Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ معرفة كيفية سماع الحديث = قال ابن القطان: واعْلَم أنَّ ((حدَّثْنا)) ليست بنصٍّ في أنَّ قائلها سمع(١)، ففي صحيح مسلمٍ: ((حديث الذي يَقتله الدَّجَّال، فيقول: أنتَ الدَّجَّل الذي حدَّثَنا به رسولُ الله ◌َلِّ)). قال: ومعلومٌ أنّ ذلك الرجل متأخرُ الميقات. انتهى. فیکون مراده: حدّث أمته؛ وهومنها . وقال معمر: إنَّه الخضر، وحينئذٍ فلا مانع من سماعه. (وقوله): ((قال لنا فلان، أو ذكر لنا فلان))؛ أي: ونحو ذلك مما ذُكرَ فيه الجار والمجرور، نحو: ((قال لي))، أو: ((ذكر لي))، وأَنّ ذلك من قبيل قوله: ((ثنا فلان)) إلى آخره. خالف فيه أبو عبد الله بن مندة في ((جزء له)) فقال: إِنَّ البخاري حيث قال: ((قال لي فلان)): فهو إجازة، وحيث قال: ((قال فلان)) فهو تدليس، وردّ العلماء كلام ابن مندة هذا كما سيأتي. ولمَّا ذكر أبو الحسن بن القطان تدليس الشيوخ قال: وأما البخاري فذلك عنه باطل . قال: القسم الثاني: من أقسام الأخذ والتحمّل: القراءة على الشيخ. وأكثر المحدِّثين يسمونها: عرضًا، من حيث إن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كما يَعرضُ القرآن على المقرىء؛ وسواءٌ كنت أنت القارىء، أو قرأ غيرُك وأنت تسمع (أو) (٢) قرأت من كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه، أو لا يحفظُهُ لكن يمسك أصله، هو أو ثقةٌ غیره. ولا خلاف أنها روايةٌ صحيحةٌ، إلا ما حُكي عن بعض من لا يُعتدُّ بخلافه. (١) وفي إطلاق هذا نظر، فالأصل في ((حدَّثنا)) أنها للسماع إلاَّ من عُلِمَ من مذهبه إطلاقها في موضع الإجازة أو المكاتبة أو نحو ذلك، وهذا كله يُعلم بالقرينة أو النصّ من الأئمة على ذلك؛ والله أعلم. (٢) هكذا في خط وع، وفي ش ((و)) بدون الهمزة. ٢٨٢ النوع الرابع والعشرون واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة، أو دونه، أو فوقه؛ فتُقْلَ عن ((أبي حنيفة وابن أبي ذئب)) وغيرهما: ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، ورُوي ذلك عن ((مالك)) أيضًا. ورُوي عن ((مالك)) وغيره أنهما سواءٌ. وقد قيل إن التسوية بينهما مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، ومذهب مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومذهب البخاري وغيرهم. والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ، والحكم بأن القراءة عليه مرتبةٌ ثانيةٌ. وقد قيل: إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق. وأما العبارة عنها عند الرواية (بها)(١) فهي على مراتب: أجودُها وأسلمها أن يقول: «قرأتُ على فلان، أو: قُرىءَ على فلان وأنا أسمع فَأَقَرَّ به» فهذا سائغ من غیر إشكال. ء ويتلو ذلك مايجوز من العبارات في السماع من لفظ الشيخ مطلقةً، إذا أتى بها ههنا مقيدةً بأن يقول : حدثنا فلانٌ قراءةً عليه، أو: أخبرنا قراءةً عليه؛ ونحو ذلك. وكذلك: أنشدنا قراءةً عليه في الشعر. وأما إطلاق ((حدثنا، وأخبرنا)) في القراءة على الشيخ، فقد اختلفوا فيه على مذاهب؛ فمن أهل الحديث من مَنع منهما جميعًا. (وقيل)(٢) إنه قول (ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي، وأحمد، والنسائي)) وغيرهم. ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا. وقد قيل إن هذا مذهبُ معظم الحجازيين، والكوفيين، وقولُ: ((الزهري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ويحيي بن سعيد القطان))، في آخرين من الأئمة المتقدمين، وهو مذهب ((البخاري)) في جماعة من المحدِّثين. ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضًا أن يقول: سمعت فلانًا. (١) هكذا في خط وع، وفي ش ((به)). (٢) هكذا في خط وع، وفي ش ((قيل)) بدون الواو. ٢٨٣ معرفة كيفية سماع الحديث والمذهبُ الثالثُ: الفرقُ بينهما في ذلك، والمنعُ من إطلاق: حدثنا، وتجويزُ إطلاق: أخبرنا. وهو مذهبُ ((الشافعي)) وأصحابه، وهو منقُولٌ عن ((مسلم)) وجمهور أهل المشرق. وذكر صاحبُ ((كتاب الإنصاف)): ((محمدُ بن الحسن التميمي الجوهري المصري)) أن هذا مذهبُ الأكثر من أصحاب الحديث (الذين)(١) لا يُحصيهم أحدٌ وأنهم جعلوا ((أخبرنا)) عَلَمًا يقوم مقامَ قول قائله: أنَا قرأتُه عليه، لا أنه لَفَظَ به لي. قال: وممن كان يقول به من أهل زماننا، (((أبو)(٢) عبد الرحمنِ النسائي))؛ في آخرينَ من الأئمة في جماعة مثله من محدّثینا. قلت: وقد قيل إن أول من أحدث الفرقَ بين هذين اللفظين: ((ابنُ وهب)) بمصرَ؛ وهذا يدفعه أن ذلك مرويًّ عن ((ابن جريج، والأوزاعي)) حكاه عنهما ((الخطّيبُ أبو بكر))، إلا أن يعني أنه أُولُ من فَعَلَ ذلك بمصر. ٩ قلت: الفرقُ بينهما صارهو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج لذلك من حيث اللغةُ عنآءٌ وتكلفٌ. وخيرُ مايقال فيه أنه اصطلاحٌ (بينهم)(٣)، أرادوا به التمييز