Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
سورة الإسراء : الآية ١
أيَّهما شئتَ . فأخَذْتُ اللبنَ ، فقيل لى: أصبْتَ الفطرةَ، أنت عليها وأمتُك. ثم
فُرضت على الصلاةُ؛ خمسون صلاةً كلَّ يومٍ(٢) ، فنزلْتُ(١) حتى انتهيتُ إلى
موسى ، فقال : ما فرَض ربُّك على أمَّتِك؟ قلتُ : خمسين صلاةٌ كلَّ يوم . قال :
إِنَّ أمَّتَك لا تستطيعُ ذلك، وإنى قد خبرتُ(٢) الناسَ قبلَك، وعالَجْتُ بنى
إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ، فارجع إلى ربِّك فاسألْه التخفيفَ لأمَّتِك . فرجَعتُ إلى
ربِّى فحَطَّ عِّى خمسًا، فأقبَلتُ حتى أتيتُ على موسى فأنبأَتُه بما حطَّ عنِّى (٤)،
فقال : ارجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التخفيفَ لأمَّتِك، فإنَّ أَمَّتَك لا يُطيقون ذلك.
قال: فما زلتُ بينَ موسى وبينَ ربِّى يحُطُّ عِّى خمسًا خمسًا، حتى أقبَلتُ
بِخَمْسٍ صَلَواتٍ ، فأتيتُ على موسى فقال: بم أَمِرتَ ؟ قلتُ: بخَمسٍ صلواتٍ
كلَّ يوم. قال: إنَّ أَمَّتَك لا يُطيقون ذلك، إنى قد بلَوتُ الناسَ قبلَك، وعالَجَتُ
بنى إسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ، ارجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التخفيفَ لأُمَّتِك . فقلتُ : لقد
رجَعتُ إلى ربِّى حتى لقد استحيثُ ، ولكنْ(٥) أرْضَى وأَسَلِّمُ، فنودِيتُ: أَنْ يا
محمدُ ، إِنِّى قد أمضَيتُ فريضتى وخفَّفتُ عن عبادى؛ وجعلتُ الحسنةَ بعشرٍ (١)
(٧)
أمثالها )»(٧).
(١ - ١) سقط من: ف ١.
(٢) بعده فى ر٢: ((وليلة)).
(٣) فى ر٢ : ((جهزت)).
(٤) سقط من : م .
(٥) فى الأصل، ف ١، ر٢، م: ((لكنى)). وهو لفظ إحدى نسخ البخارى. وينظر فتح البارى ٢١٦/٧.
(٦) فى الأصل، ح١، م: ((بعشرة).
(٧) أحمد ٣٧٠/٢٩ - ٣٨١ (١٧٨٣٣ - ١٧٨٣٧)، والبخارى (٣٢٠٧، ٣٣٩٣، ٣٨٨٧،
٣٤٣٠)، ومسلم (٢٦٤/١٦٤، ٢٦٥)، والترمذى (٣٣٤٦)، والنسائى (٤٤٧)، وفى الكبرى
(٣١٣)، وابن جرير ٤١٤/١٤، ٤١٥.
( الدر المنثور ١١/٩ )
١٦٢
سورة الإسراء : الآية ١
وأخرَج البخارىُّ، ومسلمٌ، والنسائىُّ ، وابنُ ماجه، وابنُ مَرْدُویَه، مِن
طريقٍ يونسَ ، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ قال: كان أبو ذرٍّ يُحدِّثُ أن رسولَ اللَّهِ
وَ قال: ((فُرِج سقفُ بيتى وأنا بمكةً ، فنزَل جبريلُ ففَرَج صدرى ثم غسله بماءٍ
زمزم، ثم جاء بطشتٍ مِن ذهبٍ ممتلئُّ حکمةً وإيمانًا ، فأفرغه فى صدرى ثم
أَطْبَقه، ثم أخَذ بيدِى فعرَج بى إلى السماءِ، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريلُ
الخازنِ السماءِ: افتَعْ . قال: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قال : هل معك أحدٌ؟ قال:
نعم، معى محمدٌ . قال: أَرْسِلَ إليه ؟ قال: نعم. ففتَح، فلما عَلَوْنا السماءَ
الدنيا ، إذا رجلٌ قاعدٌ على(١) يمينِه أَشْوِدةٌ(٢) وعلى يسارِهِ أَسْوِدةٌ، فإذا نظَرَ قِبَلَ
يِينِه تبسّم، وإذا نظَر قِبَلَ شِمالِهِ بكَى، فقال: مرحبًا بالنبىِّ الصالحِ والابنِ
الصالحِ. قلتُ لجبريلَ: مَن هذا؟ قال: هذا(٢) آدمُ، وهذه الأشْوِدةُ عن يمينه وعن
شمالِهِ نَسَمُ بَنيه ، فأهلُ اليمينِ منهم أهلُ الجنةِ ، والأسودةُ التى عن شمالِهِ أهلُ
النارِ، فإذا نظَر عن يمينِه /ضَحِك، وإذا نظَر عن شمالِهِ بكَى ، ثم ◌ُرِج بى إلى
السماءِ الثانيةِ فقال لخازنِها: افتَحْ. فقال له خازنُها مثلَ ما قال الأوَّلُ(٤)، ففتَح)).
١٤٢/٤
قال أنس: فذكر أنه وجد فى السماواتِ آدم، وإدریسَ، وموسى ،
وعيسى وإبراهيمَ، ولم يُثْبِت كيف منازلُهم.
قال ابنُ شهابٍ : وأخبرنى ابنُ حزمٍ أن ابنَ عباسٍ وأبا حبَّةَ الأنصارىَّ كانا
(١) فى م: ((عن)).
(٢) أسودة : جمع سواد ، والسواد : الشخص . اللسان (س ود).
(٣) فى الأصل: ((أبوك )).
(٤) فى ح٢: ((الأول)).
١٦٣
سورة الإسراء : الآية ١
يقولان: قال النبىُّ وَّهِ: (( ثم عرَج بى حتى ظهَرتُ بمستوى أسمَعُ فيه صَريفَ
الأقلامِ)). قال ابنُ حزمٍ وأنس: قال رسولُ اللَّهِ وَالِّهِ: ((ففرَض اللَّهُ على أمتى
خمسين صلاةٌ ، فرجَعتُ بذلك حتى مرزْتُ على موسى ، فقال: ما فرَض اللَّهُ
على ١) أمتِك؟ قلتُ : فَرَض خمسين صلاةٌ . قال : فَارْجِعْ إلى ربِّك فإِنَّ أَمتَك لا
تُطِيقُ ذلك . "فراجعتُ ربِّى٢٢ فوضَع شطرَها، فرجَعتُ إلى موسى فأخبَرْتُه
فقال : راجِعْ ربَّك ؛ فإن أمتَك لا تُطِيقُ ذلك. فراجَعتُ ربِّى فقال: هى خمسٌ
وهى خمسون ، لا يَُدَّلُ القولُ لدىَّ. فرجَعتُ إلى موسى فقال: ارجِعْ إلى
ربِّك. قلتُ : قد استخیّئْتُ مِن رِّى . ثم انطلق بی حتى انتھی بی إلى سدرةٍ
المنتهَى ، فغشِيَها(٣) ألوانٌ لا أدرى ما هى، ثم أُدْخِلْتُ الجنةَ فإذا فيها جنابِذُ
اللؤلؤ(٤) ، وإذا ترابُها مِشْكٌ))(٥).
