Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
الْمُقَدِّمَةُ
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
٣) كتاب ((المُسْنَد)) لوكيع بن الجَرَّاح(١).
وَقْقُهُ كُتُبَهُ على المسلمين:
تقدَّم أنَّ عبدالرحمن أطالَ ملازمةَ أبيه وأبي زُرْعة، وأصبَحَ راويتهما؛
ولذا رَأَىْ أنَّ ما في كتبهما مُودَعٌ في كتبه؛ فلا حاجةً لوجودِ أصولٍ
كتبهما بعد قيامِهِ بتهذيبٍ هذه الكُتُبٍ وتَنْقيحِهَا، فقام بِدَفْنها، ثم جعَلَ
كُتُبَهُ التي صنَّفها وَقْفًا يَنْتَفِعُ بها عمومُ المسلمين، واختار وَصِيًّا عليها؛
وكان وَصِيَّهُ عليها أبو الحسن عليُّ بنُ الحُسَيْنِ الدَّرَسْتِينِيُّ القاضي(٢).
موقفُهُ من الرواية عن المجروحين:
جرتْ عادةُ كثيرٍ من المحدِّثين بِتَرْكِ الرواية عن المجروحين، ومن
هؤلاءِ المحدِّثين: أبو حاتم وأبو زُرْعة الرازيَّان؛ ففي "الجرح
والتعديل "(٣) ترجَمَ عبدالرحمن بن أبي حاتم للقاسمِ بنِ محمد بن أبي
شَيْبة، وقال: ((قال أبو زُرْعة: كتبْتُ عن القاسمِ بن محمَّد بن أبي
شَيْبة، ولم أحدِّثْ عنه بشيءٍ»، ثم قال عبدالرحمن: ((سُئِلَ أبي عنه؟
فقال كتبتُ عنه، وتركْتُ حديثَهُ)).
وترجَمَ عبدالرحمن أيضًا (٤) لمحمَّد بن عُقْبة السَّدُوسي البَصْري
وقال: ((سألتُ أبي عنه؟ فقال: ضعيفُ الحديثِ، كتبْتُ عنه ثم تركْتُ
(١) المصدر السابق (٢/ ١٨١).
(٢) انظر: "الإرشاد" للخليلي (٦٨٣/٢)، و"التدوين" (٤/١).
(٣) (١٢٠/٧ رقم ٦٨٢).
(٤) في "الجرح والتعديل" (٣٦/٨ رقم ١٦٦).

٢٦٢
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الْمُقَدِّمَةُ
حديثَهُ، فليس نحدِّث عنه، وترَكَ أبو زُرْعة حديثَهُ ولم يَقْرَأُ علينا،
وقال: لا أحدِّثُ عنه)).
وقد جرَى عبدالرحمن على طريقةِ هذَيْنِ الإمامَيْنِ، فربما كتَبَ عن
الرجلِ، فإذا تبيَّن له أنه مجروحٌ، ترَكَ الروايةَ عنه. ومن أمثلة ذلك:
أنه ترجَمَ(١) لمحمَّد بن إسحاق الصِّينِيِّ، فقال: ((كتبتُ عنه
بمكة ... وسألتُ أبا عَوْن بن عمرو بن عَوْن عنه، فتكلَّم فيه، وقال:
هو كذَّاب. فتركْتُ حديثَهُ)).
وترجم أيضًا(٢) لعيسى بن أبي عِمْران البَزَّارِ الرَّمْلي، فقال:
(كتبتُ عنه بالرَّمْلة، فنظَرَ أبي في حديثِهِ، فقال: يَدُلُّ حديثُهُ أنه غيرُ
صدوق. فتركْتُ الروايةَ عنه)).
شخصيَّتُهُ العِلْميَّةُ النقديَّةُ وآراؤُهُ:
وَرِثَ عبدالرحمن بن أبي حاتم عن أبيه مكانَتَهُ العلميَّةَ التي
استبانَتْ لنا مِنْ ثناء الأئمَّة عليه كما سبق، ويَدُلُّ عليه اعتدادُهُمْ
بأحكامِهِ على الرجالِ في كتابٍ "الجرح والتعديل".
وهناك بعضُ المواقفِ التي تَدُلُّ على هذا تفصيلاً:
فمن ذلك: أنَّ أبا الشيخ الأَصْبَهانيَّ ترجَمَ (٣) لشيخِهِ أبي بكر
(١) في "الجرح والتعديل" (١٩٦/٧ رقم ١١٠٠).
(٢) في "الجرح والتعديل" (٢٨٤/٦ رقم ١٥٧٤).
(٣) في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤٩٧/٣-٤٩٨ رقم ٤٦٨).

