Indexed OCR Text

Pages 241-260

=
معرفة من تقبل روايته
٢٤١
وأما أبو بكر المفيد فإني قد حفظتُ عنه ((يَحمل)) مفتوح الياء ((من كل خلف
عُدُوله)) مضموم العين واللام مرفوعًا. انتهى كلام المصنّف(١).
(قوله): ولقائل أن يقولَ: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة، (وقوله) قبل هذا:
ولا يقبل الجرح إلا مفسّرًا؛ هذا كله إنما يكون ممن لا يعرف الجرح والتعديل، أما
العارف بأسباب الجرح والتعديل فإنه لا يحتاج إلى بيان، وقد حكى الباقلاني عن
جمهور العلماء أنه إذا جرح من لا يعرف الجرح؛ بأنه يجب الكشف عن ذلك،
فإن کان یعرفه فلا .
قال(٢): والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالمًا كما
يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكى عدلاً، وقد اختلف نقل الغزالي
عن الباقلاني، فنقل هذا(٣) في ((المستصفى))، وهو الصواب (٤)، وخالفه في
((المنخول)) فقال: يجب البيان مطلقًا .
وقال الإمام في ((البرهان)): الحق أنه إن كان المزكِّي عالما بأسباب الجرح
والتعديل؛ اكتفينا بإطلاقه وإلاّ فلا، وقد يتعمق في الجرح - كما تقدم - من ركض
البرذون، وترك شعبة حديث المنهال بن عَمْرو لكونه سمع منه صوتًا .
قال أبو حاتم: سمع قراءته بألحان، وقيل: سمع منه صوت الطنبور، فرجع،
فقيل له: هلّ سألتَ عنه أيعلم ذلك أم لا(٥)؟ .
وقال شعبة للحكم بن (عتيبة)(٦): لمَ تركتَ حديث (زاذان)(٧)؟ قال: كان كثير
(١) يعني في: ((فوائد رحلته)).
(٢) يعني: ((الباقلاني)).
(٣) أي هذا المذهب السابق للباقلاني، وراجع: ع.
(٤) قال العراقي: ((وهو الصواب، فقد رواه الخطيب عنه بإسناد صحيح إليه، وحكاه أيضًا عنه الإمام فخر
الدين الرازي والسيف الآمدي)). (التقييد ص/ ١٤١).
(٥) راجع ((الكفاية)) (ص/ ١٨٣).
(٦) هكذا في ((الكفاية)) (ص/ ١٨٣)، وفي خط: ((عيينة)).
(٧) هكذا في ((الكفاية)) وفي خط: ((ذكوان)).

٢٤٢
النوع الثالث والعشرون
الكلام .
وقد عقد الخطيب لذلك بابًا في (الكفاية)) انتهى.
(قوله): واختلفوا هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد؟.
ومجموع ما في مسألة الرواية والشهادة ثلاثة أقوال؛ أحدها: لا يقبل في التزكية
إلا رجلان سواء أكانت التزكية للشهادة أو الرواية، وهو الذي حكاه القاضي أبو
بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
والثاني: الاكتفاء بواحدٍ فيهما، وهو اختيار الباقلاني؛ لأَنَّ التزكية بمثابة الخبر،
قال: والذي يقتضيه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضي ذكرًا وأنثى حرّاً
وعبدًا لشاهد ومخبر.
والثالث: (التفرقة)(١) فيشترط اثنان في الشهادة ويكفي واحد في الرواية
ورجَّحَهُ الإمام فخر الدين الآمدي ونقله هو وابن الحاجب عن الأكثرين، وهو
مخالف لما نقله الباقلاني عنهم، قال: ولا يقبل في التعديل النساء، لا في الرواية
ولا في الشهادة، نقله عن فقهاء المدينة وغيرهم.
واختار الباقلاني: قبول تزكية المرأة مطلقًا في الرواية والشهادة، إلاَّ تزكيتها في
الحكم الذي لا تقبل شهادتها فيه، وأطلق صاحب ((المحصول)) وغيره قبول تزكيتها
مطلقًا، من غير تقييد بما قيّده الباقلاني.
وأما تزكية العبد فقال الباقلاني: يجب قبولها في الخبر دون الشهادة لأن خبره
مقبول وشهادته مردودة، وكذا قاله الإمام فخر الدين وغيره.
قال الخطيب في ((الكفاية)): الأصل في هذا الباب سؤال النبي وَل بريرة في
قصة الإفْك عن عائشة وجوابها السؤال رضي الله عنهما .
(قوله): واحتجّ مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم. انتهى.
قال أبو حاتم وصالح جزرة ويعقوب بن شيبة وغيرهم: هو صدوق في نفسه،
(١) في خط: ((التقوية)) - خطأ، وراجع: ع.

٢٤٣
= معرفة من تقبل روايته
وقال البخاري: حديثه منكر، وضعفه النسائي، ولم يفسّر الجرح، وأكثر من فسّره
بأنه لما عمي ربما قبل التلقين، وهذا إنما يقدح بعد عماه، ويحتمل أن مسلمًا إنما
حدث عنه قبل عماه، وأما تكذيب ابن معين له فإنه أنكر عليه ثلاثة أحاديث:
حديث ((مَنْ عَشَقَ وعفْ))، وحديث: ((مَن قَالَ فِي دِيننا برأيهِ فَاقْتُلُوه))، وحديثه
عن أبي معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد مرفوعًا: ((الحسن والحسين
سيِّدا شباب أهل الجنة)).
فقال ابن معين: هذا باطل عن أبي معاوية، قال الدارقطني: فلما دخلت مصر
وجدتُ هذا الحديث في ((مسند)) المنجنيقي، وكان ثقة، عن أبي كريب عن أبي
معاوية فتخلّص منه سويد، فأنكره عليه ابن معين لظنّه أنه تفرّد به عن أبي
معاوية، وليس كذلك، وقد قال (محمد بن عيسى السومي)(١) سألت ابن معين
عن سويد فقال: ما حدثك فاكتب عنه، ما حدثك به تلقينًا فلا، وإنما روى عنه
مسلم لطلب العلو (مما)(٢) صحّ عنده بنزول، ولم يخرّج عنه ما انفردَ به، وقال
إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم: كيف استجزتَ الرواية عن سوِيدٍ في
((الصحيح))؟ فقال: ومِن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة، وذلك أنَّ مسلمًا
لم يرو عن أحدٍ ممّن سمع من حفص بن ميسرة في ((الصحيح)) إلاَّ عن سويد
فقط، وقد روى في ((الصحيح)) عن واحدٍ عن ابن وهب عن حفص.
قال: الخامسة: إذا اجتمع في شخصٍ (واحد)(٣) جرحٌ وتعديلٌ، فالجرحُ مقدَّمٌ،
لأن المعدِّلَ يُخبرُ عما ظهرَ من حاله، والجَارِحُ يخبر عن باطنِ خَفِيَ على المعدِّل.
فإنْ كان عددُ المعدلين أكثر، فقد قيل: التعديل أَوْلَی.
والصحيحُ والذي عليه الجمهور، أن الجرحَ أولى، لما ذكرناه. انتهى.
(١) كذا في خط، والذي في ترجمة ((سويد)) من ((تاريخ بغداد)) (٢٣٠/٩) و ((السير)) للذهبي (٤١٢/١١)
و((التهذيب)): ((محمد بن يحيى الخزَّز السوسي))، ولم ترد نسبة ((السوسي)) في ((التهذيب))، و((الخزَّز)) بالخاء
المعجمة وزايَيْن بينهما ألف؛ كذا في ((السير)) وفي ((تاريخ بغداد)» الحزاز بالحاء المهملة، وفي ((تهذيب التهذيب»:
(الخراز)) بالخاء المعجمة والراء المهملة وآخره زاي، ولم أهتد إليه الآن؛ فليحرَّر؛ والله المستعان وهو حسبي.
(٢) كذا في خط، والأشبه: ((فيما)).
(٣) هكذا في خط، وليست في ش وع.

