Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١
سورة الحديد : الآية ٣
الواجباتِ (١) المنجياتِ))(١).
وأخرج ابنُ أبى الدنيا، والبيهقىُ، عن محمدِ بنِ علىٍّ، أنَّ النبيَّ وَِّ علَّم
عليًّا دعوةً يدعو بها عندَ ما أُهمَّه، فكان علىّ يُعلِّمُها ولدَه: (يا كائنُ قبلَ كلِّ
شىءٍ ، ويا مُكَوِّنَ كلِّ شىءٍ ، ويا كائنُ بعدَ كلِّ شىءٍ ، افعلْ بى كذا وكذا)) (١).
وأخرج البيهقىُّ فى ((الأسماءِ والصفاتِ)) عن مقاتلٍ بن حيانَ قال: بلَغنا فى
قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ﴾ قبلَ كلِّ شيءٍ، ﴿وَلَخِرُ﴾ بعدَ كلِّ شيءٍ،
﴿وَاَّهِرُ﴾ فوقَ كلِّ شيءٍ، [٤٠٦ ظ] ﴿ وَالْبَاطِنٌ ﴾ أقربُ من كلِّ شيءٍ، وإنما
يعنى بالقربِ : بعلمِه وقدرتِه، وهو فوقَ عرشِه وهو بكلِّ شىءٍ عليمٌ، ﴿هُوَ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ﴾. مقدارُ كلِّ يومٍ ألفُ عامٍ، ﴿ثُمَّ
أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ﴾ من القَطْرِ، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من
النباتِ، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من القَطْرِ، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. يعنى: ما
يَصعَدُ إلى السماءِ من الملائكةِ، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ . يعنى: قدرتُه
وسلطانُه وعلمُه معكم أينما كنتم، ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾(٤).
وأخرَج أبو الشيخ فى ((العظمةِ))، عن ابنٍ(٥) عمرَ، وأبى سعيدٍ، عن
النبيِّ وَلَّه قال: ((لا يزالُ الناسُ يسألون عن كلِّ شيءٍ حتى يقولوا: هذا اللهُ كان
قبلَ كلِّ شيءٍ، فماذا كان قبلَ اللهِ؟ فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو الأولُ قبلَ
(١) فى الأصل، م: ((الراجيات))، وفى ص، ف ١: ((الراضيات)).
(٢) البيهقى (١٧). وقال محققه: إسناده ضعيف جدًّا.
(٣) ابن أبى الدنيا فى ((الفرج بعد الشدة)) ص ٢١، والبيهقى (١٦). وقال محققه: ضعيف مرسل.
(٤) البيهقى (٩١٠) .
(٥) ليس فى : الأصل .
٢٦٢
سورة الحديد : الآيتان ٣ ، ٤
كلِّ شيءٍ، وهو الآخِرُ فليس بعدَه شىءٌ، وهو الظاهرُ فوقَ كلِّ شيءٍ، وهو
الباطنُ دونَ كلِّ شيءٍ، وهو بكلِّ شىءٍ عليهٌ)(١).
وأخرَج أبو داودَ عن أبى زُمَيلٍ قال: سألتُ ابنَ عباسٍ فقلتُ: ما شىءٌ أَجِدُه
فى صِدرِى! قال: ما هو؟ قلتُ: واللهِ لا أتكلّمُ به. فقال لى: أشىءٌ من شكّ؟
وضحِك، قال: ما نجا من ذلك أحدٌ حتى أنزل اللهُ تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍ
مِّمَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ﴾ الآية [يونس: ٩٤]. وقال لى: إذا وجَدتَ فى نفسِك شيئًا فقلْ:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَأَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمَّ﴾ .
أخرَج ابنُّ أبى حاتم عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ .
قال: عالمٌ بکم أينما كنتُم .
وأخرج البيهقيُّ فى ((الأسماءِ والصفاتِ)) عن سفيان الثوریّ ، أنه سُئِلَ عن
قوله: ﴿وَهُوَ مَعَگت﴾. قال: علمُه(٣).
وأخرَج ابنُ مَردُويَه، والبيهقىُّ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ قال: قال رسولُ
اللهِ وَلَهُ: ((إنَّ من أفضلِ إِيمانِ المرءِ أن يَعلمَ أَنَّ اللهَ تعالى معه حيثُ
(٤)
كان»(٤).
وأخرج ابنُ النجار فی «تاریخ بغداد)) ، بسندٍ ضعیف ، عن البراء بن عازب
(١) أبو الشيخ (١١٧). وقال محققه: ضعيف جدًّا.
(٢) أبو داود (٥١١٠). حسن الإسناد (صحيح سنن أبى داود - ٤٢٦٢).
(٣) البيهقى (٩٠٨) .
(٤) البيهقى (٩٠٧)، وفى ((الشعب)) (٧٤١). وقال محقق ((الأسماء والصفات)): إسناده ضعيف.
٢٦٣
سورة الحديد : الآيات ٦ - ١٠
قال: قلتُ لعلىٍّ: يا أميرَ المؤمنين، أسألُك باللهِ ورسولِه إلا خصَصْتَنِى بما ("
خصَّك به رسولُ اللهِ أَِّّهِ، واختَصَّه به جبريلُ، وأَرسَله به الرحمنُ. فقال: إذا
أردتَ أن تَدعوَ اللهَ باسمِه الأعظم فاقرأْ من أولٍ سورةِ ((الحديدِ)) إلى آخرِ ستٌّ
آياتٍ منها: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وآخرَ سورةِ (الحشرِ)) - يعنى أربعَ آياتٍ -
ثم ارفع يَدَيْك فقُلْ: يا مَن هو هكذا، أسألُك بحقٌ هذه الأسماءِ أن تُصَلِّىَ على
محمدٍ ، وأنَّ تفعلَ بی كذا وكذا. مما تريدُ ، فواللهِ الذى لا إلهَ غيرُه لتَنقَلِيَنَّ
بحاجتِك إنْ شاء اللهُ .
قولُه تعالى: ﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُواْ﴾ الآيات.