٢٦٣
الْمُقَدِّمَةُ
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
محمد بن أحمد بن الوليد الثَّقَفي، وذكَرَ أنه كتَبَ عنه حديثًا لم يَكْتُبُهُ
إلا عنه، وقال: فممَّا كتبنا عنه مِنَ الغرائب: حدَّثنا محمد بن أحمد
ابن الوليد؛ قال: ثنا أحمد بن شَيْبان الرَّمْلي؛ قال: ثنا سُفْيان بن
عُيَيْنة، عن الزُّهْري، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ بَعَثَ سَرِيَّةً
إلى نَجْدٍ، فَبلَغَ سُهْمَانُهُمُ اثنا عشَرَ (١)، فنَقَّلهم بعيرًا بعيرًا.
ثم قال أبو الشيخ: ألقَيْتُ هذا الحديثَ على أبي محمَّد بن أبي
حاتم، فأنكَرَهُ، وقال: قد كتبنا عنه(٢) عامَّةَ ما عنده عن ابن عُيَيْنة،
فلم نَجِدْ هذا.
وترجّمَ عبدالرحمن بن أبي حاتم (٣) للحُسَيْنِ بن إدريس الأنصاريِّ
المعروفِ بابن خُرَّم الهَرَوِيِّ، وقال: ((كتَبَ إليَّ بِجُزْءٍ من حديثِهِ عن
خالد بن الهَيَّاج بن بِسْطَام، فأوَّلُ حديثٍ منه باطلٌ، وحديثُ الثاني(*)
باطلٌ، وحديثُ الثالثِ(*) ذكرتُهُ لعليٍّ بن الحُسَيْن بن الجُنَيْد، فقال
لي: أَحْلِفُ بالطلاقِ أنه حديثٌ ليس له أصلٌ. وكذا هو عندي (٤)، فلا
(١) كذا في "طبقات المحدِّثين"، والجادّة: اثنَيْ عَشَرَ؛ لأنَّه مفعول ((بَلَغَ))؛ كما في
مواضع الحديث من كتب السُّنَّة، وما في "الطبقات" صحيحٌ أيضًا، ووجْهُهُ: أنه من
إلزام المثنى الألف مطلقًا على لغة بني الحارث بن كعب وجماعة من العرب. انظر
بيانها في التعليق على المسألة رقم (٥٥٤).
(٢) يعني: عن أحمد بن شيبان الرملي.
(٣) في "الجرح والتعديل" (٤٧/٣ رقم ٢٠٦).
(*) كذا بإضافة الموصوف إلى صفته، وهو جائزٌ على مذهب الكوفيين، والجادّة:
والحديثُ الثاني، والحديثُ الثالثُ. انظر التعليق على المسألة رقم (٥٠٥).
(٤) القائل: "وكذا هو عندي": هو ابن أبي حاتم.

٢٦٤
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الْمُقَدِّمَةُ
أدري منه أو مِنْ خالد بن هَيَّج بن بِسْطام؟)).
وقال أبو أحمد الحافظ(١): سمعتُ عبدالرحمن بن أبي حاتم
يقولُ: ما بَقِيَ لكتابِ المبسوطِ راوٍ غَيْرُ أبي العَبَّاسِ الوَرَّاق، وبَلَغنا
أنه ثقةٌ صدوق.
وقال أحمد بن عبدالله المعدّل(٢): سمعتُ عبدالله بن خالدٍ
الأَصْبَهانيَّ يقول: سُئِلَ عبدالرحمن بن أبي حاتم عن ابن خُزَيْمة؟
فقال: ويحكم! هو يُسْأَلُ عنا، ولا نُسْأَلُ عنه، هو إمامٌ يُقتدى به.
ومِنَ الآراءِ التي ذهَبَ إليها ابنُ أبي حاتم: جوازُ الروايةِ بالإجازةِ
والمكاتبَةِ، فقد تلقَّى عن بعض شيوخِهِ إجازةً، ومكاتبةً، وروى بهما،
وأجازَ هو لبعضٍ تلاميذِهِ كذلك.
ومِنْ أمثلة ذلك: قولُهُ(٣): ((ثنا عليُّ بن المُبَارَك كتابةً؛ ثنا زيد بن
المبارك)).
وقوله(٤): ((أنبأنا عبدالله بن أحمد - فيما كتَبَ إليَّ - قال: وسُئِلَ
أبي)).
وأما تلاميذُهُ الذين أجازهم، فمنهم: أبو عبدالله بن مَنْدَهْ؛ قال
(١) كما في "تاريخ الإسلام" (ص٣٦٧/ حوادث ٣٣١ -٣٥٠).
(٢) تقدمت الإشارة إليه في تواضعه (ص ٢٤٨ و٢٥٤)، وانظر: "تاريخ الإسلام"
(ص٤٢٥/ حوادث ٣٠١ - ٣٢٠).
(٣) كما في "تغليق التعليق" (٤/ ٣٠٠).
(٤) كما في "التعديل والتجريح" للباجي (٣٧٦/١).

٢٦٥
الْمُقَدِّمَةُ
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الذهبيُّ عنه (١): ((وله إجازةٌ من الحافظ عبدالرحمن بن أبي حاتم)).
ومنهم: أبو أحمَدَ الحَسَنُ بن عبدالله بن سَعِيدِ العَسْكَري؛ قال في
كتابه ((تصحيفات المحدِّثين)): وأخبرنا عبدالرحمن بن أبي حاتم
إجازةً))، وقال: ((أخبرنا عبدالرحمن بن أبي حاتم فيما كتَبَ إلينا))(٢).
ومنهم: حَمْدُ بن عبدالله الأَصْبَهاني؛ قال أبو الوليد الباجي(٣):
((وما أخرجْتُهُ فيه عن عبدالرحمن بن أبي حاتم فأجازَهُ لنا أبو ذَرٍّ ؛
قال: أجازه لنا حَمْدُ بنُ عبدالله الأصبهانيُّ؛ قال: أجازَهُ لنا
عبدالرحمن)).
أوهامُهُ:
ما مِنْ إمام من الأئمَّة إلا وله أوهامٌ، غيرَ أنَّها مغمورةٌ في بحر
صوابِهِ، وتقدَّم في ذِكْرِ مصنَّفات ابن أبي حاتم أنه صنَّف كتابَ "بيان
خطأ أبي عبدالله محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ في تاريخه"، وقد عُنِيَ
الخطيبُ البغداديُّ كَُّ في كتابه "مُوضِحٍ أوهامِ الجمعِ والتفريق " ببيانِ
أخطاءِ وأوهام الأئمَّة التي وقعَتْ في الرجال، ومنهم عبدالرحمن ابن
أبي حاتم.
(١) في "تذكرة الحفاظ" (١٠٣١/٣-١٠٣٢).
(٢) "تصحيفات المحدِّثين" (١١/١، ١١٥).
(٣) في "التعديل والتجريح" (٢٧٥/١). وحَمْدٌ هذا معروفٌ بالرواية عن ابن أبي
حاتم، وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" (٢٩١/٨) عن الدارقطني قوله: "وحمد:
شيخٌ كتبنا عنه، من شيوخِ الرَّيِّ وعدولهم" .

