Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
سورة البقرة : الآية ٢٤٤
عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ يقولُ فى الطاعونِ: ((إذا
سمِعْتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقَع بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخْرُجوا فِرارًا
(١)
منه ))() .
وأخرَج سيفٌ فى ((الفتوحِ)) عن شُرَحْبِيلَ ابنٍ حَسَنةً قال: قال رسولُ
اللَّهِ وَهِ: ((إذا وقَع الطاعونُ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخْرُجوا؛ فإن الموتَ فى
أعناقِكم، وإذا كان بأرضٍ فلا تَدْخُلُوها ، فإنه يُخْرِقُ القلوبَ)) .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن أمّ أيمنَ، أنها سمِعَت رسولَ اللَّهِ وَلِّ يُوصِی
بعضَ أهلِه، فقال: ((وإن أصاب الناسَ مُوتانٌ وأنت فيهم فاثْبُتْ))(٣) ..
وأخرج أحمدُ، وابن أبى الدنيا فى كتابٍ ((الطواعين))، وأبو يعلى،
والطبرانىُ فى ((الأوسطِ))، وابنُ عدىٍّ فى ((الكاملِ))، عن عائشةَ قالت : قال
رسولُ اللَّهِ وَهِ: (( لا تَفْتَى أَمَّتى إلا بالطعنِ والطاعونِ)). قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ،
هذا الطعنُ قد عَرَفْناه، فما الطاعونُ؟ قال: ((غُدَّةٌ كغُدَّةِ البعيرِ ، المقيمُ بها
كالشهيدِ، والفارُ منه كالفارٌ مِن الزحفِ))(١).
وأخرج أحمدُ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، والبزارُ، وابنُ خُزيمةً ، والطبرانىُ ، عن
(١) أحمد ٢١١/٣، ٢١٢، ٢١٤، ٢١٥ (١٦٧٨، ١٦٧٩، ١٦٨٢ - ١٦٨٤)، والبخارى
(٥٧٢٩، ٥٧٣٠)، ومسلم (٢٢١٩)، وأبو داود (٣١٠٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٥٢١،
٧٥٢٢).
(٢) عبد بن حميد (١٥٩٢ - منتخب) مطولا . وقال محققه: لا نعرف لمكحول سماعا من أم أيمن.
وينظر الإرواء ٧ / ٩٠.
(٣) أحمد ٥٣/٤٢ (٢٥١١٨)، وأبو يعلى (٤٤٠٨)، والطبرانى (٥٥٣١)، وابن عدى ٢٦٢٢/٧.
وقال محققو المسند : إسناده جید .
١٢٢
سورة البقرة: الآيتان ٢٤٤، ٢٤٥
جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((الفارُ من الطاعونِ كالفارِّ من
الزحف ، والصابرُ فيه كالصابرِ فى الزحفِ »(١).
قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهٍُ لَهُ: أَضْعَافًا
كَثِيرَا﴾.
أخرَج سعيدُ بنُّ منصورٍ ، وابنُّ سعدٍ ، والبزارُ، وابنُ جريرٍ، (٢ وابنُ المنذرٍ(٢) ،
وابنُ أبى حاتمٍ ، والحكيمُ الترمذىُّ فى ((نوادرِ الأصول))، والطيرانئُ، والبيهقىُّ فى
((شُعَبِ الإِيمانِ))، عن ابن مسعودٍ قال: لمَّ نزَلتْ: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ﴾. قال أبو الدَّخْداح الأنصارىُّ: يا رسولَ اللَّهِ، وإن اللَّهُ
لَيريدُ منا القرضَ. قال: ((نعم يا أبا الدَّخْداح)). قال: أُرِنِى يدَك يا رسولَ اللَّهِ .
فناوَلَه يدَه . قال : فإنى قد أَقْرَضْتُ ربى حائطى. وحائطٌ له فيه ستمائةِ نخلةٍ ، وأمّ
الدحداحِ فيه وعيالُها، فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أمَّ الدحداحِ. قالت :
لبيك. قال: اخْرُجی فقد أقْرَضْتُه ربى عزَّ وجلّ (١).
وأخرَج عبدُ الرزاقِ ، وابنُ جَريرٍ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ قال: لِمََّ نزَلَت: ﴿مَن ذَا
الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. جاء ابنُ الدحداحةِ إلى النبيِّ وَّ،
(١) أحمد ٣٦٥/٢٢، ١٠٦/٢٣، ١٥٩ (١٤٤٧٨، ١٤٧٩٣، ١٤٨٧٥)، وعبد بن حميد
(١١١٦ - منتخب)، والبزار (٣٠٣٨ - كشف)، وابن خزيمة فى التوكل - كما فى الإتحاف ٣/
٢٨٣- والطبرانى فى الأوسط (٣١٩٣). وقال محققو المسند: حسن لغيره.
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) سعيد بن منصور (٤١٧ - تفسير)، والبزار (٢٠٣٣)، وابن جرير ٤ / ٤٣٠، وابن أبى حاتم ٤٦٠/٢
(٢٤٣٠)، والحكيم الترمذى ٢/ ٦١، والطبرانى ٣٠١/٢٢ (٧٦٤)، والبيهقى (٣٤٥٢). وقال محقق
سنن سعيد: سنده ضعيف جدًّا، لشدة ضعف حميد الأعرج ... لكن الحديث صح من غير هذا الطريق .
(٤ - ٤) فى م: ((أبو الدحداح)). وهو ثابت بن الدحداح - وقيل: الدحداحة - بن نعيم، =
١٢٣
سورة البقرة : الآية ٢٤٥
فقال: يا نبيَّ اللَّهِ ، ألا أَرَى رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُنَا مما أَعْطانا لأنفسِنا، وإن لى أَرْضَيْ؛
إحداهما بالعاليةِ ، والأُخرى بالسافلةِ ، وإنى قد جعَلتُ خيرَهما صدقةً . وكان
النبىُ وَلِّ يقولُ: ((كم مِن عَذْقٍ مُذَلَّلٍ لابنِ الدَّخْداحةِ(١) فى الجنةِ))(٢).
وأخرج الطیرانی فی ((الأوسطِ )) عن زيد بن أسلم ، عن أبيه، عن عمر ابنِ
الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه، مثلَه(٣).
وأخرج ابنُ مَرْدُويَه، مِن طريقٍ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ ، وعن
الأعرج، عن أبى هريرةَ قال: لَّ نزَلَت: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا﴾. قال أبو(٤) الدَّخداحِ: يا رسولَ اللَّهِ، لى حائطان؛ أحدُهما بالسافلةِ،
والآخرُ(٥) بالعالية، وقد أَقْرَضْتُ ربى أحدَهما. فقال النبيُّ وَلَّهِ: ((قد قَبِلَه
منك)). فَأَعْطاه النبيُّ رَّ الْيَتَامَى الذين فى حَجرِه، فكان النبيُّ وَلَهِ يقولُ:
((رُبَّ عَذْقٍ لأبى(١) الدَّخْداح مُدَلَّى فى الجنةِ)).