بين النوعين، ثم خُصِّص النوعُ الأول بقول: ((حدثنا)) لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة. ومن أحسن ما يُحكَى عمن يذهبُ هذا المذهبَ: ما حكاه ((أبو بكر البرقاني)) عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي، أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان، أنه قرأ على بعض الشيوخ عن «الفَرَبّري)): (صحيح البخاري) وكان (يقول له)(٤) في كلِّ حديث: ((حدَّثْكم الفَرَبْري)) فلمّا فرغ من الكتاب، سمع الشيخَ يذكر أنه سمع الكتابَ من ((الفربري)) قراءةً عليه، فأعاد ((أبو حاتم)) قراءة الكتاب كلِّه، وقال له في جميعِهِ: ((أخبر كم الفربري». انتهى (١) من ش وع، وفي خط: ((الذي)) بالإفراد. (٢) سقطت من خط، وهي في ش وع. (٣) هكذا في خط، وفي ش وع: ((منهم)). (٤) من ش وع، وفي خط: ((يقوله)). ٢٨٤ النوع الرابع والعشرون (أهمل المصنّف) صورةً حكمها حكم صور العرض، وهى: ما إذا كان ثقة من السامعين يحفظ ما يقرأ على الشيخ، والحافظ لذلك مستمع لما يقرأ غير غافلٍ عنه، فإنه يكفي أيضًا . (والمراد بقوله): مَن لايُعْتَدَّ بخلافه، هو أبو عاصم النبيل رواه (الرامهر مزي)(١) عنه . وروى الخطيب عن وكيع قال: ما أخذت حديثًا قط عرضًا، وعن محمد بن (سلام)(٢) أنه أدرك مالك بن أنس، والناس يقرأون عليه، فلم يسمع منه لذلك. وكذلك عبد الرحمن (بن سلام)(٢) الجمحي لم يكتف بذلك، فقال مالك: أخرجوه عنّي. وممن قال بصحتها من التابعين: عطاء ونافع (وعروة وابن جريج)(٣) والثوري وابن أبي ذئب وشعبة، والأئمة الأربعة، وابن مهدي، وشريك، والليث، وأبو عبيد، والبخاري، في خَلْق لا يُحْصَوْن كثرة. واستدلَّ البخاريُّ على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة، وهو في ((الصحيح)). (قوله): ورُوِىَ عن مالك وغيره أنَّهما سواء؛ أي: القرآءة على الشيخ والسّماع من لفظه، وحكاه أبو بكر الصَّرفي في كتاب ((الدلائل)) (٤) عن الشافعي فقال: وباب الحديث عند الشافعي رحمه الله في القرآءة على المحدث والقرآءة منه سواء. (قوله): فأعاد أبو حاتم قرآءة الكتاب كله؛ أي: لأنه يرى أنَّه لابد من ذكر السَّند في كُلِّ حديثٍ، وإِنْ كان الإسناد واحدًا إلى صاحب الكتاب، وذلك من التَّشْديد في الرِّواية، وإِلاَّ فالصحيح أنه لا يحتاج إلى إعادة السَّند في كُلِّ حديث كما سيأتي. (١) في خط: ((الهرمذي)) - خطأ، وراجع: ((المحدّث الفاصل)) للرامهرمزي (٤٢١). (٢) كتب عليها في خط ((خف)) إشارة إلى تخفيف اللام في ((سلام)). (٣) في خط: ((وعروة بن جريج))، وما أثبته هو الصواب والله أعلم. (٤) راجع ما سبق (ص/ ٢٥٤). ٢٨٥ معرفة كيفية سماع الحديث قال: تفريعات: الأول: إذا كان أصلُ الشيخ عند القراءة عليه بيد غيره وهو موثوقٌ به، مراعٍ لما يقرأ؛ أهل لذلك: فإن كان الشيخ يحفظ ما يُقْرَأْ عَلَيَه: فهو كَما لو كان أصلُهُ بِيّدٌ نفسه، (بل)(١) أَوْلَى، لتعاضُد ذهنَى شخصین علیه. وإن كان الشيخُ لا يحفظ مايُقْرَأ عليه: فهذا مما اختلفوا فيه؛ فرأي بعضُ أئمة (الأصول)(٢) أن هذا سماعٌ غيرُ صحيح. والمختارُ أن ذلك صحيح، وبه عَمِلًّ معظمُ الشيوخِ وأهلِ الحديث. وإذا كان الأصلُ بيد القارئ، وهو موثوق به دينًا ومعرفةً، فكذلك الحكم فيه، وَأوْلى بالتصحيح. و أما إذا كان أصلُهُ بيد مَنْ لا يوثَقُ بإمساكه له، ولا يؤمَنُ إهمالهُ لما يَقرأ، فسواءٌ كان بَيَدِ القارئ أو بيدٍ غيرِهِ، في أنه سماعٌ غير مُعْتَدِّ به إذا كان الشيخُ غير حافظ للمقروء علیه. انتھی. (قوله): فرأى بعض أئمة الأصول؛ هو إمام الحرمين فإِنَّهُ اختار عدم الصحة، وتردَّدَ الباقلاني في ذلك، ومال إلى المنع، كما حكاه عنه القاضي عياض. ووهَّن السّلفي هذا الاختلاف لاتِّفاق العلماء على العمل بخلافه، فإنَّه قال: إِنَّ الطالب إذا أراد أن يقرأ على شيخ شيئًا من سماعه هل يجب أن يُرِيه سماعه في ذلك الجزء؟ أم يكفي إعلام الطالب الثقة الشيخَ أن هذا الجزء سماعُه على فلان؟ فقال السّلفي: هما سيّان، على هذا عهدنا علماءنا عن آخرهم. قال: ولم يزل الحفاظ قديمًا وحديثًا يخرِّجون للشيوخ من الأصول فتصير تلك الفروع بعد المقَابَلَةَ أصولاً، وهل كانت الأصول أولاً إلاَّ فروعًا؟. قال الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلا: أخبرك فلان، أوقلتَ: أخبرنا فلان، أو نحو ذلك، والشيخُ ساكتٌ مُصْغٍ إليه، فاهمٌ لذلك غيرُ منكرٍ له، فهذا (١) هكذا في ش، وفي خط وع: ((وبل)). (٢) هكذا في ش وع، وفي خط: ((الحديث الأصول)). ٢٨٦ النوع الرابع والعشرون كاف في ذلك. واشترط بعضُ الظاهرية وغيرُهُم إقرارَ الشيخِ (نُطْقًا)(١) وبه قطع («الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو الفتح سُلَيم الرازي، وأبو نصر بن الصباغ)) من الفقهاء الشافعیین. قال ((أبو نصر)): ((ليس له أن يقول: حدثني، أو: أخبرني. وله أن يعملَ بما قُرِئ عليه، وإذا أراد روايتَه عنه قال: قرأتُ عليه، أو قُرِئ عليه وهو يسمع)). وفي حكاية بعضِ المصنفين للخلافِ في ذلك، أن بعضَ الظاهرية شرطَ إقرارَ الشيخ عند تمامِ السماع؛ بأن يقول القارئ للشيخ: هو كما قرأتهُ عليك؟ فيقول: نعم. والصحيحُ: أن ذلك غيرُ لازم، وأن سكوتَ الشيخ على الوجهِ المذكور نازلٌ منزلةَ تصريحهِ بتصديق القارئ اكتفاءً بالقرائنِ الظاهرة. وهذا مذهب الجماهير من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم؛ انتهى. (قوله): فهذا كاف؛ أي مُغْنِ عن نُطْق الشيخ بأن يقول: نعم وما أشبه ذلك، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدِّثين والنّظار، وأَنَّ النطق عندهم ليس بشرط، ولا يقول فيه ((حدَّثْني، وأخبرني)) كما قاله ابن الصباغ، وصحَّحَهُ الغزالي، والآمدي صححه أيضًا، وحكاه عن المتكلِّمين، وحكى تجويزه عن الفقهاء والمحدِّثين، وصحَّحه ابنُ الحاجب، وحكى عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة . ولو أشار الشيخ برأسه أو إصبعه للإقرار به ولم يتلفّظ؛ فجزم في ((المحصول)) بأنه لا يقول في الأداء: ((حدَّثْني، ولا أخبرني، ولا سمعت)) وهو مُشْكِلٌ. قال: الثالث: فيما نرويه عن ((الحاكم أبي عبد الله)) قال: ((الذي أختاره في الرواية وعهدتُ عليه أكثر مشايخي وأئمةَ عصري، أن يقولَ في الذي يأخذه من المحدِّث لفظًا وليس معه أحد: حدثني فلان. وما يأخذه من المحدث لفظًا ومعه (١) من ش وع، وفي خط: ((مطلقًا)). د معرفة كيفية سماع الحديث ٢٨٧ غيره: حدّثنا فلان؛ وماقَرَاً على المحدِّث بنفسه: أخبرني فلان؛ وما قُرِئَّ على المحدِّث وهو حاضر: أخبرنا فلان)). وقد روينا نحوَ ما ذكره، عن ((عبد الله بن وهب، صاحبِ مالك رضي الله عنهما)؛ وهو حسَنٌ رائق. فإن شَكَّ في شيء عنده أنه من قبيل: حدّثنا أو أخبرنا، أو من قبيل: حدثني، أو أخبرني؛ لتردده في أنه كان عند التحمل والسماع وحده أو مع غيره، فيحتمل أن و نقول: ليقل: ((حدثني، أو: أخبرني)) لأن عدمَ غيرهِ هو الأصل. ولكنْ ذكر ((عليَّ بِنُ عبدالله المديني الإِمامُ)) عن شيخه ((يحيى بن سعيد القطان الإمام))، فيما إذا شكَّ أن الشيخ قال: حدَّثني فلان، أو قال: حدثنا فلان. أنه يقول: حدثنا. وهذا يقتضي فيما إذا شكّ في سماع نفسِهِ في مثلِ ذلك أن يقولَ: حدثنا. وهو عندي يتوجّهُ بأن ((حدثني)) أكملُ مرتبةً، و ((حدثنا)) أنقصُ مرتبةً، فليقتصرْ إذا شكَّ على الناقص، لأن عدمَ الزائد هو الأصلُ، وهذا لطيفٌ. ثم وجدتُ ((الحافظَ أحمدَ البيهقي)) قد اختار بعد (حكايته) (١) قول القطان، ما قدمته. ثم إن هذا التفصيلَ من أصله مُستحَبٌّ وليس بواجب، حكاه ((الخطيبُ الحافظ)) عن أهلِ العلم كافةً. فجائزٌ إذا سمع وحده أن يقول: ((حدثنا)) أو نحوه، لجواز ذلك للواحد في كلام العرب. وجائزٌ إذا سمع في جماعة أن يقول: ((حدثني)) لأن المحدِّث حدَّثْه وحدَّث غیرہ. انتھی عبارةُ ابن وهب ذكرها الترمذيَّ في ((العلل)) فقال: ماقلت ((ثنا)) فهو ماسمعت مع الناس، وماقلت ((حدَّثْني)) فهو ما سمعت وحدي، وما قلت ((أنا)) فهو ما قُرِئ على العالم وأنا شاهد، وما قلت ((أخبرني)) فهو ما قرأت على العالم. (١) هكذا في خط وع، وفي ش: ((حكاية)). ٢٨٨ النوع الرابع والعشرون وفي كلام الحاكم وابن وهب؛ أَنَّ القارئ يقول ((أخبرني)) سواء سَمِع معه غيره أم لا . وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)): إِنَّ القارئ إذا كان معه غيره يقول ((أنا)) فسوَّى بين مسألتَي التحديث والإخبار. (قوله): فإن شكّ في شيءٍ عنده إلى آخره؛ سوَّى بين الشَّك في أنه هل سمع من لفظ الشيخ وحده أو كان معه غيره، وبين ما إذا شكَّ هل قرأ هو بنفسه على الشيخ أو سَمِع عليه بقراءة غيره. وماقاله ظاهرٌ في المسألةِ الأُولى، وأما المسألة الثانية فإنَّه يتحقَّق فيهاسماع نفسه، ويشكّ هل قرأ بنفسه أم لا؟ والأصلُ أنه لم يقرأ هذا على ما ذكره المصنّف تبعًا للحاكم؛ أنّ القارئ يقول ((أخبرني)) سواء سَمِع بقراءته معه غيره أم لا، أَمَّا إذا قلنا بما جزم به ابن دقيق العيد مِن أنّ القارئ إذا كان معه غيره يقول: ((أخبرنا)) فيتَّجه أن يُقال: الأصل عدم الزائد. والأحسن فيما إذا شكّ هل قرأ بنفسِه أو سَمِع بقرآءة غيره؛ ما حكاه الخطيب عن البرقاني أنه ربما شكّ في الحديث هل قرأه هو أو قُرِئ وهو يسمع فيقول فيه: ((قرأنا على فلان)) فإنه يسوغ إتيانه بهذه الصيغة فيما قرأه بنفسه وفيما سمعه بقرآءة غيره، بل لو تحقّق أَنّ الذي قرأ غيره؛ فلا بأس أن يقول: ((قرأنا)) قاله أحمد بن صالح المصري حین سُئل عنه. وقال النفيلي: قَرَأْنا على مالكِ، وإنما قُرِئَ على مالكٍ وهو يسمع. قال الرابع: روينا عن («أبي عبد الله أحمدَ بن حنبل))، أنه قال: اتبعْ لفظ الشيخِ في قوله: حدثنا، وحدثني، وسمعتَ، وأخبرنا؛ (وَلا تَعْدُوه)(١). قلت: ليس لكَ فيما