٢٦٦
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الْمُقَدِّمَةُ
فمِنْ ذلك: ما ذكره الخطيبُ بقوله(١): ((وقد جمَعَ عبدالرحمن بن
أبي حاتم الرازيُّ الأوهامَ التي أَخَذَها أبو زُرْعة على البخاريِّ في
كتابٍ مفرد، ونظرْتُ فيه، فوجدتُ كثيرًا منها لا تَلْزَمه، وقد حكى عنه
في ذلك الكتابِ أشياءَ هي مدوَّنَةٌ في تاريخِهِ على الصواب، بخلافٍ
الحكايةِ عنه. ومن العَجَبِ: أن ابن أبي حاتمٍ أغار على كتابٍ
البخاريِّ(٢)، ونقلَهُ إلى كتابِهِ في الجَرْح والتعديل، وعمَدَ إلى ما تضمَّن
من الأسماءِ، فسأل عنها أباه وأبا زُرْعة، ودوَّن عنهما الجوابَ في
ذلك، ثم جمَعَ الأوهامَ المأخوذَةَ على البخاريِّ، وذكَرَهَا مِنْ غيرِ أن
يقدِّم ما يُقِيمُ به العُذْرَ لنفسِهِ عند العلماء؛ في أنَّ قَصْدَهُ بتدوينِ تلك
الأوهام بيانُ الصوابِ لمن وقَعَتْ إليه، دون الانتقاصِ والعَيْبِ لمن
حُفِظَتْ عليه! ونحنُ لا نَظُنُّ أنه قصَدَ غيرَ ذلك؛ فإنه كان بِمَحَلٌّ من
الدين، وأَحَدَ الرُّفَعَاءِ من أئمة المسلمين، رحمةُ اللهِ عليه وعليهم
أجمعين)) .
ومن ذلك: توهيمُ الخطيبِ البغداديِّ للإمام الدَّارَقُطْنِيِّ في تفریقِهِ
بين حَجَّاج بن سُلَيْمان بن أفلَحَ الرُّعَيْني، وحَجَّاج بن سُلَيْمان بن
القُمْري؛ حيث قال(٣): ((فوَهِمَ في التفريق بين هاتَيْن الترجمتَيْنِ؛ لأنَّ
المذكورَ فيهما رجلٌ واحد)».
(١) "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٧/١-٨).
(٢) سيأتي تفصيل الكلام على ذلك (ص ٢٧٠ -٢٧٣).
(٣) كما في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٣٢٤/١).

٢٦٧
الْمُقَدِّمَةُ
خَاتِم
التّعْرِيفُ بِابْنِ أُچِي
قال الخطيب: ((وقد وَهِمَ فيه عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازيُّ مِنْ
قَبْلُ؛ كوَهَم أبي الحَسَن الدارقطني؛ وذلك أنَّ ابن أبي حاتم قال في
"كتاب الجرح والتعديل"(١): حَجَّاج بن سُلَيْمان بن القُمْري: روى
عن اللَّيْث بن سَعْد، روى عنه محمَّد بن سَلَمة المُرَادي، سألتُ أبي
عن حَجَّاج بن سليمان بن القُمْري هذا؟ فقال: شيخٌ معروفٌ. ثم قال
ابن أبي حاتم: حَجَّاج بن سليمان الرُّعَيْنِي: روى عن ابنُ لَهِيعة، روى
عنه يونسُ بنُ عبدالأعلى، قيل ذلك لأبي زُرْعة، وسُئِلَ عنه؟ فقال:
مُنْكَرُ الحدیث.
قال الخطيبُ: وهذا الرجُلُ قد ذكره أبو سَعِيدٍ عبدالرحمن بن
يونس بن عبدالأعلى الصَّدَفِيُّ في "كتاب تاريخ المِصْرِيِّينَ " الذي ذَكَرَ
لي أحمد بن محمد العَتِيقِيُّ أنه سَمِعَهُ من علي بن أبي سَعِيد بن
يونس، عن أبيه، فقال: حَجَّاج بن سُلَيْمان بن أفلَحَ الرُّعَيْني: يكنى أبا
الأزهر، يُعْرَفُ بابنِ القُمْري، يحدِّث عن حَرْمَلَةَ بنِ عِمْران، ومالكِ بنِ
أنس، واللَّيْث، وابن لَهِيعة، وفي حديثه خطأُ ومناكيرُ، توفِّي في
السَّرَّاجِين فجأةً وهو على حِمَاره، يومَ السَّبْتِ لِسِتِّ بَقِينَ من جُمَادَى
الأولى، سنةَ سَبْعٍ وتسعين ومئة)).
اتهامُهُ بالتشُّع :
جرَتْ سُنَّةُ اللهِ سبحانه بابتلاءِ المُصْلِحِينَ - من الأنبياء، والعلماء،
(١) (١٦٢/٣ رقم ٦٨٧ و٦٨٨).

