Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
من ذلك: قوله في أحمد بن علي إمامٍ سَلَمْيَة: ((جيد الحديث))، وإنما قال فيه أبو حاتم: ((أُرى
أحاديثه مستقيمة)). و((جيد الحديث)) من ألفاظ المرتبة الأخيرة من مراتب التعديل عند المصنف. انظر مقدمة
(ميزانه)) ص ٤، فجزمُ الحافظِ في ((التقريب)) (٨٢) بأنه ((صدوق)): فيه رَفْعٌ لمرتبته أكثر مما تفيده عبارة
المتقدمين. والله أعلم.
٦ - وكثيراً ما يؤرِّخ وفاة الرجل جزماً، وقد يحكي الخلاف، وكثيراً ما لا يؤرخها، ويكون المزي - أو
غيره قبله - قد أرَّخها، ولمعرفة تاريخِ الولادة والوفاة أهميةٌ بالغةٌ عند المحدثين، لما ينبني عليها من حكم
على الرواية بالاتصال أو الانقطاع.
لذلك آخَذَ البرهانُ الحلبيُّ سبطُ ابن العجمي المصنفَ الذهبيَّ رحمهما الله تعالى على عدم اهتمامه
بهذا الجانب في ((الكاشف))، فقال في مقدمة كتابه ((نهاية السول)) - مخطوط -: ((وكتاب ((الكاشف)) مختصره
- أي مختصر ((تذهيب التهذيب)) - وكثيراً ما لا يَذكُر فيه تعديلاً ولا تجريحاً، ولا وفاةَ بعضِ الشيوخ رمزاً ولا
تصريحا)).
٧ - أما رموزُ الكتب التي فيها حديث المترجم: فهذا من المقوّمات الأساسية للترجمة في هذا الكتاب،
كالثلاثة الأوَل، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى صفحة ٧٨.
وبعد: فهذا عرضٌ مجملٌ لمنهج الإمام الذهبي في كتابه ((الكاشف)»: منهجه العام فيمن عليه أن
يترجمه، ومنهجه الخاص في كل ترجمة .
واستيفاءً لدراسة المنهج أقول:
لقد كان على التزام المصنف رحمه الله لمنهجه الذي اختطَّه بعضُ الملاحظات، سواء في منهجه
العام، أو الخاص.
وأُقدِّم القول: إن الذهبيَّ متابع لشيخه المزي رحمهما الله تعالى في كتابه هذا متابعةً كبيرة قلَّما يخرجُ
عنه، ولم تظهر فيه شخصيَّتَهُ الاستقلالية الناقدة، كما هي ظاهرة في ((الميزان)) و((سِيَر أعلام النبلاء)) مثلاً.
وتقدمتْ كلماتٌ حول منهجه العام، وأزيد هنا فأقول:
١ - ترجم المزيُّ لبعض مَن علَّق له أبو داود والترمذي، وفاته عددٌ غيرُ قليل، ولم يستدرك المصنف
أحداً منهم، ليسُدَّ ثغرةً بقيت في عمل شيخه، بل ذكر من ذكره المزي، وترك من تركه المزي! سواءً كانت
ترجمتُه تحتاج إلى إضافةِ رمزٍ مَنْ علَّق له، أو أن الرجل يحتاج إلى ترجمة كاملة، أي: إن المزي أهمل الرمز
فقط، أو أهمل الترجمة مطلقاً.
ومن أمثلةِ الحالِ الأولى: سَمُرَة بن سَهْم، رمزُه عند المزي والذهبي: س ق، وعلَّق له الترمذي،
فأضاف رمزه ابن حجر.
وكذلك: داود بن جميل، علَّق له الترمذي، ولم يرمزوا له جميعُهم، فاستدركتُ رمزه.
ومن أمثلةِ الحالِ الثانية: المُسَوَّر بن عبد الملك اليَرْبوعي، لم يترجمه المزي ولا الذهبي، فاستدركها
ابن حجر، لكون أبى داود علَّق له .
:

٢٢
ومنهم: عقبة بن سويد الجهني، علَّق له أبو داود حديثاً عن أبيه سويد، ولم يترجموهما جميعاً،
فاستدرکتُ ترجمتهما.
٢ - ترجم المزي لبعض مَن له ذِكْر في الكتب الستة - لا رواية - فحذف الذهبي بعضاً منهم، وأبقى
١
بعضاً آخر.
مثل: هُنَي مولى عمر بن الخطاب، ونوف البكالي، وعبد الرحمن بن أيمن، ترجم لهم المزي، وتبعه
المصنف في الأَوَّلَيْن، وترك الثالث، وحكمهم سواء.
وترجم المزيُّ لأبي عمرو الشيباني، لأن مسلماً روى له تفسير غريب ((أَخْنَع الأسماء)) وتبعه
المصنفُ، وفات المزيَّ أن يترجم لأبي حاتم السجستاني وله تفسير غريب أسنان الإبل عند أبي داود، فلم
يستدركه المصنف .
وتقدم أن المزي لم يترجم للحجاج الثقفي، فاستدرك المصنف ترجمته ورمز له خ فقط، مع أن كلمته
التي في ((صحيح البخاري)) هي في ((صحيح مسلم)) أيضاً، فلم يطرد في استدراكه !.
أما ما يُقالُ في منهجه الخاص: فأمورٌ يسيرة، منها:
١ - أنه لم يَسِرْ على وتيرة واحدة في سياق نسب المترجم، فهو في الأكثر الأغلب يذكر اسم الرجل،
واسم أبيه .. . ملتزماً الترتيب الهجائي الدقيق، مما ييسر المراجعة على الباحث - وصاحبُ الفضلِ هو صاحبُ
السَّبْق: الحافظ المزي -.
لكنه تارةً لا يُسَمي أباه، وتقع الترجمة وَسْط أسماءِ المذكورين بآبائهم، فلا يقع على بُغْيته إلا من
عَرَف نَسَب الرجل.
تَرجَم لِبُكَير بن الأُخْنَسِ، ثم لابن أبي السميط، ثم ابن شهاب، ثم ابن عامر البَجَلي، ثم ابن
عبد الله بن الأشج، ثم بكير الضَّخْم، ثم بكير بن عطاء.
فالضخم صفةٌ لبكير، ووقعت ترجمته بين: ابن عبد اللّه، وابن عطاء، فهو ابن من ؟ فعلى القارىء أن
يقدر ذلك من سياق الترتيب.
٢ - وقلت فيما سبق: إنه لم يلتزم في ذكر شيوخ المترجَم أيَّ معنى ومَلْحظ، ولو أنه التزم أن يكونوا
من رجال الكتب الستة الثقات: لكان الغايةَ في الجودة! فإنْ لم يتيسر اشتراط الثقة - وهذا في عدد قليل من
المترجمين - أشار إلى ذلك برمز يصطلح عليه، كما اصطلح أن يرمز لمن انفرد ابن حبان بتوثيقه ويقول فيه
((وثق)): أن يضع فوق اسمه: حب.
وثمة ملاحظاتٌ حول أحكامه على الرواة، وأخرى على رموزه، لا أحب التعجُّل بذكرها، إذْ محلُّها
الأليقُ بها عند دراستهما في الفِقْرتين الرابعة والخامسة إن شاء الله تعالى .
ولكني أستطيع القول: إن التزام الحافظ ابن حجر لمقوّمات الترجمة في ((التقريب)) أوفى وأَقْومُ من
المصنف في ((الكاشف)) وإن كانت أوهام ابن حجر في رموز المترجَم أَكْثَرَ من الذهبي، رحمهما الله تعالى.

٢٣
٣ - ألفاظ الجرح والتعديل في ((الكاشف))
يقتضي الحديثُ المستوعِبُ لهذا العنوان أن أفصِّل القول في :
- ألفاظهما، ودقّة نَقْلها، وتمييزِ ما كان من قِبَل الذهبي، عما كان من غيره.
- وفي شرح مدلولاتها، وترتيبها قوةً وضعفاً، وبيان ما فيه اصطلاحٌ خاص بقائله، وما ليس كذلك،
وقد يكون للذهبيِّ اصطلاحٌ ببعض الألفاظ. وقد يقتضي استيفاءُ القولِ بيان من هو صاحب هذا الاصطلاح
من المتقدمين الذي تأثّر به الذهبي فاقتبس قوله ... وما إلى ذلك من متممات.
وقد بدأتُ بالكتابة على هذا النحو، لكني رأيتُ نفسي كأنني أجمعُ ألفاظَ الجرح والتعديل كلَّها،
وأصنّفُها، وأفسِّرها، وأُؤَرِّخ لها، وأَضَمُّ إلى ذلك ما عند الذهبي !.
فلذلك عدلتُ عن هذا إلى وقت آخر بعون الله وتوفيقه، واقتصرتُ على بعض ألفاظٍ أُقدِّرُ أن لها حاجةً
خاصة، أذكرُ تحتها كلماتٍ أنّبِّه بها إلى جوانبَ خاصةٍ لا أَقصِدُ منها الدراسة لِلَفظة الجرح والتعديل، وأضعُ
بجانب الكلمات النادرِ استعمالُها رقم الترجمة التي ورد فيها هذا اللفظ، أما الكلمات التي يكثرُ استعمالها -
مثل: ثقة، صدوق ... - فلا أضع لها رقماً.
١ - ثقة. الثقة: هو العدل الضابط.
وبماذا تُعرف العدالة؟ - وبماذا يعرف الضبط؟
آ - بماذا تُعرف العدالة؟
ذكر الإِمام ابن الصلاح رحمه الله أول النوع الثالث والعشرين من ((مقدمته)) مسلكين لمعرفة العدالة - أو الثقة -
وهما المسلكان المتفقُ عليهما: الشهرةُ بها، كحال الأئمة المعروفين. و((تنصيص معدِّلِين على عدالته)).
وزاد الأصوليون: الحكمَ بمقتضى حديث الراوي، والعملَ به كذلك(١)، والروايةَ عنه مِن قِبَل مَن لا
يروي إلا عن ثقة. وفي ثلاثتها نظرٌ واختلافٌ.
(١) وإليه يميل الخطيب في ((الكفاية)) ص ٩٢.