٢٤٤
النوع الثالث والعشرون
وفي المسألة ثلاثة أقوال أصحها؛ تقديم الجرح مطلقًا، والثاني: إن كان المعدلون
أكثر قُدِّم التعديل؛ لأن کثرتهم تقوّي جانبهم.
قال الخطيب: وهذا خطأ وبُعْد ممن توهّمه، لأن المعدّلين وإن كثروا لا يخبرون
عن عدم ما أخبر به الجارحون، إذ لو أخبروا به لكانت شهادة عن نفي وهي
باطلة(١).
والقول الثالث: أَنَّهما متعارضان فلا يرجح أحدهما إلاّ بمرجّح، حكاه ابن
الحاجب .
وكلام الخطيب يقتضي نفي هذا الثالث، فإنَّه قال: اتفقوا على أنَّ مَن جرحه
واحد أو عدد وعدّله مثلهم فإنَّ الجرح أولى(٢) .
قال: السادسة: لا يجزىء التعديلُ على الإبهام من غير تسمية المُعَدَّل، فإذا قال:
((حدثني الثقةُ) أو نحو ذلك، مقتصراً عليه، لم يُكتَف بَه فيما ذكره ((الخطیبُ،
والصيرفي الفقيهِ)) وغيرهما، خلافًا لمن اكتفى بذلك. وذلك لأنه قد يكونُ ثقةً
عنده، وغيرُه قد اطّلع على جرحِه بما هو جارِحٌ عنده، أو بالإجماع. فيُحتاج إلى أن
يُسَمِّيه حتى يُعرَف. بل إضرابه عن تسميته مُريب، موقع في القلوب فيه ترددًا. فإنْ
كان القائل لذلك عالمًا، أجزأ ذلك في حق مَنْ يوافقه في مذهبه، على ما اختاره
بعضُ المحققين.
وذكر الخطيبُ أنَّ العالم إذا قال: كلُّ من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أُسَمِّه. ثم
روى عن من لم يُسمِّه، فإنه يكون مُزَكِّيًا له، غير أنَّا لا نعملُ بتزكيته هذه. وهذا
علی ما قدمناه. انتهى.
وافق الخطيبَ والصّيرفي: ابنُ الصباغ، وحكى في: ((العدة)) عن أبي حنيفة أنَّه
يقبل وهو ماشٍ على قول مَن يحتجّ بالمرسَل، وأَوْلى بالقبول، ولو قال العالم: كلّ
مَن أروى لكم عنه وأسمّيّه فهو عدل رضى مقبول؟ كان تعديلاً لكل مَن روى عنه
وسمَّاه، هكذا جزم به الخطيب.
(١) راجع: ((الكفاية)) (ص/ ١٧٧).
(٢) راجع: ((الكفاية)) (ص / ١٧٥).

٢٤٥
معرفة من تقبل روايته
ءِ
قال: وكان ممن سلك هذه الطريقة: عبد الرحمن بن مهدي، زاد البيهقي مع
ابن مهدي: مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان .
قال: وقد يُوجد في رواية بعضهم الرواية عن بعض الضعفاء لخفاء حاله عليه
كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق(١).
(قوله) وفي القول الثالث: إنَّه إن كان القائل له عالما فإنه يُقبل التعديل على
الإبهام، كقول مالك والشافعي: حدَّثني الثقة، فإِنَّ الثقة يُعرف بالشيوخ الذين
یروون عنهم.
قال: السابعة: إذا روَى العَدْلُ عن رجل وسَمَّاه، لم تُجعَلْ روايتُه عنه تعديلاً منه
له، عند أكثر العلماء من أهل الحديث وغيّرهم. وقال بعضُ أهل الحديث وبعض
أصحاب الشافعي: يُجعَلُ ذلكَ تعديلاً منه له، لأن ذلك يتضمنُ التعديلَ.
والصحیح هو الأول، لأنه يجوزُ أن يروي عن غیر عدل، فلم يتضمن روايتُه عنه
تعديلَه. وهكذا نقول إنَّ عملَ العالم أو فُتياه على وَفْقِ حَديث، ليس حُكْمًا منه
بصحة ذلك الحدیث. و کذلك مخالفته للحديث لیست قدحًا منه في صحته ولا في
راويه. انتهى.
إذا روى العدل عن شيخ وسمّاه، فهل ذلك تعديل له أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال،
أصحها؛ وهو قول الأكثر؛ أنّه لایکون تعديلاً.
والثاني: تعديل مطلقًا إِذْ لو علم فيه جرحًا لذكره، حكاه الخطيب.
قال الصّيرفي: وهو خطأ لأن الرواية تعريف والعدالة تكون بالخبرة.
وأجاب الخطيب بأنَّه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه.
والثالث، وهو المختار عند الأصوليين كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما؛ أنه إن
كان لا يروي إلاَّعن عدل؛ كانت روايته تعديلاً، وإلاّ فلا.
(واعتَرَضَ) الحافظ عماد الدين ابن كثير على قوله: إِنَّ عمل العالم أو
(١) وقد يروي عنه في المذاكرة، فيُنْقل ذلك عنه، وقد يروي عنه للتعجُّب، وغير ذلك، والله الموفّق.