وأخرج ابنُ جريرٍ، " وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، وابنُ مَرْدُويَه، والبيهقىُّ
فى ((الدلائلِ))، وابنُ عساكرَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ قال: حدَّثْنا رسولُ اللَّهِ
مَ بالمدينةِ عن ليلةٍ أُسرِى به مِن مكةً إلى المسجدِ الأقصى قال: ((بينا أنا نائمٌ
عشاءً فى المسجدِ الحرامِ إذ أتانى آتٍ فأيقظَنى، فاستيقظْتُ فلم أرَ شيئًا ، وإذا أنا
(١ - ١) ليس فى : الأصل.
(٢ - ٢) فى ص، ف١، ف٢، ر٢، ح١، ح٢، م: ((فرجعت).
(٣) فى الأصل: ((فغشاها))، وفى ص، م: (( فغشيتها)).
(٤) جنابذ: جمع مُتْبُذَة، وهى القبة. النهاية ٣٠٥/١ .
(٥) البخارى (٣٤٩، ١٦٣٦)، ومسلم (١٦٣)، والنسائى (٤٤٨)، وابن ماجه (١٣٩٩).
(٦ - ٦) سقط من : م .
١٦٤
سورة الإسراء : الآية ١
بكهيئةِ خيالٍ فأتبعتُه بصرى حتى خرجْتُ مِن المسجدِ ، فإذا أنا بدابةٍ أدنى
شِيْهِهُ ١١ بدوابكم هذه بغالُكم، غيرَ أنه مضطربُ الأذنين يقالُ له : البُرَاقُ .
وكانت الأنبياءُ تركبُه قبلى، يقعُ حافرُه عندَ مدِّ بصرِه فركبتُه، فبينا أنا أسيرُ عليه
إذ دعانى داعٍ عن يمينى: يا محمدُ ، انظُرْنى أسألُك. فلم أُجِئْه، " ثم دعانى داعٍ
عن شمالى: يا محمدُ ، انظُرْنى أسألُك. فلم أُجِبْه٢)، (" فبينما أنا أسير عليه إذا
أنا١ بامرأةٍ حاسرةٍ عن ذراعيها، وعليها مِن كلِّ زينةٍ خلَقها اللَّهُ، فقالت : يا
محمدُ ، انظُرْنى أسألُك. فلم ألتفتْ إليها، حتى أتيتُ بيتَ المقدسِ، فأوثقْتُ
دابتى بالحلْقةِ التى كانت الأنبياءُ توثِقُها بها ، ثم أتانى جبريلُ بإناءين ؛ أحدُهما
خمرٌ والآخر لبنٌّ، فشَرِبْتُ اللبنَ وتركتُ الخمرَ، فقال جبريلُ : أصبْتَ الفطرةَ،
أما إنك لو أخَذْتَ الخمرَ غَوَتْ أمتُك . فقلتُ: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ. فقال جبريلُ:
ما رأيتُ فى وجهِك هذا؟ قلتُ : بينما أنا أسيرُ إِذْ دعانى داع عن يمينى: يا
محمدُ ، انظُرْنى أسألُك. فلم أُجِبْه. "قال: ذاك داعى اليهودِ، أما إنك لو أجَبْتَه
لتهؤَدَتْ أمتك. قلتُ : وبينما أنا أسيرُ إِذْ دعانی داع عن يسارى : يا محمدُ ،
انظُرْنى أسألُك. فلم أَجِبْهُ) . قال: ذاك داعى النصارى، أما إنك لو أجَبْتَه
لتنصَّرتْ أمتُك، فبينما أنا أسيرُ إذا أنا (٥) بامرأةٍ حاسرةٍ عن ذراعيها عليها مِن كلِّ
زينةٍ ، تقولُ: يا محمدُ ، انظُرْنى أسألُك. فلم أَجِبْها . قال: تلك الدنيا ، أما إنك
(١) فى ح٢: ((شبه)).
(٢ - ٢) سقط من: ح ٢ .
(٣ - ٣) فى م: ((فبينا أنا سائر إذا)).
(٤ - ٤) سقط من : ر٢ .
(٥) ليس فى : الأصل .
١٦٥
سورة الإسراء : الآية ١
لو أجَبْتها لاختارت أمتُك الدنيا على الآخرةِ .
ثم دخلتُ أنا وجبريلُ بيتَ المقدسِ فصلَّى كلُّ واحدٍ مناركعتين ، ثم أَتَيْثُ
بالمعراجِ الذى تعرُجُ عليه أرواحُ بنى آدمَ ، فلم تَرَ الخلائقُ أحسنَ مِن المعراجِ ؛ أما
رأيتَ الميتَ حينَ رباً(١) بَصرُهُ(١) طامحًا إلى السماءِ عُجْبَه بالمعراج فصَعِدتُ أنا
وجبريلُ ، فإذا أنا بمَلَكِ يقالُ له : إسماعيلُ. وهو صاحبُ سماءِ الدنيا، وبينَ يدَيه
سبعونَ أَلفَ مَلَكِ ، مع كلِّ مَلَكِ جندُه مائةُ ألفٍ . فاسْتَفْتَحِ جبريلُ بابَ السماءِ،
قيل : مَن هذا؟ قال: جبريلُ . قيل: ومَن معك؟ قال: محمدٌ . قيل: أَوَ(٢) قد
بُعِث إليه؟ قال: نعم. فإذا أنا بآدَمَ كهيئتِه يومَ خلَقه اللَّهُ على صورتِه لم يَتَغيَّرْ منه
شىءٌ، وإذا هو تُغْرَضُ عليه أرواحُ ذُرِّيَتِه « المؤمنين، فيقولُ: رُوحٌ طَيِّةٌ ونفسٌ
طَيِّةٌ، اجعَلوها فى عِلِّئِينَ. ثم تُغْرَضُ عليه أرواحُ ذُرِّيتِهُ" الفجّارِ، فيقولُ: رُوحٌ
خبيثةٌ ونفسٌ خَبيثةٌ ، اجعَلوها فى سِجِينٍ . فقلتُ : يا جبريلُ ، مَن هذا؟ قال: هذا
أبوك آدمُ. فسَلَّم علىَّ ورَخَّب بى، فقال: مرحبًا بالابنِ الصالحِ والنبىّ الصالح" .
ثُم مَضَيتُ هُنَيْهَةً ، فإذا أنا بأَخْوِنةٍ عليها لحم قد أَزْوَعَ وأَنتَنَ، عندَها
أناش " يأكلون منها٢، قلتُ: يا جبريلُ، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء مِن أُمَّتِك
يَشْرُكون الحلالَ ويَأْتُون الحرامَ)). وفى لفظٍ: ((فإذا أنا بقومٍ على مائدةٍ عليها لحمّ
(١) فى ف ٢: ((ترى))، وفى ر٢: ((أبى))، وفى م: ((رمى)). وربا: علا وارتفع. الوسيط (رب و).