٢٦٨
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الْمُقَدِّمَةُ
والدُّعَاةِ، وغيرهم - بأنواع الابتلاءِ المختلفة، ومنها: رَمْيُهُمْ بما هم منه
بُرَآء؛ كما قالوا عن نبينا وَّه: مجنونٌ، ساحرٌ ... إلخ.
ومِنْ هؤلاءِ الذين ابتُلُوا ببعضِ الفِرَى: ابنُ أبي حاتم؛ فقد قال
الذهبي في "ميزان الاعتدال " (١) بعد ذِكْرٍ ترجمة ابن أبي حاتم: ((وما
ذكرتُهُ لولا ذِكْرُ أبي الفضل السُّلَيْماني له فَبِئْسَ ما صَنَعَ ! فإنه قال:
ذِكْرُ أسامي الشِّيعَةِ من المحدِّثين - الذين يقدِّمون عليًّا على عثمان -:
الأعمش، النُّعْمان بن ثابت، شُعْبة بن الحَجَّاج، عبدالرزَّاق، عُبَيْد الله
ابن موسى، عبدالرحمن بن أبي حاتم)».
وهذه فِرْيَةٌ لا تَسْتِنِدُ إلى دليل، بل الدليلُ بخلافها؛ وذلك أنَّ
اللَّالَكَائِيَّ(٢) حين ذكَرَ معتقَدَ أبي زُرْعة وأبي حاتم، رواه مِنْ طريقٍ
عبدالرحمن بن أبي حاتم، قال: ((سألتُ أبي وأبا زُرْعة عن مذاهبٍ
أهلِ السُّنَّةِ في أصول الدِّين، وما أدركا عليه العلماءَ في جميعٍ
الأمصار، وما يَعْتَقِدان مِنْ ذلك؟ فقالا: أَدْرَكْنَا العلماءَ في جميعِ
الأمصار، حِجَازًا، وعِرَاقًا، وشَامًا، ويَمَنًا، فكان مِنْ مذهبهم:
الإيمانُ قولٌ وعَمَلٌ، يَزِيدُ ويَنْقُصُ، والقرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ
بجميعٍ جهاته، والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ مِنَ الله عز وجل، وخيرُ هذه الأمةِ
بعد نبيِّها عليه الصلاةُ والسلام: أبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ، ثم عُمَرُ بنُ
الخَطَّاب، ثم عُثْمانُ بنُ عَفَّان، ثم عَلِيُّ بنُ أبي طالب ◌َِلُ، وهم
(١) (٥٨٧/٢-٥٨٨).
(٢) في "اعتقاد أهل السنة" (١٧٦/١ - ١٨٠).

٢٦٩
الْمُقَدِّمَةُ
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الخلفاءُ الراشدون المَهْدِيُّون، وأنَّ العَشَرَةَ الذين سَمَّاهم رسولُ الله
وَبِّه، وشَهِدَ لهم بالجَنَّة، على ما شَهِدَ به رسولُ اللهِ وَّهِ، وقولُهُ الحَقُّ،
والترجُمُ على جميع أصحابٍ محمد نَّهِ، والكَفُّ عما شَجَرَ
بينهم ... ))، وفي آخره قال عبدالرحمن: ((وبه أقولُ أنا)).
فهل هناك دليلٌ أَقْوَى مِنْ تصريحِ المرءِ بِمُعْتَقَدِهِ في المسألة نفسها ؟!
وهناك شبهةٌ أخرى ذكرها ياقوتُ(١)؛ فقال: ((وكان أَهْلُ الرَّيِّ
أهلَ سُنَّةٍ وجماعةٍ، إلى أن تغلَّبَ أحمدُ بنُ الحَسَنِ المَارْدَانِيُّ عليها،
فَأَظهَرَ التشيُّعَ، وأكرَمَ أهلَهُ وقرَّبهم، فتقرَّبَ إليه الناسُ بتصنيفِ الكتبِ
في ذلك، فصنَّفَ له عبدُالرحمنِ بنُ أبي حاتم كتابًا في فضائلِ أهلِ
البيت وغيره، وكان ذلك في أيام المُعْتَمِدِ وتغلَّبِهِ عليها في سنة ٢٧٥،
وكان قبل ذلك في خِدْمةٍ كوتكين بن ساتكين التُّرْكي)).
وهذه فِرْيةٌ أُخْرَى نُجِلُّ عبدالرحمنِ أنْ يكونَ من أهلها، وهو ممَّن
عُرِفَ عنه الوَرَعُ والزُّهْدُ في الدنيا كما مَرَّ معنا، فهل يُتَصَوَّرُ ممَّن هذه
حاله أن يَجْعَلَ دينه سِلْعةً للملوك ؟! وهو الذي ذكَرَ مِنْ معتقَدٍ أبيه وأبي
زُرْعة(٢) قولَهُمَا: ((والمرجئةُ المبتدِعَةُ ضُلَالٌ، والقَدَرِيَّةُ المبتدِعَةُ ضُلَالٌ؛
فمَنْ أنكَرَ منهم أنَّ الله عزَّ وجل لا يَعْلَمُ ما لم يكنْ قبل أنْ يكونَ فهو
كافرٌ، وأنَّ الجهميَّةَ كُفَّارٌ، وأنَّ الرافضةَ رَفَضُوا الإسلامَ ... وسمعْتُ
أبي وأبا زُرْعة يَأْمُرانِ بِهِجْرانِ أهلِ الَّيْغِ والبِدَعِ، يُغَلِّظان في ذلك أشدَّ
(١) في " معجم البلدان" (١٢١/٣).
(٢) "اعتقاد أهل السنة" للالكائي (١٧٨/١)، وتقدم نقل بعض معتقدهما في الصفحة السابقة.

٢٧٠
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الْمُقَدِّمَةُ
التغليظ، ويُنْكِران وَضْعَ الكتبِ بِرَأْيٍ في غيرِ آثار، ويَنْهَيَانِ عن مجالسةٍ
أهلِ الكلام، والنَّظَرِ في كُتُبِ المتكلِّمين، ويقولان: لايُفْلِحُ صاحبُ
كلامِ أبدًا ... ))، ويَخْتِمُ ذلك ابنُ أبي حاتم بقوله: ((وبه أقولُ أنا)).
فيا سبحانَ الله ! رجلٌ يرى هِجْرَانَ أهلِ الزَّيْغِ والبِدَع، وينهى عن
مجالستِهِمْ، يَذْهَبُ فَيَضَعُ لهم الكُتُبَ التي تناسبُ أهواءهم مِنْ أجلِ
عَرَضٍ زائل؟! هذا لا يُتَصَوَّرُ من مثلِ ابنِ أبي حاتم !!.
ثُمَّ إِنَّ هذه الحكايةَ وقَعَتْ - على ما ذُكِرَ هنا - سنَةَ (٢٧٥هـ)،
وعُمْرُ عبدالرحمن (٣٥) سَنَةً، وأبوه حَيٍّ، والشابُّ الذي في مِثْلِ هذا
السِّنِّ لا يعوِّلُ الناسُ على قَوْلِهِ، وبخاصَّةٍ مع وُجُودِ أبيه، ثم أین کان
أبوه عن هذا الانحرافِ؟! أَمَا كان يَرْدَعُ ابنَهُ، أو يَهْجُرُهُ على الأقَّلُ
كما هجَرَ غَيْرَهُ مِنْ أهلِ البِدَعِ؟!
ومع هذا كلِّه لم يذكُرْ ياقوتُ مِنْ أين أخَذَ هذه الحكايةَ، ولم يُورِدْ
لها سندًا؛ فمثلها لا يَسْوَى مِدَادَ تسويده، ومن ذلك يتبيَّن أنه لا تَصِحُ
نسبةُ كتابٍ "فضائل أهل البيت" إلى ابن أبي حاتم(١)، والله أعلم.
اتهامُهُ بِسَرِقَةٍ كتابٍ البخاري:
كان للبخاريِّ تَقْلَُّ قَدَمُ السَّبْقِ في تصنيفِ كتابٍ يضمُّ رواةَ الحديثِ
عامَّةً، وهو "التاريخُ الكبير"، غير أنه لم يَسْتَوْعِبْ جميعَ الرواة، بل
فاتَّهُ عددٌ منهم، ومع هذا فليس مِنْ مقصودِهِ ذِكْرُ أقوالِ الأئمة في هؤلاءِ
(١) وانظر (ص٢٥٩).