٢٤٦
النوع الثالث والعشرون
=
فتياه .. إلى آخره؛ فقال: وفي هذا نظر إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث،
(إذا)(١) تعرَّضَ للاحتجاج به في فتياه أو حُكمه (و)(٢) استشهد به عند العمل
بمقتضاه .
(ورُدَّ) بأنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث (أن لا
يكون)(٣) ثَمَّ دليل آخر من قياس أو إجماع، ولا يلزم المفتي (( أو الحاكم أن يذكر
جميع أدلّته، بل ولا بعضها.
ويحتمل أن يكون له دليل آخر واستأنس بهذا الحديث معه، أو يكون ممن يرى
العمل بالحديث الضعيف ويقدّمه على القياس - كما تقدّم عن (أبي) (٤) داود - إذا
لم يَرِد في الباب غيره، ويراه أَوْلى من رَأْي الرِّجال، وأما ماحُكي عن أحمد أنه
يقدِّم الحديث الضعيف على القياس؛ فالمراد: (الضعيف)(٥) الحسن.
قال: الثامنة: في رواية المجهول وهي في غرضنا ههنا أقسام:
أحدُها: المجهولُ العدالة من حيثُ الظاهرُ والباطنُ جميعًا، وروايتُه غيرُ مقبولة
عند الجماهير، على مانبّهنا عليه أولا.
والثاني: المجهولُ الذي جُهلتْ عدالتُه الباطنةُ وهو عدلٌّ في الظاهر، وهوِ
(المستورُ)(٦) فقد قال بعضُ أئمتنا: المستورُ مَن يكون عدلا في الظاهر ولا تُعرَفُ
عدالةُ باطنه.
فهذا المجهول یحتجّ بروایته بعضٌ من رَدّ روایةً الأول. وهو قول بعض
(١) هكذا في خط، وفي ((الباعث)) (ص/ ٢٩١): ((أو)).
(٢) هكذا في خط، وفي ((الباعث)): ((أو)).
(٣) هكذا في خط وع، ووقع في ((الباعث)) (ص/ ٢٩١): ((أن يكون)) بسقوط: ((لا)) فلتستدرك.
(٤) هكذا في ع، وفي خط: ((ابن)).
(٥) هكذا في خط، وفي ع: ((وحمل بعضهم هذا على أنه أُريدَ بالضعيف هنا: الحديث الحسن)) ووقع في ع:
((وحل .... )) وراجع ((الباعث)) (ص/ ٢٩١).
(٦) هكذا في ش وع، و((الباعث))، وفي خط: ((المشهور)).

٢٤٧
= معرفة من تقبل روايته
(الشافعيَّةَ)(١) وبه قطعَ منهم ((الإمامُ سليم بنُ أيوبَ الرازي)). قال: لأنَّ أمرَ الأخبار
مَبنىٌّ على حُسن الظنِّ بالراوي، ولأن روايةَ الأخبار تكون عند من يتعذّر عليه
معرفةُ العدالة في الباطن، فاقتُصر منها على معرفة ذلك في الظاهر.
وتُفارق الشهادةَ، فإنها تكونُ عند الحكَّام ولا يتعذَّر عليهم ذلك، فاعتُبر فيها
العدالةُ فَي الظاهرِ والباطن.
قلت: ويشبه أن يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث
المشهورة، في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهدُ بهم، وتَعَذّرَت الخبرة الباطنةُ
بهم. انتھی
(قسم) المجهول ثلاثة أقسام الأول: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، مع كونه
معروف العین بروایة عَدْلَیْن عنه.
وفيه ثلاثة أقوال، أصحها؛ قول الجمهور؛ أنها لاتقبل.
والثاني: تقبل، والثالث: إِنْ كان الراويان أو الرواة عنه فيهم مَن لايروي عن
غير عدلٍ؛ قُبِل، وإلاَّ فلا.
(وأشار بقوله): بعض أئمتنا؛ ألى أبي محمد البغوي صاحب: ((التهذيب)) فهذا
لفظه بحروفه فيه، ويوافقه كلام الرافعي في «الصوم))، قال فيه: العدالة الباطنة هي
التي يرجع فيها إلى أقوال المزكّين، وحكى فيه أيضًا في قبول رواية (المستور) (٢) وجهين
من غير ترجيح، وصحَّحَ النووي في ((شرح المهذَّب)) قبول روايته.
وعبارة الشافعي في: ((اختلاف الحديث)) تدل على أنّ التي يحكم الحاكم بها
هي العدالة الظاهرة، فإِنَّه قال في جواب سؤالٍ أَوْرَدَهُ: فلان يجوز أن يترك الحكم
بشهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر.
فعلى هذا تكون العدالة الظاهرة هي التي يحكم بها، وهي التي تستند إلى قول
المزكّين، بخلاف ماذكره الرافعي في ((الصوم))، وهذا هو القسم الثاني. وحكى
البيهقي في ((المدخل)) أنَّ الشافعي لا يحتج بأحاديث المجهولين.
قال: الثالث: المجهولُ العين. وقد يَقبل روايةَ المجهول العدالة، مَن لايَقبل روايةً
(١) هكذا في خط، وفي ش وع: ((الشافعيين)).
(٢) هكذا في ع، وفي خط: ((المشهور)).

٢٤٨
النوع الثالث والعشرون
المجهول العين. ومَن روَى((عنه عدلان وعيَّناه، فقد ارتفعتْ عنه هذه الجهالةُ.
ذكر («أبو بكرٍ الخطيبُ في أجوبة مسائلَ سُئل عنها: أنَّ المجهولَ عند أصحاب
الحديث هو كلّ مَن لم يعرفُه العِلَماءُ، ومن لَم يُعرَف حديثُهِ إلا من جهة راوَ
واحد، مثل: ((عَمرو ذِي مُرّ، وجَبَّار الطَّائي، وسعيد بنِ ذِي حُدَّان)) لمٍ يَروِ عَنهم
غيرُ أبي إسحاق السبيعي، ومثل ((الهزهازٍ بن ميزن)) لَ راويَ عنه غيرُ الشَّعبي،
ومثل ((جُرَيِّ بن كليب))، لم يرو عنه إلا قَتَادَةُ.
قلت: قد روى عن ((الهزهاز)) الثوريُّ أيضًا.
قال ((الخطيبُ): ((وأقلُّ ما ترتفعُ بهِ الجهالةُ، أن يرويَ عن الرجل اثنان من
المشهورين بالعلم، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه (. وهذا مما قدّمنا بَيَانَه.
قلت: قد خرّج البخاري في (صحیحه) حدیث جماعة ليس لهم غير راو
واحِدٍ، منهم: ((مرداسُ الأسلمي))، لمٍ يَروِ عنه غِيرُ قيس بن أبي حازم، وكذلك
خرَّجَ ((مسلم)) حَديثَ قِوم لا راوِيَ لهَمَ غيرُ واحدٍ، منهم: ((ربيعة بن كعب
الأسلمي)) لم يُروِ عنه غيرُ أبي سلمةَ بن عبد الرحمن.
وذلك منهما مَصيرٌ إلى أنَّ الراوي قد يَخْرُج عن كونه مجهولاً مردودًا برواية
واحد عنه، والخلاف في ذلك متجه نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحدَ
في التّعدیلِ، على ماقدمناه. انتهى
هذا القسم الثالث، وهو مجهول العين الذي لم يَرْو عنه إلاَّ راوٍ واحد، وفيه
خمسة أقوال، أصحّها وعليه الأكثر؛ أنه لا يقبل.
والثاني: يقبل مطلقًا، وهو قول من لم يشترط في الراوي سوى الإسلام.
والثالث: إِنْ كان المنفرد بالرِّواية عنه لايروي إلاَّ عن عدل كابن مهدي ويحيى
بن سعيد ومَن ذكر معهما، واكتفينا في التعديل بواحدٍ، قُبُل، وَإلاَّ فلا.
والرابع: إن كان مشهورًا في غير العلم بالزهد أو النجدة، قُبُل، وإلا فلا.
والخامس: إِنْ زكَّاهُ أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل، مع راويه، وأخذ عنه : قُبل،
وإلاَّ فلا.
(واعتُرضَ) عليه بأمور؛ منها: أنَّه تَبعَ الخطيب في تسمية والد ((هزهاز)):
((ميزن))، وإنما هو: ((مازن)) بالألف كما قال ابن أبي حاتم في: ((الجرح والتعديل))،
وفي بعض النَّسخ بالياء، ولعلَّ بعضهم أماله في اللفظ فكُتِب بالياء.