وأخرج ابنٌ سعدٍ عن يحيى بن أبي كثير قال: لمَّ نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿ مَّن ذَا
الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ:((يأهلَ الإِسلام"،
أَقْرِضوا اللَّهَ مِن أموالِكم يُضاعِفْه لكم أضْعافًا كثيرةً)). فقال له ابنُ الدَّحْداحةِ:
= أبو الدحداح، وأبو الدحداحة، حليف الأنصار. ينظر أسد الغابة ٢٦٧/١، والإصابة ٣٨٦/١.
(١) فى الأصل، ب ١، ب ٢، ف ١، م: ((الدحداح)).
(٢) عبد الرزاق ١/ ٩٨، وابن جرير ٤٢٩/٤، ٤٣٠.
(٣) الطبرانى (١٨٦٦). وقال الهيثمى: فيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف. مجمع الزوائد ١١٣/٣.
(٤) فى ص، ب ١، ب ٢، ف ١، م: ((ابن)).
(٥) فى الأصل، ب ١، ب ٢، ف ١: (( والأخرى)).
(٦) فی م: ((لابن)).
(٧ - ٧) ليس فى : الأصل.
١٢٤
سورة البقرة : الآية ٢٤٥
يا رسولَ اللَّهِ، لی مالان؛ مالٌ بالعاليةِ، ومالٌ فى بنى ظَفَرٍ، فابْعَثْ خَارِصَك
فَلْيُقْبِضْ خيرَهما. فقال رسولُ اللَّهِ وَلَ لفَرْوةَ بنِ عمرٍو: ((انْطَلِقْ فانْظُرْ خيرَهما
فدَعْه، واقْبِضِ الآخرَ )). فانْطَلَق فأخْبَره، فقال: ما كنتُ لِأُقْرِضَ ربى شرَّ ما
أَمْلِكُ، ولكن أُفْرِضُ ربى خيرَ ما أَمْلِكُ ، إنى لا أخافُ فقرَ الدنيا . فقال رسولُ
اللَّهِ وَهِ: ((يا رُبَّ عَذْقٍ مُذَلَّلٍ لابنِ الدَّحداحةِ(١) فى الجنةِ)).
وأخرَج ابنُّ سعدٍ عن الشعبىِّ قال: اسْتَقْرَض رسولُ اللَّهِ وَ لَه مِن رجلٍ تَمْرًّا
فلم يُقْرِضْه، وقال: لو كان هذا نبيًّا لم يَسْتَقْرِضْ. فَأرْسَل إلى ابنِ الدَّخْداحِ
فاسْتَقْرَضه، فقال: واللهِ لأنت أحقُّ بى وبمالى وولدى مِن نفسى، وإنما هو
مالك، فخُذْ منه ما شئتَ ، واتْرِكْ لنا ما شئتَ. فلما تُؤُفِّى ابنُ الدحداحِ قال
رسولُ اللَّهِ وَلَ: ((رُبَّ عَذْقٍ مُذَلَّلٍ لابنِ(٣) الدحداحِ فى الجنةِ)).
وأخرج ابنُّ إسحاقَ، وابنُ المنذرِ، عن ابنِ عباسٍ قال: نزَلَت هذه الآيةُ :
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. فى ثابتِ بنِ الدَّخْداحةِ حينَ
تصَدَّق بمالِهِ .
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ أبى حاتم، عن عمرَ بنِ الخطابِ فى قوله :
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال: النفقةَ فى سبيلِ اللَّهِ(٤).
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ، عن قتادةَ قال: ذُكِر لنا أن رجلًا على
(١) فى م: ((الدحداح)).
(٢) فى م: ((أبو)).
(٣) فى الأصل، ب ٢، م: ((لأنى)).
(٤) ابن أبى حاتم ٤٦٠/٢ (٢٤٣١).
١٢٥
سورة البقرة : الآية ٢٤٥
عهدِ النبيِّ وَلَه لمّ سمِع هذه الآيةَ قال: أنا أَقْرِضُ اللَّهَ. فعمَد إلى خيرِ مالِهُ(١)
فتصَدَّق به (٢) .
وأخرج ابنُ جريرٍ عن السدىِّ فى قوله: ﴿فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًاً
كَثِيرَةٌ﴾. / قال: هذا التضعيفُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو (١).
٣١٣/١
وأخرج أحمدُ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم ، عن أبى عثمانَ النَّهْدىِّ قال :
بلَغَنى عن أبى هريرةَ حديثٌ أنه قال : إن اللَّهَ لَيَكْتُبُ لعبدِه المؤمنِ بالحسنةِ الواحدةِ
ألفَ ألفِ حسنةٍ. فحجَجْتُ ذلك العامَ ، ولم أَكُنْ أَرِيدُ أن أَحُجَّ إلا لألقاه فى هذا
الحديثِ ، فلقِيتُ أبا هريرةَ ، فقلتُ له ، فقال : ليس هذا قلتُ ، ولم يَحْفَظِ الذى
حدَّثك ، إنما قلتُ: إن اللَّهَ لَيُعْطِى العبدَ المؤمنَ بالحسنةِ الواحدةِ أَلفى ألفٍ حسنةٍ .
ثم قال أبو هريرةَ: أو ليس تَجِدون هذا فى كتابِ اللهِ: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ
قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُمْ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾. فالكثيرةُ عندَ اللَّهِ أكثرُ مِن
ألفٍ(٤) ألفٍ وألفى ألفٍ، والذى نفسى بيدِه لقد سمِعْتُ رسولَ اللّهِ،وَ لَه يقولُ:
(إن اللَّهَ يُضاعِفُ الحسنةَ ألفى ألفٍ حسنةٍ))(٥).
وأخرج ابنُ المنذرِ ، وابنُ أبى حاتم، وابن حبانَ فى «صحيحِه))، وابنُ
(١) فى ص، ب ١، ف ١، م: ((مال له)).
(٢) ابن جرير ٤٣٠/٤.
(٣) ابن جرير ٤ / ٤٣١.
(٤) فى الأصل، ص، ب ١، ب ٢: ((ألفى)).
(٥) أحمد ٣٢٧/١٣ (٧٩٤٥)، وابن أبى حاتم ٤٦١/٢ (٢٤٣٤). وقال ابن كثير: هذا حديث
غريب ، وعلى بن زيد بن جدعان عنده مناكير. تفسير ابن كثير ١/ ٤٤٢، وقال محققو المسند : إسناده
ضعيف .
١٢٦
سورة البقرة : الآية ٢٤٥
مَرْدُويَه، والبيهقيُّ فى ((شعبٍ الإيمانِ))، عن ابنِ عمرَ قال: لمََّ نزَلَت: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ الَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
[البقرة: ٢٦١] إلى آخرِها. قال رسولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((رَبِّ زِدْ أمتى)). فنزَلَت: ﴿مَّن
ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ( أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ ﴾. قال: (رَبِّ زِدْ
أمتى)). فنزَلَت: ﴿ إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وأخرج ابنُ المنذرِ عن سفيانَ قال: لمََّ نزَلَت: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. قال: ((رَبِّ زِدْ أَمتى)). فنزَلَت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى
يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. قال: ((رَبِّ زِدْ أمتى)). فنزَلَت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنِفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ الآية. قال: (( رَبِّ زِدْ أمتى)).