٢٧١
الْمُقَدِّمَةُ
التَّعْرِیفُ پِابْنِ أَبِي خَاتِم
الرواةِ جَرْحًا وتعديلاً، ولكنَّه اعتنَى ببيانِ سماع الراوي مِنْ شيوخه،
وذِكْرِ الأحاديثِ المعلولةِ التي يرويها المترجَمُ له أحيانًا، وما تفرَّد
به ... إلى غير ذلك مِنْ ملامحِ مَنْهَجِهِ في هذا الكتاب.
فوقَفَ أبو حاتم وأبو زُرْعة على هذا الكتابِ، فوجَدَا فيه عِلْمًا غزيرًا،
غَيْرَ أنه يَحْتَاجُ إلى تكميلٍ وتهذيبٍ مِنْ وِجْهة نظرهما، فأناطا عَمَلَ ذلك
بعبدالرحمن بن أبي حاتم الذي قام به خَيْرَ قیام، فكان من أبرزِ ما عَمِلَهُ:
١ - حَذْفُ الأحاديثِ التي يَذْكُرُهَا البخاريُّ.
٢ - الاعتناءُ بِذِكْرِ الشيوخِ والتلاميذِ أكثَرَ من عنايةِ البخاريِّ.
٣ - زيادةُ تراجِمَ كثيرةٍ لم يَذْكُرْهَا البخاريُّ؛ فقد بلَغَ عددُ تراجمٍ
"التاريخ الكبير" مع كتاب "الكُنَى" (١٥٦٩٨) ترجمة حَسَبَ ترقيم
التراجم، بينما بلَغَ عددُ تراجم "الجرح والتعديل" (١٨٠٤٠) ترجمة؛
بزيادةٍ قَدْرُهَا (٢٣٤٢) ترجمة.
٤ - إضافةُ أقوالِ أئمَّة الجَرْح والتعديل، مع أقوالِ أبيه وأبي
زُرْعة في الرواة المعروفين، وَفْقَ منهجٍ انتقائيٌّ (١) من إمام عارفٍ بهذا
الشأن، وهذا ما لم يُعَرِّجْ عليه البخاريُّ، وهو أبرزُ مميِّزات هذا
الكتاب، بحيثُ أصبَحَ عُمْدَةٌ لكلِّ مَنْ جاء بعده، فلو قال قائل: إنه
في هذا أحسَنُ وأَنفَعُ من كتابِ البخاريِّ، لَمَا أَبعَدَ.
(١) انظر تفصيل ذلك في تقدمة الشيخ عبد الرحمن المعلِّمي للكتاب، من صفحة (ط)
إلی صفحة (ي ز).

٢٧٢
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
الْمُقَدِّمَةُ
ومع هذه المفارقاتِ وجَدْنَا مَنْ يَعِيبُ على ابن أبي حاتم تأليفَهُ
لهذا الكتاب:
فقد قال أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحاكم
الحافظ (١): كنتُ بالرَّيِّ، فرأيتُهُمْ يومًا يقرؤون على أبي محمَّد بن أبي
حاتم كتابَ "الجَرْحِ والتعديل"، فلمَّا فَرَغُوا قلتُ لابنِ عَبْدُويَه
الوَرَّاق: ما هذه الضُّحْكة؟ أراكم تقرؤون كتابَ "التاريخ" لمحمد بن
إسماعيلَ البخاريِّ على شَيْخِكم على هذا الوجه، وقد نَسَبْتموه إلى أبي
زُرْعة وأبي حاتم؟! فقال: يا أبا أحمد، اعلَمْ أنَّ أبا زُرْعة وأبا حاتم
لمَّا حُمِلَ إليهما هذا الكتابُ، قالا: هذا عِلْمٌ حَسَنٌ لا يُستغنى عنه،
ولا يحسُنُ بنا أن نَذْكُرَهُ عن غيرنا، فأقعَدَا أبا محمَّدٍ عبدالرحمنِ حتى
سألهما عن رَجُلٍ بعد رجلٍ؟ وزادا فيه ونَقَصًا منه.
وقد أجاب الشيخُ عبدالرحمن المعلِّمي تَّقُ عن هذا الإشكالِ
بقوله(٢): ((كأنَّ أبا أحمد تَفُ سَمِعَهُمْ يقرؤون بعضَ التراجمِ القصيرةِ
التي لم يَتَّفِقْ لابنِ أبي حاتم فيها ذِكْرُ الجَرْحِ والتعديل، ولا زيادةٍ
مهمَّةٍ على ما في ((التاريخ))، فاكتفَى بتلك النظرةِ السَّطْحَيَّة، ولو تصفّحَ
الكتابَ لَمَا قال ما قال. لا رَيْبَ أنَّ ابن أبي حاتم حذا في الغالبِ
(١) أخرج هذه القصة ابن عساكر في "تاريخه" (٣٦٣/٣٥) من طريق البيهقي، عن أبي
عبد الله الحاكم، عن أبي أحمد الحاكم. وأخرجها الخطيب في مقدمة 'الموضح"
(٨/١) قائلاً: حُدِّثْتُ عن أبي أحمد ... فذكرها.
(٢) في تقديمه لـ " مقدمة الجرح والتعديل" صفحة (ي)، (يا).

