنهم مجهولو المعرفة عند كبار التابعين، إذْ لم تنقل لهم رواية عنهم(١). ففي (الجرح)) ٨ (١٩٥١): ((مِذْلاج بن عمرو السُّلَمي، حليفُ بني عبد شمس، سمعت أبي يقول: هو مجهول)). مع أنه شهد بدراً فما بعدها من مشاهد النبي وَّر، وذكره الذهبي في ((التجريد)) ٢ (٧٢٥) وقال: ((بدريٌّ))، ولكنه في ((الميزان)) ٤ (٨٤٠٩) تبع أبا حاتم فقال من عنده: ((لا يدرى من هو))، وهذا منه يُشبه قول أبي حاتم ((مجهول)). وفي ((الجرح)) ٨ (١٢٧٦): ((معبد بن خالد الجهني أبو رِغْوة، له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، مات سنة ثنتين وسبعين، وهو ابن ثمانين، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول)). فمن وُلد قبلَ الهجرة بثماني سنين، يكون عمره يومَ وفاة النبي ◌ِّ ثماني عَشْرَة سنة، فهو صحابي، وهذا باعتراف أبي حاتم. وهذا الاعترافُ من أبي حاتم بصحبته، وهذا الحكم عليه منه بالجهالة: يحتّم تأويل قوله تأويلاً مُستَساغاً، إذْ لا يُعقَل مثلُ هذا التناقض في كلام الناس، فضلاً عن مثل أبي حاتم في إمامته! وقد أوَّله له الحافظ ابن حجر في ((اللسان)) ٦: ١٣ فقال في ترجمة مدلاج ((كذا يَصنعُ أبو حاتم في جماعة من الصحابة(٢)، يُطْلِقِ عليهم اسمَ الجهالة، لا يُريد جهالةَ العدالة، وإنما يريدُ أنهم من الأعراب الذين لم يَروِ عنهم أئمةُ التابعين)». (١) انظر التعليق على ((الرفع والتكميل)) ص ٢٥٧. (٢) وكذلك قال في ((التهذيب)) ٣: ٣٥٧ آخر ترجمة زياد بن جارية التميمي.