٢٤
وأنّبِّه إلى أمرين يتعلَّقان بالتنصيص على العدالة:
أولهما: هل يُشْتَرط في النصِّ أن يكون من إمامٍ من أئمة الجرح والتعديل؟ .
ثانيهما: هل يُشترط فيه أن يكون نصاً صريحاً - فلان ثقة - أو: يُقْبَل التوثيق الضُّمني، وذلك بتصحيح
حديثه مثلاً؟
والجواب عن الأمر الأول: أنه لا بدَّ من أهلية صاحب التعديل، وعبارة ابن الصلاح عامة: ((تنصيص
معدِّلِين على عدالته)). وهذا لا خلاف فيه.
لكنَّ بعضَهم ذكر صورةَ ما لو عدَّله أحدُ الرواة عنه، فهل يُكْتَفى بذلك؟ كما لو قال رجل: حدثني فلان
وكان صدوقاً، أو كان ثقة، ونحو ذلك، فما القول؟ قال السخاوي رحمه الله في ((فتح المغيث)) ١ : ٢٩٦
((صرَّح ابن رُشَيد بأنه لو عدَّله المنفردُ عنه كفى، وصححه شيخنا - ابن حجر - أيضاً إذا كان متأهِّلاً لذلك،
ومن هنا ثبتتْ صحبةُ الصحابيِّ برواية الواحد المصرِّح بصحبته عنه)).
والجواب عن الأمر الثاني: أنهم صرَّحوا بقبول التوثيق الضمني، وهذه نصوصُ ما وقفتُ عليه.
١" - روى الترمذيُّ عن فُرَيعة أختِ أبي سعيد الخدري حديثَها في اعتدادها في بيتها وأنه لا يجوزُ
الاعتدادُ في بيت أهلها، وقال: حسن صحيح، وضعَّفه ابنُ حزم بجهالة حالِ زينبَ بنتِ كعب بن عُجْرة
راويةِ الحديثِ عن الفُرَيعة، فتعقبَّه ابن القطان - كما في ((نصب الراية)) ٣: ٢٦٤ - فقال: ((وليس عندي كما
قال، بل الحديثُ صحيحٌ، فإن سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثّقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح
الترمذيِّ إياه توثيقُها وتوثيقُ سعد بن إسحاق، ولا يضرُّ الثقةَ أن لا يرويَ عنه إلا واحد، وقد قال ابن عبد
البر: إنه حديث مشهور. انتهى)).
ولما خالف ابنُ القطانِ هذا المنهجَ تعقبَّه الإِمامُ ابنُ دقيقِ العيدِ رحمهما الله تعالی:
٢" - فقد روى عَمرو بن بُجْدان، عن أبي ذَرِّ رضي الله عنه حديثَ: ((الصعيدُ الطيِّبُ وضوءُ
المسلم ... ))، ولم يَروِ عن عمرو إلا أبو قِلَابة، فضعَّف ابنُ القطان الحديثَ به فقال - كما في ((نصب الراية))
١ : ١٤٩ -: ((هذا حديثٌ ضعيفٌ بلا شك، إذْ لا بدَّ فيه من عمرو بن بُجْدان، وعمرو بن بُجدان لا يُعرف له
حال، وإنما روى عنه أبو قلابة)).
٣" - وعقّبه الزيلعي رحمه الله بكلام ابن دقيق العيدِ فقال: ((قال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): ومن
العجبِ كونُ ابنِ القطان لم يكتفِ بتصحيحِ الترمذيِّ في معرفة حال عمرو بن بُجْدان، مع تفرُّده بالحديث،
وهو قد نَقَل كلامه: هذا حديث حسن صحيح، وأيُّ فرقٍ بين أن يقولَ: هو ثقة، أو يصححَ له حديثاً انفرد
به! وإنْ كان توقّف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفتُ إلى
كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يُوجبُ جهالةَ الحال بانفراد راوٍ واحدٍ عنه بعد وجود ما يقتضي
تعديله، وهو تصحیح الترمذي)).
٤" - وقال المصنف في ((الميزان)) ٤ (١٠٤٧٨): ((أبو عُمَير بن أنس بن مالك ... تفرَّد عنه أبو بِشْر،

٢٥
قال ابن القطان: لم تثبتْ عدالته. وصحح حديثَه ابنُ المنذر وابنُ حزم وغيرهما فذلك توثيقٌ له. فالله أعلم))(١).
٥ " - وقال أيضاً ١ (٢١٢٥): ((حفص بن عبد الله الليثي، ما علمتُ روى عنه سوى أبي التيّاح، ففيه
جهالة، لكنْ صحح الترمذيُّ حديثَه)). وفحواه في ((الكاشف)) (١١٤٩).
٦ " - وقال الحافظ ابن حجر في ((تعجيل المنفعة)) (٥٦١) في ترجمة عبد الله بن عبيد الدِّيلي: ((أخرج
حديثَه الترمذيُّ والنسائي، وقال الترمذي حسن غريب، وهذا يقتضي أنه عنده صدوق معروف)).
٧" - وقال الإِمام الكمال ابن الهُمَام رحمه الله تعالى في ((فتح القدير)) ٢: ١٣٤: «تحسينُ الترمذي
الحديثَ فرعُ معرفتِه حالَه وعينَه)).
فهذه نصوصُ خمسةٍ من أئمة الحديث في المتأخرين اعتمدتْ هذا المنهج، لذلك تبعتُهم في التعليق
على هذا الكتاب، فتجدُني كثيراً ما أَستدرك على حكم المصنّف أو ابن حجر في ((التقريب)) بأن هذا
المترجَم صحح أو حسَّن له الترمذي، فهو أحسنُ حالاً من قولِ المصنف أو ابن حجر المذكور.
ب- بماذا يعرف الضبط؟
لا ريب أنه يُعرف باختبارِ حديثِهِ وعَرْضِهِ على رواية الثقات الأثبات له، فإنْ وافقها قُبِل، وإنْ خالفها:
رُدَّ بمقدار ما تكون المخالفة .
وهذا هو السَّبْرُ والاعتبارُ الذي يُوصِل - بعد معرفة العدالة - إلى الأمر المتقدم، وهو النصُّ الصريحُ
على توثيقه، أو تصحيحُ حديثه. وهذه العمليةُ تكون منهم للرواة المتقدمين عليهم أو المعاصرين لهم. أما
العدالةُ: فيأخذونها عن شيوخهم بالنسبة لمن قبلهم، ويتعرفون عليها بأنفسهم بالنسبة لمعاصريهم.
وإذا اعتبروا حديث الرجل - سواءً روى عنه واحد أو أكثر - فوجدوه موافقاً لحديث الثقات - أو نادرَ
المخالفة۔: صرحوا بتوثیقه، أو صححوا حديثه.
قال المزيُّ في ((التهذيب)) ١٥: ٣٤٤ في ترجمة عبد الله بن عمر بن غانم الرُّعَيني: ((قال أبو عبيد
الآجُرِّيُّ عن أبي داود: أحاديثُه مستقيمةٌ، ما أعلم حدَّث عنه غير القَعْنَبِي (٢)، لقيه بالأندلس)).
وهذا - مع وضوحه - يحتاجُ إلى شيءٍ من البَسْط والشرح، أنقلُه من جوابٍ خطّ وقفتُ عليه لشيخنا
الحافظ الناقد أحمد الصديق الغُمَاريِّ رحمه الله تعالى (١٣٢٠ - ١٣٨٠)، قال فيه:
((إن ردَّ رواية المجهول ليستْ لذاتٍ كونه مجهولاً، بل لعدمِ تحقَّقِنا بحاله من جهة الجرح والعدالة،
فقد يكونُ عدلاً ضابطاً(٣)، وقد يكونُ مجروحاً ساقطاً(٣)، فلما تردّد حالُه في علمنا بين الحالتين سقط حديثه،
لوجود هذا الاحتمال، لا لذات الجهالة، لأنها قد ترتفعُ ويرتفعُ معها ضعفُ الحديث، كالنوم في نواقض
الوضوء، فإنه ليس ناقضاً لذاته ...
(١) هكذا فهمتُ النص: الجملة الأولى لابن القطان، وتمامه تعقبُ من الذهبي عليه، ويحتمل أن يكون كلُّه من كلام ابن
القطان، فيضاف إلى كلامه الأول، ويكون النقل الآتي معبِّراً عن رأي المصنف، والله أعلم.
(٢) انظر التعليق على ترجمته (٢٨٧٣) من أجل حصر الرواة عنه بالقَعْنَبي.
(٣) يعني: في حقيقته وواقع أمره، أما في علمنا فلا نعلم عنه شيئاً.

٢٦
فكذلك جهالة الراوي بالنسبة لكذبه وتُهَمتِه وفسقه، فالأولى (يريد: الجهالة) مَظِنَّةٌ لضعف الحديث
فحسبُ، والأخرى أسبابٌ حقيقية لضعف الحديث، فالمحدِّثُ إذا نظر في سندٍ حديثٍ ووجد فيه رجلاً
مجهولاً: حكم بضعفه، لاحتمالٍ ضعفٍ ذلك المجهول، وربما حكم بوضعه، لغلبة الظنِّ عنده بأن ذلك
المجهولَ كذابٌ لأسبابٍ أذكرها بعدُ إن شاء الله تعالى.
ثم قد يبقى ذلك الحكمُ مستمراً عنده وعند غيره، لاستمرارِ الجهلِ بذلك الراوي عند الجميع، وقد
يرتفعُ ذلك الحكم عنده أو عند غيره لارتفاع جهالة الراوي المذكور، فكم من محدِّثٍ يجزمُ بضعف الحديث
لظَنَه بجهالةِ راوٍ بسنده، ثم بعد ذلك يقفُ على ترجمته وكونه ثقةً معروفاً، فيرجعُ عن حكمه السابق، وكم
من حافظِ حكمَ بضعفِ حديثٍ أو بطلانِه معلِّلاً ذلك بجهالة بعض الرواة، فتعقَّبه مَنْ بعده بكون ذلك الراوي
غيرَ مجهول وأنه معروفٌ إما بالعدالة وإما بالجرح، وقد وقع هذا بكثرةٍ لابن حزم، وعبد الحقِّ، وابن
القطان، وابن الجوزي، بل لابن حبان وغيره من المتقدمين، ومن قرأ ((اللآلى المصنوعة)) و(«اللسان»
و((تعجيل المنفعة)) رأى من التعقّب بمثل هذا على المذكورين وغيرهم الكثير ...
والمقصودُ: أن الجهل بالراوي ليس ضعفاً حقيقياً، وإنما هو مَظِنَّةٌ قد ترتفع، وقد تكون مرفوعةً في
نفس الأمر. فابنُ حزم لما ضعَّف الحديث بجهالة الترمذي: لم يكن تضعيفُه واقعاً على الحديث إذ ذاك،
لكون الترمذيِّ إماماً مشهوراً حافظاً ثقةً باتفاق، ولكن ابن حزم جهَّله، لعدم اشتهار ((سننه)) بالأندلس في
عصره، والكمال لله تعالى .
ثم إن المجهولَ لا يخلو من أن يكون حديثُه معروفاً أو منكراً، فإن كان معروفاً فجهالتُه لا تضرُّ، وإن
كان منكراً وعُرِف تفرُّده به فهو - أي المجهول - ضعيفٌ محقَّقُ الضعف حتى لو رُفعتْ جهالتُه العينية برواية
اثنين فصاعداً عنه، أو لم تُرفع، فهو ضعيفٌ مجروحٌ خارجٌ من حيِّز المجاهيل إلى حيِّز الضعفاء المحقّقِ
ضعفُهم .
وبهذا الضابطِ يَعرفُ المتأخرون ضعفَ الراوي المتقدِّم عنهم، أو ثقته (١)، مع أنهم لم يَرَوْهُ ولم
يُعَاشِروه، بل يتكلَّمون في الرواة المتقدمينَ عنهم بمئات السنين ...
وذلك أنهم يعتبرون أحاديثَ الراوي ويتبَّعونها، فإنْ وجدوها موافقةً للأصولِ وأحاديثِ الثقات، لیس
فيها تفرُّد بغرائبَ ومناكير، وليس فيها قلبٌ ولا غلط ولا تخليط: حكموا بضبط الراوي وثقته (١)، وإن وجدوها
بخلاف ذلك: حكموا بضعفه وأنزلوه بالمنزلة التي تدلُّ عليها أحاديثه من كونه وضاعاً أو كثيرَ الخطأ
فاحشَه، أو غير ذلك مما له ألقاب تخصُّه(٢).
(١) كأن شيخنا يعني دخول الراوي في مرتبة القبول العام؟ على أن المُعَلِّميَّ جَنَح في ((التنكيل)) ١: ٦٧ إلى ظاهر هذا الكلام
بلسان حادٌّ، مع أن الواقعَ العامَّ وأقوال علماء أصول الحديث تخالف هذا، وقد أشرتُ ص ٢٣ إلى كلام ابن الصلاح
الذي فيه أن العدالة تُعرف بالشهرة، وبالنصِّ عليها، فلا تُعرف - بشكل عام - بمثل هذا الضابط. نعم يعبِّرون أحياناً عمن
هذا شأنُه بـ: صحيح الحديث ، أو حديثه صحيح، كما تجدُ هذا في كلام ابن معين الآتي ص ٦٥ - ٦٦ في حاجب بن
الوليد، وكلام أبي زرعة الآتي (٣٠٤٦)، وكلام الذهبي عن مالك بن الخير الزَّبَادي الآتي ص ٥٨، وكلامِه الآخَر الذي
نَقَلَه عنه القاضي زكريا الأنصاري، وسيأتي ص ٥٤، وآخرِ التعليق على (٤٢٨٢).
(٢) بل كان هذا شأنَهم مع الرواة الثقات ممن يُعهد منهم الخطأ، روى ابن حبان في مقدمة ((المجروحين)) ١: ٣٢ =