٢٧٣
الْمُقَدِّمَةُ
التَّعْرِيفُ بِابْنِ أَبِي حَاتِم
حَذْوَ البخاريِّ في الترتيبِ وسياقِ كثيرٍ من التراجمِ وغيرِ ذلك، لكنَّ
هذا لا يَغُضُّ مِنْ تلك المزيَّةِ العظمى، وهي التصريحُ بنصوصِ الجَرْحِ
والتعديل، ومنها زيادةُ تراجمَ كثيرةٍ، وزياداتُ فوائدَ في كثيرٍ من
التراجم، بل في أكثرها، وتدارُكُ أوهام وقعتْ للبخاري، وغير ذلك.
وأمَّا جوابُ ابن عَبْدُوْيَه الوَرَّاق فعلى قَدْرِ نفسه، لا على قَدْرِ ذَيْنِكَ
الإمامَيْنِ: أبي زُرْعة وأبي حاتم، والتحقيقُ: أنَّ الباعثَ لهما على
إقعادِ عبدالرحمن، وأَمْرِهِمَا إِيَّه بما أمراه: إنما هو الحِرْصُ على
تسديدٍ ذاك النَّقْصِ، وتكميلٍ ذاك العِلْم، ولا أَدَلَّ على ذلك مِنِ اسم
الكتابِ نَفْسه؛ "كتابُ الجَرْح والتعديل" ... )).
وفاته :
تُوُفِّيَ ابنُ أبي حاتم رَحِمَهُ اللهُ تعالى في المحرَّمِ سنةَ سَبْعٍ وعشرين
وثلاثٍ مِئَةٍ، بِالرَّيِّ، وهو في عَشْرِ التسعين، أي: وله بضعٌ وثمانون
سنةً(١).
(١) انظر "الإرشاد" (٦٨٣/٢)، و"تاريخ الإسلام" (ص٢٠٩/ حوادث ٣٢١-٣٣٠)،
و "سير أعلام النبلاء" (٢٦٩/١٣).

٢٧٥
الْمُقَدِّمَةُ
تَرْجَمَةُ أَبِي حَاتِمِ الرَّازِيِّ
تَرْجَمَةُ أَبِي حَاتِمِ الرَّازِيِّ(١)
اسْمُهُ، ووِلاَدَتُهُ، وطَلَبُهُ:
هو محمد بن إدريس بن المُنْذِر بن داود بن مِهْران، الحَنْظَلِيُّ
الغَطَفَانِيُّ الرازي.
وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وتِسْعين ومئة، وبَكَّرَ بطلبِ الحديثِ وكتابةِ العلم؛
فبدأ كتابةَ الحديثِ وهو ابنُ أربعَ عَشْرَةَ سنةً؛ ورحَلَ رِحْلتَهُ الأولى وهو
ابنُ ثمانَ عَشْرَةَ سنةً؛ سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ ومئتين، واستمرَّتْ أكثَرَ من سبع
سنين. ورحَلَ رحلةً أخرى في سنة اثنتَيْنِ وأربعين. وتكبَّد المَشَاقَّ في
رِحْلاته، ولاقى الشدائدَ، وعَدَّ ما مشى على قَدَمَيْهِ في أول رحلة، فَبَلَغَ
ما يقرُبُ من مسيرةٍ أربعةِ أشهُرِ سَيْرَ الجَادِّ، ثم ترَكَ العَدَّ !.
شُيُوخُهُ:
سمع خَلْقًا لا يُحْصَوْنَ كثرةً؛ قال الخليلي: (( قال لي أبو حاتم
(١) بتصرف واختصار من "سير أعلام النبلاء" (٢٤٧/١٣ -٢٦٣). وانظر ترجمته في:
"الجرح والتعديل" (٣٤٩/١-٣٧٥)، (٢٠٤/٧)، و "تاريخ بغداد" (٧٣/٢-٧٧)،
و "طبقات الحنابلة" (/٢٨٤/١-٢٨٦)، و"سير السلف الصالحين" (١٢٢٧/٤-
١٢٣١)، و"تاريخ دمشق" (٣/٥٢-١٦)، و"المنتظم" (١٠٧/٥-١٠٨)،
و "الأنساب" (٢٧٩/٢-٢٨٠)، و "التدوين في أخبار قزوين" (٢١٥/١-٢١٦)،
و "تهذيب الكمال" (٣٨١/٢٤-٣٩٠)، و "تاريخ الإسلام" (ص ٤٣٠-٤٣٥/
حوادث ٢٦١-٢٨٠)، و"تذكرة الحفاظ" (٥٦٧/٢-٥٦٩)، و "العبر " (٥٨/٢)،
و "طبقات الشافعية الكبرى" (٢٠٧/٢-٢١١)، و "الوافي بالوفيات" (١٨٣/٢)،
و "البداية والنهاية" (٥٩/١١)، و"طبقات القراء" لابن الجزري (٩٧/٢)،
و "طبقات الحفاظ " (ص٢٥٥)، و"المقصد الأرشد" (٣٧٠/٢-٣٧١)، و"شذرات
الذهب" (١٧١/٢).