(٢) سقط من : ر٢ .
(٣) سقط من : م .
(٤ - ٤) سقط من: ص، ف٢، ر٢ . وبعده فى م: ((الكفار)).
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، ص، ف١، ف٢، ر٢، م.
(٦ - ٦) فى ر٢ : ((يأكلونها)).
١٦٦
سورة الإسراء : الآية ١
مَشْوِىٌّ كأحسنٍ ما رأيتَ مِن اللحم، وإذا حولَه جِيَفٌ ، فجعَلوا يُقْبِلون على
الجِيَفِ يأْكُلون منها ويَدَعُون اللحمَ ، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال : هؤلاء
الزُّناةُ ، عَمَدوا إلى ما حرَّم اللَّهُ عليهم وترَكوا ما أحَلَّ اللَّهُ لهم.
ثم مَضَيْتُ هُنَيْهَةٌ (١) ، فإذا أنا بأقوام(١٢) بطونُهم أمثالُ البيوتِ ، كلما نهض
أحدُهم خَرَّ ، يقولُ : اللهمَّ لا تُقِمِ الساعةَ. وهم على سَابلةٍ آلٍ فرعونَ ، فتَجِىءُ
السَّابِلةُ فَتَطَؤُهم، فسَمِعتُهم يَضِجُون إلى اللَّهِ ، قلتُ: مَن هؤلاءيا جبريل؟ قال :
هؤلاء مِن أُمَّتِك الذين يأكلون الرّبا، ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ [ البقرة: ٢٧٥].
ثم مَضَیتُ هُنیھةً ، فإذا أنا بأقوام لهم مشافرُ کمشافٍ الإبلِ، قد وُكِّل
بهم من يأخذُ بمشافرِهم، ثم يجعلُ فى أفواهِهم صخرًا(٢) من نارٍ، ثم
١٤٣/٤ يخرُجُ من أسافِلهم/ فسمِعتُهم يضِجُون إلى اللهِ، قلت: يا جبريلُ، مَن
هؤلاء ؟ قال: هؤلاء من أمتِك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَ خُلْمًا
إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [ النساء: ١٠].
ثم مَضَيتُ هنيهةً، فإذا أنا بنساءٍ يُعَلَّقْنَ بِتُدِيِّهِنَّ، ونساءٍ مُتَكْسَاتٍ
بأَرْجُلِهن، فسمِعْتُهنَّ يَضْحِجْنَ إلى اللَّهِ ، قلتُ: يا جبريلُ، مَن هؤلاء النساءُ؟
قال : هؤلاء اللاتى يَزْنِينَ ويَقْتُلْنَ أولادَهن.
ثم مَضَيتُ هُنَيهةً ، فإذا أنا بأقوام يُقْطَعُ مِن جُنُوبِهم اللحمُ ، ثم يُدَسُّ فى
(١) فى الأصل، ر٢، ح٢: ((هنيئة)).
(٢) فى م: (بقوم)).
(٣) فى ص، ف١، ف٢، ح١: ((صخر)).
١٦٧
سورة الإسراء : الآية ١
أَقْواهِهم، ويقالُ(١): كُلُوا كما أكَلْتُم. فإذا(٢) أَكْرَهُ مَا خَلَقِ اللَّهُ لهم ذلك. قلتُ:
يا جبريلُ مَن هؤلاء؟ قال: "هؤلاء الهَمَّازُون "مِن أُقَتِك٣٢٤) اللََّازُونَ الذين
يأكُلُون لحومَ الناسِ .
ثم صَعِدنا إلى السماءِ الثانيةِ ، فإذا أنا برجلٍ أحسنٍ ما خَلَق اللَّهُ ، قد فَضَل
الناسَ بالحُسْنِ ؛ كالقمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ ، قلتُ: يا جبريلُ، مَن
هذا ؟ قال: هذا أخوك يوسفُ ومعه نَفَرٌ مِن قومِه . فسَلَّمْتُ عليه وسَلَّم علىَّ
ورَّب بى. ثم صعِدنا إلى السماءِ الثالثةِ، فإذا أنا بابنَى الخالةِ يحيى وعيسى ،
ومعهما نَفَرٌ مِن قومِهما شَبِيةٌ أحدُهما بصاحبِه ؛ ثيابِهما وشَعرِهما، فسَلَّمْتُ
عليهما وسَلَّما علىَّ ورَحَبا بى. ثم صعِدنا إلى السماءِ الرابعةِ ، فإذا أنا بإدريسَ قد
رفَعه اللَّهُ مكانًا عَليًّا ، فسَلَّمْتُ عليه وسَلَّم علىَّ ورَحَّب بى. ثم صعدنا إلى
السماءِ الخامسةِ، فإذا أنا بهارونَ، ونصفُ لحيتِه بيضاءُ ونصفُها سوداءٌ()،
تكادُ لحيتُه تُصِيبُ سُرَّتَه مِن طُولِها ، قلتُ : يا جبريلُ، مَن هذا ؟ قال : هذا
المُحَبَّبُ فى قومِه، هذا هارونُ بنُ عمرانَ ومعه نَفَرٌ كثيرٌ(١) مِن قومِه، فسَلَّمْتُ
عليه وسَلَّم علىَّ ورََّّب بى . ثم صعِدنا إلى السماءِ السادسةِ ، فإذا أنا بموسى بنٍ
عمرانَ، رجلٍ آدَمَ، كثيرِ الشَّعرِ، لو كان عليه قَمِيصانِ خَرَج شَعرُه منهما ، وإذا
(١) فى ر٢، م: ((يقول)).
(٢) بعده فى الأصل: (( هو )).
(٣ - ٣) سقط من: ف١.
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل .
(٥) فى ح٢: ((أسود)).
(٦) سقط من : ف٢ .