أُخرَج الفریابیُ ، وعبدُ بنُ حمیدٍ ، وابنُ جریٍ ، وابن المنذرٍ ، عن مجاهدٍ فی
قوله: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ مُسْتَخْلَفِينَ فِهِ﴾ . قال: مُعَمَّرِین فيه بالرزقِ . وفى
قوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ﴾. قال: فِى ظَهْرِ آدمَ. وفى / قوله: ﴿لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ ١٧٢/٦
الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورَّ﴾. قال: من الضلالةِ إلى الهُدى(١) .
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ المنذرِ ، عن مجاهدٍ فی
قوله: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. يقولُ: من أَسلَم، ﴿وَقَتَلٌّ
أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ﴾ . يعنى: أَسلَموا ؛ يقولُ : ليس مَن
هاجَر كمَن لم يهاجِرْ، ﴿وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ﴾. "قال: الجنةً) .
وأخرَج عبدُ الرزاقِ ، وعبدُ بنُّ حميدٍ ، وابنُ المنذرِ ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا
(١) فى ص، ف١، ح١، م: ((بأعظم ما)).
(٢) الفريابى - كما فى ((تغليق التعليق)) ٣٣٦/٤، ٣٣٧ - وابن جرير ٣٨٩/٢٢ - ٣٩١.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ص، ف١ .
٢٦٤
سورة الحديد : الآيات ٧ - ١٠
يَسْتَوِى مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ الآية. قال: كان قِتالان أحدُهما أفضلُ
من الآخرِ، وكانت نفقتان إحداهما أفضلُ من الأخرَى. قال: كانت النفقةُ
والقتالُ قبلَ الفتح - فتح مكةَ - أفضلَ من النفقةِ والقتالِ بعدَ ذلك، ﴿وَكُلًا وَعَدَ
اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال: الجنةَ(١).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ المنذرِ ، عن عكرمةً قال: لما نزلت هذه الآيةُ:
﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ﴾. قال أبو الدَّحداحِ: واللهِ، لأَنفِقَن
اليومَ نفقةٌ أُدرِكُ بها مَن قبلِى ، ولا يَسْبِقُنِى بها أحدٌ بعدى. فقال: اللَّهم، كلُّ
شىءٍ يملِكُه أبو الدَّحداحِ فإنَّ نصفَه للهِ . حتى بلّغْ فَرَدَ نعليه(٢)، ثم قال: وهذا .
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ عن زيدِ بنِ أسلمَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ:
(يَأْتِيكم قومٌ من هلهنا، وأشار إلى اليمنِ، تَحْقِرُون أعمالَكم عندَ أعمالِهم».
قالوا : فنحنُ خيرٌ أم هم؟ قال : ((بل أنتم؛ لو أنَّ أحدهم أنفَق مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما
أدرَكُ مُدَّ أحدِكم ولا نَصيفَه؛ فصَلَتْ هذه الآيةُ بينَنا وبينَ الناسِ: ﴿لَا يَسْتَوِى
مِنْكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنَفَقُواْ مِنْ بَعْدُ
وَقَتَلُواْ﴾ )).
وأخرج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم، وابنُ مَرَدُويَه، وأبو نعيمٍ فى ((الدلائلِ))،
من طريقِ زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءٍ بنٍ يسارٍ ، عن أبى سعيد الخدرىِّ قال : خرجنا
مع رسولِ اللهِ وََّ عامَ الحديبيةِ، حتى إذا كان بعُسْفانَ(١) قال رسولُ اللهِ وَّهِ:
(١) عبد الرزاق ٢٩٤/١، ٢٧٥/٢.
(٢) فى ص، ف١، ح١، م: (( نعله)).
(٣) عسفان: واد على طريق حجاج مصر، على ثلاث مراحل من مكة ، وهى الآن محطة من =
٢٦٥
سورة الحديد : الآيات ٧ - ١٠
((يُوشِكُ أن يأتىَ قومٌ تَحَقِّرُون أعمالَكم مع أعمالِهِم)). قلنا: مَن هم يا رسولَ اللهِ ،
أقريشٌ؟ قال: ((لا، ولكن هم أهلُ اليمنِ؛ هم أرقُّ أفئدةً ، وألينُ قلوبًا)). فقلنا :
أهم خيرٌ منا يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((لو كان لأحدِهم جبلٌ من ذهبٍ فأنفَقه ما أدرَك
مُدَّأُ حدِكم ولا نَصِيفَه، ألا إنَّ هذا فصْلُ ما بيننا وبينَ الناسِ: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُمْ
مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ﴾))(١) الآية.
وأخرج أحمدُ عن أنسٍ قال : كان بينَ خالدِ بنِ الوليدِ وبينَ عبدِ الرحمنِ بنِ
عوفٍ كلامٌ ، فقال خالدٌ لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ : تَستَطِيلُون علينا بأيامِ سبَقتُمونا
بها ، فبلَغ النبيَّ وَّفقال: ((دعُوالى أصحابى فوالذِى نفسِى بيدِه لو أنفَقتم مثلَ
أُحُدٍ ، أو مثلَ الجبالِ ذهبًا، ما بلَغْتم أعمالَهم))(٢).
وأخرَج أحمدُ عن يوسفَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ إِنَّهِ :
أنحن خيرٌ أم مَن بعدَنا؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: (لو أنفَق أحدُهم أُحدًا(٣) ذهبًا ما
بلَغ مُدَّ أحدِكم ولا نصيفه)»(٤) .
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ، والبخارىُّ، ومسلمٌ ، وأبو داودَ ، والترمذىُ، عن أبى
سعيدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لا تَسُبُوا أصحابِى، فوالذى نفسِی بیدِه لو أَنَّ
= محطات الطريق بين جدة والمدينة . ينظر جغرافية شبه الجزيرة لكحالة ص ١٧٠ .
(١) ابن جرير ٣٩٤/٢٢، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٣٨/٨ . قال ابن كثير : وهذا
الحديث غريب بهذا السياق والذى فى الصحيحين ذكر الخوارج .
(٢) أحمد ٣١٩/٢١ (١٣٨١٢). وقال محققوه : إسناده صحيح .
(٣) فى الأصل: ((مثل أحد)).