٢٤٩
- معرفة من تقبل روايته
ومنها: اعتراضه على الخطيب بأنَّ ((الهزهاز)) قد روى عنه الثوري أيضًا،
والثوري لم يَرْو عن الشعبي نفسه فكيف يروي عن شيوخه؟ (ورُدّ) بأنه لايلزم من
عدم روايته عن الشعبي عدم روايته عن ((الهزهاز)) فلعلَّ ((الهزهاز)) تأخر بعد
الشعبي، ويقوّي ذلك أنّ ابن أبي حاتم ذكر أنَّ الجراح بن مَليح روى عن الهزهاز،
والجراح أصغر من الثوري، وتأخَّر بعده (مدة سنين)(١)، فكان ينبغي له أن يستثنى
الجراح مع الثوري.
ومنها: أنَّ ماعزاه إلى الخطيب في أجوبة مسائل سئل عنها، يفهم أنه لم يذكره
في ((الكفاية))، وليس كذلك، فقد ذكر ذلك مع زيادة لا بأس بذكرها فقال:
(المجهول عند أصحاب الحديث هو كل مَن لم يشتهر بطلب العلم في نفسه،
ولاعرفه العلماء به(٢)، (ولم يعرف)(٣) حديثه إلاَّ من جهة راوٍ واحد، مثل:
عَمْرو ذي مُرّ، وجبار الطائي، (وعبد الله بن أعزّ الهمداني، والهيثم بن حنش،
ومالك بن أعزّ، وسعيد بن ذي حدّان)(٤) وقيس بن كرْكم وخَمْر بن مالك. قال:
(وهؤلاء)(٥) كلهم لم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي، ومثل: سمعان بن
مُشنّج والهزهاز بن ميزن لا يعرف عنهما راو إلاَّ الشّعبي، ومثل: بكر بن قِرْواش
وحلاَّمُ بن جَزْل لم يرو عنهما إلاَّ أبو الطفيل عامر بن واثلة، ومثل: يزيد بن
سحيم لم يرو عنه إلاَّ خلاس بن عَمْرو، ومثل جُرَيّ بن كليب لم يرو عنه إلاّ
قتادة بن دعامة، ومثل: عمير بن إسحاق لم يرو عنه سوى عبد الله بن عوف،
وغير مَن ذكرنا.
(١) هكذا في خط وع.
(٢) من ((الكفاية)) (ص / ١٤٩)، وع، وسقط من خط.
(٣) هكذا في خط وع، وفي ((الكفاية)): ((ومن لم يعرف)).
(٤) هكذا في ع، و((الكفاية))، وفي خط: (( .. وعبد الله بن ذي حدّان .. )) وكأنّ النسخ ترك سطرًا، وسيأتي
ما يدلُّ على ذلك.
(٥) وقع في ع: ((وهوء)) فليصلح.

٢٥٠
النوع الثالث والعشرون
أي ممن لم يرو عنه إلاَّ راو واحد.
(وقد اعتُرض)؛ بأنه روي عن (خمْر بن مالك أيضًا)(١): عبد الله بن
(قيس)(٢)، وذكره ابن حبان في: ((الثقات))، وسمَّاه (خميرًا)(٣)، وذكر الخلاف فيه
في التصغير والتكبير ابن أبن حاتم.
وكذلك الهيثم (بن حنش) (٤) روى عنه أيضًا: سلمة بن كهيل قاله أبو حاتم
الرازي .
وأما عبد الله بن أعزّ ومالك بن أعز بالعين المهملة والزاي، فقد جعلهما ابن
ماكولا واحدًا، وأنه اختُلفَ على أبى إسحاق في اسمه.
وبكر بن قرواش، بكسر القاف وسكون الراء وبالشين المعجمة؛ روى عنه
أيضًا: قتادة، فيما ذكره البخاري، وابن حبان في ((الثقات)) وسمّى ابن أبي حاتم
أباه: قرویشًا(٥) .
وحلام بن جَزَل؛ ذكره البخاري في: ((تاريخه))، فقال: حلاب بالحاء المهملة
والباء الموحّدة، وخطّأَّهُ ابن أبي حاتم(٦) في ((كتابٍ جمعَ فيه أوهامه في التاريخ))
وقال: إِنّما هو حلام بالميم.
(١) هذا هو الصواب، ووقع في خط: ((خمْر أيضًا ابن مالك .. ))، وراجع: ع.
(٢) هكذا في خط وع و((تعجيل المنفعة))، وفي ((الثقات)) وكذلك ((الجرح)) (٣/ ٣٩١): ((عيسى)).
(٣) هكذا في ع، و((الثقات)) (٤/ ٢١٤)، وغيرهما، وفي خط: ((ضميرًا)) بالضاد المعجمة. وراجع المصادر
السابقة مع ((التاريخ الكبير)) للبخاري.
(٤) هكذا في ((الجرح)) و ((الكفاية))، وفي خط وع: ((حنيش))، وراجع تعليق المعلِّمي اليماني رحمه الله على
(التاريخ الكبير)) للبخاري (٨/ ٢١٣).
(٥) كذا في خط، وفي ع: ((قريشًا)) بدون الواو، والذي في ((الجرح)) (٢/ ٣٩١): ((بكر بن قرواش ...
روى عنه أبو الطفيل سمعت أبي يقول ذلك)).
وراجع: ((التاريخ الكبير)) (٢/ ٩٤)، و((التعجيل)) (ص/ ٥٤)، ووقع في ((الثقات)): ((بكربن قرواش يروى
عن أبي الطفيل، روى عنه قتادة)) كذا. وهو مخالف لكُلِّ ما سبق.
(٦) راجع: ((كتاب بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه)) (ص/ ٢٦).