٢٧
فإذا جمعتَ هذا وتدبرتَه - الخطاب للسائل -: تعلم معنى قول الحفاظ المذكورين: إن المجهول إذا
روى عنه ثقة ولم (يأتِ بما) يُنكَرِ فحديثه صحيح، لأنه إذا أتى بما لم يُنْكَر فذلك دليلٌ على كونه ثقةً في
نفسه(١)، فإذا انضم إلى ذلك كونُ الراوي عنه ثقةً غيرَ ضعيفٍ بحيث يحتملُ اختلاقُه، أو مدلسٍ بحيث
يحتمل قصدُ إبهامِه وتركٍ اسمه لئلا يُعرف، لكونه ضعيفاً: فالحديث صحيح على ما تفيده القواعد.
أما الجمهورُ الذين نَقَل مذهبَهم الحافظُ في ((اللسان)): فلم يُراعُوا هذا التدقيق، وسَدُّوا الباب مرةً
واحدة، للاحتمال المتطرِّق إلى ذلك المجهول بكونه ثقةً أو كونه ضعيفاً، والاحتمالُ يَسقط معه الاستدلال،
وأكَّد لهم ذلك أن أغلبَ المجاهيلِ حالُهم كذلك - أعني: ضعفاء - لأنهم لو كانوا ثقاتٍ لاشتهروا وعُرِفوا بين
المحدثين، كما هو حال سائر الثقات.
ولا يخفى أن هذا المنزع فيه ضيقٌ وتشديد، قد يفوتُ معه كثير من الأحاديث الثابتة في نفس الأمر
ويَضيع العملُ بها، وأن مذهب ابن حبان وموافقيه ممن حكينا مذهبهم أولى بالنظر والقبول، لجمعه بين
المصلحتين. والله أعلم)).
٢ - الثّبت: بفتح الثاء المثلثة، وسكون الباء الموحدة وفتحها، وتاء مثناة. والأولى الاقتصار على
سكون الباء الموحدة، للتمييز بين الرجل الثَّْت، وبين الثَّبَت الذي هو الكتابُ الجامعُ لشيوخ المحدِّث ومروياته.
ومعنى ((ثبت)) في اللغة: المتثِّت في أموره.
٣ - المتقن: قال السخاوي رحمه الله في ((فتح المغيث)) ١: ٣٣٧: ((لا يزيد الإتقانُ على الضبط سوى
إشعاره بمزيد الضبط)).
فيكون وصفُ الثقة بـ ((متقن)) في قولهم: ثقة متقن: دليلاً على أنه ضابط ضبطاً أزيدَ من مطلق الثقة،
وهو بدرجة مَن يُوصف بـ (ثقة حافظ)). فقد سئل أبو زرعة عن أبي مَعْمر المِنْقَري عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج فقال: ((كان حافظاً ثقة)). قال ابن أبي حاتم ٥ (٥٤٩): ((يعني أنه كان متقناً)).
فينظرُ قولُ المصنف رحمه الله في ((المُوْقِظة)) ص ٧٦ - ٧٧: (( ... ثم ثقة حافظ، ثم ثقة
متقن))(٢) واشتهر قولُ الإِمام عبد الرحمن بن مهدي: ((الحفظُ: الإِتقانُ)) المذكورُ في ((الجرح)) ٢: ٣٥ - ٣٦.
= أن ابن معين جاء إلى عفان - بن مسلم الصفَّار - ليسمعَ منه كُتُب حماد بن سَلَمة، فقال له: ما سمعتَها من أحد؟ قال:
نعم، حدثني سبعةً عَشَرَ نفساً عن حماد بن سلمة، فقال: والله لا حدَّثتك. فقال يحيى: إنما هو درهم - أجرة الطريق -
وأَنْحَدِرُ إلى البصرة وأسمعُ من التَّبُوذَكي، فقال: شأنك، فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل - التبوذَكي -،
فقال له موسى: لم تسمعْ هذه الكتب عن أحد؟ قال: سمعتُها على الوجه من سبعةَ عَشَرَ نفساً وأنت الثامن عشر! فقال:
وماذا تصنع بهذا؟ فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطىء، فأردتُ أن أميِّز خطأه من خطأ غيره، فإذا رأيتُ أصحابَه قد
اجتمعوا على شيء علمتُ أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه وقال واحد منهم بخلافهم، علمتُ أن
الخطأ منه لا من حماد، فأميِّزُ بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أُخْطِىءَ عليه)). فانظر هل يقال في مثل هذا الإِمام ما ستأتي
الإشارة إليه آخر صفحة ٢٩.
(١) تأمَّل الفرق بين (قول الحفاظ المذكورين) وبين هذا الاستنتاج منه !.
(٢) مع أنه سَوَّى في مقدمة («الميزان)) بين: ثقة متقن، وثبت حافظ، فَلَأَنْ يسوِّي بين المذكورَيْن هنا من بابِ أولى.

٢٨
ومَنْ كان شأنُه التثُبُّت في أموره: فهو متقن، ولا يكون الرجل متقناً إلا إذا كان كلما عَرَض له شكٌّ في
محفوظٍ له أزال الشك بالمراجعة .
فالمتقن والثبْت سِيَّان متلازمان، إذْ لا يتمُّ الإتقان إلا بعملية التثبت.
٤ - وقد يكون الرجل ثقةً، ولا يكون حجةً، كما يُستفاد من قول الإمام يحيى بن معين في محمد بن
إسحاق صاحب ((المغازي)). ففي رواية الدوري عن ابن معين ٢: ٥٠٤ (١٠٤٧): ((ثقة ولكنه ليس
بحجة))(١) .
ونحوه قولُه في إسماعيل بن أبي أُوَيْس: ((صدوق وليس بحجة))، كما في ((فتح المغيث)) ١: ٣٣٨،
و ((توضيح الأفكار)) ٢: ٢٦٤ - ٢٦٥.
وقال يعقوب بن شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس اليّرْبوعي: ((ثقة وليس بحجة)) حكاه في ((تهذيب
التهذيب)) ١: ٥٠، و((فتح المغيث)) ١: ٣٣٨.
فإذا قالوا في رجل ما (حجة) فيكون قد جاز قنطرةَ النظرِ في حديثه: هل يحتج به أو لا؟
وهذه الألفاظ الأربعة وردت في ((الكاشف)) ويُلْحق بها لفظ خامس لم أُرَه فيه - فيما أذكر - أذكره
للفائدة وهو:
٥ - متين: ففي ((صحيح ابن خزيمة)) ٢: ٣١٢ (١٣٧٦) عن الإمام محمد بن يحيى الذُّهْلي أنه قال
في حجاجٍ الصواف: ((متين))، وفسَّرها ابن خزيمة بأنه يريد: ((ثقة حافظ)). ففيها الدلالة على مزيد الحفظ،
فهي بمثابة قولهم: متقن، والله أعلم.
٦ - موثّق (١٤٨٨): وظاهرُ هذا التعبيرِ يفيد أن صاحبَه مُلحَقٌ بالثقة إلحاقاً ولم يُسَلَّم له وصولُه مرتبة
(الثقة)، فهو دونها، نظير تفرقتهم بين: ضعيف ومضغَّف، وضعيف ومتكلّم فيه، وصحيح ومصحَّح، وحلال
ومحلَّل ... ، لكنْ عكّر عليَّ قول الحافظ في مقدمة ((لسان الميزان)) ١: ٤ عن رجال ((التهذيب)): ((إما
أئمةٌ مُوثَّقون، وإما ثقات مقبولون ... ))، فوصف الأئمة بأنهم موثقون، وكذلك جاء النصُّ في النسخة الخطية
من ((اللسان)) المحفوظِ أصلُها في مكتبة أحمد الثالث بإصطنبول، فقد راجعتها خشيةً أن يكون صواب
ما في النسخة المطبوعة: أئمة موثوقون .
ثم سألت عنها شيخنا العلامة المحدِّثَ الصليع الشيخ عبد الله الصديق الغماري حفظه الله تعالى
حين زيارته المدينة المنورة في شهر رجب من هذا العام ١٤١٠، فقال: مراد الحافظ أنهم متفق على
ثقتهم .
وهذا المراد هو المتعيِّن من سياق كلامه، لكنْ هل هذا يُسَوِّغ استعمالَ هذه اللفظة في هذا المقام؟ .
والرجلُ الذي أشرتُ إلى ترجمته برقم (١٤٨٨) وقال عنه المصنف (موثق) قال عنه المصنف نفسه في
((الميزان)) ٢ (٢٦٩٧) حكماً من عنده: ((ثقة)).
(١) انظر ((التعديل والتجريح)) للباجي ١: ٢٨٥.