(٤) أحمد ٢٥٦/٣٩ (٢٣٨٣٥). وقال محققوه : حسن لغيره .
٢٦٦
سورة الحديد : الآيات ١٢،١٠ - ١٦
أحدَ كم أنفَق مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما أدرَكُ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه))(١).
وأخرج ابن أبى شيبةً عن ابنِ عمرَ قال: لا تَسُبُّوا أصحاب محمدٍ وَّه
فَلَمقامُ أحدِهم ساعةٌ خيرٌ من عملٍ أحدِكم عُمُرَهُ(١) .
قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآيات.
أخرَج ابنُ أبى شيبةَ ، وابنُ المنذرٍ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيِّنَ
أَيْدِيهِمْ﴾. قال: على الصراطِ حتى يَدخُلُوا الجنةَ(٣).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن ابنِ مسعودٍ فى قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ﴾
قال : على الصراطِ .
•
وأخرَج ابنُ المنذرِ عن يزيدَ بنِ شجرةً قال: إنكم تُكتبون(٤) عندَ اللهِ
بأسمائِكم وسيماكم وحُلاكم ونَجْواكم ومجالسِكم) ، فإذا كان يومُ
القيامةِ قيلَ: يا فلانَ بنَ فلانٍ، هَلُمَّ بنورِك، ويا فلانَ بنَ فلانٍ ، لا نورَ
لك .
وأخرج عبدُ الرزاقِ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ المنذرِ ، عن قتادةَ فى الآيةِ قال :
ذُكِرَ لنا أنَّ نبىَّ اللهِ وَلَه قال: ((إنَّ من المؤمنين يومَ القيامةِ من يُضِىءُ له نورُه كما
(١) ابن أبى شيبة ١٧٤/١٢، ١٧٥، والبخارى (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤٠)، وأبو داود (٤٦٥٨)،
والترمذى (٣٨٦١) .
(٢) ابن أبى شيبة ١٧٨/١٢ .
(٣) ابن أبى شيبة ٥٣٠/١٣ .
(٤) فی م: ( مکتوبون » .
(٥) فى ص: (( محابسكم))، وفى ف١: ((محاسبكم)).
٢٦٧
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
بينَ المدينةِ إِلى عَدَنَ أَبيْنَ(١)، إلى صنعاءً (٢) ، فدُونَ ذلك، حتى إنَّ من المؤمنين من
لا يُضِىءُ له نورُه إلا موضعَ قدمَيْه، والناسُ منازلُ بأعمالِهم))(٢).
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ ، وابنُّ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، والحاكمُ
وصحَّحه، وابنُ مَرَدُويَه، عن ابنِ مسعودٍ فى قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ﴾.
قال : يُؤتَون نورَهم على قدرٍ أعمالهم، يُّون على الصراطِ ، منهم من نورُه مثلُ
الجبلِ، ومنهم مَن نورُه مثلُ النخلةِ ، وأدناهم نورًا مَن نورُه على إبهامِه يُطفَأَ مرةً ،
ويُقَدُ أُخرَى(٤) .
وأخرج ابنُّ أبى حاتم ، والحاكمُ وصحَّحه، وابنُ مَردُویَه ، عن عبدِ الرحمنِ
ابنِ جُبيرٍ بنِ نُفَيرٍ، أنه سمِع أبا ذرٍّ، وأبا الدرداءِ قالا: قال رسولُ اللهِ وَّةٍ :
(أنا أولُ من يُؤْذَنُ له فى السجودِ يومَ القيامةِ ، وأَولُ من يُؤْذَنُ له أن يرفعَ رأسَه ،
فَأرفَعُ رأسِى فأنظرُ بينَ يَدَىَّ، ومِن خلفِى، وعن يمينى، وعن شمالِى فأعرِفُ أُمْتِى
مِن بينِ الأمم)) . / فقيل: يا رسولَ اللهِ، وكيف تَعرِفُهم من بين الأمم ما بينَ نوحٍ إلى ١٧٣/٦
أُمَّتِك؟ قال : ((غُرِّ مُحَجَّلُون من أثّرِ الوضوءِ، ولا يكونُ لأحدٍ غيرِهم، وأعرِفُهم
أنهم يُؤْتَون كُتُبُهم بأيمانِهم ، وأعرفُهم بسيماهم فى وجوههم من أثرِ السجودِ ،
(١) عدن أبين: مدينة مشهورة على ساحل بحر اليمن فى أقصى الجنوب. مراصد الاطلاع ٩٢٣/٢ ،
وأطلس تاريخ الإسلام ص ٧٢ .
(٢) صنعاء: قصبة اليمن وأحسن بلادها تشبّه بدمشق لكثرة فواكهها، وهى أقرب إلى المدينة من عدن
أبين. ينظر مراصد الاطلاع ٨٥٤/٢، وأطلس تاريخ الإسلام ص ٧٢ .
(٣) عبد الرزاق ٢٧٥/٢.
(٤) ابن أبى شيبة ٢٩٩/١٣، وابن جرير ٣٩٨/٢٢، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٨٤/١ -
والحاكم ٤٧٨/٢ .
(٥ - ٥) سقط من: ((م))، وفى ص: ((نضير)). وينظر تهذيب الكمال ٥٠٩/٤، ٢٦/١٧.
٢٦٨
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
وأعرفُهم بنورِهم الذى يسعى بينَ أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم)) (١).