١٦٨
سورة الإسراء : الآية ١
هو يقولُ: يزعُمُ الناسُ أنى أكرَمُ الخَلْقِ على اللَّهِ وهذا أكرمُ على اللّهِ مِنِّى، ولو
كان وحدَه لم أَبَالِ ، ولكن كلُّ نبىٌّ ومَن تبعه مِن أَمتِه . قلتُ : يا جبريلُ ، مَن
هذا؟ قال : هذا أخوك موسى بنُ عمرانَ ومعه نَفَرٌ مِن قومِه. فسَلَّمْتُ عليه وسَلَّم
علىَّ ورَّب بى. ثم صعِدْنا إلى السماءِ السابعةِ، فإذا أنا بإبراهيمَ ، وإذا هو جالسٌ
مُسْنِدٌ ظهرَه إلى البيتِ المعمورِ ومعه نَفَرٌ مِن قومِه، فسَلَّمْتُ عليه وسَلَّم علىَّ
وقال : مرحبًا بالابنِ الصالح . فقيل لى: هذا مكانُك ومكانُ أَمَّتِك . ثم ثَلا:
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. وإذا بأَمَّتِى شَطْرَين؛ شَطْرٌ عليهم ثيابٌ بِيضٌ كأنها
القَرَاطيسُ، وشَطْرٌ عليهم ثيابٌ رُمْدٌ(٢) . ثم دخَلْتُ البيت المعمورَ، ودخَل معىّ
الذين عليهمُ الثيابُ البِيضُ، وحُجِب الآخَرون الذين عليهم ثيابٌ رُمْدٌ ، وهم
على خيرٍ ، فصَلَّتُ أنا ومَن معى فى البيتِ المعمورِ، ثم خَرَجْتُ(١) أنا ومَن
معى)). قال: ((والبيتُ المعمورُ يُصَلِّى فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ، لا يَعُودُون
فيه إلى يومِ القيامةِ. ثم دُفِعْتُ (٤) إلى سِدْرةِ المُتَهى، فإذا كلُّ ورقةٍ منها تكادُ تُغَطِّى
هذه الأمةَ، وإذا فى أصلِها عينٌ تَجْرى يقالُ لها: سَلْسَبِيلٌ. فينشؤُّ(٥) منها نَهْرانٍ ،
فقلتُ : ما هذا يا جبريلُ؟ قال: أمَّا هذا(٦) ، فهو نهرُ الرحمةِ ، وأما هذا، فهو
(١ - ١) سقط من: ف٢ .
(٢) ثياب رمد: أى غُبْر، فيها كُدورة الرماد، واحدها أرمد. النهاية ٢٦٢/٢ .
(٣) فى ح ٢: ((خرجنا)).
(٤) فى ص، ف ١، ف ٢، ح ١، ح٢، م: ((رفعت)). وينظر فتح البارى ١٠/ ٧٣.
(٥) فى م: ((فيشق)).
(٦) فى م: ((هذه)).
١٦٩
سورة الإسراء : الآية ١
نهُ (١) الكوثر الذى أَعْطاكَه(٢) اللَّهُ. فاعْتَسلْتُ فى نهرِ الرحمةِ، فَغُفِر لى ما تقدَّم
من ذنبى وما تأخرً، ثم أَخِذْتُ على الكوثرِ حتى دخَلْتُ الجنةَ ، فإذا فيها ما لا عينٌ
رَأَتْ، ("ولا أذنّ سمِعت٢)، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ، وإذا أنا (6) بأنهارٍ مِن ماءٍ
غيرِ آسِينٍ ، وأنهارٍ مِن لبنٍ لم يَتَغيَّرْ طعمُه، وأنهارٍ مِن خمرٍ لذةٍ للشاربين، وأنهارٍ
مِن عسلٍ مُصَفَّى، وإذا فيها رُمَّانٌ كأنه مُجُلُودُ الإبلِ المُقَتََّةِ ، وإذا فيها طيرٌ
كأنها البُخْتُ)). قال أبو بكرٍ : يا رسولَ اللَّهِ ، إن تلك الطيرَ لَناعمةٌ ؟
قال: [٢٥١ و] ((آكِلُها أنعَمُ منها يا أبا بكرٍ، وإنى لأرجو (٥) أن تأكُّلَ منها)). قال:
((ورأيتُ فيها جاريةٌ لَغْسَاءً(١)، فسألتُها: لمَن أنت؟ فقالت: لزيد بن حارثةَ)).
فَبَشَّر بها رسولُ اللَّهِ وَلَّهَ زِيدًا. ((ثم تُرِضَت علىَّ النارُ، فإذا فيها غَضَبُ اللَّهِ
وزَجْرُهُ(١) ونِقْمتُه، لو طُرِح فيها الحجارةُ والحديدُ لأَكَلَتْها ، ثم غُلِّقَتْ دونى .
ثم إنى رُفِعْتُ إلى سِدْرةِ المُنْتَهَى، فَتَغَشَّاها، فكان بينى وبينَه(٢) قابَ قوسين
أو أدنَى ، ونزَل على كلِّ ورقةٍ مَلَكٌ مِن الملائكة، ثم إن الله أمرنى بأمرٍه وفرَض
(١) سقط من: ف ١، ح ١.
(٢) فى ف ٢: ((أعطاك)).
(٣- ٣) ليس فى: الأصل، ص، ر ٢، ح ٢. وفى م: ((وما لا أذن سمعت)).
(٤) سقط من: ص، ف ١، ر ٢، ح ١، ح ٢. وفى ف ٢: ((فيها)).
(٥) فى ف ٢: ((أرجو)).
(٦) اللعس: سواد اللثة والشفة، وقيل: اللعس سواد يعلو شفة المرأة البيضاء. وقيل: هو سواد فى
حمرة. قال الأزهرى: لم يرد به سواد الشفة خاصة، إنما أراد لعس ألوانهم، أى سوادها، والعرب
تقول: جارية لعساء. إذا كان فى لونها أدنى سواد فيه شربة حمرة ليست بالناصعة. تهذيب اللغة
٩٧/٢، واللسان (ل ع س).
(٧) فى ص، ف ٢، وفى دلائل النبوة ((رجزه)).
(٨) فى ر ٢: ((بينها)).
١٧٠
سورة الإسراء : الآية ١
علىَّ خمسينَ صلاةٌ، وقال: لك بكلِّ حسنةٍ عشْرٌ(١)، إذا هَمَمْتَ بالحسنةِ فلم
تعمَلْها كُتِبَت لك حسنةً، فإذا عمِلْتَها كُتِبَت لك عشرًا، وإذا هَمَمْتَ بالسيئةِ
فلم تَعْمَلْها لم يُكْتَبْ عليك شيءٍ ، فإن(٣) عمِلْتَها كُتِبَت٢) عليك سيئةً واحدةً .
ثم دُفعتُ (٤) إلى موسى فقال: بمَ أَمَرك ربُّك؟ قلتُ : بخمسين صلاةٌ .
قال: ارجِعْ إلى ربِّك فاسأله التخفيفَ لأمتك ، فإنَّ أمتَك لا يُطِيقون ذلك .
فرجَعْتُ إلى ربى فقلتُ: يا(٥) ربِّ، خفّفْ عن أمتى فإنها أضعفُ الأممٍ. فوضَع
عنى عشرًا فما زِلْتُ أختلفُ بينَ موسى و(١) ربى حتى جعَلها خمسًا، فنادانى
مَلَكُ عندَها : ثَمّتْ فريضتى وخفَّفْتُ عن عبادى ، وأعطيتُهم لكلِّ حسنةٍ عشرَ
أمثالِها . ثم رجَعْتُ إلى موسى فقال: بم أَمِرتَ ؟ قلتُ : بخمسٍ صلواتٍ : قال :
ارْجِعْ إلى ربِّك فاسألْه التخفيفَ لأمتك . قلتُ : قد رجعتُ إلی ربی حتى
استحييتُه(٧))).
ثم أصبَح بمكةَ يخبرُهم بالعجائبِ (٨): ((إنى أتيتُ (١) البارحةَ بيتَ المقدسِ
وعُرِج بى إلى السماءِ /ثم رأيتُ كذا وكذا)). فقال أبو جهل : ألا تَعْجبون مما
-
١٤٤/٤
(١) فى ر ٢٠، ح٢، وعند ابن عساكر: ((عشرا)).