٢٩
٧ - ومن ألفاظ التعديل في الكتاب: وثّقه فلان، مثل: وثقه أحمد، وثقه ابن معين، وثَّقه النسائي،
وثقه الخطيب (١٤٤٠)، وثقه بَحْشَل (١٠٤٥)، وثقه العجلي (٣٤٣)، وثقه ابن حبان (١٢٧)، وهكذا، يقِّد
التوثيق برجل من رجال الجرح والتعديل.
فقد يكون الرجل ثقةً دون اختلاف فيه وخصَّه الذهبي بالذِّكْر، وقد يكون فيه اختلاف فاختار توثيقَه
ونصَّ على مَنْ وثقه، ولا تَهُمُّني الأمثلة كثيراً بقدر ما يَهُمُّني التنبيه إلى أن المترجَم إنْ كان ثقة - كما يفيده
صريح الكلام - سكتُّ عنه، وإن كان غير ذلك نبهتُ إليه في التعليق بالنقل عن ((التقريب)) أو بغير ذلك.
ويلاحظ أن ابن حجر رحمه الله يقول غالباً عمَّن يوثقُه الخطيبُ، ومَسْلَمة بنُ قاسم القرطبيُّ،
ونحوهما: صدوق، ويُشْكل هذا في جانب الخطيب، فإنه قد نصَّ في كتابه ((الكفاية)) ص ٢٢ على أن أرفع
عبارات التعديل: ((أن يقال: حجة أو ثقة))، فحينما يقول في راوٍ (ثقة): لا بدَّ أنه راعى هذا الاصطلاح،
فكيف نَنزل بقوله إلى: صدوق ! .
وأما توثيقُ العجلِّ :
فقد قال المصنف في ترجمة عبد الملك بن سَبْرَة بن الربيع الجُهَني: ((ثقة وضعَّفه ابن معين)) مع أنه
لم يذكر فيه إلا توثيق العجلي له فاختاره مع أن ابن معين ضعَّفه! حتى لو أخذنا بقوله في ((الميزان)) ٢
(٥٢٠٥): ((صدوق إن شاء الله)): لكان مخالفاً للمعلِّمي - ومتابعيه - أيضاً، ذلك أنه حكى هناك تضعيفَ
ابنِ معين، وقولَ ابنِ القطان ((لا يحتج به))، ومع ذلك قال: ((صدوق إن شاء الله)).
وقال في أول ترجمةٍ في ((ميزانه)): ((قال أبو الفتح الأزدي: متروك. قلت: لا يترك، فقد وثقه أحمدُ
العجليُّ)). وفي المطبوع: أحمد والعجلي، والواو زائدة فتحذف، كما في ((الرفع والتكميل)) ص ٢٧١.
وفي ((تهذيب التهذيب)) ١: ٤٢٧ ترجمة البراء بن ناجية: ((قال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وأخرج هو والحاكم حديثه في صحيحهما وقرأت بخط الذهبي ((في الميزان)): فيه جهالة لا
يعرف. قلت: قد عَرَفه العجلي وابن حبان فيكفيه)).
وفي ((التهذيب)) أيضاً ٤: ١٩ ترجمة سعيد بن حيَّان التَّيْمي: ((ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال
العجلي: كوفي ثقة، ولم يقفْ ابن القطان على توثيق العجلي، فزعم أنه مجهول)).
وقال أيضاً في ترجمة كثير بن أبي كثير البصري مولى عبد الرحمن بن سَمُرة: ((قال العجلي: تابعي
ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات ... ، وزعم عبد الحق تبعاً لابن حزم أنه مجهول، فتعقّب ذلك عليه
ابن القطان بتوثيق العجلي)).
فهذه شواهد على اعتماد العلماء توثيق العجلي، وأنه ليس كما قال المعلِّمي رحمه الله في ((التنكيل))
١: ٦٦، وفي تعليقه على ((الفوائد المجموعة)» ص ٢٨٢: يوثق المجاهيل من القدماء، وأنه أشدُّ تسهُّلاً من
ابن حبان في توثيق التابعين! وليس حالُ ابن سعد وابن معين والنسائيِّ في التوثيق كما زعم عليهم، بل لقد
جار وقَسَطَ في حقِّ ابن معين، وأساء الظنَّ والاتهامَ لابن عبد البر، وتخرَّص على السيوطيِّ، رحمهم الله
تعالى، انظر ((التنكيل)) ١: ٦٧، ١٥٢، والتعليق على ((الفوائد المجموعة)) ٣٠، ٣٥٥، وهو يشهد على
نفسه بالتشدُّد، انظر صفحة (د) من مقدمة ((الفوائد).

٣٠
وأما موقف الذهبي ممن ينفرد ابن حبان بتوثيقه: فإنه تارة يعبِّر عنه في حقِّ الراوي فيقول: ثقة، وتارة:
صدوق، وتارة: وثَّق - وقد يضعُ فوقها رمز: حب - ولفت نظري أنه قال في عبد الله بن مالك الهَمْداني:
((شيخ)). وهو ممن ذكره ابن حبان في ((ثقاته)). ولعلها مرة واحدة لم تتكرر.
أما مراتُ قوله ((ثقة)): فكثيرةٌ، أحصيتُ منها تسعاً وستين مرة، وأما مراتُ قوله: ((صدوق)) فقليلة جداً: سبعُ
مرات، وأما استعماله كلمة ((وثق)): فكثير جداً لا داعي لإِحصائه.
وهذه أرقام تراجم من وثقهم: ٣٥٤، ٣٦١، ٣٨٣، ٧٧٧، ٧٩٥، ٨٠٨، ١٠٧٢، ١٢٨٣، ١٥٠٧،
١٦٠٩، ١٦٢٨، ١٧٤١، ١٧٧٠، ٢١٢٠، ٢١٨٨، ٢٢٥٥، ٢٢٦٤، ٢٣٤١، ٢٣٥٢، ٢٣٥٥، ٢٤٨٩،
٢٦٠٣، ٢٦٢٩، ٢٦٨٣، ٢٠٠٥، ٢٨١٦، ٢٨٣٣، ٢٨٥٨، ٢٩٢٧، ٢٩٦٤، ٣٠٣٩، ٣٠٤٣، ٣٠٦٠،
٣٣١١، ٣٣٨٣، ٣٤٧٥، ٣٤٨٩، ٣٥١٢، ٣٥١٥، ٣٥١٨، ٤١٥٤، ٥٠٧٣، ٥١٤٦، ٥٤٢٥، ٥٥٨٩،
٥٦٢٩، ٥٦٧٥، ٥٧٠٠، ٥٧٩٥، ٥٩١٥، ٥٩٣٣، ٥٩٥١، ٦٠٦٤، ٦٠٦٥، ٦١١٥، ٦٣٢٠، ٦٣٢٧،
٦٣٤٨، ٦٣٤٩، ٦٣٧٣، ٦٣٩١، ٦٤١٣، ٦٥٠٣، ٦٦٩٢، ٦٧٣٠، ٦٧٦٧، ٦٨٠١، ٦٨٣٤، ٦٩٠٧،
وانظر لزاماً التعليق على رقم: ٥٩١٥، ٥٩٣٣.
وأرقام من قال فيهم ((صدوق): ٣٥٣، ٢٨٩١، ٢٩٠٧، ٣٠٠٨، ٣١٤٩، ٣٢١١، ٣٤٦٣.
ولكنْ لا بدَّ من التنبيه إلى أنه قد يقول ((وثق)) وفي الرجل توثيق من غير ابن حبان، مثل: صّدَقة بن
المثنى النخعي، وثقه أبو داود وابن حبان، وعاصم العدوي: لم يحكِ المزي إلا توثيق النسائي - وهو في
((ثقات)) ابن حبان - فقال الذهبي: وثق، وعبَّاد بن موسى الخُتَّلي وثقه ابن معين وأبو زرعة وصالح جَزَرة وابن
حبان، وعبَّد بن نُسَيب وثقه ابن معين وابن حبان. وهذا نادر.
وقد يقتصر المزي على توثيق ابن حبان فيقول الذهبي: وثق، ويكون فيه توثيق من غير ابن حبان، كما
حصل له في سليمان بن سنان. وهذا نادر أيضاً.
وهذه الأنحاء الثلاثة التي وقفها الذهبي من توثيق ابن حبان: ثقة، صدوق، وثق، جاء مثلها من ابن
حجر في ((التقريب))، فهو يقول: ثقة، صدوق، مقبول، وهذا اللفظ الأخير هو الأكثر الأغلب، وهو يعادل من
كلام الذهبي: وثق، وهو أولى وأدقُّ من ((مقبول))، لأن للمقبول اصطلاحاً خاصاً عند ابن حجر: من لم يروِ
من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك من أجله، وتُوبع، فإذا لم يتابع قال عنه: لَيِّن الحديث.
وقد أحصيتُ من وثقهم ابن حجر في ((التقريب)) وانفرد ابن حبان بتوثيقهم فبلغ عددهم واحداً وعشرين
رجلاً، ولا ريبَ عندي أن هناك آخرين سواهم، وهذه أرقام تراجمهم في ((التقريب)): ١٧٠١، ١٨٦٣،
٢١٤٣، ٢١٤٩، ٢٤٤٨، ٢٧٨٥، ٣٠٢٤، ٣٠٤٨، ٣٢١٠، ٤٢١٤، ٤٣٠٧، ٤٤٤٢، ٤٨٢٨، ٥٠٥٢،
٥٠٩٠، ٥٤٧٤، ٧٢٨٠، ٧٧١٠، ٧٧٦٣، ٨٢٠٥، ٨٤١٩، لكنه قال عن هذا الأخير ((مقبول)) تحت رقم
٤٥٢٤.
وسَبَقه الذهبيُّ إلى توثيق ثلاثة منهم، وأرقامُهم في ((الكاشف)): ١٥٠٧، ٥٩٥١، ٦٣٤٨.
وهذه أرقام من قال فيهم ((صدوق)) من ((تقريب التهذيب)): ٢٤٣، ٢٧١، ٣٢٥، ٤٥٣، ٤٩٧، ٥٨٥،
٦٦٨، ٦٩٥، ٦٩٦، ١٢٩٢، ٢٢٢٤، ٢٢٥٢، ٢٢٥٦، ٢٧٦٣، ٣٠٥٩، ٣٠٨٠، ٣٢٠٩، ٣٢٣٢،