وأخرج ابنُ المباركِ، وابنُ أبى حاتم، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ فى
(الأسماءِ والصفاتِ))، عن أبى أمامةَ الباهلِىّ، أنه قال: أيُّها الناسُ، إنكم قد
أصبحتم وأمسَيْتُم فى منزلٍ تَقْتَسِمُون فيه الحسناتِ والسيئاتِ ، وتُوشِكُون أن
تَظْعَنُوا منه إلى منزلٍ آخرَ وهو القبرُ ، بيتُ الوحدةِ ، وبيتُ الظُّلْمَةِ ، وبيتُ الدُّودِ ،
وبيتُ الضِّيقِ، (إلا ما وَسَّعَ الله٢ُ) ، ثم تَنْتَقِلُون منه إلى مواطنٍ يومِ القيامةِ ، فإنكم
لفى بعضِ تلك المواطنِ حتى يغشَى الناسَ أمرُ اللهِ ، فَتَبْيَضُ وجوةٌ، وتَسْوَدُّ
وجوةٌ ، ثم تَنْتَقِلُون منه إلى موضع آخرَ ، فتغشَى الناسَ ظلمٌ شديدةٌ ، ثم يُقْسَمُ
النورُ، فَيُعطَى المؤمنُ نورًا ويُترَكُ الكافر والمنافقُ فلا يُعطَيان شيئًا، وهو المثَّلُ الذى
ضرَّب اللهُ فى كتابِهِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُِّيٍ﴾. إلى قولِهِ: ﴿فَمَا لَهُ مِن
◌ُّورٍ﴾ [النور: ٤٠]. ولا يستَضِىءُ الكافر والمنافقُ بنورِ المؤمنِ، كما لا يَستَضِىءُ
الأعمَى ببصرِ البصيرِ، ويقولُ المنافقون للذين آمنوا: ﴿أَنْظُرُونَا نَفَْيِسْ مِن نُرِكُمْ
قِبِلَ أَرْجِعُواْ وَرَكُمْ فَالْتَمِسُوْ نُورًا﴾. وهى خُدعُ اللهِ التى خدَع بها المنافقين ، حيثُ
قال: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. فيَرجِعُون إلى المكانِ الذى
قُسِمَ فیه النورُ فلا یجدون شيئًا ، فينصرفون إلیهم وقد ضُرِب بينَهم بشورٍ له بابٌ
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُن مَّعَكُمْ﴾، نُصَلِّى
١٤
﴿بَاطِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ
صلاتكم، ونَغْزُو مغازِيَكم؟ ﴿قَالُواْ بَلَى﴾. إلى قولِه: ﴿وَبِثْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
(١) ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤١/٨ - والحاكم ٤٧٨/٢ صحيح لغيره (صحيح الترغيب- ١٨٠).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((إلا من وسع الله له )).
(٣) ابن المبارك (٣٦٨ - زوائد نعيم)، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٢/٨ - والحاكم
٤٠٠/٢، والبيهقى (١٠١٥). وقال محقق الأسماء والصفات: موقوف صحيح الإسناد.
٢٦٩
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
وأخرج ابنُ أبى حاتم ، من وجهٍ آخرَ، عن أبى أمامةً قال : تُبعَثُ ظلمةٌ يومَ
القيامةِ ، فما من مؤمنٍ ولا كافرٍ يرَى كفَّه، حتى يبعَثَ اللهُ بالنورِ إلى المؤمنين
بقَدْرِ أعمالِهم فيَتَبَعُهم المنافقون فيقولون: انظُرونا نقتبسْ من نورٍ كم (١).
وأخرَج ابنُ جريرٍ، "وابنُ مَردُويَه١)، والبيهقىُ فى ((البعث)) ، عن ابنِ عباسٍ
قال : بينما الناسُ فى ظلمةٍ إذ بعَث اللهُ نورًا، فلمَّا رأى المؤمنون النورَ تَوَجَّهوا
نحوَه، وكان النورُ دليلاً لهم من اللهِ إلى الجنةِ، فلمَّا رأى المنافقون المؤمنين قد
انطلقوا إلى النورِ تَبِعُوهم ، فأظلَم اللهُ على المنافقين فقالوا حينئذٍ : انظُرونا نقتبسْ
من نورِكم. فإنا كنَّا معكم فى الدنيا . قال المؤمنون : ارجعوا (١) من حيثُ جئتُم
من الظلمةِ فالتَمِسوا هنالك النورَ (٤).
وأخرج الطبرانىُّ، وابنُ مَردُويَه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ
اللهِ وَهِ: ((إنَّ اللهَ يَدعُو الناسَ يومَ القيامةِ بأمهاتِهمْ سِترًا [٤٠٧ و] منه على
عبادِه، وأمَّا عندَ الصراطِ فإِنَّ اللهَ يُعطِى كلَّ مؤمنٍ نورًا وكلَّ منافقٍ نورًا، فإذا
استَووا على الصراطِ سلَب اللهُ نورَ المنافقين والمنافقاتِ ، فقال المنافقون :
انظُرونا نقتبسْ من نورِ كم. وقال المؤمنون: ربَّنا أتّمْ لنا نورَنا . فلا يَذكُرُ عندَ
(١) ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٢/٨.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ف ١.
(٣) بعده فى ف١، ح١: ((وراءكم))، وبعده فى م: ((وراءكم فالتمسوا نورا)).
(٤) ابن جرير ٤٠١/٢٢ .
(٥) فى مصدر التخريج: ((بأسمائهم)). وقال الألباني: كذا فى الأصل المخطوط فى الظاهرية وكذلك
فى المطبوعة، لكن فى نقل جمع عن الطبرانى بلفظ: ((أمهاتهم)) منهم ابن حجر فى الفتح، والسيوطى
فى اللآلئ والسخاوى فى المقاصد، فلا أدرى إذا كان ذلك وهمًا منهم أو نقلا عن نسخة وقعت لهم فى
الطبرانى . السلسلة الضعيفة ٦٢٣/١ ، ٦٢٤ .
٢٧٠
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
ذلك أحدٌ أحدًا))(١).