٢٧٦
تَرْجَمَةُ أَبِي حَاتِمِ الرَّازِيِّ
الْمُقَدِّمَةُ
اللَّبَّان الحافظ: قد جمعْتُ مَنْ روى عنه أبو حاتم الرازيُّ، فبلغوا قريبًا
مِنْ ثلاثةِ آلاف )).
ومِنْ هؤلاءِ الشيوخ: الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل، وآدَمُ بنُ أبي إياس،
والرَّبِيعُ بن سُلَيْمان المُرَادي، وسَعِيدُ بن أبي مَرْيَم، وعبدالله بن صالح
كاتبُ اللَّيْث، وعبدُالمَلِكِ بنُ قُرَيْبِ الأَصْمَعِيُّ، وعُبَيْدُاللهِ بنُ عبدالكريمِ
أبو زُرْعة الرازي رفيقُهُ، وعمرو بن عليٍّ الفَلَّاس، وقُتَيْبةُ بن سَعِيد،
ومحمدُ بن بَشَّار بُنْدَار، ويحيى بن مَعِين، ويونس بن عبدالأعلى.
تَلامِیذُهُ:
حدَّث عنه خَلْقٌ كثيرٌ، منهم: إبراهيمُ الحَرْبي، وابن ماجه، وأبو
بكر بن أبي الدُّنْيَا، وأبو داود، وأبو زُرْعة الدِّمَشْقِيّ، وأبو زُرْعة
الرازي رفيقُهُ، والرَّبِيعُ بن سُلَيْمان المرادي - وهو مِنْ شيوخه -
وعبدالرحمن بن أبي حاتم ابنه، والنَّسَائي، وابن صاعد، ويونس بن
عبدالأعلى، وهو مِنْ شيوخه.
ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ :
قال عنه الذهبي: الإمامُ الحافظُ الناقد، شيخُ المحدِّثين، كان من
بحورِ العِلْم، طَوَّفَ البلادَ، وبَرَعَ في المَتْن والإسناد، وجمَعَ وصنَّف،
وجَرَحَ وعدَّل، وصَحَّحَ وعلَّل.
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سمعتُ موسى بن إسحاقَ القاضي
يقول: ما رأيتُ أحفَظَ مِنْ والدك. قال عبدالرحمن: وكان قد لَقِيَ

٢٧٧
الْمُقَدِّمَةُ
تَرْجَمَةُ أَبِي حَاتِمِ الرَّازِيِّ
أبا بكرِ بنَ أبي شَيْبة، وابنَ نُمَيْر، وابنَ مَعِين، ويحيى الحِمَّاني.
وقال الخَلِيلي: كان أبو حاتم عالمًا باختلافِ الصَّحَابةِ وفِقْهِ
التابعين ومَنْ بعدهم. سمعتُ جَدِّي وجماعةً سَمِعُوا عليَّ بنَ إبراهيم
القَطَّان يقول: ما رأيتُ مِثْلَ أبي حاتم. فقلنا له: قد رأيتَ إبراهيمَ
الحَرْبِيَّ وإسماعيلَ القاضي؟ قال: ما رأيتُ أجمَعَ من أبي حاتم
وأفضَلَ منه(١).
وقال عليُّ بنُ إبراهيم الرازي: حدَّثنا أحمد بن عليٍّ الرَّقَّام،
سمعتُ الحَسَنَ بنَ الحُسَيْنِ الدَّرَسْتِينِيَّ قال: سمعتُ أبا حاتم يقول:
قال لي أبو زُرْعة: ما رأيتُ أحرَصَ على ظَلَبِ الحديثِ منك! فقلتُ
له: إنَّ عبدالرحمن ابني لَحَرِيصٌ. فقال: مَنْ أشبَهَ أباه فما ظَلَم. قال
الرَّقَّامِ: فسألتُ عبدالرحمن عن اتفاقٍ كَثْرةِ السماع له وسؤالاتِهِ لأبيه؟
فقال: ربَّما كان يأكُلُ وأقرَأُ عليه، ويَمْشِي وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ الخَلَاءَ
وأقرَأُ عليه، ويدخُلُ البيتَ في طَلَبٍ شيء وأقرَأُ عليه ! .
وقال أحمدُ بن سَلَمة النَّيْسَابوري: ما رأيتُ بعد إسحاقَ(٢) ومحمَّدٍ
ابن يحيى أحفَظَ للحديثِ من أبي حاتم الرازي، ولا أعلَمَ بمعانيه.
وقال يونس بن عبدالأعلى: أبو زُرْعةَ وأبو حاتم إماما خراسان.
ودعا لهما، وقال: بقاؤُهُمَا صلاحٌ للمسلمين.
(١) كذا، والجادّة: ((ولا أفضَلَ منه)).
(٢) هو: ابن راهُوْيَهْ.

٢٧٨
تَرْجَمَةُ أَبِي حَاتِمِ الرَّازِيِّ
الْمُقَدِّمَةُ
وقال الخطيب: كان أبو حاتم أحَدَ الأئمَّةِ الحفاظِ الأثبات.
وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقولُ: جرى بيني
وبين أبي زُرْعة يومًا تمييزُ الحديثِ ومَعْرِفتُهُ، فجعَلَ يذكُرُ أحاديثَ
وعِلَلَهَا، وكذلك كُنْتُ أذكُرُ أحاديثَ خطأ، وعِلَلَهَا، وخَطَأَ الشيوخِ،
فقال لي: يا أبا حاتم، قَلَّ مَنْ يفهمُ هذا! ما أَعَزَّ هذا! إذا رَفَعْتَ هذا
من واحد واثنَيْنٍ، فما أقلَّ مَنْ تَجِدُ مَنْ يُحْسِنُ هذا! وربما أَشُكُّ في
شيء أو يتخالجني في حديثٍ، فإلى أنْ ألتقي معك لا أَجِدُ مَنْ يشفيني
منه. قال أبي: وكذلك كان أمري.
وقال الذهبي: إذا وثَّق أبو حاتم رجلاً فتمسَّكْ بقوله؛ فإنَّه لا
يوثّق إلا رجلاً صحيحَ الحديث، وإذا لَيَّنَ رجلاً أو قال فيه: لا يُحْتَجُ
به، فتوقَّفْ حتى تَرَى ما قال غيُّرُه فيه؛ فإنْ وثَّقه أحدٌ فلا تَبْنِ على
تجريح أبي حاتم؛ فإنَّه مُتَعَنّتٌ في الرجالِ؛ قد قال في طائفةٍ من
رجالِ الصِّحَاحِ: ليس بِحُجَّةٍ، ليس بِقَوِيٌّ، أو نحو ذلك.
وَفَاتُهُ :
قال أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي وغيره: مات الحافظُ أبو حاتمٍ في
شَعْبان سنةَ سَبْع وسبعين ومئتين، وقيل: عاش ثلاثًا وثمانين سنة.
رحمه الله تعالی.