٣١
٣٣٤٨، ٣٣٧٠، ٣٥٣٠، ٣٥٥٣، ٣٥٦٩، ٣٦٢٤، ٣٧١١، ٣٨٥٩، ٤٠٤٤، ٤٠٦٩، ٤٠٩١، ٤١٨٣،
٤٢٥٣، ٤٢٥٦، ٤٢٦٠، ٤٣٥٤، ٤٦١٧، ٤٦٨٠، ٤٦٩٣، ٤٦٩٧، ٤٧١٨، ٤٨٢٨، ٤٩٠٠، ٤٩١٤،
٤٩٢٩، ٤٩٥٠، ٥٠٦٠، ٥٠٦٣، ٥١٣١، ٥٤٨١، ٦١٧٠، ٦٢٨٥، ٦٣٣٤، ٧٧٩٨. فمجموعهم اثنان
وخمسون رجلاً، وثمة آخرون جزماً.
أما من قال عنهم ((مقبول)): فكثيرون جداً لا داعي إلى إحصائهم.
وقد قلَّبتُ وجوه النظر كثيراً لَتَعرفَ على ضابط ينتظم في سلكه سببُ توثيقٍ - أو تصديقٍ - هذين
الإمامين لمن انفرد ابن حبان بتوثيقهم، فلم أقفْ على ما أطمئن إليه.
وزَعم بعض الناس على الإمامين الذهبي وابن حجر أن سببَ ذلك عندهما: روايةُ عددٍ من الثقات عن
الرجل! وهذا إن صحَّ في عدد من الأمثلة، فإنه لا يصح في عدد آخر كثير.
فقد اتفق الذهبيُّ وابن حجر على توثيق زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يروِ عنه إلا اثنان!
في حينٍ أن وهب بن مانوس روى عنه اثنان أيضاً، فوثقه الذهبي وقال ابن حجر: مستور.
وميمونُ بن الأَصْبَغ: وثقه الذهبي وقال ابن حجر: مقبول، وقد روى عنه اثنان وثلاثون رجلاً !!.
والزبير بن الوليد: وثقه الذهبي وقال ابن حجر: مقبول، ولم يروٍ عنه سوى واحد !!.
وإسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي: روى عنه أربعة، ووثقه الذهبي، وقال ابن حجر: لين الحديث.
وعبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، وعبد الله
ابن الوضاح اللؤلؤي، روى عن كلّ منهم أكثرُ من عشرة، وقال عنهم ابن حجر: مقبول، ووثقهم الذهبي.
في حين أن ابن حجر قال صدوق عن كلٍّ من: عبد الوهاب بن عبد الكريم الأشْجعي، ومحمد بن
عمر بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن مُزَاحم، والوليد بن سَريعٍ، وقد روى عن كلِّ واحد منهم عشرة
فأكثر، فما الفرق بينهم وبين من قبلهم؟! أما الذهبي فوثقهم أيضاً.
وشَرِيكُ بن حَنْبل العبسيُّ قال فيه الذهبي هنا: وثق، وقال في ((الميزان)) ٢ (٣٦٩٣): ((لا يُذْرَى من
هو، ووثقه ابن حبان)) ولم يروِ عنه إلا اثنان، ومع ذلك قال ابن حجر: ثقة !.
في أمثلة كثيرة لا داعي إلى الإطالة بها، لكني أنّبِّه القارىء الكريم إلى ضرورة التنبّه إلى هذه
الجوانب أثناءَ قراءةِ التعليقات، فقد كنتُ أشير إليها إشارةً دون تصريح، إما بنقل كلام ابن حجر ((مقبول))،
وإما بالإحالة على ترجمة المترجم من ((ثقات)) ابن حبان بذكر الجزء والصفحة.
واختلافُ هذين الإمامين في الحكم على الرجل، بل تباينُهما في الحكم - مِن: ثقة إلى: لِيِّن،
ومِن: ثقة إلى: مستور - لَهُوَ أَدَلَّ دليل على عدم صحةِ اعتبارهما كثرةَ الرواة الثقات عن رجل، مع توثيق ابن
حبان له: سبباً لتوثيقه .
أما ما جاء في ((فتح المغيث)) ١: ٢٩٨: ((كثرةُ رواية الثقات عن الشخص تقوِّي حسنَ الظن فيه)) ففيه:
أن هذا أمر غيرُ التوثيق والتصديق، كما هو واضح من العبارة نفسها، ومن سياقها هناك، وفيه أيضاً: أن هذا

٣٢
حكمٌ عامٌّ، فلا ينسحبُ على أحكام إمامين لا ندري ما موقفُهما منه، قَبِلاه أو ردَّاه، لا سيما أن في
كتابيهما أمثلةً تُخالفُ ما فُهِم من كلامهما. والله أعلم.
وخلاصة هذا كله: أن هذين الإمامين كثيراً ما يأخذان توثيقَ ابن حبان بالاعتبار والاعتماد، يُضاف
إليهما اعتمادُ أئمةٍ آخرين عليه، منهم :
الحافظُ الزيلعي رحمه الله صاحب ((نصب الراية))، فإنه قال ١ : ٧٣ عن حديث زينب السَّهْمية عند
ابن ماجه: ((سنده جيد))، من أجل أن ابن حبان ذكرها في ((ثقاته))، مع أن الدارقطني قال عن حديثها في
((سننه)) ١: ١٤٢: ((مجهولةٌ لا تقوم بها حجة)) وقال ابن حجر: ((لا يُعرف حالها)» ولم يَرْوِ عنها سوى اثنين:
أخيها شعيب، وابنهِ عمروٍ، فهذا ذَهابٌ منه إلى توثيق ابن حبان لها، والله أعلم. وانظر منه ٢ : ٣٢ .
ومنهم: زميلُه ومرافقُه العراقيُّ، فإنه لما عمل كتاباً في الرجال - وكتب منه قسماً يسيراً فقط(١) - كان
يَحرِص جداً على حكاية توثيق ابن حبان للرجل، ولو كان فيه توثيقُ عددٍ من غيره من الأئمة.
وتجدُ هذه النقول في ((حاشية الكاشف)) هذه ابتداءً من رقم ١٧ إلى ٢٠٠، فتأملْها تجدْ أسلوبَه وعبارتَه
يدلان على اهتمامه به، وانظر على سبيل المثال رقم ١٤٩، ١٥٤ .
وورثَ عن الحافظِ العراقي هذا تلميذاه: نورُ الدين الهيثميُّ، وسبطُ ابنُ العجمي.
أما الهيثميُّ: فمشهورٌ بذلك في كتابه ((مجمع الزوائد)).
وأما البرهانُ سبط ابن العجمي: فقال في مقدمة كتابه ((نَّثْل الهُمْيان في معيار الميزان)) - الآتي وصفه
صفحة ١٣٢ - وهو يذكُر منهجه في استدراكاته على ((ميزان الاعتدال)): ((ورأيتُ المؤلفَ قد اقتصر على
تضعيفِ أشخاصٍ أو تجهيلهم، وقد ذكرهم بعض الحفاظ ... وغالبُهم في ((ثقات)) ابن حبانا.
فإنْ قيل: وإذا كان كذلك فما فائدة ذِكْركَ إياه من ((ثقات)) ابن حبان؟.
فالجوابُ : أنه يكونُ قد اجتمع فيه جرحٌ وتعديلٌ، وهذه مسألة خلافٍ.
فإن قيل: إن المؤلف قد قال في ((الميزان)) في ترجمة عمارة بن حديد - ٣ (٦٠٢٠) -: لا يُفْرَح بذكر
ابن حبان له في ((الثقات))، فإن قاعدتَه معروفةٌ من الاحتجاج بمن لا يعرف، انتهى. وقال في ((الكاشف)) في
ترجمة يوسف بن ميمون - (٦٤٥٥) -: ضعَّفوه، فلا عبرةَ بذكر ابن حبان له في ((الثقات)) - انتهى :
فجوابُه: أن ذكر ابن حبان في ((الثقات)) له شيء في الجملة(٢)، كيف وقد قال الإِمامُ الحافظُ المحققُ
أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الحِمْيريُّ الكُتَامِيُّ الفاسيُّ ابنُ القطان، في
(١) انظر ص ١١٤.
(٢) جاء نصُّ البرهان أولاً هكذا: ((فجوابه أن ذكر ابن حبان له سى في الجملة)) ثم وضع لَحَقاً بعد (له) إلى جهة اليمين
وكتب: ((في الثقات))، فصار الكلام: ((فجوابه: أن ذكر ابن حبان له في ((الثقات)) سى في الجملة))، فالضمير في (له) يعود
على الشخص، وتبقى كلمة (سى) غير واضحة القراءة - لأنها غير منقوطة - وغير واضحة المعنى، فقدَّرت أن يكون حصلَ
سَبْقُ قلم للبرهان في مكان اللَّحَق، وأن الصوابَ وضعُه قبل (له) لا بعده، ويكون ترتيب الكلام وقراءته ومعناه كما أثبتٌ.
والله أس م.
وعلى كل: فالمعنى العامُّ ومرادُ البرهان من الكلام: واضح، وهو أن ذِكْر ابن حبان للرجل في ((ثقاته)) له قيمةٌ
واعتبار، لا كما هو شائعٌ في حقُّه.