(٢ - ٢) سقط من: ف ١.
(٣) فى ح١، ح ٢: ((فإذا)) .
(٤) فى ح ٢: ((رفعت)).
(٥) سقط من: ص، ف ٢، ح ١.
(٦) بعده فى ح٢، م: ( بین)) ..
(٧) فى ف ١، ف ٢: ((استحييت)).
(٨) فى ص، ف ١، ر٢، ح١، ح٢، م: ((العجائب)).
(٩) فى م: ((رأيت)).
١٧١
سورة الإسراء : الآية ١
يقولُ محمدٌ؟ قال: ((فأخبَرْتُهم(١) بعيرٍ لقريشٍ لما كانت فى مَضْعَدی رأيتُها فى
مكانٍ كذا وكذا وإنها نفَرتْ، فلما رجعتُ رأيتُها عندَ العقبةِ)). وأخبرهم(١) بكلِّ
رجلٍ، وبعيرُه كذا ومتاعُه كذا ، فقال رجلٌ : أنا أعلمُ الناسِ ببيتٍ المقدسِ ،
فكيف بناؤه، وكيف هيئتُه، وكيف قُرْبُه مِن الجبلِ؟ فَرُفِع لرسولِ اللهِ وَ لَّه بِيتُ
المقدس فنظَر إليه فقال: ((بناؤُه كذا، وهيئتُه كذا، وقُرْبُه مِن الجبلِ كذا)). فقال:
(٣)
صَدَقْتَ(٣) .
وأخرَج البزارُ ، وأبو يعلى ، وابنُ جريرٍ ، ومحمدُ بنُ نصرٍ المروزىُّ فى
كتابٍ ((الصلاةِ))، وابنُ أبى حاتم ، وابنُ عدىٌّ، وابنُ مَرْدُويَه ، والبيهقيُّ فى
((الدلائلِ))، عن أبى هريرةَ فى قولِه تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،
لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ
ءَايَئِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ وَّلِ ومعه
ميكائيلُ، فقال جبريلُ لميكائيلَ: اثتنى بطَسْتٍ(٤) مِن ماء زمزمَ كيما أطهِّرَ
قلبَه وأشرحَ صدرَه . فشقَّ عن بطنِهِ ، فغسَله ثلاثَ مراتٍ ، واختلَف إليه
(١) فى ف ١: ((فأخبرهم))، وفى م: ((فأخبرته)).
(٢) فى ح٢، م: ((أخبرتهم)).
(٣) ابن جرير ٤٣٦/١٤ - ٤٤١، وابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٢٠/٥ - ٢٣،
والبيهقى ٣٩٠/٢ - ٣٩٦، وابن عساكر ٥٠٩/٣ - ٥١٦.
ومدار الحديث عندهم على أبى هارون العبدى. وقال ابن كثير: واسمه عمارة بن جوين، وهو
مضعف عند الأئمة . ثم قال بعد ذكره لرواية ابن أبى حاتم : فذكره - أى ابن أبى حاتم - بسياق طويل حسن
أنيق ، أجود مما ساقه غيره ، على غرابته وما فيه من النكارة . ينظر الجرح والتعديل ٣٦٣/٦، ٣٦٤، وتفسير
ابن کثیر ٢٣/٥.
(٤) فى ح ٢: ((بطشت)).
١٧٢
سورة الإسراء : الآية ١
میکائیلُ(١) بثلاثِ طِساسٍ مِن ماء زمزمَ، فشرح صدره ونزع ما کان فیه مِن
غلِّ، وملأه حِلْمًا وعلمًا وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختم بين كَتِفَيه بخاتم النبوةٍ ، ثم
أتاه بفرسٍ فُمِل عليه ، كلُّ خُطْوةٍ منه منتهَى بصره .
فسار وسار معه جبريلُ ، فأتى على قومٍ يزرعون فى يومٍ ويحصُّدون فى
يومٍ، كلما حصَدوا عاد كما كان، فقال النبيُّ وَلَهِ: ((يا جبريلُ، ما هذا؟!)).
قال : هؤلاء المجاهدون فى سبيلِ اللَّهِ تُضاعفُ لهم الحسنةُ بسبعمائة ضعفٍ ، وما
أنفقوا مِن شىءٍ فهو يخلفُه .
ثم أتی علی قوم تُوضَخُ (١) رءوسُھم بالصخرِ، کلما ژُضِخت عادت كما
كانت، ولا يُفَتَُّ عنهم مِن ذلك شىءٌ، فقال: ((ما هؤلاء يا جبريلُ؟!)). قال:
هؤلاء الذين تتثاقلُ رءوسُهم عن الصلاةِ المكتوبةِ(٤) .
ثم أتى على قومٍ على أقبالِهم رِقائٌ ، وعلى أدبارهم رِقائٌ ، يَشْرَحون كما
تسرَحُ الإِبلُ والَّعمُ(٥)، ويأكلون الضريعَ والزقُّومَ ورَضْفَ(١) جهنمَ وحجارتَها ،
قال: ((ما هؤلاءيا جبريلُ؟!)). قال: هؤلاء الذين لا يؤدُّون صدقاتِ أموالهم وما
ظلَمهم اللَّهُ شيئًا .
ثم أتى على قومٍ بينَ أيديهم لحمٌ نضيجٌ فى قِدْرٍ ، ولحمّ آخرُ نِىءٌ خبيثٌ ،
(١) سقط من: ص، ف ٢.
(٢) فى ف ٢: ((طاسات))، وفى ح ٢: ((طشاش)).
(٣) تُرضخ: تدق وتكسر. النهاية ٢٢٩/٢.
(٤) سقط من : م.
(٥) فى م: ((الغنم)).
(٦) الرّضْفُ: الحجارة المحماة على النار. واحدتها رَضْفة. النهاية ٢/ ٢٣١.
١٧٣
سورة الإسراء : الآية ١
فجعَلوا يأكلون مِن النِّىءِ الخبيثِ ويَدَعُون (١) النضيجَ الطيبَ. قال: (( ما هؤلاء يا
جبريلُ؟!)). قال : هذا الرجلُ مِن أمتِك تكونُ عندَه المرأةُ الحلالُ الطيبُ ، فیأتی
امرأةٌ خبيثةً فيبيتُ عندَها حتى يُصبِحَ، والمرأةُ تقومُ مِن عندِ زوجِها حلالًا طيبًا ،
فتأتى رجلًا خبيئًا فتَبِيتُ معه حتى تُصبحَ .
ثم أتى على خشبةٍ على الطريقِ لا يُمُّ بها ثوبٌ إلا شقَّتْه ولا شىءٌ إلا خرَقَتْه،
قال: ((ما هذا يا جبريلُ؟!)). قال: هذا مثلُ أقوام مِن أمتِك يَقْعُدون على الطريقِ
(٢)
فِيَقْطَعونه(٢) .
