Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ معرفة المدرج في الحديث (فرّقهما)(١)، والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، كلهم عن عاصم. وقال فيه: ((ثم (جئتهم)(٢) بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب)). قال موسى بن هارون الحمّال: وذلك عندنا وهم، فقوله: (ثم جئت)) ليس هو بهذا الإسناد، وإنما أدرج عليه، وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل. وهكذا رواه مبينًا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد فميّزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصلاها من الحديث، وذكرا إسنادها كما ذكرناه. قال الحمّال: وهذه رواية مضبوطة، اتفق عليها زهير وشجاع فهما أثبت ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل. قال المصنّف: وهو الصواب. قوله: ((لا تنافسوا)) أَدْرَجَهُ ابنُ أبي مريم في متن حديث آخر وهو («إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ... إلى آخره)). فكلا الحديثين متفق عليه من طريق مالك، وليس في الأولى (ولا تنافسوا)) وهي في الحديث الثاني، والحديثان عند رواة ((الموطأ)). قال الخطيب: وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك عن ابن شهاب وإنما يرويها مالكٌ في حديثه عن أبي الزناد. وحديث: ((أي الذنب أعظم)) رواه الترمذي عن بُنْدار عن عبد الرحمن، وكذا رواه محمد بن كثير العبدي عن سفيان، ورواية واصل مدرجة على رواية منصور والأعمش، لأن واصلاً لم يذكر فيه عَمْرًا بل جعله عن أبي وائل عن عبد الله، كذا رواه شعبة وغيره عن واصل كما ذكره الخطيب. (١) في خط: «فوقهما)). (٢) في سنن أبي داود (٧٢٧): ((جئت)) والمصنف يسوق المتن من رواية زائدة عند أبي داود. ٢٢٢ النوع العشرون وقد بيَّن الإسنادين معًا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان وفصل أحدهما من الآخر، رواه البخاري في ((صحيحه)) في كتاب ((المحاربين)) عن عَمْرو بن علي عن يحيى عن سفيان عن منصور والأعمش، كلاهما، عن أبي وائل عن عَمْرو عن عبد الله، وعن سفيان عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله، من غير ذکر عَمْرو بن شرحبیل. قال عمرو بن علي: فذكرته لعبد الرحمن وكان حدثنا عن سفيان عن الأعمش ومنصور وواصل عن أبي وائل عن أبي ميسرة يعني عَمْرًا فقال: دعه دعه. لكن رواه النسائي في ((المحاربة)) عن واصل - وحده - عن أبي وائل عن (عَمْرو)(١) فزاد في السند عَمْراً من غير ذكر أحد أدرج عليه رواية واصل. وكأنَّ ابن مهدي لما حدَّثَ به عن سفيان عن منصور والأعمش وواصل بإسناد واحد ظَنَّ الرواة عن ابن مهدي اتّفاق طرقهم، فربما اقتصر أحدهم على بعض شيوخ سفيان. ولهذا لا ينبغي لمن يروي حديثًا بسندٍ فيه جماعة في طبقة واحدة مجتمعين في الرواية عن شيخ واحد أن يحذف بعضهم، أن يكون اللفظ في السند أو المتن لأحدهم وحمل رواية الباقين عليه، فربما كان من حذفه هو ( .... )(٢) اللفظ كما سيأتي. (١) هكذا في سنن النسائي (٤٠٢٤)، وفي خط: ((عمر)). (٢) هكذا السياق في خط، ووضع الناسخ علامة الإلحاق ولم يكتب شيئًا في الحاشية، وكأنه سها عن ذلك، والظاهر أن المراد (( .. هو (صاحب) اللفظ .. )) أو (( ... (راوي) ... )). والله أعلم. ٢٢٣ النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع وهو المختلق المصنوع (الحديثُ)(١) الموضوع شَرُّ الأحاديث الضعيفة ولا تَحِلُّ روايته لأحدٍ عَلِمَ حالَه في أيِّ معنىّ كان، إلا مقرونًا ببيان وضعهِ. بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن، حیث جاز روايتها في الترغيب والترهيب، على ما نبينُه قريبًا إن شاء الله تعالى. وإنما يُعرف كونُ الحديث موضوعًا بإقرار واضعه، أو ما يتنزَّلُ منزلةَ إقراره. وقد يفهمون الوضعَ منَ قرينةِ حالِ الراوي أو المرَوَيِّ، فقد وُضِعَتْ أحاديثُ طويلةٌ يشهدُ بوضعها ركاكةُ ألفاظها ومعانيها. ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر (الموضوعات) في نحو مُجلَّدين، فأودعَ فيها كثيراً مما لا دليل على وضعه، وإنما حقه أن يُذكَر في مُطلَق الأحاديث الضعيفة. والواضعون للحديث أصنافٌ، وأعظمُهم ضررًا قومٌ من المنسوبين إلى الزهد وضعوا (الحديث)(٢) احتسابًا فيما زعموا، فتقبّل الناسُ موضوعاتهم ثقةً منهم بهم وركونًا إليهم. ثم نهضت جهابذةُ الحديث بكشف عَوارها ومَحْو عارها والحمد لله. وفيما روينا عن ((الإمام أبي بكر السمعاني)) أن بعض الكَرَّامية ذهب إلى (١) في ش وع: ((اعلم أن الحديث ... )). (٢) هكذا في خط وع، وفي ش: ((الأحاديث)). ٢٢٤ النوع الحادي العشرون (جواز)(١) وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب. ثم إن الواضع ربما وضع كلامًا من عند نفسه فرواه، وربما أخذ كلامًا لبعض الحكماء أو غيرهم، فوضعه على رسول الله چ. وربما غلط غالطٌ فوقع في شبْهِ الوضع من غیر تعمّد، کما وقع لثابت بن موسى وُ الزاهد، في حديثُ: ((من كثُرتَ صَلاتُه بالليل حَسُن وجَّهُه بالنهار)). مثال: روينا عن أبي عصمةَ، وهو نوح بن أبي مريم، أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورة؟ فقال: ((إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعتُ هذه الأحاديثَ حسْبةً )). وهكذا حالُ الحديث الطويل الذي يُروَى عن ((أَبِيِّ بن كعبٍ)) عن النبيِّ، في فضل القرآن سورةً سورة. بحثَ باحثٌ عن مَخْرَجه، حتى انتهى إلى مَن اعترف بأنهُ وجماعة وضعوه. وإنَّ أثَرَ الوضْعِ لَبِيِّنٌّ عليه. وَلقد أخطأ ((الواحديِّ المفَسِّرِ)) ومَنْ ذكره من المفسّرين، في إيداعِهِ تفاسيرهم. انتهى. اعتُرض عليه؛ بأنه جعل أرذل أقسام الحديث الضعيف ما فُقْدَتْ فيه صفات الصحيح والحسن، كذا ذكره في قسم الضعيف، وقال هنا: أشرها الموضوع، وحمل كلامه هناك على ما عدا الموضوع، إلاَّ أن يريد بفَقْد ثقة الراوي أن يكون كذّابًا، مع أنه لا يلزم من كونه كذابًا أن يكون الحديث موضوعًا(٢)، إلاَّ أن يعترف بوضع هذا الحديث بعينه، مع أن ابن دقيق العيد استشكل إقرار الواضع بالوضع، لأنه فاسق بالوضع، وليس قوله ثانيًا بأولى من قوله أولاً . (١) هكذا في ش وع، وفي خط ((حوالي)). (٢) قال صاحبنا أبو يحيى الحدَّاد الإِبراهِيميّ حفظه الله: ((ليس من شرط الحكم على الحديث بالوضع أن يكون فيه رجل وضاع، بل الحكم على الحديث بالوضع من أئمة النقد حتى على أحاديث الثقات، كأن يكون مما أُدْخل عليهم أو لقنوه أو شُبِّه عليهم أو ... ، وعندك ((علل الرازي)) فانظرها، وانظر مقدمة المعلمي على (الفوائد)) للشوكاني، وبعض تعليقات المعلمي رحمه الله. أبو يحيى)) اهـ. 1 ٢٢٥ معرفة الموضوع وهو المختلق المصنوع قال: لكن