تجدُه في الكتب المؤلَّفة من روايات مَنْ تقدمكَ، أن تبدلَ في نفس الكتاب ما قيل فيه: ((أخبرنا)) بـ ((حدثنا)) ونحو ذلك، وإن كان في إقامةٍ أحدهما مقامَ الآخر خلافٌ وتفصيلٌّ سبقَ؛ لاحتمال أن يكون مَن قال ذلكَ (ممن) (٢) لايرى التسويةَ بينهما. (١) هكذا في خط وع، وفي ش ((ولا تَعْدُ)) وراجع حاشية ((المقدمة)). (٢) من ش وع، وفي خط: ((من من)). ٢٨٩ معرفة كيفية سماع الحديث = ولو وجدتَ من ذلك إسنادا عرفتَ من مذهب رجاله التسويةَ بينهما، فإقامتُك أحدهما مقامَ الآخِر من بابٍ تجويزِ الرواية بالمعنى. وذلك وإن كان فيه خلافٌ معروفٌ، فالذي نراه الامتناعُ من إجراء مثله في إبدال ما وُضِعَ في الكتبِ المصنفّةِ والمجامع المجموعة، على ماسنذكره إن شاء الله تعالی. وماذكره («الخطيبُ أبو بكر)) في ((كفايته))، من إجراء ذلك الخلاف في هذا، فمحمولٌ عندنا على ما يسمعهُ الطالبُ من لفظِ المُحَدِّثِ غير موضوعٍ في كتابٍ مؤلّف. انتهى (ضعَّف ابن دقيق العيد كلام المصنّف)؛ قال: وأقلّ ما فيه أنه يقتضي تجويز هذا فيما ينقل من المصنّفات المتقدمة إلى أجزائنا وتخاريجنا، فإنه ليس فيه تغيير التصنيف المتقدِّم. قال: وليس هذا جاريًا على الاصطلاح. وكلام المصِّنف يقتضي أنه إذا نُقِلَ حديثٌ من كتابٍ، وعُزِىَ إليه، لا يجوزُ فيه الإبدال، سواء نقلناهُ في تأليف لنا أو لفظًا. نعم؛ تعليل المصنّف المنع باحتمال أن يكون من قال ذلك ممن لا يرى التسوية بين ((أخبرنا وحدثنا))؛ ليس بجيد، من حيثُ أَنّ الحكم لا يختلف في الجائز و الممتنع بأنْ يكون الشيخ يرى الجائز ممتنعًا أو الممتنع جائزًا. وقد صرَّح أهل الحديث بذلك في مواضع؛ منها: أن يكون الشیخ یری جواز إطلاق ((ثنا، وأنا)) في الإجازة، وأذن للطالب أن يقول ذلك إذا روى عنه بالإجازة فإنه لا يجوز ذلك للطالب، وإِنْ أَذِن له الشيخ، وقد صرَّح به المصنِّف. ولذلك أيضًا لم يشترطوا في جواز الرواية بالمعنى أن لا يكون في الإسناد مَن يمنع ذلك كابن سيرين، بل جوّزوا الرواية بالمعنى بشروط ليس منها هذا. قال: الخامس: اختلف أهلُ العلم في صحةِ سماعٍ مَنْ يَنْسَخُ وقتَ القراءة: فوردَ عن («الإمام إبراهيم الحربى، وأبي أحمد بنِ عدي الحافظ، والأستاذ أبي إسحاق الإِسْفَرَاييني الفقيهِ الأصولي)) وغيرهم، نفيُ ذَلك. ٠ ٢٩ النوع الرابع والعشرون وروينا عن ((أبي بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغي(١) أحد أئمة الشافعيِّين بخراسان، أنه سئل عمن يكتب في السماع، فقال: ((يقول: حضرتُ،،ولا يقل: حدثنا، ولا : أخبرنا)). وورد عن «موسى بن هارونَ الحمَّال)) تجويز ذلك. وعن ((أبي حاتم الرازي)) قال: كتبتُ عند ((عارم))(٢) وهو يقرأ، وكتبتُ عند (عمرو بن مرزوق)) وهو يقرأ. وعن ((عبد الله بن المبارك)) أنه قرئ عليه وهو ينسخُ شيئًا آخر غيرَ ما يُقرأ. ولافرق بين النسخ من السامع والنسخ من المسمّع. قلت: وخيرٌ من هذا الإطلاق، التفصيلُ، فنقول: لا يصحّ السماعُ إذا كان النسخُ بحيث يمتنع معه فهم الناسخ لما يُقرأ، حتى يكون الواصلُ إلى سمعه كأنه صوتٌ غُفْلُ؛ ويصحّ إذا كان بحيث لا يمتنع معه الفهم، كمثلٍ ما روينا عن ((الحافظِ العالم أبي الحسن الدار قطني)) أنه ((حضر في حداثته مجلس «إسماعيلَ الصفَّارٍ)) فَجلسُ ينسخُ جزءًا كان معه وإسماعيلُ يُملي، فقالَ له بعضُ الحاضرين: لايصحّ سماعُك وأنت تنسخ. فقال: فهمِي للإملاء خلافُ فهمك. ہے ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخُ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا. فقال الدار قطنيّ: أملى ثمانيةَ عشَر حديثاً، فعُدَّت الأحاديثُ فوجدتْ كما قال. ثم قال أبو الحسن: الحديثُ الأول منها عن فلان عن فلان ومتّنُه كذا، والحديثُ الثاني عن فلان عن فلان، ومَتْنُه كذا .. ؛ ولم يزل يذكر أسانيدَ الأحاديث ومتونَها على ترتيبها في الإملاء حتی أنی علی آخرها، فتعجّب الناس منه(. انتھی قال ابن كثير: وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزّي يكتب في مجلس السماع، ويَنْعس في بعض الأحيان، ويردّ على القارئ ردًا جيدًا بيًّا واضحًا بحيث يتعجّب القارئ من نفسه أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس، وهو أَنْبَه (١) في حاشية خط: ((الصبغي:)) بكسر الصاد المهملة والغين المعجمة)). (٢) في حاشية خط: ((عارم اسمه محمد بن الفضل وعارم (لقب) سوء وقع فعلى رجل صالح))، ولفظ (لقب) لم يتضح منه سوى اللام، وراجع حاشية ((المقدمة)). ٢٩١ معرفة كيفية سماع الحديث = منه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأبو حاتم هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، مولى تميم من حنظلة، وقيل: إنما قيل له الحنظليّ لأنه سكن درب حنظلة بالري. رُوي عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال: أبو زرعة وأبو حاتم إماما (خراسان)(١) و بقاؤهما صلاح للمسلمين، ثم دعا لهما. تُوقّي سنة سبع وسبعين ومائتين. قال: السادس: ماذكرناه في النسْخ من التفصيل، يجري مثلهُ فيما إذا كان الشيخُ أو السامعُ يتحدث، أو كان القارئ خَفيفَ القراءة يَفْرِطُ في الإسراع، أو كان يُهَيْنِمَ بحيث يخفى بعضُ الكلام(٢) أو كان السامعُ بعيدًا عنَ القارئ، وما أشبه ذلك. ثم الظاهرُ أنه يُعْفَى في (ذلك)(٣) عن القدر اليسير، نحو الكلمة والكلمتين. ويستحَبَّ للشيخ أن يجيزَ لجميع السامعين روايةَ جميع الجزء أو الكتاب الذي سمعوه وإن جرى على كلَّه اسم السماع. وإذا (بذَل) (٤) لأحد منهم خطَّ بذلك كتبٍ: أنه ((سمع مني هذا الكتابَ، وأجَزْتُ له روايته عني)) أو نحو هذا، كما كان بعض الشيوخ يفعل. (وفيما)(٥) نرويه عن الفقيه ((أبي محمد بن أبي عبد الله بن عتاب، الفقيه الأندلسي)) عنٍ أبيه أنه قال: ((لا غنىَ في السماع عن الإجازة، لأنه قد يغلط القارئَّ ويغفل الشيخ، أو يغلط الشيخ إنّ كان القارئَّ ويغفل السامعُ، فينجبرُ له مافاته بالإجازة». هذا الذي ذكرناه تحقیقُ حسَن. وقد (رُوّينا)(٦) عن ((صالح بنِ أحمدَ بنِ حنبل))، قال: ((قلت لأبي: الشيخُ -(١) تكررت في خط. (٢) من ش وع، وفي خط: ((الكلم)). (٣) في ش وع: ((كل ذلك)). (٤) من ش وع، وفي خط: ((بدا)). (٥) من ش وع، وفي خط: ((فيما)) بدون الواو. (٦) ضبطها في خط - ضبط قلم - بضم الواو. ٢٩٢ النوع الرابع والعشرون يدغم الحرفَ يُعرَفُ أنه كذا وكذا، ولا يُفهم عنه، ترى أن يُروَى ذلك عنه؟ قال: أرجو ألا يضيقَ هذا)). وبلغنا عن ((خلف بن سالم المُخَرِّمي)) قال: سمعتُ ابنَ عُيَينة يقول: ((نا عمرو ابن دينار)) يريد: حدثنا عمرو بن دينار، لكن اقتصر من ((حدثنا)» على النون والألف. فإذا قيل له، قل: ((حدثنا عمرو)) قال: لا أقول، لأني لم أسمع من قوله ((حدثنا)) ثلاثة أحرف وهي: حدَّث، لكثرة الزحام. قلت: قد کان کثیر من أکابر المحدِّٹین یعَظُمُ الجمعُ في مجالسهم جداً، حتى ربما بلغ ألوفًا مؤلفة، ويُبَلِّغهم عنهم المستَملون، فيكتبون (عنهم) (١) بواسطة تبليغ المسْتملينَ، فأجاز غيرُ واحد لهم روايةَ ذلك عن المُمْلِي. (رُوّينا)(٢) عن ((الأعمش)) قال: ((كنا نجلس إلى إبراهيمَ فَتَسِعُ الحلقةُ، فربما يُحدِّثُ بالحديث فلا يسمعهَ مَنْ تنحِّى عنه، فيسأل بعضهم بعضًا عما قال، ثم یروونه وما سمعوه منه)). وعن ((حماد بن زيد)) أنه سأله رجلٌ في مثل ذلك، فقال: ((ياأبا إسماعيل كيف قلتَ؟ فقال: اَستفهمْ مَنْ يَليكَ((. وعن ((ابن عيينة)) أن أبا مسلم المستملي قال له: ((إن الناس كثيرٌ لا يسمعون. قال: تسمع أنت؟ قال: نعم، قال: فأَسْمِعهم)). وأبى («آخرون ذلك. (رُوّينا)(٢) عن ((خلف بن تميم)) قال: سمعتُ من سفيان الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها، فكنت أَستفهمُ جَليسي، فقلت الزائدة، فقال لي: ((لا تُحدِّث منها إلا بما تحفظُ بقلبك وسَمْع أذنك)) قالَ: فألقيتُها. وعن ((أبي نُعَيْم)) أنه كان (يرى)(٣) فيما سقط عنه من الحرف الواحد (و الاسم)(٤) مما سمعه من سفيانَ والأعمش، واستفهمه من أصحابه، أن يرويَه عن أصحابه، لا يرى غيرَ ذلك واسعًا له. قلت: الأولُ تساهلٌ بعيد، وقد روينا عن ((أبي عبد الله ابن منده)) أنه قال لواحد ء (١) من ش وع، وفي خط: ((عنه)). (٢) ضبطها في خط - ضبط قلم - بضم الراء. (٣) من ش وع، وفي خط: ((یروی)). (٤) من ش وع وفي خط: ((الاسم)) بدون الواو. ٢٩٣ معرفة كيفية سماع الحديث من أصحابه: ((يا فلان، يكفيكَ من السماعِ شَمّه)». وهذا إما متأوَّلٌ أو متروكٌ على قائله. ثم وجدتُ عن عبد الغني بن سعيد، عن حمزة بن محمد الحافظ بإسناده، عن عبد الرحمن بن مهدي، أنه قال: ((يكفيكَ من الحديثَ (شَمَّه)(١))). قال عبد الغني: ((قال لنا حمزة: يعني إذا سُئِلَ عن أول شئ عرَفه، وليس يعني التسهّلَ في السماع». انتھی قال الجوهري: الهَيْنَمَة: الصوت الخفي. (قوله): ويُسْتَحبُّ للشّيخ أن يخبر السَّامعين لاحتمال وقوع شيء مما تقدّم فينجبر بالإجازة، ولذلك ينبغي لكاتب السّماع أن يكتب إجازة الشيخ عقب كتابة السماع، ويقال: إِنَّ أول مَن كتب الإِجازة في طباق السماع: أبو طاهر إسماعيل بن عبد المحسن الأنماطي، فجزاه الله خيراً. ولقد انقطع، بسبب ترك ذلك وإهماله، اتصال بعض الكتب في بعض البلاد، بسبب كون بعضهم كان له فوت، ولم يذكر في طبقة السماع إجازة الشيخ لهم، فاتَّفق أَنْ كان بعض المفوتين آخر مَن بقي ممن سَمِع بعض ذلك الكتاب، فتعذّر قرآءة جميع الكتاب عليه، كأبي الحسن بن الصواف الشاطبي راوي غالب النسائي عن ابن باقا . (واعتُرضَ) على المصنّف بكونه أَطْلَقَ ولم يُفَصِّل، والصواب: أَنَّ الشيخ إِنْ كان صحيح السماع بحيثُ يسمع لفظ المستملي الذي يمل عليه؛ فالسّماع صحيح. ويجوز له أن يرويه عن المملي دون ذكر الواسطة، كما لو سمع على الشيخ بقرآءة غيره، فإنَّ القارئ والمستملي واحد. فإن كان في سمع الشيخ ثقل بحيث لا يسمع لفظ المستملي؛ فإنه لا يسوغ لمن لم يسمع لفظ الشيخ أن يرويه عنه إلا بواسطة المستملي أو المبلّغ له عن الشيخ أو المفهم للسّامع مالم يبلغه، كما ثبتَ في ((الصحيحين)) من رواية عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي وَلّ يقول: (يكون اثنا عشر أميرًا))، فقال (١) من ش وع، وليست في خط. ٢٩٤ النوع الرابع والعشرون كلمةً لم أسمعها فقال أبي: إِنَّهُ قال: ((كلّهم من قريش)) لفظ البخاري. وقال مسلم: (( ثم تكلّم بكلمةٍ خَفِيَتْ عليَّ فسألتُ أَبي ماقال؟ قال: ((كلهم من قریش)). فلم يَرْو جابر بي سمرة الكلمة التي خفِيَتْ عليه إلا بواسطة أبيه. ويُمْكن أَنْ يُسْتَدَلّ للقائلين بالجواز بما رواه مسلم في ((صحيحه)) من رواية عامر ابن سعد بن أبي وقاص قال: كتبتُ إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع؛ أَنْ أخبرني متى سمعتَ من رسول الله وَّ؟ قال: فكتبَ إِليَّ: سمعتُ رسول الله وَّ يوم جمعة عَشِيَّة رَجَمَ الأَسْلمي، قال: ((لايزالُ الدين قائمًا حتَّى تقوم الساعة، أويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)). فلم يفصل جابر بن سمرة الكلمة التي لم يسمعها من النبي ص الله عليه وسلم. وقد يُجاب عنه بأمور: أحدها: أنه يحتمل أنَّ بعض الرواة أدرجَهُ، وفصلها الجمهور، وهم: عبد الملك بن عمير، والشّعبي، وحُصين، وسماك بن حرب ووصله عامر . الثاني: أن الشيخين اتَّفقا على رواية الفصل، وانفرد مسلم برواية الوصل. والثالث: أن رواية الجمهور سماع لهم من جابر بن سمرة، ورواية عامر (بن سعد)(١) كتابة ليست متصلة بالسماع. الرابع: أَنَّ الإرسال جائز خصوصًا إرسال الصحابة عن بعضهم، فإِنَّ الصحابة كلهم عدول، ولهذا كانت مراسيلهم حجة، خلافًا للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني؛ لأَنّ الصحابة قد يروون عن التابعين . وقال ابن كثير: الواقع في زماننا اليوم أنه يحضر مجلس السماع مَن يفهم و مَن لا يفهم، والبعيد من القارئ، (والنَّاعسُ)(٢)، والمتحدِّث، والصِبيان الذين لا ينضبط أمرهم، بل يلعبون غالبًا، ولا يشتغلُون بمجرد السماع، وكل هؤلاء قد كان (١) من ع، وفي خط: ((بن سعيد)). (٢) من ((الباعث)) (١/ ٣٤٢) وفي خط: ((والبلص)). ٢٩٥ = معرفة كيفية سماع الحديث يُكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله. ويلغني عن القاضي تقي الدين سليمان (المقدسي)(١) أنه زجر في مجلسه (الشباب)(٢) عن اللعب فقال: لا تَزْجُروهم فإِنَّا إِنَّما سمعنا مثلهم. قال: السابع: يَصِحُّ السماعُ مّن هو وراءَ حجاب، إذا عُرفَ صوتُه فيما إذا حَدَّثَ بلفظه، وإذا عُرِفَ حضوره (بمسمعٍ)(٣) منه فيما إذا قرئَّ عليه. وينبغي أن يجوزَ الاعتمادُ في معرفة صوته وحضوره على خَبرِ مَنْ يوثَقَ به. وقد كانوا يَسمعون من ((عائشةَ)) وغيرها من أزواجَ رسول الله بَّه؛ من وراء حجاب، ويَرْوونه عنهن اعتمادًا على الصوتِ. وَاحتجَّ «عبدُ الغني بنُ سعيد الحافظُ) في ذلك بقوله ◌َّهِ: ((إن بلالاً ينادي بِلَيْلٍ، فكلُّوا واشربوا حتى يناديَ ابنُ أمِّ مكتوم)). وروَى بإسناده عن ((شعبةَ)) أنه قال: ((إذا حدثك المحدِّثُ فلم تر وجهَه فلا تَرْوِ عنه، فلعله شيطانٌ قد تصورَ في صورته يقول: حدثنا، وأخبرنا)). الثامن: من سمع من شيخ حديثًا ثم قال له: «لاتَروِه عني، أو: لا آذَنُ لك في روايته عني، أو قال: لستُ أخبرك به، أو: رجِعتُ عن إخباري إياكَ به فلا تَروِه عني))؛ غير مسند ذلك إلى أنه أخطأ فيه أو شكّ فيه ونحو ذلك، بل منعه من روايته عنه مع جَزْمه بأنه (حديثُه وروايته؛ فذلك)(٤) غيرُ مبطل لسماعه، ولا مانع له من روایته عنه. وسأل ((الحافظُ أ(بو سعيد بن عَلَيْك)(٥) النيسابوري)) الأستاذَ أبا إسحاق الإِسْفَرابيني، رحمهما الله، عن محدِّث خَصَّ بالسماع قومًا، فجاء غيرهم وسمع و (١) من ((الباعث))، وفي خط: ((المقري)). (٢) هكذا في خط، وفي ((الباعث)): ((الصبيان)). (٣) من ش وع، وفي خط: ((لمسمع)). (٤) من خط وع، وفي ش: ((حديثه فذلك)). (٥) هكذا في خط، وضبط ((عَلَيْك)): بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وراجع: ((الإكمال)) (٦/ ٣٦٢- وحاشية)، و («تبصير المنتبه)) (٩٦٦/٣) لابن حجر، وهو مترجم في ((السير)) للذهبي (٥٠٩/١٧) .. ٢٩٦ النوع الرابع والعشرون منه من غیر علم المحدِّث به، هل يجوز له روایةُ ذلك عنه؟ فأجاب بأنه يجوز، ولو قال المحدِّثُ: «إني أخبر كم ولا أخبر فلانًا))؛ لم يضره. انتهى وإنما جاز من وراء حجاب توسُّعًا في الرواية بخلاف الشهادة، لإثبات الرواية شرعًا عامًا بخلاف الشهادة، وما أفتى به أبو إسحاق حدثَ به النسائي عن الحارث ابن مسکین . قال: القسم الثالثُ من أقسام طرق نقل الحديث وتحمّله: الإجازةُ. وهي متنوعة أنواعًا: أولها: أن يُجيزَ لمعيَّن في مُعين، مثل أن يقولَ: «أجزتُ لك الكتابَِ الفلاني، أو: ما اشتملتْ عليه فَهْرَستي هذه)؛ فهذا أعلى أنواع الإجازة المجرّدة عن المناولة. وزعم بعضهم أنه لا خلافَ في (جوازها)(١) ولا خالَفَ فيَها أهلُ اَلظاهر، وإنما خلافَهم في غير هذا النوع. وزاد ((القاضي أبو الوليد الباجي المالكي)) فأطلق نَفْيَ الخلاف وقال: ((لا خلافَ في جواز الرواية بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها)). وادّعى الإجماعَ من غير تفصيل، وحكى الخلافَ في العمل بها؛ قلت: هذا باطلٌ، فقد خالفَ في جواز الرواية بالإجازة جماعاتٌ من أهلِ الحديثِ والفقهاء والأصولیین، وذلك إحدى الروايتين عن ((الشافعي رضي الله عنه))؛ رُويَّ عن صاحبه (الربيع بن سليمان) قال: كان الشافعي لا يرى الإجازةَ في الحديث. قالَ الربيعُ: أناً أخالف الشافعيّ في هذا. وقد قال بإيطالها جماعة من الشافعيين؛ منهم: القاضيان ((حُسَيْن بنُ محمد المروروذي، وأبو الحسن (الماوردي)(٢)) - وبه قطع الماوردي في كتابه ((الجاوي)) وعَزَاه إلى مذهب الشافعي - وقالا جميعًا: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة. ورُويَ أيضًا هذا الكلامُ عن. ((شُعْبةَ)) وغيره. وممن أبطلها من أهل الحديث: ((الإمامُ إبراهيمُ بن إسحاق الحربي، وأبو محمد عبدُ الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ، والحافظ أبو نصر الوائلي (١) من ش وع، وفي خط: ((جواز هذه)). (٢) من ش وع، وفي خط: ((المازري)). ٢٩٧ معرفة كيفية سماع الحديث == السِّجزي))؛ وحكى ((أبو نصر)) فسادَها عن بعض من لَقيه؛ قال أبو نصر: وسمعتُ جماعةً من أهل العلم يقولون: ((قولُ المحدث: قدَ أجزتُ لكَ أن تَرويَ عني تقديره: أجزت لك ما لا يجوز في الشرع؛ لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع)). قلت ويُشبهُ هذا ما حكاه «أبو بكر محمد بن ثابت الخُجندي أحد من أبطل الإجازة من الشافعية عن ((أبي طاهر الدباس)) أحد أئمة الحنفية، قَال: ((من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني مالم تسمع؛ فكأنه يقولُ: أجزتُ لك أن تكذبَ عليّ). ثم إن الذي استقر عليه العملُ، وقال به جماهيرُ أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم: القول بتجويز الإجازة وإباحة الرواة بها. وفي الاحتجاج لذلك غموضٌ. ويَتَّجهُ أن (نقولَ)(١): إذا أجاز له أن يَرويَ عنه مروياته وقد أخبره بها جملةً فهو كما لو أخبره تفصيلا. وإخبارُه بها غيرُ متوقف على التصريح نطقًا كما في القراءة على الشيخ كما سبق، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك يحصل بالإجازة المفهمة. ثم إنه كما تجوزُ الروايةُ بالإجازة، يجبُ العملُ بالمرويِّ بها، خلافًا لمن قال من أهلِ الظاهر ومَنْ تابَعَهم: إنه لا يجبُ العملُ به وإنه جارَ مجرى المرسل. وهذا باطلٌ لأنه ليس في الإجازة مايقدَحُ في اتصالِ المنقول بها وفي الثقة به. انتهى ذكرَ منِ أقسام الأخذ والتحمّل: الإجازة، وهي دون السماع، ونوّعها سبعة أنواع، وعدّها بعضهم تسعة، كما سيأتي. أرفعها: النوع الأول مالم يكن معه مناولة، فإن كانت معه فهو أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق؛ لاجتماع الإجازة والمناولة. قال: النوع الثاني من أنواع الإجازة: أن يجيزَ لمعيَّن في غير مُعيَّن، مثل أن يقول: ((أج :ت لك، أو لكم: جميعَ مسموعاتي، أو جميعَ مروياتي) وما أشبه ذلك. فالخلافُ في هذا النوع أقوى وأكثر. والجمهور من (العلماء)(٢) المحدثين والفقهاء وغيرهم على تجويزِ الروايةِ (١) من ش وع، وفي خط: ((يقول)) وربما جعل الناسخ نقط التاء والياء بالعكس فيحتمل أن تكون: ((تقول)). (٢) من ش وع، وفي خط: ((والعلماء)). ٢٩٨ النوع الرابع والعشرون == بها أيضًا، وعلى إيجابِ العملِ بما رُوِيَ بها بشرطه. قال: النوع الثالث من أنواع الإجازة: أن يجيزَ لغير مُعَيَّن بوصف العموم، مثل أن يقول: أجزتُ لكلِّ (واحد)(١)، أو: أجزتُ لمن أدركَ زماني؛ وما أشَبهَ ذلك. فهذا نوعٌ تكلم فيه المتأخرون ممن جوَّز أصلَ الإجازة، واختلفوا في جوازه؛ فإن كان ذلك مقيّدًا بوصف حاضر أو نحوه: فهو إلی الجواز أقرب. و وممن جوَّزَ ذلك كلَّه ((الخطيبُ أبو بكر)). ورويِنا عن ((أبي عبدالله ابن مَنْده الحافظ)) أنه قال: ((أحزتُ لمن قال لا إله إلا الله)) وجوَّز ((القاضي أبو الطيِّب الطبري)) أَحد الفقهاء المحققين - فيما حكاه عنه الخطيبُ - الإجازةَ لجميع المسلمين مَنْ كان منهم موجودًا عند الإجازة. وأجاز ((أبو محمد ابنُ سعيد)) أحد الجلَّةِ من شيوخ الأندلس، لكلِّ مَنِ دخل قرطبةَ من طلبة العلم. ووافقه على (( جواز ذلك جماعة منهم: ((أبو عبد الله بن عتاب)). وأنبأني مَن سألِ ((الحازميَّ أبا بكر)) عن الإجازة العامة هذه، فكان من جوابه: إن من أدركه من الحُفّاظ؛ نحو ((أبي العلاء الحافظ)) وغيره: كانوا يميلون