فنزَّلَت: ﴿ إِنَّمَا يُوَلَّ الصَّبِرُونَ أَخْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فانْتَهَى.
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن زيد بنِ أسْلَمَ فى قوله: ﴿ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال:
النفقةً على الأهلِ(٣).
وأخرج ابنُّ أبى شيبةً، وابنُ أبى حاتم ، من طريقٍ سفيانَ، عن أبى حَيَّنَ ،
عن أبيه، عن شيخ لهم، أنه كان إذا سمِع السائلَ يقولُ: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ
اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ
أكبرُ، هذا القرضُ الحسنُ(١).
(١) ابن أبى حاتم ٤٦١/٢ (٢٤٣٥)، وابن حبان (٤٦٤٨)، والبيهقى (٣٣١٨، ٤٢٨٠). قال
الهيثمى : فيه عيسى بن المسيب. مجمع الزوائد ٣/ ١١٢: وقال عنه ابن معين: ضعيف الحديث ليس
بشىء. الجرح والتعديل ٢٨٨/٦.
(٢) ابن أبى حاتم ٤٦٠/٢ (٢٤٣٢).
(٣) ابن أبى شيبة ١٣/ ٥١٠، وابن أبى حاتم ٤٦١/٢ (٢٤٣٣).
١٢٧
سورة البقرة : الآية ٢٤٥
وأخرج ابن أبى حاتم عن كعبٍ ، أن رجلًا قال له : سمِعْتُ رجلًا يقولُ: مَن
قَرَأْ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌّ﴾ [الإخلاص: ١]. مرةً واحدةً ، بنَى اللَّهُ له عشرةَ آلافٍ
ألفٍ غُرفةٍ مِن دُرِّ وياقوتٍ فى الجنةِ . أَفْأُصَدِّقُ بذلك؟ قال: نعم ، أو عجِبْتَ مِن
ذلك؟ وعشرين ألفَ أَلْفٍ، وثلاثين ألفَ ألفٍٍ، وما لا يُخْصَى. ثم قرأ:
﴿فَيُضَِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا ◌َثِيرَةٌ﴾ . فالكثيرُ مِن اللَّهِ ما لا يُعْصَى(١) .
وأخرج أبو الشیخ فی (العظمة))، والبيهقى فى « شعب الإيمانِ))، عن أبی
هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ قال: ((إن مَلَكًا ببابٍ مِن أبوابِ السماءِ يقولُ: مَن يُقْرِضِ
اللَّهَ اليومَ يُجْزَ غدًا. ومَلَكٌّ ببابٍ آخرَ يُنادِى: اللهم أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعْطِ
◌ُمْسِكًا تَلَفًّا. ومَلَكٌّ ببابٍ آخرَ يُنادِى: يأَّها الناسُ، هَلُموا إلى ربِّكم، ما قَلَّ
وكفَى خيرٌ مما كثُرٌ وَأَلْهَى. ومَلَكٌ ببابٍ آخرَ يُنادِى: يا بنى آدمَ ، لِدُوا للموتِ
واثنُوا للخرابِ))(٢).
وأخرج البيهقيُّ فى ((شعب الإيمانِ)) عن الحسنِ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ،
یزوی ذلك عن ربّه عز وجل أنه یقولُ: « یا بن آدمَ ، أُوْدِغ یِن گتْزِك عندی ، ولا
حَرَقَ ولا غَرَقَ ولا سَرَّقَ ، أُوَفِيكه أخْوج ما تكونُ إليه))(١).
قولُه تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُظٌ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٢٤٥
أخرَج ابنُ أبى حاتم عن قتادةً فى قوله: ﴿ وَاَللَّهُ يَقْبِضُ﴾. قال : يَقْبِضُ
الصدقةً، ﴿ وَيَبْضُطٌ﴾. قال: يُخْلِفُ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. قال: مِن
(١) ابن أبى حاتم ٤٦٢/٢ (٢٤٣٧).
(٢) أبو الشيخ (٥١٩) واللفظ له، والبيهقى (١٠٧٣٠).
(٣) البيهقى (٣٣٤٢).
١٢٨
سورة البقرة : الآية ٢٤٥
الترابٍ خَلَقهم ، وإلى الترابٍ يَعُودون(١) .
وأخرج أحمد ، وأبو داود ، والترمذىُ وصحَّحه ، وابنُ ماجه ، وابنُ جریٍ ،
والبيهقيُّ فى ((سننِه))، عن أنس قال: غلا السعرُ، فقال الناسُ: يا رسولَ اللَّهِ،
سَعِّرْ لنا. فقال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إن اللَّهَ هو المُسَعِّرُ القابضُ الباسطُ الرازقُ، وإنى
لَأَرْجُو أن ألْقَى اللَّهَ وليس أحدٌ منكم يُطالِبُنى بَظْلِمةٍ فى دمٍ ولا مالٍ))(٢).
وأخرَج أبو داودَ ، والبيهقىُّ، عن أبى هريرةَ ، أن رجلاً قال: يا رسولَ اللَّهِ ،
سعِّرْ. فقال(٢): ((بل أَدْعُو)). ثم جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، سعِّرْ. فقال:
(( بل اللَّهُ يَخْفِضُ وتَرْفَعُ، وإنى لأَرْ جُو أن أَلْقَى اللَّهَ وليس لأحدٍ عندى مَظْلِمةٌ))(٤).
وأخرَج البزارُ عن علىّ قال: قيل: يا رسولَ اللَّهِ، قَوِّم لنا السعرَ. قال: ((إن
غَلاءَ السعرِ ورُخْصَه بيدِ اللَّهِ، أُرِيدُ أن أَلْقَى ربى وليس أحدٌ يَطْلُبُنِى بِمَظْلِمَةٍ
ظَلَمْتُها إياه))(٢).
وأخرَج ابنُ جريرٍ عن ابنِ زيدٍ فى الآيةِ قال: علِمِ اللَّهُ أن فى مَن يُقاتِلُ فى
سبيلِه مَن لا يَجِدُ قُوَّةٌ ، وفيمَن لا يُقاتِلُ فى سبيلِه مَن يَجِدُ غنّى(١) ، فندَب هؤلاء
إلى القرضِ، فقال: ﴿ مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَدِّعِفَهٍُ لَهُ: أَضْعَافًا
(١) ابن أبى حاتم ٤٦٢/٢ (٢٤٣٨، ٢٤٣٩).
(٢) أحمد ٤٦/٢٠، ٤٤٤/٢١ (١٢٥٩١، ١٤٠٥٧)، وأبو داود (٣٤٥١)، والترمذى (١٣١٤)،
وابن ماجه (٢٢٠٠)، وابن جرير ٤٣٣/٤، والبيهقى ٢٩/٦. وقال محققو المسند: إسناده صحيح.
(٣) فى الأصل، م: ((قال)).