٣٣
كتاب («بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام)) لعبد الحق - وهو كتابٌ نفيسٌ جداً، يدلُّ على فَرْطِ،
ذكائه وكثرةِ حفظه ومعرفته، وقد وقفتُ عليه بالقاهرة، ووقفتُ على ترتيبه على ترتيب عبد الحق، للإِمام
علاء الدين مُغْلَطاي البَكْجَريِّ بخطه، ولكنْ لم أُمْعِن النظر فيه -: ((إن الشخص إذا زكّاه واحد من أئمة الجرح
والتعديل مع رواية واحد عنه: قُبِل، وإلا فلا)). انتهى.
وهذا اختيارٌ له، وهو قول من خمسة أقوال في مجهول العين)). انتهى كلام البرهان.
وتلميذُ العراقيِّ الثالث - وهو ابن حجر - وتقدَّم أمره، وهذا نقل آخر عنه.
قال في ((فتح الباري)) ٩: ٥٩١ كتاب العقيقة - باب إماطة الأذى عن الصبي، عن حَوْثَرَةَ بنِ محمد :
((احتج به ابن خزيمة في ((صحيحه))، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، فالإسناد قويٌّ، إلا أنه شاذ ... )) ولم
نُعَلَّه بحوثرة .
واعتمد في ((الفتح)) ٧: ١٦٠ آخر باب القَسَامة فى الجاهلية رواية عيسى بن حِطَّان قصةً عمرو بن
ميمون راجمِ القِرْدة، وعيسى لم يوثقه غير ابن حبان. وانظر لزاماً ((فتح القدير)) لابن الهمام ١ : ٦٧ .
ومن المعاصرين: العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى، فإنه يعتمد ذلك كثيراً في
تعليقاته على ((مسند أحمد)) و((سنن الترمذي)) وغيرهما.
وكذلك شيخنا جهبذ العصر مولانا العلامة الحجة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي حفظه الله ورعاه،
فقد كتب إليَّ في جواب سؤالي عن رأيه في ذلك: ((وأما توثيق ابن حبان إذا انفرد: فهو مقبولٌ عندي، معتدٍّ
به، إذا لم يأت بما ينكر عليه)).
ثم جاءني جواب شيخنا العلامة حافظ المغرب الشيخ عبد الله الصدِّيق الغُمَاري حفظه الله تعالى،
وفيه جوابٌ مُماثِل لجواب شيخنا الأعظمي، فالمعنى هو المعنى، والاستدلال هو هو !.
وسيأتي تمام ذلك إن شاء الله عند الحديث عن المجاهيل ص ٥٥.
وقبل إنهاء الحديث عن هذه الفِقْرة السابعة: أُنّبِّه إلى ضرورة التنبُّه إلى ما في قولهم حين حكاية
توثيق راوٍ عن عدد من الأئمة، يقولون: وثقه فلان وفلان ... ، ويكون من جملة هذه التوثيقات: لا بأس به،
محله الصدق، ونحوهما من الألفاظ النازلة عن مرتبة: ثقة.
ويقولون أحياناً: حديث كذا: رواه من الثقات فلان وفلان ... ، ويذكرون بينهم من فيه كلام كثير
بحيث لا يوثق بحال، نعم، هو غير مدفوع عن الصدق، كقول الدارقطني في ((سننه)) ١: ٨٩: ((خالفه جماعة
من الحفاظ الثقات، منهم: زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري .. ، وحجاج بن أرطاة))، مع ما تراه من كلامه
فيه ٣: ١٧٤ - ١٧٥، ومن جملته: ((ترك الرواية عنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن
يونس بعد أنْ جالسوه وخبروه، وكفاك بهم علماً بالرجال ونُبْلاً)».
فتنبغي مراجعة مثل هذه الأمور، والتثبت من ألفاظهم.
ونحو هذا: قولهم: ضعَّفه فلان وفلان .. ، ومراتب ألفاظهم في تضعيفه متفاوتة. وانظر ص ٧٦.
٨ - ومن ألفاظه: صدوق، ويَستعملُ: صدَّقه فلان، كما يقولون: ثقة، ووثقه فلان، وضعيف، وضعَّفه
فلان. قال في أحمد بن عبد الرحمن البُسْري: ((صدَّقه أبو حاتم)).

٣٤
وسَلَفُ المصنفِ في هذ الاستعمال: ابنُ عدي، فإنه قال آخر ترجمة عاصم بن علي الواسطي من
((الكامل)) ٥: ١٨٧٦: ((ضعَّفه ابن معين، وصدَّقه أحمد بن حنبل وصدَّق أباه وأخاه)).
والحديث عن كلمة (صدوق) ومراحلها في استعمالات الأئمة لها: طويلٌ، يَستأهِلُ أن يُفْرد في جزء،
لكنْ مما يُفيدُ ذِكْره هنا - مع التنبيه إلى ضرورة نقل كلمات الجرح والتعديل على وجهها - ما أسنده الإمام
مسلم في ((التمييز)) ص ١٧٦ (٢٣) إلى شعبة بن الحجاج أنه قال: ((شكَّ ابن عون أصدقُ عندي من حديث
آخر عندكم، صدوق صدوق)).
فـ (صدوق) هنا: بمنزلة قوله: ثبت، أو متقن، أو حجة، يريد بها التأكيد على شدة ضبط ابن عون،
بقرينةِ أولِ كلامه، ومن الخطأ الكبير في مثل هذه الحال أن يُقال مثلاً: قال شعبة في ابن عون: صدوق،
مرة واحدة، أو مرتین، دون نقل صدر كلامه.
٩ - واستعمل رحمه الله: صُدِّق، قال ذلك في سليمان بن منصور البلخي، وهي مثل قولهم: وُثِّق،
وضُعِّف.
١٠ - واستعمل أيضاً: ضُعَّف، قالها في إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر.
١١ - وكذلك: لُيِّن، قالها في محمد بن عثمان بن صفوان الجُمَحي.
ويلزم من استعماله هذه الألفاظ الأربعة: وُثق، صدِّق، لِيِّنٍ، ضعِّف: أن تكون قد قِيلت في الرجل، فلا
يصح لي أن أقول في فلان (وُثق) إلا وقد قيل فيه: ثقة، وهكذا سائرها، لكنك تجدُ في التعليق على
سليمان بن منصور أني لم أجدْ في ترجمته من قال فيه (صدوق) وإن كان الرجلُ من أهل هذه المرتبة.
وقال عن محمد بن عثمان الجُمَحِي: (لُيِّن)) - وضَبَطَها كذلك بقلمه - وبمراجعة ترجمته في مصادرها
الأصلية والآخذة عنها تبيّن أن أبا حاتم قال فيه ٨ (١٠٨): ((هو منكر الحديث، ضعيف الحديث))، فلم يقل
فيه أحد (لَيِّن)، وحالُه أشدُّ ضعفاً من حال مَن فيه تليين. وحصل له نحو هذا في محمد بن فُلَيح (٥١١٦).
ولم أَضبطْ أبداً كلمة ((لين)) لا بفتح اللام ولا بضمها، لاحتمال رسمها الوجهين، ويترتب عليه اختلاف
المعنيين، هل هي بفتح اللام، وتكون حكماً من المصنف على الرجل، أو بضم اللام، وتكون حكايةً منه
لقول الآخرين المتقدمين؟ وإن كنت أرجِّح أنها بضم اللام، على شاكلة استعماله الألفاظ الأخرى: وثّق،
صدِّق، ضعِّف، فإنها لا تحتمل وجهاً آخر، ولكون المصنف ضبطها كذلك في الموضع المشار إليه (٥٠٤١).
وقد استعمل ((لين)) - كما رأيتَ - فيمن بلغ مرتبة التليين وزيادة.
واستعمل ((ضُعَّف)) في إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وقد اتّفِقِ على تضعيفه، بل استعملها في
سليمان بن عبد الحميد البَهْراني موضع قول النسائي: ((كذاب ليس بثقة))!
فلا بدَّ من مراجعة المصادر الأصلية، أو المصادر التي تُعْنَى بنقل ألفاظ الجرح والتعديل بدقة، ومنها
كتاب الإمام المزي ((تهذيب الكمال)) - غالباً -...

٣٥
ويحتِّم مراجعة الأصول: أن المصنف قد لا يُعبِّر بما يُعطي مدلولاً تاماً للكلمة الأصلية في الرجل،
مثال ذلك قوله في داود بن رُشيد الطّفاوي: (لَّنه ابن معين)» مع أن لفظه - كما نقلته في التعليق عليه -:
((ليس بشيء)). وفرق كبير بين اللفظين.
ومثلُه تماماً ما حصل له في ترجمة داود بن عبد الله الأوْدي - وإن كان فيه متابعة للمزي في وهم حصل له - .
وبمناسبة حديثي عن تحتُّم مراجعة الأصول أصوِّر للقارىء ما حصل ليَ الآن.
كتبتُ في المسوّدة هذا الكلام الذي تراه، وأن التليين شيء، و((ليس بشيء))، شيء آخر، وأن الفرق
بينهما كبير، ثم رأيتُ في ((تهذيب التهذيب)) ٨: ٣٩٣ ترجمة قيس بن الربيع الأسدي: ((وقال المُرُّوذي:
سألت أحمد عنه فليِّنه وقال: كان وكيع إذا ذكره قال: الله المستعان)).
ففهمت منه أن ((وقال)) معطوف على ((فليَّنه))، ويكون المعنى حينئذ أن حكايةَ الإمام أحمد كلامَ وكيع :
استدلالٌ منه على تليينه. والمآلُ: أن تعبير المصنف بـ ((لَّنه ابن معين)) عن ((ليس بشيء)): أمرٌ سائغ
مستعملٌ نظيرُه من المتقدمين، فلا يُستنكر وقوعه من المصنف. هكذا فعلت، كتبت إشارة إلى هذا النص
في المسوّدة، ولما وصلت إليه الآن، بدا لي أن أَعِدل عما كتبتُ كلياً، أو أن أتركه كما هو، وأنّبِّهَ إلى هذا
النص، وأرجعَ إلى مقتضاه.
لكني طبقتُ المبدأ الذي مشيتُ عليه خلالَ خدمتي الكتاب جميعه، والمبدأ الذي أدعو إليه قبل سطر
واحد، فرجعتُ إلى رواية المُرُّوذي عن الإمام أحمد فرأيت فيها ما يلي :
جاء في فقرة (٢٠٦): ((سألته عن قيس بن الربيع، فليَّنه، قلتُ: أليس قد روى عنه شعبة؟ قال:
بلی)).
ثم جاء في فقرة (٢٢٨): ((وقال - أحمد -: كان وكيعٌ إذا ذكر قيسَ بن الربيع قال: الله المستعان))،
فلا ارتباطَ لفظي بين الفِقْرتين، أعني: أن قوله: ((وقال: كان وكيع ... )) ليست تفسيراً للتليين ولا للاستدلال
عليه، ورأيُ الإمام أحمد فيه: التليينُ، أما رأيُ وكيعٍ فيه: فالتضعيفُ الشديد، لأن قولهم: ((الله المستعان))
في رجلٍ ما، من مراتب الجرح الشديد، كما قرَّره بشواهده شيخنا العلامة المحقق الكبير الأستاذ الشيخ
عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى في تعليقاته على ((الرفع والتكميل)) ص ١٧٣ فما بعدها، وهذا النص
الذي ذكرته: منها .
ومن النظر في ((ثقات)) ابن حبان ٥: ٢٥٦، و((المجروحين)) له ١: ٣٥٧ يبدو أن قولهم ((الله
المستعان)) من المرتبة الثانية، كما هو ظاهر كلام شيخنا آخر بحثه.
فتبيّن من مثالٍ شاهدٍ قريبٍ ضرورةُ الرجوع إلى المصادر الأصلية، لتكون النتائج: ((سدِّدوا وقاربوا)).
وقد كنتُ حريصاً على لفت النظر إلى هذا المعنى في التعليق بقدر ما أمكنني التنبُّه له والتنبيه إليه،
ومع ذلك أدعو القارئ إلى أن لا يقفَ عند حدود تنبيهاتي، بل عليه بالرجوع إلى المصادر الأصول، فإنها
خزائنُ العلم ومعادنُه .
١٢ - ومن ألفاظه في التعديل: ((محلّه الصدق)) (٢٠٥٢)، وهي دون قولهم: ((صدوق)) وقريبٌ جداً من