ثم أَتَّى على رجلٍ قد جمَع حُزْمةٌ عظيمةٌ لا يستطيعُ حملَها وهو يزيدُ
عليها، فقال: (( ما هذا يا جبريلُ؟!)). قال: هذا الرجلُ مِن أُمَّتِك ؛ يكونُ عليه
أماناتُ الناسِ لا يقدرُ على أدائِها وهو يريدُ أن يَحْمِلَ عليها .
ثم أتَى على قومٍ تُقْرَضُ ألسنتُهم وشفاهُهُم بِمَقاريضَ مِن حديدٍ (١) كلَّما
قُرِضَت عادَت كما كانت ، لا يُفَتَّرُ عنهم مِن ذلك شىءٌ، قال: (( ما هؤلاء يا
جبريلُ ؟!)). قال: هؤلاء خَطباءُ الفتنةِ .
ثم أتَى على مُخْرٍ صغيرٍ يخرُجُ منه ثورٌ عظيمٌ ، فجعَل الثورُ يريدُ أن يرجعَ
مِن حيثُ خرَج فلا يستطيعُ. قال: (( ما هذا يا جبريلُ؟!)). قال: هذا الرجلُ
يتكلّمُ بالكلمةِ العظيمةِ ، ثم يندَمُ عليها فلا يستطيعُ) أَن يَرْدَّها .
(١) فى م: ((یتر کون)).
(٢) فى الأصل: ((فيقتطعون))، وفى ر ٢: ((فيقطعونها)).
(٣) فى م: ((نار)).
(٤ - ٤) سقط من: ر ٢.
١٧٤
سورة الإسراء : الآية ١
ثم أتَى على وادٍ ، فوجَد ريحًا طيبةً باردةً ، وريحَ مسكٍ ، وسمِع صوتًا
فقال : «یا جبريلُ، ما هذا؟!)). قال : هذا صوتُ الجنةِ ، تقولُ : يا ربّ ، اثْتِنی ما
وعَدْتَنِى ، فقد كَثُرَت غُرَفِى وإِسْتَبْرَقی وخَریری وسُنْدُسی وعَتْقَرِنِّى ولؤلؤى
ومَرْجانى وفِضَّتى وذَهَبی وأْوابى وصِحافى وأَبارِيقى ومَراكبى وعَسَلى ومائى
ولَبنى وخَمْرِى ، فائْنِى ما وَعَدْتَنَى. فقال: لكِ كلِّ مسلم ومسلمةٍ ، ومؤمنٍ
ومؤمنةٍ . قالت : رَضِيتُ .
ثم أتَى على وادٍ فسمِع صوتًا منكرًا)، ووجَد ريحًا مُنْتِنةً، فقال: ((ما هذا
يا جبريلُ؟! ». قال: هذا صوتُ جهنمَ، تقولُ: يا ربِّ امْتِنِی ما وَعَدْتَنی
فلقد كَثُرتِ سَلاسلى وأَغْلالى وسَعيرى وحَمِیمی وضَرِیعی وغَشَّاقی وعَذابِى ،
وقد بَعُدَ قَعْرى، واشتدَّ حَرِّى، فائْتِنِى ما وَعَدْتَنى . قال: لكِ كلٌّ مُشْركٍ
ومُشْركةٍ، وكافرٍ وكافرةٍ ، وكلُّ خَبِيثٍ وخبيثةٍ ، وكلَّ جَبَّارٍ لا يؤمنُ بيومٍ
الحسابِ. قالت : قد رَضِيتُ .
ثم سارَ حتى أتَى بيتَ المَقْدسِ ، فنزَل فربَط فرسَه إلى صخرةٍ ، ثم
دخَل فصَلَّى مع الملائكةِ ، فلما قُضِيتِ الصلاةُ قالوا : يا جبريلُ ، مَن هذا معك؟
قال: محمدٌ وَلِّ. قالوا: "أُوَ قد أُرْسِل٣) إليه؟! قال: نعم. قالوا: حَيَّاه اللَّهُ مِن
أخ ومِن خليفةٍ ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ونعمَ المَجىءُ جاء .
ثم لَقِى أرواحَ الأنبياءِ ، فَأْنَوا على ربِّهم ، فقال إبراهيمُ: الحمدُ للَّهِ الذى
(١ - ١) فى م: ((شكوى)).
(٢ - ٢) فى ح ٢: ((فى منخرةٍ)).
(٣ - ٣) فى م: ((وقد بعث)).
١٧٥
سورة الإسراء : الآية ١
اتَّخَذَنى خليلاً ، وأعْطانى مُلْكًا عظيمًا، وجعلنى أمةٌ قانتًا يُؤْتُمُ بى، وأَنقَذَنى مِن
النارِ ، وجعَلها علىَّ بَرْدًا وسلامًا. ثم إن موسى أثْنَى على ربِّه فقال: الحمدُ للَّهِ
الذى كَلَّمَنى تكليمًا، وجعَل هلاكَ آلٍ فرعونَ ونجاةً /بنى إسرائيلَ على يَدَىَّ، ١٤٥/٤
وجعَل مِن (أُمَّتِى قومًا) يَهْدُون بالحقِّ وبه يَعْدِلون. ثم إن داودَ أَثْنَى على ربِّه
فقال : الحمدُ للَّهِ الذى جعَل لى مُلكًا عظيمًا، وعَلَّمنى الزَّبورَ، وأَلَان ◌ِىَ الحديدَ،
وسَخَّر لِيَّ الجبالَ يُسَبِّحْنَ والطيرَ ، وأعْطانى الحكمةَ وفَصْلَ الخطابِ . ثم إن
سليمانَ أثْنَى على ربِّه فقال: الحمدُ للَّهِ الذى سَخَّر لِىَ الرياحَ، وسَخَّر لى
الشياطينَ(١)؛ يعملون ما شئتُ مِن مَحاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجَوَابِ وقُدُورٍ
راسياتٍ، وعَلَّمَنى مَنْطِقَ الطيرِ، ( وآتانى مِن كلِّ شيءٍ فضلًا، وسَخَّر لى جنودَ
الشياطينِ والإنسَ والطيرَ، وفَضَّلنى على كثيرٍ مِن عباده المؤمنين، وآتانى مُلْكًا
عظیمًا لا ینبغی لأحدٍ مِن بَعْدی، وجعل مُلْکی مُلْكًا طَيِّبًا ، ليس فيه حسابٌ . ثم
إن عيسى أثْنَى على ربِّه، فقال: الحمدُ للَّهِ الذى جعَلنى كلمتَه، وجعَل مَثَلَى مَثَلَ
آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: كُنْ. فيكونَ. وعَلَّمنىَ الكتابَ والحكمة والتوراةَ
والإنجيلَ ، وجعلنى أخلُقُ مِن الطين كهيئةِ الطيرِ، فأنفُحُ فيه فيكونُ طيرًا بإذنٍ
اللَّهِ ، وجعلنى أُتْرِىُّ الأكمه والأبرصَ وأُخْيِى الموتى بإذنِه(٤) ، ورفَعنى وطَهَّرنى
وأعاذَنى وأُمِّىَ مِن الشيطانِ الرجيمِ ، فلم يكُنْ للشيطانِ علينا سبيلٌ.