وأخرَج ابنُّ مَردُويَه عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إذا جمَع اللهُ
الأوَّلين والآخِرِين دعا اليهودَ فقيلَ لهم: مَن كنتُم تَعبُدون؟ فيقولون: كنا نعبدُ
اللهَ. فيقالُ لهم: كنتُمْ تَعبُدُون معَه غيرَه؟ فيقولون: نعم . فيقال لهم: من کنتُم
تَعْبُدُون معه؟ فيقولون: عُزَيرًا. فيُوَجَّهون وجهًا، ثم يدعون(١) النصارَى فيقالُ
لهم: مَن كنتُم تعبُدُون؟ فيقولون: كنا نعبدُ اللهَ . فيقول لهم: هل كنتُم تعبُدُون
معه غيرَه؟ فيقولون: نعم. فيقالُ لهم: مَن كنتم تعبُدُون معه؟ فيقولون :
المسيح. فيُوَّجَّهون وجهًا، ثم يُدْعَى المسلمون، وهم على رابيةٍ(١) من الأرضِ
فيقالُ لهم: من كنتُم تعبُدُون؟ فيقولون: كنا نعبدُ اللهَ وحدَه (٤) . فيقالُ لهم:
هل كنتُم تعبُدُون معه غيرَه؟ فيغضَبون فيقولون: ما عبَدنا غيرَه . فيُعْطَى كلُّ
إنسانٍ منهم نورًا، ثم يُوَجَّهون إلى الصراطِ، فما كان من منافقٍ طُفِىءَ نورُه قبلَ
أن يأتىَ الصِّراطَْ)). ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُتَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَنْظُرُ ونَا﴾ الآية. وقرَأ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمْ﴾ [التحريم: ٨]
ـلے
إلى آخرِ الآيةِ() .
وأخرَج ابنُ مَرَدُويَه عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
(١) الطبرانى (١١٢٤٢) . موضوع (السلسلة الضعيفة - ٤٣٤).
(٢) فى م: (( يدعو)).
(٣) فى الأصل، ح١: ((رايته))، وفى ص، ف١: ((راية)). وفى م: ((رابة)). والمثبت من مصدر
التخريج . والرابية : كل ما ارتفع من الأرض . اللسان (ر ب و).
(٤) بعده فى ح١: ((لا شريك له)).
(٥ - ٥) سقط من : م .
(٦) الأثر عند الخطيب فى موضح أوهام الجمع والتفريق ١٣٣/١، ١٣٤.
٢٧١
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
وَالْمُنَفِقَتُ﴾ الآية. قال: بينما الناسُ فى ظُلمةٍ إِذَ بعَث اللهُ نورًا، فلمَّا
رأى المؤمنون النورَ تَوَّهوا نحوَه، وكان النورُ لهم دليلاً إلى الجنةِ من
اللهِ، فلمَّا رأى المنافقون المؤمنين قد انطَلَقوا تَبِعُوهم، فأظلَم اللهُ على
المنافقين، فقالوا حينئذٍ : انظُرونا نقتبسْ من نورِكم، فإنا كنا معكم فى
الدنيا. قال المؤمنون : ارجِعُوا من حيثُ جئتُم من الظُّلمةِ، فالتَمِسُوا
هنالك النورَ .
وأُخرَج عبدُ بنُ حميدٍ (١)، وابنُ المنذرِ، عن أبى فاختةً قال: يَجمعُ اللهُ
الخلائقَ يومَ القيامةِ ، ويُرسِلُ اللهُ على الناسِ ظلْمةً فيستَغِيثُون ربَّهم فيُؤْتِى اللهُ كلَّ
مؤمنٍ يومَئذٍ نورًا، ويُؤتِى المنافقين نورًا، فيَنطلِقُون جميعًا مُتَوَجّهين إلى الجنةِ
معهم نورُهم ، فبينما هم كذلك إذ طفَأَ اللهُ نورَ المنافقين، فِيَتَرَدَّدُون فى الظُّلمةِ ،
ويَسبِقُهم المؤمنون بنورِهم بينَ أيديهِم فينادونَهم(١): ﴿أَنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن
ثُورِكُمْ﴾. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاِنُهُ﴾، حيثُ ذهَب المؤمنون ﴿فِهِ
الرَّحْمَةُ﴾، ومن قِبَلِه الجنةُ، ويُناديهم / المنافقون: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ . قالوا :
﴿بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْبَّبْتُمْ﴾. فيقولُ المنافقون بعضُهم لبعضٍ،
وهم يَتَسَكَّعون(٣) فى الظُّلمةِ: تعالوا نلتَمِشْ إلى المؤمنين سبيلاً. فيَسقُطُون على
هُوَّةٍ(٤) ، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ : إنَّ هذا ينفُقُ(٥) بكم إلى المؤمنين . فيَتَهافَتُون فيها
١٧٤/٦
(١) بعده فى م: ((وابن جرير)).
(٢) فى ص: ((فيبادرونهم))، وفى ف١: ((فينادوهم)).
(٣) تسكع: تحير. النهاية ٣٨٤/٢ .
(٤) فى ص، ف١، ح١: ((هذه)).
(٥) ينفق : يخرج . ينظر اللسان (ن ف ق) .
٢٧٢
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
فلا يَزالون يَهْؤُون فيها حتى يَنتَهُوا إلى قَعْرِ جهنمَ، فهنالك خُدِعَ المنافقون كما
قال اللهُ: ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾.
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن عاصم، أنه قرأ: ﴿أَنْظُرُونَ﴾. موصولةً برفع
(٢)
الألفِ (٢).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن الأعمشِ ، أنه قرأ : (أنظِرونا). مقطوعةً بنصبٍ
الألفِ، وكسرِ الظاءٍ(٣) .
وأخرج ابنُ أبى شيبةً عن أبى الدرداءِ قال: أين أنت من يومٍ جِىءَ بجهنمَ قد
سَدَّت ما بين الخافقين. وقيل: لن تدخلَ الجنةً حتى تَخوضَ النارَ. فإن
كان معَك نورٌ استقام بك الصراطُ، فقد واللهِ نَجَوتَ وهُدِيتَ، وإن لم
يكنْ معك نورٌ تشبّثَ بك بعضُ خطاطيفٍ جهنمَ أو كلالييِها، فقد واللهِ
رَدِيتَ وهَوَيتَ(٤) .
وأخرج البيهقىُّ فى ((الأسماءِ والصفاتِ)) عن مقاتلٍ فى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ
اُلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال: وهم على الصراطِ: ﴿أَنْظُرُونَ﴾.
يقولُ: ارقُبونا، ﴿نَقْلِسْ مِن نُِّكُمْ﴾ . . يعنى : نُصيبُ من نورٍ كم فنَمْضِی معكم ،
﴿قِيلَ﴾. يعنى: قالت الملائكةُ لهم: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ ؛ من حيثُ
(١ - ١) ليس فى : الأصل.