هذا كاف في ردّه ولا يقطع بكونه موضوعًا لجواز كذبه في إقراره بالوضع . وأشار بقوله: ولقد أكثر الذي جمع؛ إلى ((موضوعات)) ابن الجوزي. قوله: والواضعون أصناف. انتهى. فمنهم ضرب من الزنادقة يضعون ليضّلوا به الناس كعبد الكريم بن أبي العوجاء الذي أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي. وكبيان الذي قتله خالد (القَسْرِيّ)(١)، وحرقه بالنار. قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة على رسول الله وَل أربعة عشر ألف حديث. وضرب يفعلونه انتصارًا لمذهبهم كالخطّابّة والرافضة وقوم من السالمية. وضرب (يتقربون)(٢) لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وآرائهم كغياث بن إبراهيم حيث وضع للمهدي في حديث: ((لا سبق إلاّ في نصل أو خف أو حافر)) فزاد فيه ((أو جناح)) وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام، فتركها بعد ذلك وأمر بذبحها وقال: أنا حملته على ذلك. وضرب كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون في قصصهم كأبي سعد المدائني. وضرب امتحنوا بأولادهم أو ورّاقين فوضعوا لهم أحاديث ودسّوها عليهم فحدّثوا بها من غير أن يشعروا كعبد الله بن محمد بن ربيعة القُدَامِي . وضرب يلجأون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم فيضعون كما نُقِلَ عن أبي الخطّاب بن دحية إن ثبتَ عنه. وضرب يقلبون سند الحديث ليستغرب فيرغب سماعه منهم كما سيأتي في المقلوب . وضرب يتديّنُون بذلك كما ذكره المصنّف. قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث. (١) هكذا في ((الأنساب))، وفي خط: ((القشيري))، وبيان المذكور له ترجمة في ((لسان الميزان)). (٢) في خط: ((يقربون)). ٢٢٦ النوع الحادي العشرون أي: الصالحين الذين لا علم عندهم أو يحسنون ظنهم بالناس لسلامة صدورهم فيقعون في ذلك. وقال سفيان: ما ستر الله أحدًا يكذب الحديث، وعن عبد الرحمن بن مهدي: لو أن رجلاً هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. وعن ابن المبارك: لو همَّ رجل في البحر أن يكذب الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذّاب. فقيل له: فهذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ . وعن القاسم بن محمد: إن الله أعاننا على الكذّابين بالنسيان. وذكر المصنّف حديث ثابت بن موسى، وحديث أبي عصمة، وحديث أُبيّ. فأما حديث ثابت الذي جعله المصنّف شبه الوضع: فرواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطَّلْحي عن ثابت بن موسى الزّاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعًا: ((من كَثُرَتْ صلاته بالليل حسُن وجهُهُ بالنهار)). قال أبو حاتم الرازي: كتبته عن ثابت فذكرته لابن نمير فقال: لا بأس به والحديث منكر. وقال أبو حاتم: موضوع. وقال الحاكم: دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبد الله القاضي والمستملي(١) بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله وَّه، ولم يذكر المتن، فلمَّا نظر إلى ثابت قال: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) وإنما أراد ثابتًا لزهده وورعه، فظنَّ ثابت أنه روى هذا الحديث مرفوعًا بهذا الإسناد، فكان ثابت يحدِّث به عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر . قال ابن حبان: وهذا قول