ثم إن محمدًاً وَ لَّ أَثْنَى على ربِّه فقال: ((كُلُّكم أثْنَى على ربِّه، وإنى مُثْنٍ
(١- ١) فى ح ٢: ((قومى أمة)).
(٢) فى ص، ر ٢: ((الشيطان)).
(٣ - ٣) سقط من: ر ٢.
(٤) فى م، وابن جرير: ((بإذن الله)).
١٧٦
سورة الإسراء : الآية ١
على ربِّى)). فقال: ((الحمدُ للَّهِ الذى أرسَلنى رحمةً للعالمين، وكافةً للناسِ بشيرًا
ونذيرًا، وَأَنزَل علىَّ الفُرْقانَ فيه بيانٌ (١) لكلِّ شىءٍ، وجعَل أُمَّتِى خيرَ أمةٍ أُخْرِجت
للناسِ، وجعَل ◌ُمَّتِى أمةً وَسَطًا، وجعل أُثَتِى هُم ("الأَوَّلين والآخِرِين)، وشرّح
لى صَدْرى، ووَضَع عنى وِزْرى، ورَفَع لی ذِكْرِى، وجعَلنى فاتحاً وخاتَمًا)).
فقال إبراهيمُ عليه السلامُ: بهذا فَضَلكم محمدٌ .
ثم أَتِى بآنيةٍ ثلاثةٍ مُغَطّاةٍ أَفواهُها، فأَتِى بإناءٍ منها فيه ماءٌ، فقيل : اشرَبْ .
فشَرِب منه " يسيرًا، ثم دُفِع (٤) إليه إناءٌ آخَرُ فيه لبنٌ، فقيل له(٥): اشرَبْ. فشّرِب
منه" حتى رَوِىَ، ثم دُفِعُ إليه إناءٍ آخَرُ فيه الخمرُ، فقيل له : اشرَبْ . فقال : لا
أريدُه، قد رَوِيتُ . فقال له جبريلُ : أمَا إنها ستحرمُ على أمتِك ، ولو شَرِبْتَ منها
لم يَتْبَعْك مِن أمتِك إلا قليلٌ .
ثم صعِد بى إلى السماءِ فاسْتَفْتَح، فقيل: مَن هذا يا جبريلُ ؟ قال: محمدٌ .
قالوا : وقد أَرِسل إليه؟! قال: نعم. قالوا: حَيَّه اللَّهُ مِن أخ ومِن خليفةٍ، فنعمَ الأخُ
ونعمَ الخليفةُ ونعمَ المجىءُ جاء. فدخَل(١)، فإذا هو برجلٍ تامِّ الخلْقِ لم يُنْقَصْ مِن
خَلْقِه شىءٌ، كما يُنْقَصُ مِن خَلْقِ الناسِ، على يمينِه بابٌ يخرُجُ منه ريح طيبةٌ،
(١) فى م، وابن جرير: ((تبيان)).
(٢- ٢) فى م: ((الأولون والآخرون)).
(٣- ٣) سقط من: ف ١.
(٤) فى ح ٢، م: ((رفع)).
(٥) ليس فى : الأصل، م.
(٦) فى ص، ف ١، ف ٢، م: ((رفع)).
(٧) فى فى ٢: ((ففتح لهما)).
١٧٧
سورة الإسراء : الآية ١
(٢)
وعن شمالِه بابٌ يخرجُ منه ريحٌ خَبيثةٌ ، إذا نظَر إلى البابِ الذى عن يمينه
ضحِك ( واستبشر"، " وإذا نظر إلى البابِ الذى عن " يسارِه" بكى وحزِن ،
فقلتُ: (( يا جبريلُ، مَن هذا؟)). قال: هذا أبوك آدمُ ، وهذا البابُ الذى
عن يمينه بابُ الجنةِ، إذا نظر إلى مَن يدخُلُه مِن ذريته ضحِك واسْتَبْشَرْ،
والبابُ الذى عن شمالِه بابُ جهنمَ، إذا نظر إلى مَن يدخُلُه (٣من ذُرِّيَّتِه٣)
بكَی وحزِنْ).
ثم صعِد بى جبريلُ إلى السماءِ الثانيةِ ، فَاسْتَفْتَح ، قيل : مَن هذا معك ؟
قال: محمدٌ رسولُ اللَّهِ. قالوا: وقد أُرسِل محمدٌ(٦)؟ قال: نعم. قالوا: حَيَّه اللَّهُ
مِن أخٍ ومن(١) خليفةٍ، (١) فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ) ونعمَ المجىءُ جاء(١) . فإذا هو
بشَابَّين، قال: ((يا جبريلُ، مَن هذان؟)). قال: عيسى ابنُ مريمَ ، ویحیی بنُ
زكريا .
فصعِد به إلى السماءِ الثالثةِ ، فاسْتَفْتَح ، فقالوا : مَن هذا؟ قال : جبريلُ .
(١- ١) سقط من: ر ٢، ح ٢.
(٢) بعده فى م: ((فرح و)) .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤- ٤) فى ف ٢: ((وإذا نظر عن شماله)).
(٥- ٥) سقط من: ف ٢.
(٦) فى ف ١، م: ((إليه))، وفى ف ٢: ((إلى محمد)).
(٧) سقط من: ص، ف ١، ح ١، م.
(٨- ٨) سقط من: ح ٢.
(٩) بعده فى ف ٢: ((فدخل)).
( الدر المنثور ١٢/٩ )
١٧٨
سورة الإسراء : الآية ١
قالوا : ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أوَ(١) قد أُرسِل(٢) ؟ قال: نعم. قالوا :
حَيَّاه اللَّهُ مِن أخ ومِن خليفةٍ، فنعمَ الأخُ ونعمَ الخليفةُ ونعمَ المجىءُ جاء . فدخَل ،
فإذا هو برجلٍ قد فُضِّل على الناسِ فى الحُشْنِ كما فُضِّل القمر ليلة البدرِ على سائرٍ
الكواكبِ ، قال : مَن هذا يا جبريلُ ؟ قال : هذا أخوك يوسفُ .
ثم صعِد به إلى السماءِ الرابعةِ ، فاسْتَفْتَح ، فقيل : مَن هذا؟ قال : جبريلُ .
قالوا: ومَن معك؟ قال: محمدٌ . قالوا: أو (١) قد أُرِسل(٢) ؟ قال: نعم . قالوا:
حَيَّاه اللَّهُ مِن أخٍ ومِن خليفةٍ ، () فنعمَ الأُخُ ونعمَ الخليفةُ) ونعمَ المجىءُ جاء (٥).
فدخَل فإذا هو برجلٍ، قال: ((مَن هذا يا جبريلُ؟)). قال: هذا إدريسُ، رفَعه اللَّهُ
مكانًا عَلِيًّا .