(٤) أبو داود (٣٤٥٠)، والبيهقى ٢٩/٦. صحيح (صحيح سنن أبى داود - ٢٩٤٤).
(٥) البزار (٨٩٩). وقال الهيثمى: وفيه الأصبغ بن نباتة، وثقه العجلى، وضعفه الأئمة ، وقال بعضهم:
متروك. مجمع الزوائد ٩٩/٤، ١٠٠.
(٦) ليس فى النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.
١٢٩
سورة البقرة : الآيتان ٢٤٥، ٢٤٦
كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُطٌ﴾. قال: يَتْسُطُ عليك وأنت ثقيلٌ عن الخروج لا
تُرِيدُه، ويَقْبِضُ عن هذا، وهو يَطِيبُ نفسًا بالخروج ويَخِفُّ له، فقَوِّه مما فى يدِك
يَكُنْ لك فى ذلك حظّ (١).
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَا﴾ الآية .
أخرَج ابنُ جريرٍ عن الربيع بنٍ أنسٍ فى الآيةِ قال: ذُكِر لنا ، واللهُ أعلمُ ، أن
موسى لَّ حضَرَته الوفاةُ استخْلَف فتاه يُوشَعَ بنَ نُونٍ على بنى إسرائيلَ ، وأن يُوشعَ
ابنَ نُونٍ سار فيهم بكتابِ اللَّهِ - التوراةِ - وسنة نبيِّهِ موسی ، ثم إن يُوشَعَ بنَ نونٍ
تُؤُفِّى ، واسْتُخْلِف فيهم آخرُ، فسار فيهم / بكتابِ اللَّهِ وسنةٍ نبيّه موسى، ثم ٣١٤/١
اسْتُخْلِف آخرُ، فسار فيهم بسيرةٍ صاحبيه ، ثم اسْتُخْلِف آخرُ، فعرفوا وأنْكَروا،
ثم اسْتُخْلِف آخرُ، فأنكروا عامةَ أَمرِه، ثم اسْتُخْلِف آخرُ، فَأَنْكَروا أمرَه كلَّه، ثم
إن بنى إسرائيلَ أَتَوْا نبيًّا مِن أنبيائهم حينَ أُوذُوا فى أنفسِهم وأموالهم ، فقالوا له :
سَلْ ربَّك أن يَكْتُبَ علينا القتالَ. فقال لهم ذلك النبىُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ ﴾ الآية. فبعَث اللَّهُ طالوتَ مَلِكًا ، وكان
فى بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبُوَّةٍ وسِبْطُ تَمْلَكَةٍ ، ولم يَكُنْ طالوتُ مِن سبطٍ
النبوّةِ، ولا من سبطِ المملكةِ، فلمَّا بُعِث لهم مَلِكًا أَنْكَروا ذلك، وقالوا: أنَّی
يكونُ له الملكُ علينا؟ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية(١).
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ المنذرِ ، مِن طريقٍ ابنٍ لجريجٍ، عن ابنِ عباسٍ فى
قولِه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاِ مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾ الآية. قال: هذا
(١) ابن جرير ٤/ ٤٣٤.
(٢) ابن جرير ٤/ ٤٤٠، ٤٥٢.
( الدر المنثور ٩/٣ )
١٣٠
سورة البقرة : الآية ٢٤٦
حينَ رُفِعَت التوراةُ ، واسْتُخْرِج أهلُ الإِيمانِ، وكانت الجبابرةُ قد أخْرَجَتْهم مِن
ديارِهم وأبنائِهم، فلمَّا كُتِب عليهم القتالُ، وذلك حينَ أتاهم التابوتُ . قال :
وكان مِن بنى إسرائيلَ سِبْطانٍ ؛ سِبْطُ نبوةٍ وسبطُ خلافةٍ ، فلا تكونُ الخلافةُ إلا
فى سبطِ الخلافةِ ، ولا تكونُ النبوّةُ إلا فى سبطِ النبوّةِ، فقال لهم نبيُّهم: إن اللَّهَ قد
بعَث لكم طالوتَ مَلِكًا . قالوا: أَنَّى يكونُ له الملكُ علينا ونحن أحقُّ بالملكِ منه ،
وليس من أحدِ السّبْطين، لا من سبطِ النبوّةِ، ولا من سبطِ الخلافةِ؟ قال: ﴿ إِنَّ
اَللَّهَ أَضْطَفَنهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية . فأبَوْا أن يُسَلِّموا له الرِّياسةً حتى قال لهم :
﴿ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ الْتَابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَّبِّكُمْ﴾ .
وكان موسى حينَ أَلْقَى الألواحَ تكَسَّرَت ورُفِع منها، وجَمَع ما بِقى،
فجعَله فى التابوتِ، وكانت العمالقةُ قد سبَت ذلك التابوتَ، والعمالقةُ
فرقةٌ مِن عادٍ كانوا بأرِبحا(١)، فجاءت الملائكةُ بالتابوتِ تَحْمِلُهُ بينَ السماءِ
والأرضِ وهم يَنْظُرون إليه، حتى وضَعَتْه عندَ طالوتَ، فلمَّا رأَوْا ذلك
قالوا: نعم. فسلَّموا له وملَّكوه، وكانت الأنبياءُ إذا حضّروا قتالًا قدَّموا
التابوتَ بينَ أيديهم، ويقولون : إن آدمَ نزَل بذلك التابوتِ وبالركنِ وبَعَصَا
موسى مِن الجنةِ . وبلَغَنى أن التابوتَ وعصا موسى فى بُحيرةٍ طَبَرِيَّةً، وأنهما
يَخْرُجان قبلَ يومِ القيامةِ(٣) .
وأخرج ابنُ إسحاقَ ، وابنُ جريٍ، عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهٍ قال: خلَف بعدَ
موسى فى بنى إسرائيلَ يُوشَعُ بنُ نونٍ ، يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأَمْرَ اللَّهِ ، حتى قبضه
(١) أريحا: مدينة قديمة جدًّا فى غور الأردن شمالى شرقى القدس على مسافة ثمانية عشر ميلاً منها .
ينظر دائرة المعارف للبستانى ٢٧٧/٣.
(٢) ابن جرير ٤ / ٤٤٠، ٤٥٣، ٤٦٣، ٤٦٤.