٢٧٩
الْمُقَدِّمَةُ
تَرْجَمَةُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ
تَرْجَمَةُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ(١)
اسْمُهُ، ووِلاَدَتُهُ، وطَلَبُهُ:
هو الإمام، سيِّد الحُفَّاظ؛ عُبَيْدُاللهِ بنُ عبدِالكريمِ بنِ يزيدَ بنِ
فَرُّوخ، مُحَدِّثُ الرَّيِّ، وجَدُّهُ فَرُّوخ: مولى عيَّش بن مُطَرِّف بن عبدالله
ابن عيَّاش بن أبي ربيعة المَخْزُومي. وأبوه عبدالكريم هو خالُ رفيقِهِ
أبي حاتم الرازي.
وُلِدَ أبو زُرْعة سنةَ مئتين؛ على ما رُوِيَ عنه نفسه، وقيل في مولده
غیرُ ذلك.
طلَبَ الحديثَ وهو حَدَثٌ صغيرٌ، وارتحَلَ إلى الحجازِ والشامِ
ومِصْرَ والعراقِ والجزيرةِ وخُرَاسان، وكانتْ نيَّةُ الرِّحْلةِ والسماعِ من
الشيوخِ تخالطُ نِيَتَهُ في الرِّبَاطِ؛ قال: (( لا أعلَمُ صَفَا لِي يَوْمُ رباطٍ قَطُ؛
(١) بتصرف واختصار من "سير أعلام النبلاء" (٦٥/١٣-٨٥). وانظر ترجمته في:
"الجرح والتعديل" (٣٢٨/١-٣٤٩)، (٣٢٥/٥)، و"الثقات" (٤٠٧/٨)، و"تاريخ
بغداد" (٣٢٦/١٠-٣٣٧)، و"طبقات الحنابلة" (١٩٩/١-٢٠٣)، و"سير السلف
الصالحين" (١٢٢٣/٤-١٢٢٧)، و"تاريخ دمشق" (١١/٣٨-٣٩)، و"المنتظم"
(٤٧/٥-٤٨)، و "الأنساب" (٢٤/٣)، و "التدوين في أخبار قزوين" (٢٨٤/٣)،
و "تهذيب الكمال" (٨٩/١٩-١٠٣)، و "تاريخ الإسلام" (ص١٢٤- ١٣٢/ حوادث
٢٦١-٢٨٠)، و "تذكرة الحفاظ" (٥٥٧/٢-٥٥٩)، و"العبر" (٢٨/٢-٢٩)،
و "الوافي بالوفيات" (٢٥٥/١٩-٢٥٦)، و"البداية والنهاية" (٣٧/١١)، و"طبقات
الحفاظ " (ص٢٤٩-٢٥٠)، و "المقصد الأرشد" (٦٩/٢-٧١)، و"شذرات
الذهب" (١٤٨/٢-١٤٩). وانظر كتاب "أبو زُرْعة الرازي وجهوده في السُّنَّة
النبويَّة " للدكتور سعدي الهاشمي.

٢٨٠
تَرْجَمَةُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ
الْمُقَدِّمَةُ
أمَّا بيروتُ فَأَرَدْنَا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، وأما عَسْقَلان فأردنا
محمَّد بن أبي السَّرِيِّ، وأمَّا قَزْوين فمحمَّد بن سعيد بن سَابِقٍ)).
وكتَبَ وصنَّف ما لا يوصفُ كَثْرة.
شُيُوخُهُ:
سَمِعَ خلقًا كثيرًا؛ منهم: أبو الوليد الطَّيَالسي، والإمامُ أحمد بن
حنبل، وأحمدُ بنُ يونس اليَرْبُوعي، والربيع بن سُلَيْمان المُرَادي،
وسُلَيْمان ابن بِنْتِ شُرَحْبِيل، والعباس بن الوليد بن مَزْيَد، وعبدالعزيز بن
عبدالله الأُوَيْسِي، وعبدالله بن مَسْلَمة القَعْنَبي، وعمرو بن عليٍّ الفَلَّاس،
وأبو حاتم الرازيُّ رفيقُهُ، وأبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، وموسى بن
إسماعيل، وقَبِيصَة بن عُقْبة، ويحيى بن بُكَيْر، ويونس بن عبدالأعلى.
تَلَامِیذُهُ :
حدَّث عنه الخلقُ الكثير أيضًا؛ منهم: أبو بكر بن أبي داود، وأبو
عَوَانة الإِسْفَرَابِيني، وعبدالرحمن بن أبي حاتم، وعبدُاللهِ ابنُ الإمامِ
أحمد، وعَدِيُّ بن عبدالله والدُ ابن عَدِيٍّ، والتِّرْمِذي، والنَّسَائي، وابن
ماجه. وحدَّث عنه مِنْ شيوخه: إسحاق بن موسى، وحَرْمَلة بن يحيى،
والرَّبِيعِ المُرَادي، وعمرو بن عليٍّ الفَلَّاس، ويونس بن عبدالأعلى،
ومِنْ أقرانه: ابن وَارَة، وأبو حاتم، ومُسْلِمٌ، وإبراهيمُ الحَرْبي.
ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ:
قال أبو إسحاق الجُوزَجَاني: كنا عند سليمان بن عبدالرحمن،
فلم يَأْذَنْ لنا أَيَّامًا، ثم دَخَلْنَا عليه فقال: بَلَغني ورودُ هذا الغلامِ -