Indexed OCR Text

Pages 1-9

بسم الله الرحمن الرحيم
مُقدّمَةِ الطبعَة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين .
أما بعد،
فهذا کتاب العلل لفرد زمانه علي بن المديني رحمه الله ، وهو من هو ، وقد
قال عنه الإمام البخاري رحمه الله (ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن
المدیني » .
بقيت هذه الرسالة وبضعة رسائل أخرى في وريقات قليلة من تصانيفه
الكثيرة التي بلغت نحواً من مائتي مصنف ..
طبع هذا الكتاب منذ ثماني سنوات في بيروت وسقطت إذ ذاك المقدمة ..
وبعد مضي سنتين على النشر دعت الحاجة إلى إعادة طبعه ، وصححت الكتاب
واستدركت بعض الأخطاء على الطبعة الأولى وأرسلته إلى الناشر الأخ الأستاذ
محمد زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي ببيروت .
وداهمتنا فتنة لبنان وضاعت الأوراق ، ومرت الأيام ولا ندري متى
تنجلي ، وأدعو الله أن يجنبنا الشر والفتن .
والآن نحاول مرة أخرى إخراج الطبعة الثانية من الكتاب بعد استدراك
وتصحيح .
وبهذه المناسبة أود أن أشكر الأخ الأستاذ عبد الستار أبو غدة - وزارة
١

الأوقاف بالكويت - إذ نبهني في حينه بعد صدور الطبعة الأولى على عدة أخطاء.
كنت وقعت فيها ، فله الشكر والمثوبة .
والحمد لله أولاً وأخيراً ،
محمد مصطفى الأعظمي
كلية التربية
الرياض
٩ ربيع الأول ١٤٠٠ هـ
٥
ب

العلل ، مفهومه وأهميته وبعض ما ألف فيه
العلة في الحديث عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة اطلع عليها بعد
البحث والتفتيش مع أن ظاهره كان سليماً .
والحديث الذي تكون به علة يسمى معلولاً أو معللاً عند المحدثين
عرّف ابن الصلاح الحديث المعلول ، فقال :
(( فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع
أن ظاهره السلامة منها ، ويتطرق ذلك إلى الاسناد الذي رجاله ثقات الجامع
شروط الصحة من حيث الظاهر))(١)
وقال الحافظ العراقي: ((العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على
الحديث فأثرت فيه ، أي قدحت في صحته))(٢)
وقال: ((والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح)) (٣)
لذلك اعتبر فن العلل من أجل أنواع علوم الحديث وأدقها ، حتى قال ابن مهدي
المتوفي سنة ١٩٨ هـ ا لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب
عشرين حديثاً ليس عندي )(٤)
(١) مقدمة ابن الصلاح ٩٦
(٢) التبصرة والتذكرة شرح الالفية للعراقي ١ : ٢٢٦
(٣) أنظر فتح الباقي على ألفيه العراقي لزكريا الأنصاري ص ١ : ٢٢٧.
(٤) محاسن الاصطلاح للبلقيني ١٩٧، تدريب الراوي ١ : ٢٥٢؛ علل الحديث لابن أبي حاتم
الرازي ١ : ٩ ، وفيه: ((اكتب حديثا ليس عندي)). وعلى الأغلب أنه خطأ.
ج

ونظراً لغموضه وخفائه استشكل أمره على بعض الفقهاء من الأقدمين
فضلاً عن العامة ، حتى اعتبر بعضهم من يتكلم في العلل أنه ((مدع علم غيب
لا يوصل إليه)» (١) وقد تستعمل كلمة العلة في غير مفهومها الاصطلاحي .
قال ابن الصلاح: (( وقد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي
الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة
من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل ، ولذلك نجد في کتب علل
الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع
الجرح ، وسمي الترمذي النسخ علة من علل الحديث ))(٢).
حتى أطلق بعضهم اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف نحو
ارسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط ، حتى قال الحافظ أبو يعلى
الخليلي في كتاب الارشاد: (( ان الأحاديث على أقسام كثيرة صحيح متفق عليه ،
وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه ... ))(٢).
مجال العلل :
قد تكون العلة في الاسناد وهو الأكثر وقد تکون في المتن وقد تكون فيهما
جميعاً .
والعلة في الاسناد قد تقدح في الاسناد فقط وقد تقدح في الاسناد والمتن
جميعاً (٤).
وذكر الحاكم في معرفة علوم الحديث ، فقال : ان أنواع علل الحديث
كثيرة ، وذكر منها عشرة أنواع كأمثلة للأحاديث الكثيرة المعلولة ، مثل :
(١) التمييز ١٢٣ وانظر كذلك تقدمة الجرح والتعديل للرازى ٣٤٩ - ٣٥١.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ١٠٢
(٣) التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للعراقي ١٠٣، تدريب الراوي ١ : ٢٥٨ .
(٤) انظر مقدمة ابن الصلاح ٩٧ ، تدريب الراوي ١ : ٢٥٣ - ٢٥٤
د

١ - أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه .
٢ - أن يكون الحديث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ . ويسنده من وجه
ظاهره الصحة ولكن له علة تمنع من صحة السند .
٣ - أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ، فیروى عن غيره لاختلاف بلاد
رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين .
٤ - أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي فيروى عن تابعي يقع الوهم
بالتصريح بما يقتضي صحبته ، بل ولا يكون معروفاً من جهته ، وربما وقع
وهم آخر في إسناده
٥ - أن يكون الحديث روي بعنعنة ، سقط منها رجل دل عليه طريقة أخرى
محفوظة
٦ - أن يختلف على رجل بالاسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل الاسناد
فيكون ذلك علة في المسند .
٧ - الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله .
٨ - أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ، لكن لم يسمع منه
أحاديث معينة ، فاذا رواها عنه من غير ذكر واسطة تبينت علتها ببيان أنه لم
يسمعها منه .
٩ - أن يكون طريقة معروفة ، يروى أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريقة
فيقع من رواه من تلك الطريقة (( - بناء على الجادة - في الوهم))
١٠ - أن يروى الحديث مرفوعاً من وجه وموقوفاً من وجه آخر(١)
بعد ما لخص البلقيني هذه الأجناس العشرة، قال: (( وما أشار إليه الحاكم
من الأجناس يدخل تحت القسمين السابقين .. ))(٢)
طريقة معرفة العلة :
هو جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته .
(١) انظر معرفة علوم الحديث ١١٣؛ ولخصه البلقيني في محاسن الاصطلاح ، والكلام منقول منه ،
انظر ١٩٨ - ٢٠٣؛ تدريب الراوي ١ : ٢٥٨ - ٢٦٢.
(٢) محاسن الاصطلاح للبلقيني ٢٠٣ .

قال ابن المديني: ((الباب إذا لم تجمع طرقه لم تتبين خطأه))(١) وقال
الخطيب البغدادي: (( السبيل إلى معرفة علة الحديث أن تجمع بين طرقه وتنظر
في اختلاف رواته وتعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الاتقان والضبط))(٢)
وقال ابن حجر: (( ثم الوهم ان اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فهو
المعلل))(٣)
وقال أحمد شاكر - رحمه الله -: (( والطريق إلى معرفة العلل جمع طرق
الحديث والنظر في اختلاف رواته وفي ضبطهم واتقانهم ، فيقع في نفس العالم
العارف بهذا الشأن ان الحديث معلول ، يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحته أو
یتردد فیتوقف فیه ))(٤)
من المؤلفات في العلل :
لقد رأينا أن طريقة معرفة العلل هي جمع طرق الحديث والمقارنة بينها ثم
الحكم بالخطأ والصواب في ضوء تلك المقارنة ، وقد بدأ منهج مقارنة الروايات
منذ عهد النبي ◌َي(٥)، لكنه لانعدام الخطأ في رواية الصحابة رضوان الله عليهم -
تقريباً - وكذلك وقوع الخطأ نادراً في عهد كبار التابعين ، لذلك حتى بعد
الفحص والتدقيق لم يكن هناك ثمة مواد علمية تستدعي التأليف في العلل .
وبمرور الزمن تغيرت الأمور ، وبدأ الخطأ يزداد بزيادة عدد النقلة والرواة
من جهة وبابتعاد فاصل زمني من عهد الرسالة من جهة أخرى ، ومن هنا بدأ
يزداد اهتمام العلماء بهذا الموضوع ، وأول اسم لامع في هذا المجال ورائد في هذا
الفن هو أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج الازدي (٨٣ - ١٦٠) . وهو
(١) التبصرة والتذكرة للعراقي ١ : ٢٢٧
(٢) التبصرة والتذكرة ١ : ٢٢٧
(٣) شرح النخبة ٤٧
(٤) على هامش الباعث الحثيث ٦٥
(٥) انظر تفصيل ذلك في مقدمتي على كتاب التمييز ٢٤ - ٤٩.
و

أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل وفتش بالعراق عن أمر المحدثين وجانب
الضعفاء والمتروكين (١).
وهو من الأوائل الذين صنفوا بالبصرة . قال ابن المديني: «نظرت فاذا
الاسناد يدور على ستة : الزهري ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، ويحثّ بن أبي
كثير، وأبي اسْحاق ، والاعمش . ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب
الأصناف ممن صنف، فمن أهل البصرة شعبة بن الحجاج وابن أبي عروبة))(٢).
لذلك من الراجح أنه ألّف شيئاً ما في العلل . ونظراً لمنهج المحدثين في
الرواية والاقتباس والنقل الاشارة إلى الشيخ المؤلف بدلاً عن الكتاب (٣)، تعذر
علينا معرفة كتبه والاهتداء إلى معالمها ، لان مؤلفاته تلاشت في مؤلفات المتأخرين
ولم يبق لها وجود مستقل .
١ - على كل أرى أن نبدأ بشعبة بن الحجاج المتوفي سنة ١٦٠ هـ كأول من ألف
شيئاً ما في العلل .
٢ - كتاب يحيى بن سعيد القطان المتوفي ١٩٨ هـ في العلل(٤)
٣ - العلل المنقولة عن يحيى بن معين المتوفي سنة ٢٣٣ هـ ويوجد كلامه ضمن
تاريخه (٥) .
٤ - العلل لابن المديني المتوفي سنة ٢٣٤ هـ
والكتاب المطبوع مع هذه المقدمة يعتبر جزءاً صغيراً من مؤلفاته في العلل اذ له
كتاب العلل المرتب على المسانيد(٦).
(١) انظر شرح العلل ٣٨ - أ.
(٢) الرازي ، تقدمة الجرح والتعديل ١٢٩، وهو ملخص ما في العلل لابن المديني ٣٩ - ٤١ ( الطبعة
الأولى )
(٣) لمعرفة هذا المنهج بالدقة والتفصيل راجع دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ٣٨١ -
٣٨٥ .
(٤) انظر شرح علل الترمذي لابن رجب ٥٣٣
(٥) انظر تاريخ ابن معين والدراسة التي قام بها الاخ الدكتور احمد محمد نور سيف .
(٦) انظر قائمة مؤلفاته في هذه المقدمة .
ز