٢٥١
معرفة من تقبل روايته
وأما مُشَنَّج؛ فإنَّه بضم الميم وفتح الشين المعجمة، وفتح النون وآخره جيم.
(واعترضَ) النووي على قوله: وذلك منهما، أي: من البخاري ومسلم،
مصير إلى أنَّ الراوي قد يخرج عن الجهالة بروايةٍ واحدٍ عنه كمِرداسٍ الأسلمي
وسعد بن كعب الأسلمي؛ فقال: هؤلاء صحابيان، والصحابة كلهم عدول.
(ورُدّ)؛ بأنّ كلام المصنّف في أنَّ الصحبة هل ثبتت برواية واحد عنه أم لابد من
اثنين؟ خلاف بين أهل العلم، والحق أنّه إِنْ كان معروفًا بذكره في (الغزوات)(١) أو
فيمن وفد من الصحابة أو نحو ذلك؛ فإنه تثبث صحبته و إن لم يرو عنه إلا واحد.
لاشكّ أن مِرْداسًا من أصحاب الشجرة، وربيعة من أهل الصَّفّة، فلا يضرهما
انفراد راوٍ واحدٍ عن كلٌّ منهما، وسيأتي في ((النوع السابع والأربعين)) أنّ ابن عبد
البر (قال: كل من) (٢) لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو عندهم مجهول، إلاَّ أن
يكون مشهوراً في غير حمل العلم؛ كاشتهار مالك بن دينار بالزهد، وعَمْرو بن
معدي كرب بالنجدة.
فشهرة مرداس وربيعة بالصحبة أكد في (النقل)(٣) من اشتهار مالك وعَمْرو،
وقد ذكر أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدّمشقي في ((جُزْءٍ له أجاب فيه على
اعتراضات الدارقطني على كتاب مسلم)) فقال: لا أعلم روى عن أبي علي عَمْرو
بن مالك الجَنْبي أحدًا غير أبي هانئ، قال: وبرواية أبي هانئ وحده لا يرتفع عنه
اسم الجهالة إلاَّ أن يكون معروفًا في قبيلته أو يروي عنه أحد معروف مع أبي هانئ
فیرتفع عنه اسم الجهالة .
وأيضًا: فلا نسلم انفراد قيس بمرداس، ولا انفراد أبي سلمة بربيعة، كما قاله
(١) تحرف في خط إلى: ((المعزوات))، ومن أول قوله: (( .. بذكره في الغزوات ... )) وحتى المسألة التاسعة
(رواية المبتدع)) ساقط من ع.
(٢) في خط: ((وإن كان)) كذا، والتصويب من خط، وش، وع فيما سيأتي إن شاء الله تعالى في ((النوع
السابع والأربعين)).
(٣) في خط: ((بالنقد)» بالدال المهملة.

٢٥٢
النوع الثالث والعشرون
المصنّف، وتَبِعَهُ النووي.
وهما قد تابعا أبا عبد الله الحاكم، والحاكم تبع مسلمًا في كتاب ((الوحدان))
لمسلم، وليس بجيد، فقد روى عن ربيعة أيضًا: نعيم بن عبد الله المجمّر،
وحنظلة بن علي، وأبو عمران الجوني، وذكر (المزّي)(١) أنه روى عنه أيضًا محمد
ابن عَمْرو بن عطاء، وليس ذلك بصحيح، إنّما روى محمد بن عَمْرو عن نعيم
المجمّر عنه، كذا رواه أحمد في ((مسنده)) والطبراني في ((معجمه الكبير)).
اللهم إلاّ أن يكون محمد بن عَمْرو قد أرسل عنه وأسقط نُعيمًا .
وأما مِرْداس؛ فقال (المِزّي)(١) في ((التهذيب)): إنّه روي عنه أيضًا: زياد بن
علاقة، وتبعه الذهبي في ((مختصره)) وهو وَهْمٌ منهما، من حيثُ أنّ الذي روي
عنه زياد إنّما هو مرداس بن عروة، صحابي آخر، والذي يروي عنه قيس: مِرْداس
ابن مالك الأسلمي، ليس في ذلك خلاف، ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير))،
وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، وابن حبان في ((الصحابة))، وأبو عبد الله
ابن مندة في ((معرفة الصحابة))، والطبراني في ((الكبير))، وابن عبد البر في
((الاستيعاب))، وابن قانع في معجم الصحابة)) وغيرهم.
وإذا مشينا على ماقاله النووي: إنّ هذا لا يؤثّر في الصحابة، فينبغي أن يمثّل بمن
خرّج له البخاري أو مسلم من غير الصحابة، فلم یرو عنه إلا راو واحد.
فمنهم عند البخاري: جويرية بن قدامة؛ تفَّرد عنه (أبو جمرة)(٢) نصر بن
عمران الضّبعي.
وزياد بن رباح المدني؛ تفرد عنه مالك.
والوليد بن عبد الرحمن (الجارودي)(٣)؛ تفردَ عنه ابنه المنذر بن الوليد.
(١) في خط: ((المزني)).
(٢) هكذا في ((التهذيب))، وغيره، وفي خط: ((أبو حمزة)) بالمهملة والزاي.
(٣) هكذا في ((التهذيب)) و((الثقات))، وفي خط: ((الجاروردي)).

٢٥٣
= معرفة من تقبل روايته
ومن ذلك عند مسلم: جابر بن إسماعيل الحضرمي؛ تفَّرد عنه عبد الله بن وهب.
وخباب صاحب المقصورة ؛ تفرَّد عنه عامر بن سعد.(١)
قال: التاسعة: اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا یکفُر في بدعته، فمنهم من
ردَّ روايته مطلقًا، لأنه فاسقٌ ببدعته، وكما استوى في الكفر المتأوِّل وَغير المتأْوِّل،
يستويٍ في الفسقِ المتأوِّل وغير المتأَوِّل. ومنهم من قَبَلِّ روايةَ المبتدع إذا لم يكُن ممن
يستحلّ الكذبَ في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه، سواء كان داعيًا إلى بدعته أو لم
يكن. وعزا بعضهم هذا إلى ((الشافعي)) لقوله: ((أقبلُ شهادة أهل الأهواء إلا
الخطابيَّة من الرافضة؛ لأنهم يَرَوْنَ الشهادةَ بالزورِ لموافقيهم)).
وقال قوم: تُقَبلُ روايته إذا لم يكن داعية، ولا تقبل إذا كان داعية إلى بدعته.
وهذا مذهب الكثيرِ أو الأكثرِ من العلماء.
وحكى(( بعضُ أصحاب ((الشافعي)) رضي الله عنه، خلافًا بين أصحابه في قبول
روايةِ المبتدعِ إذا لم يدعُ إلى بدعته، وقال: ((أما إذا كان داعيةً فلا خلافَ بينهم في
عدم قبول روایتها.
وقال ((ابنُ حبَّانَ))، أحدُ المصنفين من أئمة الحديث: ((الداعيةُ إلى البدَع لا يجوز
الاحتجاجُ به عند أئمتنا قاطبةً، لا أعلمُ بينهم فيه خلافًا)).
وهذا المذهبُ الثالثُ أعْدَلُها وأوْلاها، والأولُ بعيدٌ (مباعدٌ)(٢) للشائعِ عن أئمةٍ
الحديث. فإنَّ كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة وفي (الصحيحين) كثيرٌ
من أحاديثھم في الشواهد و الأصول. انتھی
المبتدع الذي لا نكفره ببدعته فيه أربعة أقوال، حكى منها ثلاثة، والرابع: أنّه
تُقبل أخباره مطلقًا، وإنْ كان كافراً أوفاسقًا بالتأويل، حكاه الخطيب عن جماعة
من أهل النقل والمتكلمين.
وفي ((تاريخ نيسابور)) للحاكم: (أنّ كتاب مسلم ثلاث من الشيعة)(٣).
(١) نهاية السقط في ع.
(٢) هكذا في ش وع، وفي خط: ((متباعد)).
(٣) كذا في خط، ووضع الناسخ علامة الاستشكال على ((أن))، وفي ع: ((أنّ كتاب مسلم ملئان من الشيعة))؛
وهذا الصواب، ففي كتاب مسلم جماعة من الشيعة أكثر من ثلاثة؛ والله أعلم.