إلى الجواز. قلت: ولم نَرَ ولم نسمع عن أحد ممن يُقْتَدَى به، أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها، ولا عن الشرذمة (المستأخرة)(٢) الذين سوّغوها. والإجازةُ في أصلها ضعفٌ، وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفًا كثيرًا لا ينبغي احتماله؛ انتھیَ وثمَّن أجازَ الإِجازة العامة مع مَن ذكر: أبو الفضل أحمد بن الحسين بن خَيْرُون البغدادي وأبو الوليد بن رشد المالكي وأبو طاهر السلفي وغيرهم. ورجَّحه ابن الحاجب، وصحَّحه في: الروضة من زياداته، وقد جمعَ بعضهم مَن أجاز هذه الإجازة العامة في تصنيفٍ له جمعَ فيه خلقًا كثيرًا رتّبهم على حروف المعجم لكثرتهم، وهو الحافظ: أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر (١) هكذا في خط؛ وفي ش وع: ((أحد)). (٢) من ش وع، وفي خط ((المتأخرة))، وراجع حاشية المقدمة. ٢٩٩ معرفة كيفية سماع الحديث الكاتب البغدادي. (قوله): ولم نسمع ولم نر .... إلى آخره؛ فيه نظرٌ، فقد حدَّث بها من الحفاظ: أبو بكر بن خير الأموي - بفتح الهمزة - الإشبيلي، ومن الحفاظ المتأخرين: شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي بإجازته العامة من المؤيد الطوسي، وسمع بها الحافظ: أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي وأبو محمد البرزالي على الركن الطاوسي بإجازته العامة من أبي جعفر الصيدلاني وغيره، وقرأ بها (الحافظ)(١) أبو سعيد العلائي على أبي العباس بن نغمة بإجازته العامة من داود بن معمر بن الفاخر، وأقرأ بها الوجيه عبد الرحمن العوفي بإجازته العامة من عبد اللطيف بن القبيطي وأبي إسحاق الكَاشْغَرِيّ وابن رواح والسبط وآخرين من البغداديين والمصريين، وفي النفس منها شيء. وأهل الحديث يقولون: إذا كتبتَ فقمّش وإذا حدَّثت ففتِّش، فالاحتياط ترك الرواية بها . (وقد اعتُرض) على المصنِّف بأنَّ الظّاهر من كلام مصحّحها: جواز الرواية بها، وإلاَّ فلا فَائدة لها. (ورُدّ) بأنه إنما أنكر أن يكون رأى أو سمع عن أحد أنه استعملها، فروى بها، ولا يلزم من ترك استعمالهم للرواية بها عدم صحتها، لاستغنائهم عنها بالسماع، واحتياطًا للخروج من الخلاف من منع الرواية بها. (قوله): فإنْ كان مقيدًا بوصف (حاضر)(٢) أونحوه فهو إلى الجواز أقرب؛ أي: كقول: ((أَجزتُ لبني فلان)) أو (لإخوة فلان)) أو ((لأولاده)). ومثّلَهُ القاضي بقوله: ((أجزتُ لمن هو الآن من طلبة العلم ببلد كذا)). (وقوله): فهو إلى الجوازِ أقرب؛ أي: أَنَّ جواز الرواية بالوصف (الحاضر)(٣) أَوْلى من الرواية بالإجازة العامة، وتقدَّم أن المصنّف اختار عدم صحة الإجازة العامة، والصحيح في مسألة الوصف: الصِّحة. (١) من ع، وفي خط: ((الحفاظ)). (٢) كذا في خط، وصوابه: ((خاصّ)). (٣) كذا في خط، وصوابه: ((الخاصّ)). ٣٠٠ النوع الرابع والعشرون قال القاضي عياض في كتاب ((الإلماع)): ما أحسبهم اختلفوا في جوازه تمن تصح عنده الإجازة، ولا رأيت منعه لأحد، لأنَّه محصور موصوف، كقوله: لأولاد فلان، أو إخوة فلان. قال: النوع الرابع، من أنواع الإجازة: الإجازةُ للمجهول أو بالمجهول. وتتشبثُ بذيلها الإجازةُ المعلقةُ بالشرط: وذلك مثل أن يقولَ: ((أجزتُ لمحمد بن خالد الدمشقي((، وفي وقته ذلك جماعةٌ مشتركون في هذا الاسم والنسب، ثم لا يعين المجازَ له منهم. أو يقول: ((أجزتُ لفلان أن يرويَ عني كتابَ السَّنَّنِ (( وهو يروي جماعةً من كتبِ السننِ المعروفة بذلك، (ثم)(١) لا يُعَيِّنُ. فهذه إجازةٌ فاسدةٌ لا فائدةَ لها. وليس من هذا القبيلَ ما إذا (أجاز)(٢) لجماعة مُسمَّين معيَّنين بأنسابِهم، والمجيز جاهلٌ بأعيانهم غير عارف بهم، فهذا غيرُ قادَح. كما لا يقدح و عدم معرفته به إذا حضر شخصه في السماع منه. وإن أجاز للمسمّين المنتسبين في الاستجازة، ولم يَعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابِهم، ولم يعرف عدَدَهم ولم يتصفح أسماءهم واحدًا فواحدًا، فينبغي أن يَصِحّ ذلك أيضًا، كما يصحّ سماعُ مَن حضر مجلسَه للسماعِ (منه)(٣)، وإن لم يعرفْهم أصلا ولم يعرف عددَهم، ولا تصفّح أشخاصَهم واحدًا واحدًا. وإذا قال: ((أجزتُ لمن يشاء فلانٌ(( أو نحو ذلك، فهذا فيه جهالةٌ وتعليقٌ بشرط، فالظاهرُ أنه لا يصح. وبذلك أفتِى ((القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي)) إذ سألَه ((الخطيبُ الحافظ)) عن ذلك، وعلَّل بأنه إجازةٌ لمجهول، فهو كقوله: ((أجزتُ لبعضٍ الناس ((من غير تعيين. وقد يُعَلَّل ذلك أيضا بما فيها من التعليقَ بالشرط، فإن ما (يفسد بالجهالة يفسد بالتعليق) (٤) على ما عُرِفَ عند قوم. (١) من خط وع، وليس في ش. (٢) من ش وع، وفي خط: ((أجاب)) بالباء. (٣) من ش وع، وفي خط: ((عنه)) بالعين بدل الميم. (٤) من خط ومثله في ع سوى ((بالتعليق)) ففي ع: ((بتعليق))، وفي ش ((يُفَسَّر بالجهالة يُفَسَّر بالتعليق)).