٥ - العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل المتوفي سنة ٢٤١ هـ
وقد طبع الجزء الأول من كتابه في أنقرة سنة ١٩٦٢ م ، وله كتب أخرى في
العلل .
٦ - العلل للامام البخاري المتوفي سنة ٢٥٦ هـ(١)
٧ - العلل لمسلم بن الحجاج القشيري سنة ٢٦١ هـ (٢):
وكتاب التمييز يعتبر من هذا الفن (٣)
٨ - المسند الكبير المعلل ليعقوب بن شيبة المتوفي سنة ٢٦٢ هـ ولم يكمل.
((قيل : ان نسخة بمسند أبي هريرة عنه شوهدت بمصر فكانت مائتي
جزء)) (٤) وقد طبع قطعة صغيرة منه ببيروت سنة ١٩٤٠، وهو الجزء العاشر
منه ، ويشتمل على جزء من مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
٩ - العلل لأبي بكر الأثرم المتوفي سنة ٢٧٣ هـ (٥)
١٠ - العلل الصغير للترمذي سنة ٢٧٩ هـ وطبع مراراً بالهند ومصرمع سنن
الترمذي . وقد شرحه ابن رجب شرحاً وافياً (٦).
١١ - العلل الكبير للترمذي وقد اكتشف مخطوط منه مؤخراً (٧).
١٢ - المسند الكبير (المعلل) للبزار المتوفي سنة ٢٩٢ هـ (٨)
١٣ - كتاب في علل الحديث لزكريا بن يحيى الساجي المتوفي سنة ٣٠٧ هـ
تقريباً (٩) سنة ٣٠٧ هـ
(١) انظر فهرست ابن خير الاشبيلي .
(٢) انظر فهرست ابن خير الاشبيلي ٢٠٢
(٣) نشر الكتاب بتحقيق محمد مصطفى الأعظمي سنة ١٣٩٤ هـ بالرياض، وهو من منشورات جامعة
الرياض .
(٤) تذكرة الحفاظ ٥٧٧ .
(٥) الرسالة المستطرفة ١٤٨
(٦) طبع أخيراً ببغداد بتحقيق السيد صبحي جاسم الحميد سنة ١٣٩٦ هـ ونال الأستاذ همام بن عبد
الرحيم شهادة الدكتوراه على تحقيق هذا الشرح . وله دراسة ممتعة عنه .
(٧) أول من أفادني به الدكتور همام عبد الرحيم .
(٨) توجد أجزاء منه في عدة مكتبات ، أنظر تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ١ : ٤١١ .
(٩) انظر فهرست ابن خير ٢١٠؛ الرسالة المستطرفة ١٤٨.
ح

.2
١٤ - العلل للخلال المتوفي سنة ٣١١ هـ (١)
١٥ - علل الحديث لابن أبي حاتم الرازي المتوفي سنة ٣٢٧ هـ ، وقد طبع في
مجلدين بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٤٣ هـ .
١٦ - العلل لأبي علي النيسابوري المتوفي سنة ٣٤٩ هـ (٢)
١٧ - كتاب في العلل لأبي علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسرجسي النيسابوري
المتوفي سنة ٣٦٥ هـ .
قال الحاكم: ((صنف المسند الكبير مهذباً معللاً في ألف جزء وثلاثمائة
جزء ... وعلى التخمين يكون مسنده بخطوط الوراقين في أكثر من ثلاثة
آلاف جزء . فعندي أنه لم يصنف في الاسلام مسند أكبر منه))(٣).
١٨ - العلل للدار قطني المتوفي سنة ٣٨٥ هـ وهو أجمع وأوسع كتاب - الموجود في
أيدينا في هذا الفن - ولعله لم يؤلف مثله ، وإليه المنتهى(٤).
هذه لمحة بسيطة عن بعض ما ألف في هذا الفن ، لكن حديثنا يتركز الآن
حول ابن المديني الرائد .
(١) انظر الرسالة المستطرفة ١٤٨ .
(٢) انظر الرسالة المستطرفة ١٤٨ .
(٣) تذكرة الحفاظ ٦٥٦
(٤) الرسالة المستطرفة ١٤٨ .