٣٦
قولهم: صدوق إن شاء الله، حيثُ إن كليهما ليس فيه جزمٌ ببلوغ الراوي مرتبةَ الصدوق، لأن معنى (محله
الصدق): أنه مظِنّة الصدق.
وإذا كنا نحسِّن حديث الصدوق، فمن يقال فيه (محله الصدق): نتوقّف في تحسينه.
قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢: ١٣٣ آخر ترجمة إبراهيم بن مهاجر البجلي: ((سمعت أبي
يقول: إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب قريبٌ بعضهم من
بعض، محلُّهم عندنا محلُّ الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم. قلت لأبي: ما معنى لا يحتج
بحديثهم؟ قال: كانوا قوماً لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثهم اضطراباً ما
شئت)). أي: كثيراً.
فبان بهذا أن ((محله الصدق)) وصف للرجل سِّىء الحفظ، وأن الاضطراب الواقع في روايته: عن غير
قصدٍ وسوءٍ نّيَّة، فهو مدفوعٌ عن الضبط لا عن مطلق الصدق، قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في
((التدريب)) ص ٢٣٢: ((إن ((صدوقا) مبالغةٌ في الصدق، بخلاف ((محلُّه الصدق))، فإنه دالٌ على أن صاحبها
محلُّه ومرتبته مطلق الصدق)).
وبان بهذا أيضاً أن ((محلُّه الصدق)) و((ليس بقوي)) و((يكتب حديثه ولا يحتج به)) كلَّها بمرتبةٍ واحدةٍ
سواءٍ عند الإمام أبي حاتم، وأرى أنها لا تختلفُ عند غيره أيضاً، على أن هذه الألفاظ لا تكثر إلا في كلام
أبي حاتم، سوى ((ليس بقوي)) فإنها تكثر في كلامهم جميعاً.
١٣ - وفي الكتاب ألفاظٌ متقاربة، ويُلحَق بها ألفاظٌ أيضاً تقرُب منها من حيث المدلول وهي من زمرتها
اللفظية، فأنا أجمعها إلى بعضها وأشير إلى مراتبها .
١" - لا بأس به.
٢" - ليس به بأس.
٤" - لا أعلم به بأساً.
٥" أرجو أنه لا بأس به.
٣" - ما أرى به بأساً.
٦" - ليس بحديثه بأس.
هذا ترتيبها فيما أرى. والله أعلم.
أما اللفظة الأولى والثانية: فمن مرتبة واحدة تماماً.
والثالثة والرابعة دونَهما، إذْ في الأُولَبين جزمٌ، وإشارةً إلى أنه حكم عام، منه ومن غيره، أما هاتان
ففيهما الخلوُّ عن هذين الملحظَيْن. و((ما أرى)) بمعنى ((لا أعلم)).
وأما الخامسة: فواضحٌ أن نفي البأس عنه من باب الرجاء، و((لا يلزم من عدم العلم حصول
الرجاء))(١).
وأما السادسة: فأخَّرتها لأن نفي البأس عن حديثه لا عنه ذاته، وقد يكونُ مرادُ قائلها أن جملة أحاديثه
مستويةٌ لا بأس بها، أما الرجل فله فيه وَقْفَة، وقد يكونُ مرادُه حديثاً معيناً سُئل عنه فنفى عنه البأس. والله
أعلم.
(١) كما قال العراقي في ((شرح ألفيته)) ٢: ٦.

٣٧
ثم إنه اشتهر أن ابن معين يسوِّي بين ((لا بأس به)) و((ثقة)). شَهَر ذلك عنه الإمام ابن الصلاح في
((مقدمته)) في النوع الثالث والعشرين: معرفة من تقبلُ روايته ومن تردُّ، تحت المسألة الخامسة عشرة ص ١٣٤
من حاشية العراقي عليه، معتمداً على ما حكاه عن ابن معين تلميذُه وراويتُه ابنُ أبي خيثمة، قال: ((قال ابن
أبي خيثمة: قلتُ ليحيى بن معين: إنك تقول: فلانٌ ليس به بأس، وفلانٌ ضعيف، قال: إذا قلتُ لك ((ليس
به بأس)): فهو ثقة، وإذا قلتُ لك ((هو ضعيف)): فليس بثقة، لا تكتب حديثه)).
ولم يحكِ هذه التسويةَ عن ابن معين أحدٌ قبل ابن الصلاح، وتُوبع على ذلك، ويبدو لي في هذا
الحكم وقفة. فالتأملُ في القصة يُفيدُ أن ابن معين أراد في الشطر الأول من كلامه القبولَ العامَّ، كما أنه أراد
في الشطر الثاني الردَّ العام، فهو لم يُرِد من قوله: ((فهو ثقة)): الثقة الاصطلاحية، إنما أراد القبولَ الشاملَ
للثقة، ومن دونه بقليل بحيث لا يخرج عن دائرة القبول: ثقة، قوي، صدوق، لا بأس به.
وأراد بقوله: ((ليس بثقة)): غيرَ مقبول، ولم يُرِدْ المرتبةَ الشديدةَ الضعفِ التي يُنْفَى عن صاحبها العدالةُ
والضبطُ معاً، فهي كقولنا: متروك، ساقط، واهي الحديث. وإلا للزم أن نقول: من قال فيه ابن معين
((ضعيف)): فهو غير ثقة، أي: من المرتبة الثالثة من مراتب الجرح، في حين أن كلمة (ضعيف) من ألفاظ
المرتبة الخامسة.
وخالفه العراقي في ((شرح ألفيته)) ٢: ٧ في التسوية بين: لا بأس به، وثقة (١)، فقال: ((قلت: ولم يقل
ابن معين: إن قولي: ليس به بأس كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال
فيه هذا: فهو ثقة، وللثقة مراتبُ، فالتعبير عنه بقولهم (ثقة) أرفعُ من التعبير عنه بأنه لا بأس به، وإن اشتركا
في مطلق الثقة. والله أعلم)). وتابعه الكمال ابن الهمام في ((التحرير)) ٢: ٢٤٨. بشرح ابن أميرٍ حاج عليه.
ويدلُّ على أن ((لا بأس به)): دون ((ثقة)): ما جاء في ((تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي)) (٢٤٤ - ٢٤٦):
((وسألتهُ عن مَندل بن علي؟ فقال: ليس به بأس. قلت: وأخوه حِبان بن علي؟ فقال: صدوق. قلت: أيُّهما
أحبُّ إليك؟ فقال: كلاهما وتمراً. كأنه يُضعِّفهما))(٢).
فانظر كيف سوَّى بين: صدوق، ولا بأس به، فقال: ((كلاهما وتمرا))، وانظر إلى تعليق الدارمي عليه:
(١) أما بشأن تنزيل الضعيف منزلة مَن: ليس بثقة: فكلام العراقي ٢: ١٣ ليس بصريح في المخالفة، ولا في تفسيره، أما ابن
الهمام في ((التحرير)) ٢: ٢٤٨ - آخر الصفحة - فجزم بأن ((ضعيف)) عند ابن معين: لا يدخل في الاعتبار والمتابعات.
(٢) أصلُ هذا القول مَثَلُ عربي قديم، قاله عمرو بن حُمْران الجَعْدي لما مرَّ به عائذ بن يزيد اليَشْكُري وقد أَنْهكَه الجوع
والعطش، وعَمرو يأكل زُبْداً وتمراً وتامِكاً - سَنَام الجمل - ، فطلب منه عائذٌ أن يُطْعمه من الزّبد والتامِك، فقال عمرو:
نعم كلاهما وتمراً. انظر ((مجمع الأمثال)) للميداني ٢ : ١٥١.
ولا شيء في هذا يدلُّ على تضعيفٍ، لكنْ قال الإِمام أبو عبيد القاسم بن سلام في ((الأمثال)) (٥٨٩) في تفسير
المَثَل هذه الجملةَ فقط: ((أي: كلاهما إليَّ، وأُرِيد تمراً)). ولا علاقة لهذا التفسير بهذا السبب، - حتى لو قلنا: صواب
النص: وأزيد تمرأً - إنما فيه ما يتَّصلُ باستشهاد ابن معين به هنا، وهو قولُه: ((وأريد تمراً)، أي: أريدُ أفضلَ منهما
وأضبطَ. والله أعلم.

٣٨
((كأنه يضعِّفُهما)) والدارميُّ تلميذُ ابن معين وراويتُه ومشاهدٌ لحركاته وهيئته حين يجيبُه، ويَنقلُ هذه المَشَاهد
مع نقله لألفاظه ويعبِّر عنها بقوله هذا.
ومثله تماماً ما جاء في المصدر المذكور (٣٣٤): «سألتُه عن الربيع بن صَبِيح؟ فقال: ليس به بأس،
وكأنه لم يُظْرِهِ، قلت: هو أحبُّ إليك أو المبارك - بن فَضَالة -؟ فقال: ما أقربَهما)).
وهذا لا يمنعُ أن يوجدَ راوٍ يقولُ فيه ابن معين: لا بأس به، ويقولُ غيره - أو هو نفسه في مقام آخر -:
ثقة. أما تفسير هذا الحوار بين ابن معين وتلميذه ابن أبي خيثمة بأنهما كلمتان متساويتان: فهذا بعيد. والله أعلم.
١٤ - حديثه مُقَارِّب، مقارِبُ الحديث (١٤٢٢، ٢٤٨٣). والصواب في ضبط الراء جواز كسرها
وفتحها، على معنى التعديل، خلافاً لمن قَصَر الكسرَ على معنى التعديل، والفتحَ على التجريح. قال
العراقي في ((حاشيته على ابن الصلاح)) ص ١٣٧: ((وهما على كل حال من ألفاظ التوثيق .. ، وممن ذكره من
ألفاظ التوثيق الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مقدمة ((الميزان)).)). ونقل كلامَه السيوطي في ((التدريب» ص ٢٣٥
ووافقه، ولم أرَ في مقدمة ((الميزان)» المطبوعِ شيئاً. نعم هو في آخرِ مراتبٍ ألفاظ التعديل، المرتبة الرابعة
عند العراقي، والمرتبة السادسة عند السخاوي - انظر (الرفع والتكميل)) ص ١٥٠، ١٦٤ - مع قولهم: صدوق
إن شاء الله، صالح الحديث، جيد الحديث، حسن الحديث، صُوَيْلح. وحديث هؤلاء لا يحسِّنونه.
لكنَّ الإمام الترمذي نقل في ((سننه)) ٥: ٣٠٥ (١٥٧٩) و((العلل الكبرى)) ٢: ٦٧٧ عن الإمام البخاري
أنه قال في الوليد بن رَبَاح: ((مقارب الحديث)) وجاء في ((العلل الكبرى)) ٢: ٩٦٧ قول البخاريِّ نفسِه في
الوليد نفسِه: ((حسن الحديث)). أما الترمذي فقال عن حديثه المشار إليه: ((حسن غريب)).
وروى الترمذي حديثاً قبل المشار إليه ٥: ٣٠٤ (١٥٧٨) من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة،
وقال من عند نفسه: ((مقارب الحديث)) وقال عن الحديث: ((حسن غريب)). لكنه في ((العلل الكبرى)) ٢:
٩٧٦ نقل ذلك عن البخاري .
وقال في كلامه على الحديث الثالث من ((سننه)): ((عبد الله بن محمد بن عقيل صدوق، تكلّم فيه
بعض أهل العلم من قِبَل حفظه. وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن
إبراهيم - ابن راهويه - والحميديُّ يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل. قال محمد - هو البخاري
أيضاً - : وهو مقارب الحديث)) فمثلُ هذا لا ينزِلُ حديثه عن الحسن مع قوله ((مقارب الحديث)).
بل لقد حسَّن البُخاريُّ نفسُه حديثَه المرويَّ في ((سنن الترمذي)) ١: ١٤٨ (١٢٨) باب ما جاء في
المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد - وفي المطبوع الذي أعزو إليه: حسن صحيح، وأرزى أنها
زيادة غير صحيحة - وعطف عليه قوله: ((وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح)) وهي زيادة
صحيحة ثابتة في أكثر من أصل خطي قَوِيم.
وخلاصة ذلك: أن قول البخاري أو تلميذه الترمذي في رجل ((مقارب الحديث)) من ألفاظ تحسين
الحديث الحسن الاصطلاحي، وقد قال في ((سننه)) ١: ٢٥٤ عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم: ((رأيت
البخاري يقوِّي أمره ويقول: هو مقارب الحديث)).