(٢) هى قراءة نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائى وأبو جعفر ويعقوب وخلف . ينظر
النشر ٢٨٧/٢ .
(٣) وهى قراءة حمزة . ينظر المصدر السابق.
(٤) ابن أبى شيبة ١٧٨/١٣، ١٧٩.
٢٧٣
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
جئتُم. هذا من الاستهزاءِ بهم كما استَهْزَنُوا بالمؤمنين فى الدنيا حينَ ) قالوا:
آمَنَّا. ولَيسُوا بمؤمنين؛ فذلك قوله: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]. حينَ يقالُ
لهم: ارجعوا وراءَكم فالتمِسوا نورًا. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾. يعنى: بينَ أصحابٍ
الأعرافِ وبينَ المنافقين١. ﴿بِسُورٍ لَُّ بَابٌ﴾. يُعنى بالسُّورِ حائطٌ بينَ أهلِ الجنةِ
والنارِ، ﴿لَّهُ بَابُ بَاطِنُ﴾. يعنى: باطنُ السُّورِ، ﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ . وهو مما يلى
الجنةَ، ﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. يعنى جهنمَ، وهو الحجَابُ الذى ضُرِبَ
بينَ أهلِ الجنةِ وأهلِ النّارِ(٤) .
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن عبادةَ بنِ الصامتِ ، أنه كان على سُورٍ بيتٍ
المقدسِ الشرقىِّ فبكى، فقيلَ له: ما يُبكِيكَ؟ فقال: هلهنا أخبَرَنا رسولُ اللهِ وَّ
أنه رأی جهنم .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن أبى سنانٍ قال : كنتُ مع علىٍّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
عباسٍ عندَ وادِى جهنمَ ، فحدَّثَ عن أبيه أنه قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾. قال :
هذا موضعُ الشُّورِ عندَ وادِى جهنمَ .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، والحاكم
وصحَّحه، وابنُ عساكرَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ قال: إن الشُّورَ الذى
ذكَره اللهُ فى القرآنِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾. هو الشُّورُ الذى ببيتٍ
(١) سقط من : م .
(٢) فى الأصل، ص، ف١: ((حتى)).
(٣ - ٣) سقع من : م .
(٤) البيهقى (١٠١٧) .
( الدر المنثور ١٨/١٤ )
٢٧٤
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
المقدسِ؛ الشرقِىُّ، ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾: المسجدُ، ﴿وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
اَلْعَذَابُ﴾. يعنى وادِى جهنمَ وَما يَلِيهُ(١).
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ، وابنُ المنذرِ، وابنُ أبى حاتم، عن قتادةً :
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمُ بِسُورٍ﴾. قال: حائطِ بينَ الجنة والنارِ، ﴿بَاِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ .
قال: الجنةُ، ﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. قال: النارُ.
وأخرج ابنُ أبى شيبةً عن الحسنِ فى قوله: ﴿بَاِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾. قال:
الجنةُ، ﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. قال: النارُ(١).
وأخرَج آدمُ بنُ أبی إیاسٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ
أبى حاتم ، والبيهقيُّ فى ((الأسماء والصفاتِ))، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ
اُلْمُتَفِقُونَ﴾ الآية. قال: إنَّ المنافقين كانوا مع المؤمنين أحياءً فى الدنيا،
يُناكِحُونهم ويُعاشِرُونهم(١)، وكانوا معهم أمواتًا، و( يُعطَون النورَ جميعًا يومَ
القيامةِ ، فَيُطِفَأَ نورُ المنافقين إذا بلغوا الشُّورَ، يُمازُ بينَهم حينئذٍ ، والشُورُ كالحجابِ
فى ((الأعرافٍ)) فيقولون: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن نُوْرِكُمْ قِيْلَ أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ
(٥)
◌ُرًا﴾(٥).
وأخرج البيهقيُّ فى ((شعبِ الإيمانِ)) عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَنَنتُمْ
(١) ابن جرير ٤٠٣/٢٢، والحاكم ٦٠١/٤، وابن عساكر ٤٣/٢١ .
(٢) ابن أبى شيبة ١٧٥/١٣، ٥٢٨.
(٣) فى الأصل: ((يعتزون بهم)).
(٤ - ٤) فى ح١: ((يغطون النار)).
(٥) آدم (ص ٦٤٨ - تفسير مجاهد)، وابن جرير ٤٠٢/٢٢، ٤٠٤، ٤٠٥، والبيهقى (١٠١٦).
٢٧٥
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: بالشهواتِ واللَّذَّاتِ، ﴿وَتَرَضَتْ﴾. قال: بالتوبةِ (١)،
﴿وَغَرَّتَكُمُ اُلْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. قال: الموتُ، ﴿ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
قال : الشيطانُ(٢).
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن أبى سنانٍ: ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَنَتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ . قال :
بالمعاصِى، ﴿وَتَرَضْتُمْ﴾ بالتوبةِ، ﴿وَأَرْتَبْتُمْ﴾: شكَكْتُم، ﴿وَغَرَّتَّكُمُ
اُلْأَمَانِىُّ﴾: قلتُم: سيُغفرُ لنا، ﴿حَقَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. قال: الموتُ،
﴿وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال: الشيطانُ .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن محبوبٍ الليثىِّ: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾.
أى: بالشهواتِ، ﴿وَتَرَّضْتُمْ﴾: بالتوبةِ، ﴿وَأَرْتَبْتُمْ﴾. أى: شكَكْتُم فى
اللهِ ، ﴿وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾. قال: طولُ الأَملِ، ﴿حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. قال:
الموتُ، ﴿وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال : الشيطانُ .
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن قتادةً: ﴿وَتَرَضَّتُمْ﴾. قال: تَرَبَّصُوا بالحقِّ
وأهلِه، ﴿وَأَرْبَبْتُمْ﴾. قال: كانوا فى شكِّ من أمرِ اللهِ ، ﴿وَغَرَّتَكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾.