٢٥٤
النوع الثالث والعشرون
ولم يحك المصنِّف خلافًا فيما إذا كفرناه ببدعته كالمجسّمة - إنْ قلنا بتكفيرهم -
وقد حكاه الأصوليون، فردّ القاضي أبوبكر روايته مطلقًا كالكافر المخالف والمسلم
الفاسق، ونقله الآمدي عن الأكثرين، وبه جزم ابن الحاجب، وقال في
(المحصول)): الحق أنه إن اعتقدَ حرمة الكذب قبلنا روايته وإلا فلا،، لأن اعتقاد
حرمة الكذب (ينفه)(١) عنه.
(قوله): وعزا بعضهم هذا إلى الشافعيّ؛ المراد ببعضهم: الخطيب أبو بكر،
ذكره في كتابه ((الكفاية)).
وماحكاه عن ابن حبان من الاتِّفاق على أنه لا يجوز الاحتجاج بالداعية، ينفي
الخلاف في المسألة، لأنه نقل عنه أيضًا الاتفاق على الاحتجاج بغير الداعية، فإنه
قال في ((تاريخ الثقات)) في ترجمة ((جعفر بن سليمان الضبعي)): ((ليس بين أهل
الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها
أنَّ الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إلى بدعته؛ سقط الاحتجاج بأخباره)) .
وفيما حكاه ابن حبان من الاتّفاق نظر، فإنه رُوي عن مالك ردّ روايتهم مطلقًا،
كما قاله الخطيب في ((الكفاية)).
(واعتُرِضَ) على قوله: وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم، أي من أحاديث
المبتدعة، في الشواهد والأصول، أي لافي الاحتجاج(٢)، وقد احتجَّ البخاري
بعمران بن حطّان وهو من دعاة الشراة، واحتجّ الشيخان بعبد الحميد بن عبد
الرحمن الحمّاني، وكان داعيةً إلى الإرجاء.
(وَرُدَّ) بما قاله أبو داود: إنه ليس في أهل الأهواء أصحّ حديثا من الخوارج، ثم
ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج.
وأيضًا: فمسلم لم يحتج بعبد الحميد، وإنما أخرج له في المقدمة، وقد وثقه
ابن معين.
قال: العاشرة: التائبُ من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق،
تُقْبَلُ روايتُه، إلا التائبَ من الكذبِ مَتَعمِّدًا في حديث رسول الله وَّةِ، فإنه لا تُقْبلُ
(١) في خط: ((عنفه)) بالمهملة في أوله - خطأ.
(٢) كذا، وهذا ينافي كونها في الأصول، ولا اعترض.

٢٥٥
معرفة من تقبل روايته
=
روايتُه أبدًا وإن حسُنتْ توبته، على ماذُكرَ عن غير واحد من أهلِ العلم، منهم:
(«أحمدُ بن حنبل، وأبو بكر الحميدي: شيخُ البخاري)).
وأطلقَ ((الإمامُ أبو بكر الصيرفي الشافعي)) فيما وَجَدْتُ له في (شرحه لرسالة
الشافعي)، فقال: ((كلّ من أسقطنا خبرَه من أهلِ النقلِ بكذب وجدناه عليه، لم نَعُدْ
لقبوله بتوبة تظهرُ. ومَنْ ضعَّفنا نقلَه لم نجعله قويًّا بعدَ ذلك(٢(فذكر)(١) أنَّ ذلك مما
افتَرَقَّتْ فيه الروايه والشهادةُ.
وذكر الإمام ((أبو المظفر السمعاني المروزي)): ((أنّ من كذبَ في خبر واحد
وجبَ إسقاط ما تقدم من حديثه)) وهذا يضاهي من حيثُ المعنى ماذكرهً
ـو
«الصیرفي)). انتھی
(اعترض) على قوله: وأطلقَ الصَّيرفي؛ أَيْ فلم يقيّد الكذب بكونه في
الحديث أو في غيره، والظاهر أنَّ الصيرفي إِنّما أراد الكذب في الحديث، بدليل
قوله: من أهل النقل، وقد قيَّده بالمحدِّث في كتابه: ((الدلائل والاعلام))(٢)
(١) هكذا في خط، وفي ش وع: ((وذكر)).
(٢) كذا، وهو في ((الفهرست للنديم)» (ص/ ٢٦٧) باسم: ((البيان في دلائل الاعلام على اصول الاحكام))،
ومثله عند الزركلي في ((الأعلام)) (٩٦/٧) وزاد: ((في أصول الفقه».
وذكره كحالة في ((معجم المؤلفين)) (١٠/ ٢٢٠) باسم: ((دلائل الاعلام على أصول الأحكام في أصول الفقه)).
وذكره حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١/ ٨٧٣) فقال: ((رسالة الشافعي في الفقه ... تنافسوا في
شرحها؛ فشرحها .... ، وأبو بكر (محمد بن عبد الله) الصيرفي المتوفى سنة ٣٣٠، واسمه: دلائل
الاعلام؛ ذكره في شرح الألفية)).
كذا قال؛ والسياق هنا يقتضي أن ((الدلائل)) غير ((شرح الرسالة))؛ وهو الصواب، فقد ورد ذكر الكتابَيْن في
المصادر السابقة، وهذا ظاهر من كلام ابن الصلاح، وشرحه.
واقتصر النووي في ((الأسماء واللغات))، والسبكي والإسنوي في ((طبقات الشافعية))، وابن العماد في
((الشذرات)) على ((شرح الرسالة)) دون ((الدلائل)).
ولم أر من تعرَّض لضبط همزة ((الاعلام))، وقد وردت في كتاب العراقي بالفتح، وفي كتاب الزركلي
بالكسر؛ والله أعلم.