١٣١
سورة البقرة : الآيتان ٢٤٥، ٢٤٦
اللَّهُ، ثم خلَف فيهم كالِبُ بنُ يوفَئًّا(١) ، يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأمرَ اللَّهِ، حتى قبضه
اللَّهُ ، ثم خلَف فيهم حِزقيلُ بنُ بوزى ، وهو ابنُ العجوزِ، ثم إن اللَّهَ قبَض حِزْقیلَ ،
وعظُمَت فى بنى إسرائيلَ الأحداثُ ، ونسُوا ما كان مِن عهدِ اللَّهِ إليهم حتى نصَبوا
الأوثانَ وعبّدوها مِن دونِ اللَّهِ، فبعث إليهم إلياسُ بنُ تَسبى ١ بنِ فِتْحاصَ بنِ العِيزارِ
ابنِ هارونَ بنِ عِمْرانَ نبيًّا، وإنما كانت الأنبياءُ مِن بنى إسرائيلَ بعدَ موسى يُتْعَثُون
إليهم بتجديدِ ما نَسُوا مِن التوراةِ ، وكان إلياسُ مع مَلِكِ مِن ملوكِ بنى إسرائيلَ يقالُ
له : أحابُ(٢) . وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه ، فكان إلياسُ يُقیمُ له أمرَه، و کان سائرُ
بنى إسرائيلَ قد اتَّخذوا صنمًا يَعْبُدونه، فجعَل إلياسُ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وجعَلوا لا
يَسْمَعون منه شيئًا إلا ما كان مِن ذلك الملكِ، والملوكُ متفرّقةٌ بالشام، كلُّ ملكِ له
ناحيةٌ منها يَأْكُلُها، فقال ذلك الملكُ لإلياسَ: مَا أَرَى مَا تَدْعُو إليه إلا باطلًا ، أَرَى
فلانًا وفلانًا، يُعَدِّدُ ملوكَ بنى إسرائيلَ، قد عبَدوا الأوثانَ، وهم يأْكُلُون ويَشْرَبون
ويَتَنََّّمون، ما يَنْقُصُ مِن دنياهم، فاسْتَرْجَع إلياسُ، وقام شَعَرُه، ثم رفَضه وخرَج
عنه، ففعَل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِهِ، وعبدَ الأوثانَ، ثم خلَف مِن بعدِه فيهم
الْتَسَعُ، فكان فيهم ما شاء اللَّهُ أن يكونَ، ثم قبضه اللَّهُ إليه، وخلَفَت فيهم
الخُلوفُ ، وعظمت فیهم الخطايا ، وعندهم التابوتُ يَتوارثونہ کابرًا عن کابٍ ،
(١) فى ص، ب ١، ب ٢، م: ((يوقنا)). وهو مما قيل فى اسمه، وقيل أيضا: يافنة، وقيل: يفنة. وأما
كالب فقد قيل فيه : كلاب، وكالوب وقيل غير ذلك. ينظر عرائس المجالس ص ٢١٣، وجمهرة أنساب
العرب ص ٥٠٥، ٥٠٧، وسفر العدد الأصحاح الثالث .
(٢) فى ص: ((نسبى))، وفى الأصل، ب ١، ب ٢، ف ١، م: ((نسى)). وينظر البداية والنهاية
٢٧٢/٢.
(٣) فى الأصل: ((أحاف))، وفى ب ٢: ((أجاف))، وفى ص، ب ١، م: ((أجان))، وفى ف ١:
((حاق)). والمثبت من مصدر التخريج.
١٣٢
سورة البقرة : الآية ٢٤٦
فيه (١) السكينةُ وبقيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هرونَ، وكانوا(٢) لا يَلْقَاهم عدوٌّ،
فيُقَدِّمون التابوتَ، ويَزْحَفون(٢) به معهم، إلا هزَم اللَّهُ ذلك العدوَّ. فلمَّا عظُمَت
أحداثُهم، وتَركوا عهدَ اللَّهِ إليهم، نزَل بهم عدوٌ، فخرجوا إليه و(٤) أخرجوا(٥)
التابوتَ كما كانوا يُخْرِجونه، ثم زحفوا به، فقُوتِلوا حتى اسْتُلِب مِن أيديهم،
فمرج أمُهم عليهم ، ووطئهم عدۇُهم ، حتى أُصِیب مِن أبنائهم ونسائهم ، وفيهم
نبيٌّ لهم يقالُ له: شَعْويلُ. وهو الذى ذكَر اللَّهُ فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَا مِنْ
بَنِيّ [٦٩و] إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَِّ لَّهُمُ ﴾ الآية. فكلّموه وقالوا :
ابْعَثْ لنا ملكًا نُقاتِلْ فى سبيل اللّهِ . وإنما كان قِوامُ بنى إسرائيلَ الاجتماعَ على
الملوكِ وطاعةً الملوكِ أنبياءَهم، وكان الملكُ هو يَسِيرُ بالجموع، والنبىُّ يقومُ له
بأمرِهِ ، ويَأْتِيه بالخبرِ من ربّه، فإذا فعلوا ذلك صلَح أمرُهم، فإذا عَتَتْ ملوكُهم
وترَكوا أمرَ أنبيائهم ، فسَد أمرُهم ، فكانت الملوكُ إذا تابَعَتها الجماعةُ على الضلالةِ
ترَكوا أمرَ الرسلِ، ففريقًا (" يُكَذِّبون. فلا يَقْبَلون منه شيئًا) ، وفريقًا يَقْتُلون، فلم
يَزَلْ ذلك البلاءُ بهم حتى قالوا له: ابْعَثْ لنا ملكًا نُقاتِلْ فى سبيلِ اللهِ . فقال() لهم:
٣١٥/١ إنه ليس عندَكم وفاءٌ ولا صدقٌ، ولا رغبةٌ فى الجهادِ . فقالوا: إِنَّا / كنا نَهابُ
الجهادَ ونَزْهَدُ فيه، إنا كنا تَمْنوعين فى بلادِنا لا يَطَؤُّها أحدٌ ، فلا يَظْهَرُ علينا فيها
(١) فى الأصل، ص، ب ٢: ((فيها)).
(٢) فى م: ((وكان)).
(٣) فى النسخ: ((يرجعون)).
(٤) ليس فى : النسخ .
(٥) بعده فى م: (( معهم)) .
(٦ - ٦) فى الأصل: ((كذبوا)).
(٧) فى الأصل، ب ١، ب ٢، ف ١: ((قال)).
١٣٣
سورة البقرة : الآية ٢٤٦
عدوٌّ، فأما إذُ(١) بلَغ ذلك فإنه لابدَّ من الجهادِ ، فتُطِيعُ ربَّنا فى جهادِ عدوٌّنا ، ونَمْنَعُ
أبناءَنا ونساءَنا وذَرارِيَّنا. فلما قالوا له ذلك سأَل اللَّهَ شَمويلُ أن يَتْعَثَ لهم ملكًا،
فقال اللَّهُ له : انْظُرِ القرنَ الذى فيه الدُّهْرُ فى بيتِك، فإذا دخَل عليك رجلٌ فَتَشَّ(٢)
الدُّهنُ الذى فى القرنِ ، فهو ملكُ بنى إسرائيلَ ، فادْهُنْ رأسَه منه ، وملِّكْه عليهم .