قال: كانوا على خديعةٍ (١ من الشيطانِ، واللهِ ما زالوا عليها حتى قذَفهم اللهُ فى
النارِ، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال: الشيطانُ، ﴿فَلْيَّوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ
فِدْيَةٌ﴾. يعنى: من المنافقين، ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية.
(١) بعده فى م: (( وارتبتم أى شككتم فى الله )).
(٢) البيهقى (٧٢٩٥) .
(٣) فى ص، م: ((خدعة))، وفى ح١: ((غرور)).
٢٧٦
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
أخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن الحسنِ، أنه قرأ: (ألمّ يأن للذين آمنوا)(١).
وأخرج ابنُ مَردُويَه عن أنسٍ، لا أعلَمُه إلا مرفوعًا إلى النبيِّ وَّةِ، قال:
((استَبِطَأَ اللهُ قلوبَ المهاجرين بعدَ سبعَ عشْرةَ سنةً(١) من نزولِ القرآنِ ، فأنزل اللهُ:
وأَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾)) الآية.
وأخرَج ابنُ مَردُويَه عن عائشةَ قالت: خرَجَ رسولُ اللهِ وَلِّ على نَفَرٍ من
١٧٥/٦ أصحابِه / فى المسجدِ، وهم يَضحكون فسحَب رداءَه، محمَرًّا وجهُه فقال:
(أُتَضْحَكُون ولم يأتِكم أمانٌ من ربّكم بأنه قد غفَر لكم؟! ولقد أُنْزِلَ علىَّ فى
ضحِكِكم آيةٌ: ﴿أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾)) . قالوا : يا
رسولَ اللهِ ، فما كفارةُ ذلك؟ قال: ((تَبْكُون قَدْرَ ما ضحِكتم)).
وأخرج مسلمٌ ، والنسائىُ، وابنُ ماجه، وابنُ المنذرِ ، وابنُ مَردُويَه ، عن ابنِ
مسعودٍ قال: ما كان بينَ إسلامِنا وبينَ أن عاتَبَنا اللهُ بهذه الآيةِ: ﴿أَلَمَ يَأْنِ لِلَّذِينَ
ءَمَنُواْ أَنَ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. إلا أربعُ سنِينَ(٢).
وأخرج ابنُ المنذرِ (٤)، والطبرانىُ، والحاكم وصحَّحه، وابنُ مردُويَه، عن
عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، أَنَّ ابنَ مسعودٍ أخبره أنه لم يكنْ بينَ إسلامِهم ، وبينَ أن نزَلت
هذه الآيةُ يُعاتِيُهم اللهُ بها إلا أربعُ سنين: ﴿وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
(١) وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر شواذ ابن خالويه ص ١٥٣، والإتحاف ص ٢٥٣، والبحر
المحيط ٢٢٢/٨.
(٢) سقط من: ص، ف ١، ح١، م١.
(٣) مسلم (٣٠٢٧)، والنسائى فى الكبرى (١١٥٦٨)، وابن ماجه (٤١٩٢) وعند ابن ماجه من
حديث عبد الله بن الزبير . وينظر تفسير ابن كثير ٤٥/٨ .
(٤) بعده فى ح١، م: (( وابن مردويه)).
٢٧٧
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾﴾(١).
وأخرج أبو يعلَى، وابنُ مَردُويَه، عن ابنٍ مسعودٍ قال: لما نزَلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَّخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. أقبَل بعضُنا على بعضٍ: أَّ
شىءٍ أَحدَثْنَا؟! أىَّ شىءٍ صنَعْنا؟! (١).
وأخرج ابنُ أبى حاتم ، وابنُ مَردُويَه، عن ابنِ عباسٍ قال : إنَّ اللهَ استبطَأَ
قلوبَ المهاجرين، فعاتَبَهم على رأسٍ ثلاثَ عشْرةَ سنةً منه من نزولِ القرآنِ فقال :
أَلَمَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية(١).
وأخرج ابنُ أبى شيبةَ فى ((المصنَّفِ)) عن عبدِ العزيزِ بنِ أبى رؤَّادٍ ، أَنَّ أصحابَ
النبيِّ وَّ ظهَر فيهم المُزائحُ والضَّحِكُ، فنزَلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
١ .(٤)
الآية(٤).
وأخرج ابن أبى حاتم عن مقاتلٍ بن حيانَ قال: كان أصحابُ النبيِّ وَّةٍ قد
أخَذوا فى شىءٍ من المزاحِ فأنزل اللهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية.
وأخرج ابنُ أبى حاتمٍ، من طريقِ السدىِّ، عن القاسم قال : ملَّ أصحابُ
النبيِّ وَ مَلَّةً فقالوا: حَدِّثْنا يا رسولَ اللهِ. فأنزل اللهُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. ثم ملَّوا مَلَّةً فقالوا: حدِّثْنا يا رسولَ اللهِ. فنزَل: ﴿اللَّهُ
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]. ثم مَلُوا مَلَّةٌ فقالوا: حَدِّثْنا يا رسولَ اللهِ .
(١) الطبرانى (٩٧٧٣)، والحاكم ٤٧٩/٢ .
(٢) أبو يعلى (٥٢٥٦) .
(٣) ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٤٥/٨ .
(٤) ابن أبى شيبة ٦٠/١٤ .
٢٧٨
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
فأنزل اللهُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَا﴾ الآية.
وأخرج ابنُّ المباركِ ، وعبدُ الرزاقِ، وابنُ المنذرِ ، عن الأعمشِ قال: لمّا قدِمَ
أصحابُ رسولِ اللهِ وَّلِّ المدينةَ فأصابُوا من لين العيشِ ما أصابوا بعدَ ما كان بهم
من الجَهْدِ ، فكأنهم فتَرُوا عن بعضٍ ما كانوا عليه فعُوتِبُوا ، فنزلت: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾
الآية(١).
وأخرج ابنُ مَردُويَه عن ابنٍ مسعودٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((ألا لا يَطُولَنَّ
عليكم الأمَدُ فتَقْسُوَ قلوبُكم ، ألا إن كلَّ ما هو آتٍ قريبٌ ، ألا إنما البعيدُ ما ليس
- بآتٍ))(٢).