٢٥٦
النوع الثالث والعشرون ==
فقال: وليس (يطعن)(١) على المحدِّث إلاَّ أن يقول: تعمّدت الكذب، فهو كاذب
في الأول، ولا يقبل خبره بعد ذلك.
قال: الحادية عشرة: إذا روى ثقةٌ (عن ثقة)(٢) ورُوجعَ المروِيَّ عنه فَتَفاه، فالمختارُ
أنه إنْ كان جازمًا بنفيه بأن قال: مارويته، أو: كذب على، أونحو ذلك؛ فقد
تعارَضَ الجَزْمانِ، والجَاحِدُ هو الأصلُ فوجَبَ ردُّ حديث فَرْعه ذلك؛ثم لا يكونُ
ذلك جرحًا له يُوجبُ ردَّ باقي حديثه، لأنه مكذِّبٌ لشيخَه أيضًا في ذلك، وليس
قبولُ جرحٍ شيخِه له، بأوْلى من قبول جرحِه لشيخه، فتساقَطًا.
أما إذا قال المرويّ عنه: لا أعرفه أو: لا أذكره، أو نحو ذلك، فذلك لا يوجبُ
ءِ
ردًّ رواية الراوي عنه.
ومن روَى حديثًا ثم نَسيه، لم يكُن ذلك مُسْقطًا للعمل به عند جمهور أهل
الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين، خلافًا لَقوم من أصحاب ((أبي حنيفة))
صاروا إلى إسقاطه بذلك، وبنوا عليه ردهم حديث سليمان بن موسى، عن
الزهري، عن عروة عن عائشة عن رسولِ الله وَل ـ: ((إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها
فنكاحها باطل)) ... الحديث، من أجل أنَّ (ابنَ جُرَيَج)) قال: ((لقيتُ الزهريَّ فسألتُه
عن هذا الحديث فلم يعرفْه((. وكذا حَديثَ ربيعة (الرأي)(٣) عن سهِيل بنِ أبي
صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((أن النبي ◌َِّ، قضىَ بشاهد وَيمين)) فإنّ عبد العزيز
ابن محمد الدراوَرْدي قال: ((لقيتُ سُهَیلاً فسألتُه عنه فلم يعرفه)».
والصحيحُ ما عليه الجمهورُ. لأن المرويَّ عنه بصدد السهْوِ و النسيانِ، والراوي
عنه ثقةٌ جازم، فلا تُرَدُّ بالاحتمال روايته. ولهذا كانَ ((سُهَيَلٌ) بعد ذلك يقولُ:
((حدثني ربيعةُ عنّي، عن أَبي)) (٤)؛ وَيسوقُ الحديثَ.
وقد روَى كثيرٌ من الأكابرِ أحاديثَ نسَوها بعدما حُدُِّوا بها عن مَنْ سَمِعها
(١) هكذا في ع، وفي خط: ((نطعن)).
(٢) هكذا في خط وع، وليس في ش
(٣) هكذا في ش وع، وفي خط: ((الراوي)).
(٤) هكذا في ش وع، و ((الكفاية)) (ص/ ٥٤٣)، وفي خط ((حدثني ربيعة عنّي أني))، وراجع: ((تحفة
الأشراف» (٩ / ٤٠١).

٢٥٧
= معرفة من تقبل روايته
و
منهم، فكان أحدُهم يقولُ: حدَّثني فلانٌ عنِّي عن فلان بكذا وكذا. وجَمع ((الحافظُ
الخطيبُ)) ذلك في كتاب (أخبار من حَدَّث ونَسي).
ولأجل أنَّ الإنسانَ معرَّضٌ للنسيان، كَره مَنْ كَره من العلماء الروايةَ عن
((الأحياء)) منهم الشافعيّ قال لابن عبد الحكم: ((إياك والرواية عن الأحياء)). انتهى
حديث سليمان بن موسى: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من رواية
سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا .
وذكر الترمذي أنَّ بعض أهل الحديث ضعّفَه من أَجْل أنَّ ابن جُريجٍ قال: ثم
لقيتُ الزهري فسألتُه فأنكرَه انتهى.
ولم يصح إنكار الزهري له، فقد (ذكره)(١) الترمذي بعده عن ابن معين أنه لم
يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلّ إسماعيل بن إبراهيم.
قال: وسماعه عن ابن جريج ليس بذاك، إنما صحّح كتبه على كتب عبد المجيد
ابن عبد العزيز بن أبي روّاد، ماسمع من ابن جريج، وضعَّفَ يحيى رواية
إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج.
(واعترض) بعضهم علي قول المصنّف: فلم يعرفه؛ والرِّواية: فأنكره كماسبق.
(ورُدَّ) بأن المعروف ماذكره المصنِّف كما وقع في ((سؤالات عباس الدوري عن
ابن معين))، وفي ((العلل)) لأحمد، وفي البيهقي بسند صحيح إلى أبي حاتم الرازي
قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول - وذكر عنده أنّ ابن عُلَيّة يذكر حديث ابن
جريج ((لانكاح إلاَّ بوليّ)) قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه،
(١) هكذا في خط، والحديث عند الترمذي (١٣٤٣)، ولم يذكر قصة النسيان، وراجع ((تحفة الأشراف)) (٩/
٤٠١)، والقصة في سنن أبي داود والأم للشافعي والإرشاد للخليلي والكفاية للخطيب والعلل للدارقطني
والمعرفة للبيهقي، وقال عقبه (١٤/ ٢٩٠): ((وقد يَنْسى المحدِّثُ حديثه فلا يقدح ذلك في سماع مَن سمعه منه
قبل النسيان» .
وراجع ((المعرفة)) أيضًا (١٠/ ٣١).

٢٥٨
النوع الثالث والعشرون
وأثنى على سليمان بن موسي - (فقال)(١) أحمد: إن ابن جريج له كتب مدوّنة
وليس هذا في كتبه، يعني: حكاية ابن علية عن ابن جريج(٢).
(١) هكذا في ع، وفي خط: ((وقال))، وراجع ((السنن الكبرى)) (٧/ ١٠٦) و((المعرفة)) (٣١/١٠) كلاهما
للبيهقي، وكذلك: ((علل ابن أبي حاتم)) (١/ ٤٠٨) (١٢٢٤).
(٢) اعلم - رحمك الله - أن الإعلال بعدم وجود الحديث أو القول في مصنّفات الشيخ المروي عنه منهج
للأئمة رحمهم الله تعالى وفي كلامهم أمثلة لا تخفى منها:
* ما ذكر هنا عن الإمام أحمد رحمه الله .
* وفي ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم (١/ ٣٢) (٦٠): ((سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة عن سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة عن حسان بن بلال عن عمار عن النبي ◌َّ في تخليل اللحية.
قال أبي: لم يحدِّث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبي عروبة.
قلت: صحيح؟ قال: لوكان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا
الحديث. [سماعًا] وهذا أيضًا مما يوهّنه))اهـ.
وزيادة [سماعًا] ليست في ((العلل)) المطبوع لكنها متعينة.
* وفي علل الرازي أيضًا (١/ ١٧٠) (٤٨٧) ذكر بعض الأحاديث عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن
يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ◌ُّر، ورواه من وجه آخر عن ابن أبي العشرين عن
الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة ثم قال: ((قلت لأبي فأيهما أشبه عندك؟ قال: جميعًا
منكرين (كذا) ليس لواحد منهما معنى. قلت: لم؟ قال: لأن حديث ابن أبي العشرين لم يرو أحد سواه.
وکان الوليد صنَّف كتاب الصلاة وليس فيه هذا الحديث)) اهـ.
* وفي علل الرازي أيضًا (١/ ١٤٣ - ١٤٤) (٤٠٠) قال ابن أبي حاتم: ((سمعت أبي وذكر حديث إبراهيم
ابن سليمان بن إسماعيل المؤدب عن هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج عن جده رافع عن النبي ◌َّ أنه
قال لبلال: نوّر بالفجر قدر مايبصر القوم مواقع نبلهم.
قال أبي: روى أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث عن أبي نعيم عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن هرير
ابن عبد الرحمن عن جده عن النبي صل﴾.
قال أبي: وسمعنا من أبي نعيم كتاب إبراهيم بن إسماعيل الكتاب كله فلم يكن لهذا الحديث فيه ذكر، وقد
حدثنا غير واحد عن أبي إسماعيل المؤدب.
=