ثم صعِد به إلى السماءِ الخامسةِ ، فاسْتَفْتَح ، قالوا : مَن هذا ؟
قال : جبريلُ . قالوا : ومَن معك؟ قال: محمدٌّ . قالوا: وقد أُرسِل إليه ؟
قال: نعم. قالوا (٢): حَيَّاه اللَّهُ مِن أخ ومن(٨) خليفةٍ، فنعمَ الأُخُ ونعمَ
الخليفةُ ونعمَ المجىءُ جاء. ثم دخَل فإذا هو برجلٍ جالسٍ وحولَه قومٌ يَقُصُّ
عليهم ، قال: ((مَن هذا يا جبريلُ، ومَن هؤلاء الذين(٩) حولَه؟)). قال:
(١) فى الأصل، ف ٢، ح ٢، م: ((و)).
(٢) بعده فى الأصل، ح١، م: ((إليه)).
(٣) بعده فى الأصل: ((يا جبريل))، وبعده فى ف ٢، ح١، م: ((إليه)).
(٤ - ٤) سقط من: ف ٢ .
(٥) بعده فى ف ٢: ((ففتح)).
(٦) ليس فى : الأصل، ر ٢، ح ٢، م.
(٧) بعده فى م: ((مرحبا به)) .
(٨) ليس فى: الأصل، ف ١، ر٢، ح١، ح ٢، م.
(٩) سقط من : م.
١٧٩
سورة الإسراء : الآية ١
هذا هارونُ المُحَبَّبُ ، وهؤلاء بنو إسرائيلَ .
ثم صعِد به إلى السماءِ السادسةِ ، فاسْتَفْتَح ، فقيل له : مَن هذا ؟ قال :
جبريلُ. قالوا: ومَن معك؟ قال: محمدٌ . قالوا: أوَ قد أرسل؟ قال : نعم. قالوا:
حَيَّاه اللَّهُ مِن أخ ومن خليفةٍ، فنعمَ الأَخُ ونعمَ الخليفةُ ونعمَ المجىء جاء. فإذا هو
برجلٍ جالسٍ فجاوَزه فبكَى الرجلُ، قال: (( يا جبريلُ مَن هذا؟)). قال:
موسى)). قال: ((فما بالُهُ(١) يَتْكِى؟)). قال: يزْعُم(٢) بنو إسرائيلَ أنى أكرمُ بنى
آدمَ على اللّهِ ، وهذا رجلٌ مِن بنى آدمَ قد خَلَفنى فى دُنيا وأنا فى أُخْرَى ، فلو أنه
بنفسِه لم أُبَالِ ، ولكن مع كلِّ نبىٌّ أُمْتُه .
ثم صعِد به إلى السماءِ السابعةِ ، فاسْتَفْتَح ، فقيل : مَن هذا؟ قال : جبريلُ.
قيل: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: وقد أُرِسل؟ قال: نعم. قالوا: حَيَّاه اللَّهُ
مِن أخ ومن خليفةٍ ، فنعمَ الأُخُ ونعمَ الخليفةُ ونعمَ المجىءُ جاء. فدخَل فإذا هو ١٤٦/٤
برجلٍ أَشْمَطَ(٢)، جالسٍ عندَ بابِ الجنةِ على كرسىٍّ ، وعندَه قومٌ جلوسٌ بِيضُ
الوجوهِ أمثالُ القَراطيسِ ، وقومٌ فى ألوانِهم شىءٌ ، فقامَ هؤلاء الذين فى ألوانِهم
شىءٌ ، فدخَلوا نَهرًا فاغْتَسَلوا فيه، فخرجوا(٤) وقد خَلَص مِن ألوانهم شىءٌ ، ثم
دخَلوا نَهَرًا آخَرَ فَاغْتَسَلوا فيه، فخرجوا وقد خَلَص (١٥ ١ من ألوانهم شىءٌ، ثم
دخَلوا نَهرًا آخَرَ فاغتَسلوا فيه ، فخرجوا وقد خلصت٢ ألوانُهم، فصارت مثلَ
٠
(١) سقط من: ر٢. وفى الأصل، ص، ف ١، ح١، ح ٢، م: ((له).
(٢) فى م: ((زعم)).
(٣) الشمط فى الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض. التاج ( ش م ط).
(٤) بعده فى م: (( وقد خلص ولم يكن فى أبدانهم شىء، ثم دخلوا نهرًا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا)).
(٥) فى م: ((خلصت)).
(٦ - ٦) ليس فى : الأصل، م.
١٨٠
سورة الإسراء : الآية ١
ألوانٍ أصحابِهم ، فجاءوا فجَلَسوا إلى أصْحابِهم، فقال: (( يا جبريلُ ، مَن هذا
الأَشْمَطُ ، ومَن هؤلاء البِيضُ(١) الوجوهِ، ومَن هؤلاء الذين فى ألوانِهم شىءٌ، وما
هذه الأنهارُ التى دخَلَوا؟)). قال : هذا أبوك إبراهيمُ أولُ مَن شَمِط على الأرضِ،
وأما هؤلاء البِيضُ الوجوهِ ، فقومٌ لم يَلْبِسوا إيمانَهم بظُلْمٍ ، وأمَّا هؤلاء الذين فى
ألوانِهم شىءٌ، فقومٌ خَلَطوا عملًا صالحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فتابوا فتابَ اللَّهُ عليهم، وأما
الأنهارُ ؛ فأولُها رحمةُ اللَّهِ ، والثانى نعمةُ اللَّهِ ، والثالثُ سَقاهم ربُّهم شرابًا
طهورًا .
ثم انتَهى إلى السّدْرةِ ، قيل له: هذه السّدْرةُ يَنْتهِى إليها كلُّ أحدٍ (٢) خَلا مِن
أَمَّتِك على سُنَّتِك . فإذا هى شجرةٌ يخرُجُ مِن أَصْلِها أنهارٌ مِن ماءٍ غيرٍ آسِنٍ ،
وأنهارٌ مِن لبنٍ لم يَتَغيَّرْ طعمُه ، وأنهارٌ مِن خمرةٍ لَّذَّةٍ للشارِبين، وأنهارٌ مِن عسلٍ
مُصَفِّى، وهى شجرةٌ يسير الراكبُ فى ظِلِّها سبعينَ عامًا [٢٥١ظ] لا يقطعُها ،
والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ للأمةِ كلِّها ، فغَشِيها نورُ الخلَّاقِ عزَّ وجلَّ، وغَشِيتْها الملائكةُ
أمثالَ الغِرْبانِ حينَ تقعُ على الشجرِ (".
(* فكلَّمه تعالى٤) عندَ ذلك فقال له: سَلْ. فقال: ((اتَّخَذْتَ إبراهيمَ
خليلاً، وأعطيتَه مُلْكًا عظيمًا، وكَلَّمتَ موسى تكليمًا، وأعطيتَ داودَ مُلْكًا
عظيمًا، وأَنْتَ له الحديدَ، وسَخَّرتَ له الجبالَ، وأعطيتَ سليمانَ مُلْكًا عظيمًا،
وسَخَّرْتَ له الجنَّ والإنسَ والشياطينَ ، وسَخَّرْتَ له الرياحَ ، وأعطيتَه مُلْكًا لا
(١) فى الأصل، م: ((بيض)).
(٢) فى ف١، ح١، م: (( واحد)).
(٣) فى الأصل، ح٢، م: ((الشجرة)).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((اللَّه تعالى)).