فأقام يَنْتَظِرُ متى ذلك الرجلُ داخلًا عليه، وكان طالوتُ رجلًا دَبَّاغْا يَعْمَلُ الأُدُمَ ،
و كان مِن سِبْطِ بِئْتَامِینَ بن يعقوب ، و کان سبطُ بنيامينَ سبطًا لم يَكُنْ فيهم نبوةٌ ولا
ملكٌ، فخرَج طالوتُ فى ابتغاءٍ دابةٍ له أَضَلَّتْه، ومعه غلامٌ، فمرَّا بِبيتِ النبيِّ عليه
السلامُ، فقال غلامُ طالوتَ لطالوتَ: لو دخَلْتَ بنا على هذا النبىٌ، فسأَلْناه عن أمرٍ
دايتِنا، فيُرْشِدَنا ويَدْعُوَ لنا فيها بخيرٍ . فقال طالوتُ: ما بما قلتَ مِن بأسٍ. فدخَلا
عليه ، فبينما هما عندَه يَذْكُران له شأنَ دايتِهما ، ويَسْأَلانه أن يَدْعُوَ لهما فيها ، إذ
نَشَّ الدُّهْنُ الذى فى القرنِ ، فقام إليه النبيُّ عليه السلامُ، فأخَذه ثم قال لطالوتَ:
قَرِّبْ رأْسَك . فقرَّبه فدهَنه منه، ثم قال: أنت ملكُ بنى إسرائيلَ الذى أَمَرَنى اللَّهُ أن
أَمَلِّكَك عليهم، وكان اسمُ طالوتَ بالسُّريانيةِ شاولَ بنَ قيسٍ بنِ أبيالٍ() بنِ
صِرارِ(٤) بنِ يحربَ بنِ أفيحَ بنِ آيسَ(٥) بنِ بنيامينَ (١) بن يعقوب بن إسحاقَ بنِ
إبراهيمَ، فجلَس عندَه، وقال الناسُ: مُلِّك طالوتُ. فأتت عظماءُ بنى إسرائيلَ
نبيَّهم. فقالوا له : ما شأنُ طالوتَ يُلَّكُ علينا وليس مِن بيتِ النبوةِ ولا المملكةِ؟ قد
(١) فى الأصل، ص، ب٢: ((إذا)).
(٢) النش: صوت الماء وغيره إذا غلى. التاج (ن ش ش).
(٣) فى الأصل: ((أشام))، وفى ص، ب ١، ب ٢، ف ١، م: ((أشال)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) فى ص، ب ٢، م: ((ضرار))، وفى ف ١: ((ضوار)).
(٥) فى الأصل، ص، ب ١، ف ١، م: ((أنس))، وفى ب ٢: ((ايش))، والمثبت من مصدر التخريج.
(٦) فى النسخ: ((يامين))، والمثبت من مصدر التخريج .
١٣٤
سورة البقرة : الآيتان ٢٤٧،٢٤٦
عَرَفْتَ أن النبوةَ والملكَ فى آلٍ لاوِى وَآلٍ يَهُوذَا. فقال لهم: إن اللَّهَ اصْطَفاه عليكم
وزاده بَشْطةً فى العلمِ والجسمِ(١).
وأخرج ابنُّ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، مِن وجهٍ آخرَ ، عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهٍ قال :
قالت بنو إسرائيلَ لِشَمويلَ : ابْعَثْ لنا ملكًا تُقاتِلْ فى سبيلِ اللَّهِ . قال: قد كفاكم
اللَّهُ القتالَ. قالوا: إنا نَتَخَوَّفُ مَن حولَنا، فيكونُ لنا مَلِكٌ نَفْزَُ إليه. فأوْحَى اللَّهُ
إلى شمويلَ أن ابْعَثْ لهم طالوتَ ملكًا، وادْهُتْه بدُهْنِ القُدْسِ. وضلَّت حُمُرٌ
لأبى طالوتَ، فَأَرْسَله وغلامًا له يَطْلُبانِها ، فجاءوا إلى شَغْوِيلَ يَسْأَلونه عنها ،
فقال : إن اللَّهَ قد بعثك ملكًا على بنى إسرائيلَ. قال: أنا؟ قال: نعم . قال : وما
عِلِمْتَ أن سِبْطى أَدْنَى أسباطِ بنى إسرائيلَ؟ قال: بلى . قال: فبأىٌّ آيةٍ ؟ قال :
بآيةِ أنك(٢) تَرْجِعُ وقد وجَد أبوك محمُّرَه. فدهَنه بُدُهْنِ القُدْسِ ، فقال لبنى إسرائيلَ :
﴿ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَ﴾. قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ
اَلْمُلْكُ﴾ الآية(٣).
وأخرج ابنُ جريرٍ عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ إِذْ قَالُواْ لِنَبِّ لَّهُمُ﴾. قال:
-(٤)
شمؤلَ(٤) .
وأخرج عبدُ الرزاقِ عن قتادةً فى الآيةِ قال: هو يُوشَعُ بنُ نوٍ (٥) .
(١) ابن جرير ٤٣٧/٤ - ٤٤٠، ٤٤٨، ٤٤٩، وفى تاريخه ٤٥٩/١ - ٤٦٤.
(٢) فى م: ((أن)).
(٣) ابن جرير ٤/ ٤٤٩، وابن أبى حاتم ٤٦٣/٢ (٢٤٤٣) مختصرًا .
(٤) فى الأصل، ف ١: ((شمويل)).
والأثر عند ابن جرير ٤٣٦/٤.
(٥) عبد الرزاق ٩٧/١.
١٣٥
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
وأخرج ابنُّ أبى حاتم ، مِن طريقٍ عمرٍو بنِ مرةً، عن أبى عبيدةَ: ﴿ إِذْ قَالُوا
لِنَِّ لَّهُمُ﴾. قال: هو الشمولُ ابنُ حَتََّ بنِ العاقِ (١).
وأخرج ابنُّ جريرٍ، وابنُ أبى حاتم ، عن السدىِّ فى الآيةِ قال : كانت بنو
إسرائيلَ يُقاتِلون العمالقةَ، وكان مَلِكُ العمالقةِ جالوتَ، وإنهم ظهَروا على بنى
إسرائيلَ، فضرَبوا عليهم الجزْيةَ ، وأخَذوا تَوْراتَهم ، وكانت بنو إسرائيلَ يَسْأَلون
اللَّهَ أن يَبْعَثَ لهم نبيًّا يُقاتِلون معه، وكان سبطُ النبوةِ قد هلكوا ، فلم يَبْقَ منهم إلا
امرأةٌ حُبْلَى، فَأَخَذوها فحبَسوها فى بيتٍ؛ رَهْبةَ أَن تَلِدَ(١) جاريةً فتُبْدِلَها(٣)
بغلامٍ، لِما تَرَى مِن رغبةٍ بنى إسرائيلَ فى ولدِها، فجعَلَت تَدْعُو اللَّهَ أن يَرْزُقَها
غلامًا، فولَدَت غلامًا، فسمَّته شَمعونَ ، فكبِر الغلامُ، فأسْلَمَته يَتَعَلَّمُ التوراةَ فى
بيتِ المقدسِ، وكفَّله شيخٌ مِن علمائِهم وتبَنَّه، فلمَّا بَلَغ الغلامُ أن يَبْعَثَه اللَّهُ نبيًّا أتاه
جبريلُ والغلامُ نائمٌ إلى جنبِ الشيخِ، وكان لا يَتَّمِنُ(١) عليه أحدًا غيرَه، فدعاه
بلحنِ الشيخِ: يا شماؤلُ. فقام الغلامُ فَزِعًا إلى الشيخ، فقال: يا أَبَتَاه دعَوْتَنى ؟
فكرِهِ الشيخُ أن يقولَ: لا. فَيَفْزَعَ الغلامُ ، فقال: يا بنىٌّ، ارْجِعْ فَنَمْ. فرجَع فنام ،
ثم دعاه الثانيةَ، فأتاه الغلامُ أيضًا ، فقال: دعَوْتَنى؟ فقال: ارجعْ فتَمْ ؛ فإن دَعَوتك
الثالثةَ فلا تُجِنِى . فلما كانت الثالثةُ ظهَرَ له جبريلُ فقال : اذهبْ إلى قومِك فَبَلِّغْهم
رسالةَ ربِّك؛ فإن اللَّهَ قد بعثك فيهم نبيًّا. فلمَّا أتاهم كذَّبوه، وقالوا: اسْتَعْجَلْتَ
بالنبوةِ ، ولم يَأْنِ لك. وقالوا: إن كنتَ صادقًا فابْعَثْ لنا ملكًا نُقاتِلْ فى سبيلِ اللَّهِ
(١) ابن أبى حاتم ٤٦٢/٢ (٢٤٤١).