٣٩
وينبغي التنبه إلى أن هذه المرتبة المتأخِّرة لكلمة ((مقارب الحديث)) من قِبَل متأخري علماء الجرح
والتعديل: إنماهي فيما إذا أُطلقتْ وحدها، ولم يقترن معها كلمة ترفعها إلى مستوى أعلى، كقول الإمام
البخاري الذي رواه عنه الترمذي في ((العلل الكبرى)) ٢: ٩٨١: ((أحاديث أهل العراق عن زهير بن محمد -
التميمي الخراساني - مقاربة مستقيمة)). فزاد وصفها بالاستقامة.
وقال في أواخر كتاب فضل الجهاد ٥: ٣٧٦ (١٦٦٦): ((إسماعيل بن رافع ضعَّفه بعض أهل
الحديث، وسمعت محمداً يقول: هو ثقة مقارب الحديث)) - وإن كان المعتمد في إسماعيل الضَّعف -.
وقال في ((سننه)) ٩: ٧ (٣٢٥٠) من قِبَل نفسه عن حجاج بن دينار: ((حجاج ثقة مقارب الحديث))،
ونَقَل في ((العلل الكبرى)) ٢: ٩٦٩ عن البخاري قوله في حجاج نفسه: ((مقارب الحديث)).
ذلك أن إحدى الكلمتين ترشِّح للأخرى شيئاً من معناها، فثقة صدوق - مثلاً - أعلى من: صدوق
فقط، لِمَا تستفيده كلمة (صدوق) من كلمة (ثقة)، كما أن كلمة (صدوق) تؤثر على كلمة (ثقة)، فـ (ثقة
صدوق) أدنى من كلمة (ثقة) وحدها.
فكذلك كلمة ((ثقة)) تُعطي كلمة ((مقارب الحديث)) حين اقترانها بها شيئاً من القوة.
ومما يُستفادُ من هذا الاقتران بين الكلمتين على لسان هذين الإمامين: البخاري والترمذي: أن كلمة
((مقارب الحديث)) ليست من ألفاظ الجرح، كما جاء في التعليق على ((العلل الكبرى)) ٢: ٩٧٠: ((وخلاصةٌ
القولِ : أن قول البخاريِّ عن رجل ((مقارب الحديث)) هو جرحٌ للراوي)) !. إذْ كيف يجتمعُ لفظةُ توثيقٍ
وتجريحٍ في آن واحد في رجل واحد !. وانظر منه أيضاً ٢: ٩٦٢.
١٥ - صالح الحديث: من ألفاظِ التعديلِ الأخيرةِ قولُهم: صالح الحديث، ففيه نوعُ ثناءٍ على ضبط
الرجل، وتقدم أنهم جَعَلوها مع: مقارب الحديث، وهذا لا شيءَ فيه يحتاج إلى تنبيه. لكنِ الذي يحتاجُ إلى
تنبيه: هو التفرقةُ بين هذا اللفظ، وبين اللفظ الآتي:
١٦ - صالح. فإنه ثناءً على ديانة الرجل، وقد نبّه إلى هذه التفرقة الحافظُ ابن حجر رحمه الله في
((النكت على ابن الصلاح)) ٢: ٦٨٠، فإنه قال: «وقولُ الخليليِّ: إنه - أي أبا زُكير - شيخ صالح: أراد به في
دينه، لا في حديثه، لأن من عادتهم إذا أرادوا وصفَ الراوي بالصلاحيّة في الحديث قيّدوا ذلك فقالوا: صالح
الحديث، فإذا أطلقوا الصلاح فإنما يريدون به في الديانة)).
وقال في ((تهذيب التهذيب)) ١: ٢٢٢ ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْني: ((قال ابن أبي حاتم عن أبي
زرعة: صالح. يعني في دينه لا في عدالته)).
١٧ - مشهور: كلمة تقتضي شهرةً الرجلِ وعدمَ جهالته، ويظهرُ من عبارة الحافظ ابن حجر رحمه الله
- الآتية قريباً - أنها تقتضي عدمَ جهالة عينه، أي: إن من قيل فيه (مشهور): فهو معروفُ العين، قد ارتفعتْ
عنه جهالةُ عينه. وينبغي أن يفرَّق بينها وبين كلمة أخرى هي:
١٨ - مشهور الحديث. وشهرةُ الحديث غيرُ شهرة الرجل، فقد يكون حديثُه مشهوراً بين الرواة - أو الناس -

٤٠
من غير طريقه، أما هو فمجهول، ولا يضرُّه أن يكون حديثُه غيرَ مشهور إذا كان هو مشهوراً بين علماء الحديث.
نقل المزي في ((تهذيبه)) ٧: ٧ في ترجمة حفص بن حسان أن النسائي قال فيه: مشهور، فتعقبَّه
مُغْلَطاي بأن النسائي إنما قال: مشهور الحديث، وأخذ كلامه الحافظ فقال في ((تهذيب التهذيب))
٢: ٣٩٩: ((قلت: لفظُ النسائي: ((مشهور الحديث))، وهي عبارة لا تُشعر بشهرةِ حالِ هذا الرجل، لا سيما
ولم يروٍ عنه إلا جعفر بن سليمان، ففيه جهالة)).
فأفادنا هذا القولُ التفرقةَ بين هاتين الكلمتين، وأن ((مشهور)) فقط تدل على رفع جهالة عين
الرجل. والله أعلم.
١٩ - وورد في التعليق على ترجمة القاضي القاسم بن مَعْن المسعوديِّ قولُ الإمام أحمد فيه: ((مستور
ثقة)). وهو كثير الورود في ((تاريخ بغداد)) سواءٌ من الخطيب نفسِه أو مما ينقله عن غيره(١).
وظاهرُ هذا التعبير مشكلٌ، إذْ كيف يكون ثقةً وهو مستور، والمستورُ في الاصطلاح: مَن عُرِفتْ عدالتُه
الظاهرة، وجُهِلتَ عدالته الباطنة، والثقة: من عُرفت عدالته الظاهرة والباطنة وكان ضابطاً.
وكنت سألت عن هذا الإشكال عام ١٣٩٢ شيخنا محدث المغرب الشيخ عبد الله الصديق الغُمَاري
حفظه الله تعالى، فأجابني بجواب نقلتُه فيما علَّقْتُه على نسبة (الشَّيْرجي) من ((الأنساب)) للسمعاني رحمه الله
تعالى ٧: ٤٥٦، وهذا نصُّه: ((أما قول الخطيب ((مستور ثقة)): فيقصد بقوله: ((مستور)) مجهولَ العدالة في
الباطن مع كونه عدلاً في الظاهر، وهو أحدُ أنواعِ المجهول الثلاثة، وقد قَطَع الإمام سُلَيمٌ الرازيُّ بالاحتجاج
بروايته، قال ابن الصلاح: ويُشْبه أن يكون العملُ على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة،
وصحح النوويُّ الاحتجاج به أيضاً، ومثلُ هذا لا يقال عنه (ثقة) إلا مع لفظ (مستور)، كما يفعلُ الخطيب،
لإفادة أن عدالته ظاهرية، وليترك للناظر في روايته حرية الأخذ بها أو عدمِه، حسبما يقتضيه اجتهاده وبحثه،
وعند التعارض تقدَّم عليها رواية من يُقال فيه: ثقة أو صدوق)).
ثم رأيتُ ابن أبي يعلى حكى في ((طبقات الحنابلة)) ١: ١٢٧ في ترجمة الإمام أبي القاسم الجنيد
رضي الله عنه قصةً تدلُّ دلالةً واضحة على أن (مستور) كلمةٌ تُسْتعملُ في ذاك الوقت وبعده للدلالة على
وصف الرجل بالعِفَّة والفضل والكرامة، وما شابه هذه المعاني، - وهي في ((القاموس)) بمعنى: العقَّة - وقد
كان القاسمُ بن مَعْنِ المسعودي المذكورُ أولَ هذه الفِقْرة موصوفاً بهذه المعاني، كما يظهر من ترجمته في
التهذيبين، ومن ((أخبار القضاة)) ٣: ١٧٥. وهذه حكاية ابن أبي يعلى:
١" - قال: قال الجنيد: ((جاء رجل إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ومعه غلامٌ حسنُ الوجه، فقال
له: من هذا؟ قال: ابني، فقال أحمد: لا تجىء به معك مرةً أخرى، فلما قام قيل: أيَّد الله الشيخ، رجل
مستور، وابنُه أفضلُ منه! فقال أحمد: الذي قَصَدْنا إليه من هذا ليس يمنعُ من سترهما، على هذا رأينا أشياخَنَا،
وبه خَبَّرونا عن أسلافهم)).
ثم وقفتُ على نصوص كثيرة تدلُّ على المعنى الذي قدَّمتُه، وعددٌ منها جاء في تراجم الأندلسيين،
مما صحَّح ظني السابق أنها كلمة محليّة (بغدادية). وهذه بعضُ النصوص:
(١) من ذلك: ٤: ٢١٢، ٥: ٤٦٢، مرتين، ٧: ٤٥٧، ٨: ٢٥٤، ١٠: ١٥٠، ٣٦٢.