٢٥٩
معرفة من تقبل روايته
= قلت لأبي: الخطأ من أبي نُعيم أو من أبي بكر بن أبي شيبة؟
قال: أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر إما محمد بن يحيى أو غيره فعلى هذا يدل أن الخطأ من أبي نعيم، يعني
أن أبا نعيم أراد أبا إسماعيل المؤدب وغلط في نسبته وَنَسَبَ إبراهيم بن سليمان إلى إبراهيم بن إسماعيل بن
مجمع) اهـ.
* وفي ((شرح العلل)) لابن رجب (٢ / ٥٩٥ - ٥٩٦ - ط: عتر): ((إبراهيم بن سعد الزهري ..... قال
أحمد: (كان يحدث من حفظه فيخطىء، وفي كتابه الصواب). وقد تكلّم فيه يحيى القطان، روى من حفظه
أحاديث أُنكرت عليه منها .... (الأئمة من قريش) وسُئل أحمد عنه فقال: ليس هذا في كتب إبراهيم، لا
ينبغي أن یکون له أصل)اهـ.
* وفي ((علل الأحاديث التي في كتاب الصحيح لمسلم)) تصنيف ابن عمار (ص/ ١٠٩).
قال: ((ووجدت فيه - [أي في صحيح مسلم] - عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة عن النبي وَّ قال: (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر) وروى بهذا الإسناد أيضًا عن النبي
وَله : (نِعْم الإدام الخلّ).
حدثنا أحمد بن محمد بن القاسم الفسوى حدثنا أحمد بن سفيان حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن
حسان بهذين الحديثين. قال أحمد بن صالح: نظرتُ في كتب سليمان بن بلال فلم أجد لهذين الحديثين
أصلاً .
قال أحمد بن صالح: وحدثني ابن أبي أويس قال: حدثني ابن أبي الزناد عن هشام عن رجل من الأنصار أن
رسول الله ◌َ* سأل قومًا: (ما إِدامكم؟) قالوا: الخل. قال: (نِعْم الإدام الخلّ)اهـ.
* وأورد ابن عدي رحمه الله حديث: ((ما أحسن الله خلق رجل وخُلُقه فأطعمه النار)) في ترجمة ((الحسن بن
علي بن صالح بن زكريا بن يحيى)) (٢/ ٧٥١) من طريق الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر عن عمر
مرفوعًا ثم قال: ((وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد، وعندنا نسخة الليث عن نافع عن ابن عمر عن غير واحد
عن الليث، وما فيه شيء من هذا))اهـ.
* وأورد حديث: ((يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما)) من طريق الحسن بن علي بن صالح ثنا هدية ثنا
همام عن ثابت عن أنس ... الحديث.
ثم قال: ((وهذا حديث يحدث به عفان وحبان ومحمد بن سنان عن همام فألزقه العدوى - [وهو الحسن بن
علي بن صالح] - على هُدبة، وليس الحديث عند هدية، وعندنا نسخة همام من رواية هدية عنه عن جماعة
شيوخ وليس فيه هذا الحديث))اهـ.
=

•
٢٦٠
النوع الثالث والعشرون ==
= * وفي ((المعرفة)) للفسوى (١ / ٤٢٨): وحدثني الفضل قال سمعت أبا عبد الله وذكر له هشام عن أبيه عن
عائشة: كان يستعذب النبي وَّ الماء من بيوت السقا.
فقال: ((ما رواه إلاّ الدراوردي ولم يكن في أصل كتابه)اهـ.
* وفي ((السِّير)) للذهبي (١٥/ ٥٠٤): ((قال الدارقطني: حدَّث النجاد من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله))
وهذا النص ذكره الخطيب البغدادي أيضًا في ((تاريخ بغداد)) (٤/ ١٩١) وانظر: ((التنكيل)) للمعلِّمي اليماني
رحمه الله تعالى (١ / ١١٠).
* وفي تاريخ الدوري (٤٢٩٨) قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد قال:
ليس الدَّرن من الدين في شيء؟ قال يحيى: لم نسمع هذا إلاّ من الثقفي. قال يحيى: ولم يكن هذا في
كتاب الثقفي)) اهـ.
* وفي سنن الدارقطني (٣/ ١٥٣): ((نا حمزة بن القاسم الهاشمي نا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد
الله أحمد بن حنبل في حديث عبد الرزاق في حديث أبي هريرة: والنار جبار، ليس بشيء، لم يكن في
الكتب، باطل ليس هو بصحيح) اهـ.
* والأمثلة على هذا الأصل كثيرة مشهورة في كتب أهل الحديث رحمهم الله.
* وقد تخرج بعض أشياء من هذا الأصل لقرائن تحتف بها، كما أنكر ابن معين حديث عبيد الله بن معاذ عن
شعبة في كون ((قل هو الله أحد ثلث القرآن)) مع اطلاعه - يعني ابن معين - عليه في أصل كتاب معاذ لكن
وجدت قرائن أخرى لإعلال الحديث رغم وجوده في أصل معاذ فأنكره ابن معين على عبيد الله، وراجع له:
((حديث السِّنة من التابعين)) للخطيب رحمه الله (ط: مكتبة السنة / بتحقيقي).
* وأنكر ابن معين رحمه الله تعالى بعض الأحاديث لم تكن في كتب إسحاق الأزرق فقال أبو حاتم الرازي
[كما في علل ابنه ١/ ١٣٦ (٣٧٨)]: «هو عندي صحيح وحدثنا به أحمد بن حنبل رحمه الله بالحديثين
جميعًا عن إسحاق الأزرق)) قال ابن أبي حاتم: ((قلت لأبي: فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده؟
قال: كيف نظر في كتابه (في ((العلل)): كتبه - كذا) كله؟ إنما نظر في بعض وربما كان في موضع آخر)اهـ.
والذي دفع أبا حاتم رحمه الله إلى هذا المسلك: إمامة أحمد رحمه الله، أضف إليه أنه لم يُعلم عن إسحاق أنه
كان يحدث بما ليس في كتبه، وإلاَّ لو كان يحدّث بما ليس في كتبه لاتجه الطعن إليه كما سبق في قول
الدارقطني عن النجاد، وقوله أيضًا عن أحمد بن كامل بن خلف: ((كان متساهلاً، وربما حدث من حفظه بما
ليس عنده في كتابه)) اهـ. كما في تاريخ بغداد (٤/ ٣٥٨).
* وفي الكامل لابن عدي رحمه الله (ص/ ٧٧٧) ترجمة ((حسين بن حميد بن الربيع الخزاز الكوفي)) =