(٢) فى ص، ب ١، م: ((أتلد)).
(٣) فى ص، ب ١، ف ١، م: ((فتبدله)) .
(٤) فى الأصل، ص، م: ((يأتمن))، وفى ب ٢: ((يتنمى))، وفى ف ١: ((يأمن)).
١٣٦
سورة البقرة: الآ ية ٢٤٧
آيةٌ مِن ١ نبوتِك. فقال لهم شَمْعونُ: عَسَى إن كُتِب عليكم القتالُ ألا تُقاتِلوا .
قالوا: ﴿ وَمَا لَنَّآ أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. فدعا اللَّهَ ، فأَتِى بعضًا تكونُ
على مقدارٍ طولٍ الرجلِ الذى يُتْعَثُ فيهم ملكًا ، فقال : إن صاحبَكم يكونُ طولُه
طولَ هذه العصا. فقاسوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها ، وكان طالوتُ رجلًا
سَقَّاءً يَشْقِى على حمارٍ له، فضلَّ حمارُه ، فَانْطَلَق يَطْلُبُه فى الطريقِ ، فلمَّا رأَوْه
دعَوْه، فقاسوه بها ، فكان مثلَها ، فقال لهم نبيهم: إن اللَّهَ قد بعث لكم طالوتَ
ملكًا . قال القومُ : ما كنتَ قطُّ أَكْذَبَ منك الساعةَ، ونحن مِن سِبْطِ المملكةِ،
وليس هو مِن سبطِ المملكةِ، ولم يُؤْتَ سَعَةً مِن المالِ ، فتَتَّبِعَه لذلك ! فقال النبيُّ :
إن اللَّهَ اصْطفاه عليكم ، وزاده بَشْطةً فى العلم والجسم. قالوا : فإن كنتَ صادقًا
فأُتِنا بآيةٍ أن هذا مَلِكٌ. قال: ﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَنْ / يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾
الآية . فأصْبَح التابوتُ وما فيه فى دارٍ طالوتَ ، فَآمَنوا بنبوةٍ شمعونَ ، وسلَّموا
مُلْكَ طالوتَ(٢) .
٣١٦/١
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جريرٍ، عن عكرمةَ قال : كان طالوتُ سَقَّاءٌ
(٣)
يَبِيعُ الماءَ(١).
وأخرج ابنُ جريرٍ ، وابنُ أبى حاتم ، مِن طريقِ العَوْفىِ ، عن ابنِ عباسٍ فى
قولِه: ﴿قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾. قال: لم يقولوا ذلك إلا أنه"
(١) سقط من: ف ١، م.
(٢) ابن جرير ٤٤١/٤، ٤٤٢، ٤٥٠، ٤٧٨، وابن أبى حاتم ٤٦٣/٢، ٤٦٦، ٤٦٧ (٢٤٤٦،
٢٤٤٧، ٢٤٦١، ٢٤٦٦، ٢٤٦٩).
(٣) ابن جرير ٤/ ٤٥٠.
(٤ - ٤) سقط من: ب ٢.
١٣٧
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
(١ كان فى بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ كان فى أحدِهما النبوةُ وفى الآخرِ الملكُ ، فلا
يُبْعَثُ نبيٌّ إلا مَن كان مِن سبطِ النبوةِ ، ولا يَمْلِكُ على الأرضِ أحدٌ إلا مَن كان مِن
سبطِ الملكِ ، وأنه ابْتَعَث طالوتَ حينَ ابْتَعَثَه وليس مِن أُحدِ السبطينِ. قال: ﴿إِنَّ
اُللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ﴾ . يعنى : اخْتاره عليكم(١) .
وأخرج ابنُّ أبى حاتم، مِن طريقِ السدىِّ، عن أبى مالكٍ فى قوله: ﴿ أَنَّى ◌َ
یعنی : مِن أین(٣) .
وأخرج ابن أبى حاتم ، مِن طریقِ السدئِّ ، عن أبى مالك ، عن ابنِ عباس" :
وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾. يقولُ: فضيلةٌ. ﴿فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. يقولُ:
كان عظيمًا جَسيمًا، يَفْضُلُ بنى إسرائيلَ بعنقِه (٤).
وأخرج ابنُّ أبى حاتم عن وهبٍ بِ مُنَّهِ: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِ الْعِلْمِ﴾.
قال : العلمِ بالحربٍ(*) .
وأخرج ابنُ جَرِيرٍ عن وهبٍ فى قوله: ﴿ وَالْجِسْمِ﴾. قال: كان فوقَ بنى
إسرائيلَ "من منكبيه) فصاعدًا (٧).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ ، وابنُ جَریرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ
(١ - ١) سقط من: ب ٢.
(٢) ابن جرير ٤٥٢/٤، ٤٥٤، وابن أبى حاتم ٤٦٥/٢ (٢٤٥٦، ٢٤٥٧).
(٣) ابن أبى حاتم ٤٦٥/٢ (٢٤٥٤).
(٤) ابن أبى حاتم ٤٦٦/٢ (٢٤٥٨، ٢٤٦٠).
(٥) ابن أبى حاتم ٤٦٦/٢ (٢٤٥٩).
(٦ - ٦) فى م: ((بمنكبيه)).
(٧) ابن جرير ٤٥٥/٤.
١٣٨
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
مَن يَشَاءُ﴾. قال : سلطانَه(١).
وأخرج ابنُ المنذرِ عن وهبٍ ، أنه سُئِل: أنبيِّ كان طالوتُ ؟ قال: لا ، لم يَأْتِه
وحى .
وأخرَج إسحاقُ بنُ بشرٍ فى ((المْتَدَأَ))، وابنُ عساكرَ، مِن طريقٍ جُوَئِيرٍ
ومُقاتِلٍ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ، ومن طريقِ الكَلْبِىِّ، عن أبى صالح،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَا﴾. يعنى: ألم تُخْبَرْيا محمدُ عن
الملاَّ ﴿مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىّ إِذْ قَالُواْ لِنَتِ لَّهُمُ﴾ - أشمويلَ -
أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا
وَأَبْنَآئِنَا﴾. يعنى: أَخْرَجْنا العمالقةُ، وكان رأسُ العمالقةِ يومَئذٍ جالوتَ،
فسأَل اللَّهَ نبيُهم أن يَبْعَثَ لهم ملكًا(٢).