وأخرجه ابنُّ مَردُويَه عن ابنٍ مسعودٍ موقوفًا (٣) .
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ ، والبيهقيُّ فى («شعب الإيمانِ»، عن عبدِ اللهِ بنِ
مسعودٍ قال : إنَّ بنى إسرائيلَ لما طال عليهم الأمَدُ فقَسَتْ قلوبُهم اختَرَعُوا كتابًا
من عندِ أنفسِهم ، استَهْوَتْه قلوبُهم، واستَحْلَته ألسنتُهم ، وكان الحقُّ يَحولُ بينَهم
وبينَ كثيرٍ من شهواتِهم، حتى نَبَذُوا كتابَ اللهِ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ،
فقالوا : اعرِضُوا هذا الكتابَ على بنى إسرائيلَ فإن تابَعُوكم فاتْرُكُوهم، وإِنْ
خالَفُوكم فاقتُلُوهم. قالوا: لا ، بل أرسِلُوا إلى فلانٍ - رجلٍ من علمائهم -
فاعرِضُوا عليه هذا الكتابَ، فإن تابَعَكم فلن يُخالِفَكم أحدٌ بعدَه ، وإن خالفَكم
فاقْتُلُوه فلن يَخْتَلِفَ عليكم أحدٌ بعدَه. فأرسَلُوا إليه، فأخَذ ورقةً وكتب فيها
(١) ابن المبارك (٢٦٤)، وعبد الرزاق ٢٧٦/٢ .
(٢) الحديث عند ابن ماجه (٤٦). ضعيف (ضعيف سنن ابن ماجه - ٣).
(٣) فى ح١، م: ((مرفوعًا)).
١
٢٧٩
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
كتابَ اللهِ " فوضَعها فى قَرَن٢١ٍ ثم عَلَّقَها فى عُنُقِه، ثم لبِس عليه الثيابَ فعَرَضُوا
عليه الكتابَ فقالوا : أَتُؤْمِنُ بهذا؟ فأومأً إلى صدرِه فقال : آمنتُ بهذا ، وما لى لا
أو مِنُ بهذا ؟! يعنى الكتابَ الذى فى القَرَنِ(٢) ، فخَلَّوا سبيلَه، وكان له أصحابٌ
يَغْشَونه، فلما مات وجَدُوا "القَرَنَ الذى فيه الكتاب٣ُ) معلَّقًا عليه فقالوا: ألا
تَرَون إلى قولِه: آمنتُ بهذا، وما لى لا أومِنُ بهذا؟! إنما عنَى هذا الكتابَ ،
فاختَلَف بنو إسرائيلَ على بضع وسبعين مِلَّةً، وخيرُ مِلَلِهم أصحابُ ذى القَرّنِ .
قال عبدُ اللهِ : وإنَّ مَن بَقِی منکم سیری منکرًا، وبحسب امرئ یرَی منکرًا لا
يَستطيعُ أن يُغَيِّرَه أن يَعلمَ اللهُ من قلبِه أنه له كارةٌ(٤) .
وأخرج ابنُّ المنذرِ عن ابنِ عمرَ، أنه كان إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
ءَامَنُوَاْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اُلِّ﴾ . بگی(٥) ثم قال: بلَی يا ربِّ، بلَی یا
ربِّ .
وأخرج عبدُ الرزاقِ، [٤٠٧ ظ] وعبدُ بنُّ حميدٍ ، وابنُ المنذرِ ، عن قتادةَ فى
الآية قال: كان(١) شدادُ بنُ أوسٍ يقولُ(١): أولُ ما يُرفَعُ من الناسِ الخشوعُ(١).
(١ - ١) سقط من: ص، ف١، ح١، م. وفى مصدر التخريج: ((ثم أدخلها فى قرن)). والقرن:
الحبل . النهاية ٥٣/٤ .
(٢) فى ص، ف١، ح١، م: ((القران)). وكلاهما بمعنى. ينظر المصدر السابق.
(٣ - ٣) فى ص، ف١، م: (( الكتاب الذى فيه القران)).
(٤) البيهقى (٧٥٨٩) .
(٥) سقط من : م .
(٦) سقط من النسخ . والمثبت من مصدر التخريج .
(٧) عبد الرزاق ٢٧٥/٢ .
٢٨٠
سورة الحديد : الآيات ١٢ - ١٦
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال: ذكِر لنا أن شدادَ بنَ أوس كان يروى عن رسولِ اللهِ وَل
أنه كان يقولُ: ((أول ما يُرفَعُ من الناسِ الخشوعُ))(١).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن عكرمةَ: ﴿أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال: يقولُ:
ألمْ يتبيَّنْ للذين آمنوا .
وأخرج ابنُ المباركِ عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَا﴾. قال: يعنى أنه يُلِينُ القلوبَ بعدَ قسوتِها (١) .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ المنذرِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿اَلْأَمَّدُ﴾ .
قال : الدهرُ .
وأخرج ابنُ أبى شيبةً، عن أبى حربٍ بنِ أبي الأسودِ ، عن أبيه قال : جمَع أبو
موسَى الأَشعرِىُّ القُرَاءَ " فقال: لا يَدخُلَنَّ عليكم إلا من جمَع القرآنَ . فدَخَلْنا
١٧٦/٦ زُهاءً" ثلاثمائةٍ / رجلٍ" فوعَظنا)، وقال: أنتم قراءُ هذا البَلَدِ، وأنتم (١)، فلا
يطولنَّ عليكم الأمدُ فتَقسُوَ قلوبُكم كما قَسَتْ قلوبُ أهلِ الكتابِ(٧).
:
(١) الأثر عند ابن حبان (٦٧٢٠). وقال محققه: إسناده صحيح ، وينظر صحيح الترغيب والترهيب
(٥٤٣). وينظر ما تقدم ٥٦٢/١٠.
(٢) ابن المبارك (٢٦١) عن صالح المرى.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ف١.
(٤) سقط من : م .
(٥) فى ص، ف١: ((فوعظهم)).
(٦) فى ح١: ((وأبيتم))، وفى م: (( والله)).
(٧) ابن أبى شيبة ٣٨٧/١٣ .