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن مجاهدٍ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاِ مِنْ بَنِىِّ إِسْرَِّيلَ مِنْ
بَعْدٍ مُوسَىّ﴾. قال: هم الذين قال اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُواْ أَيَدِيَّكُمْ
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [ النساء: ٧٧] .
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ﴾.
قال : لأنه لم يكنْ مِن سبطِ النبوةِ ولا من سبطِ الخلافةِ .
وأخرج عبدُ بنُ حميدٍ عن قتادةَ قال: بعَث اللَّهُ لهم طالوتَ ملكًا ، وكان مِن
سبطٍ لم تكنْ فيه (١) مملكةٌ ولا نبوةٌ، وكان فى بنى إسرائيلَ سبطان؛ سبطُ نبوةٍ
(١) ابن جرير ٤ /٤٥٦.
(٢) ابن عساكر ٤٣٧/٢٤ من طريق إسحاق بن بشر.
(٣) فى الأصل، ب ٢: ((فيهم)).
١٣٩
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
وسبطُ مملكةٍ ، فكان سبطُ النبوةِ سبطَ لاوِى، وكان سبطُ المملكةِ سبطَ يَهُوذًا،
فلمَّا بُعِث طالوتُ من غيرِ سبطِ النبوةِ والمملكةِ أنْكَروا ذلك وعجبوا منه، وقالوا :
﴿أَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾. ( قالوا: كيف يكونُ له الملكُ علينا" وليس مِن
سبطِ النبوةِ ولا المملكةِ ؟
وأخرَج عبدُ بنُ حميدٍ عن أبى عبيدةَ قال: كان فى بنى إسرائيلَ رجلٌ له
ضَرَّتان؛ وكانت إحداهما(٢) تَلِدُ والأخرى لا تَلِدُ، فاشْتَدَّ على التى لا تَلِدُ ،
فتطَهَّرت فخرَجَت إلى المسجدِ لتَدْعُوَ اللَّهَ، فلقِيَها حَكَمُ بنى إسرائيلَ ، وحكما ؤُهم
الذين يُدَبِّرون أمورَهم، فقال: أين تَذْهَبِين؟ قالت: حاجةٌ لی إلى ربِّى. قال:
اللهمَّ اقْضٍ لها حاجتَها . فعلِقت بغلامٍ، وهو الشمولُ، فلمَّا ولَدَت جعَلَتْه مُحَرَّرًا ،
وكانوا يَجْعَلون المحَّرَ إذا بلَغ السعىَ، فى المسجدِ يَخْدُمُ أهلَه، فلمَّا بلَغ الشمولُ
السعىَ دُفِع إلى أهلِ المسجدِ يَخْدُمُ، فتُودِى الشمولُ ليلةً ، فأتى الحَكَمَ ، فقال:
دعَوْتَنى؟ قال: لا. فلمَّا كانت الليلةُ الأخرى دُعِى، فأتَى الحكمَ، فقال:
دعَوْتَنى؟ فقال: لا . وكان الحكمُ يَعْلَمُ كيف تكونُ النبوةُ ، فقال: دُعِيتَ البارحةَ
الأولى؟ قال: نعم. قال: ودُعِيتَ البارحةَ؟ قال: نعم. قال: فإن دُعِيتَ الليلةَ
فقلْ: لَئِيَك وسَعْدَيْك، والخيرُ فى يديك، والمَهْدِىُّ مَن هدَيْتَ، أنا عبدُك بينَ
يديك، مُؤْنى بما شئتَ. فَأَوحِى إليه، فأَتَى الحكمَ ، فقال: دُعِيتَ الليلةَ؟ قال:
نعم، وأُوحِى إِلىَّ. قال : فذُكِوْتُ لك بشىءٍ؟ قال: لا عليك ألا تَسْأَلَنى. قال : ما
أَبَيْتَ أن تُخْبِرَنى إلا وقد ذُكِر لك شىءٌ من أمرى. فألحَّ عليه ، وأَتَى أن يَدَعَه حتى
أَخْبَره ، فقال: قيل لى : إنه قد حضَرَت هَلَكتُك ، وازْتَشا ابنُك فى حكمِك . فكان
(١ - ١) ليس فى : الأصل.
(٢) فى ص، ب ١: ((إحديهما)).
١٤٠
سورة البقرة : الآيتان ٢٤٧، ٢٤٨
لا يُدَبِِّ أمرًا إلا انْتَكَث، ولا يَبْعَثُ جيشًا إلا هُزِم، حتى بعَث جيشًا ، وبعث معهم
بالتوراةِ يَسْتَفْتِحُ بها فهُزِموا، وأُخِذَت التوراةُ، فصعِد المنبرَ، وهو أسيفٌ
غَضْبانُ ، فوقَع فانْكَسَرت رجلُه أو فَخِذُه ، فمات مِن ذلك، فعند ذلك قالوا النبى
لهم٢: ﴿أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾. وهو الشمولُ ابن حَنَّةَ العاقِ .
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْنِيَكُمُ
التَّابُوتُ ﴾ .
أخرج ابنُّ المنذرِ ، مِن طريقِ الزهرىِّ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ ، عن أبيه
قال : أمَرنى عثمانُ بنُ عفانَ أن أكْتُبَ له مصحفًا ، فقال: إنى جاعلٌ معك رجلًا
لَسِنًا فَصِيحًا، فما اجْتَمَعْتُما عليه فاكْتُباه، وما اخْتَلَفْتُما فيه فارْفَعاه إلىَّ. قال
زيدٌ: فقلتُ أنا: التابوه(١). وقال أبانُ بنُ سعيدٍ(٤) : التابوتُ. فرفَعاه إلى عثمانَ ،
فقال : التابوتُ . فكُتِبَت .
وأخرَج سعيدُ بنُ منصورٍ ، وعبدُ بنُ حميدٍ ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، أن عثمانَ
٣١٧/١ ابنَ عفانَ أمَر فِتْيانَ المهاجرين والأنصارِ أن يَكْتُبوا المصاحفَ،/قال: فما اختلفتم
فيه فاجْعَلوه بلسانِ قريشٍ . فقال المهاجرون: التابوتُ . وقال الأنصارُ: التابوهُ.
فقال عثمانُ : اكْتُبوه بلغةِ المهاجرين ؛ التابوتَ(٥).
(١) فى ف ١، م: ((آسف))، وهما بمعنى .
(٢ - ٢) فى م: ((لنبيهم)).
(٣) فى الأصل، ص: ((التابعة))، وفى ب ١، ف ١: ((التابوت)).
(٤) فى الأصل، ب ١، ب ٢: ((سعد).
(٥) سعيد بن منصور (٤١٨ - تفسير).