شريك، قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم)) فأدرجه ثابت في الخبر، ثم (١) وضع الناسخ هنا علامة إلحاق ولم يكتب شيئًا في الحاشية، والسياق مستقيم، وهكذا هو في ع. ٢٢٧ معرفة الموضوع وهو المختلق المصنوع سرقه منه جماعة ضعفاء وحدّثوا به عن شريك. فعلى هذا هو من أقسام المدرج. وقال ابن عدي : حديث منكر لا يُعرف إلا بثابت وسرقة منه من الضعفاء: عبد الحميد بن بحر (١) وعبد الله بن شبرمة (الشّريكي)(٢) وإسحاق بن (بشر)(٣) الكاهلي وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسي (٤). قال: وحدثنا به بعض (الضعاف)(٥) عن (زَحْمُوْيَه)(٦) وكذب فإن (زَحْمُوْيَه)(٦) ثقة. (١) من خط، ومثله في ((المجروحين)) (١٤٢/٢)، و((الكامل)) (٥٢٦/٢)، و((المغني في الضعفاء)» للذهبي (رقم / ٣٤٨٣)، ووقع في ع: ((بحير)). ورواية عبد الحميد بن بحر عن شريك عند بن الجوزي في الموضوعات (١٠٩/٢). (٢) هكذا في خط وع، ومثله في ((الكامل)) (٥٢٦/٢) و((كشف الخفاء)) للعجلوني (٣٧٤/٢) (٢٥٨٧)، وهو غير ((عبد الله بن شبرمة، الضَّبِّي، الكوفي)) المترجم في ((التهذيب)) للمزي (٧٦/١٥)؛ فالضّبي أعلى رتبة وطبقة من هذا الذي يروي عن شريك، وهو أيضًا أرقى من أن يُضعّف أو يُنْسَب إلى سرقة الحديث. وقد فرَّق بينهما ابن حبان رحمه الله في ((ثقاته))؛ فذكر الضبيّ في ((أتباع التابعين)) (٧/ ٥ - ٦)، ثم تَرْجمَ للشّريكي فيمن روى عن («أتباع التابعين)) (٣٦٤/٨)، وتصرّف مصحح كتاب ابن حبان في أصل الكتاب فغيَّرَ مراد مصنِّفه رحمه الله. والشريكي هذا هو ابن عم شريك كما قال ابن عدي (٢٣٠٥/٦ - ترجمة: محمد ابن أحمد بن سهل) ورواية ابن شبرمة عن شريك عند أبي نعيم في ((أخبار أصبهان» (٣٥٨/١). (٣) من خط، ومثله في ((الموضوعات)) (١١١/١) و((الضعفاء)) (١٠٠/١) كلاهما لابن الجوزي، و((اللسان)) لابن حجر (٣٥٥/١)، وغيرهم، ووقع في ع: ((بسر) بالمهملة، وفي ((الكامل)): ((بشير)) بالمعجمة ومثناة قبل آخره. (٤) ذكر روايته ابن عدي في ترجمته من ((الكامل)) (٢٣٤٧/٦) وقال: ((وهذا حديث (ثابت بن موسى) عن شريك؛ سَرَقَهُ منه: موسى هذا مع جماعة ضعفاء)) اهـ (٥) هكذا في خط و ((الكامل))، وفي ع: ((الضعفاء)). والمراد ببعض الضعاف هنا: ((محمد بن أحمد بن سهل ..... الباهلي المؤدب))؛ راجع ترجمته من الكامل (٢٣٠٤/٦ - ٢٣٠٥). (٦) بالزاي المعجمة في أوله؛ هكذا ضبطه ابن ماكولا في ((الإكمال)) (١٧٩/٤)، وابن حجر في ((التبصير)) (٥٩٥/٢) و((نزهة الألباب)) (١٣٥٢)، واسمه: زكريا بن يحيى الواسطي، ووقع في خط وع بالمهملة في أوله، ومثله في مواضع من ((الكامل)) و ((الموضوعات)) وغيرهما. ٢٢٨ النوع الحادي العشرون == قال: وبلغني عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه ذكر له هذا الحديث عن ثابت فقال: باطل شبّه على ثابت، وذلك أن شريكًا كان مزاحًا ، وكان ثابت رجلاً صالحًا، فدخل على شريك وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي وَاخِلّه، فالتفتَ فرأى ثابتًا فقال يمازحه: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ، فظنّ ثابت - لغفلته - أن هذا الكلام الذي قاله شريك هو متن الإسناد الذي ذكره. وقال العقيلي: حديث باطل ليس له أصل ولا يتابعه عليه ثقة. وقال عبد الغني بن سعيد: كل من حدَّثَ به عن شريك فهو غير ثقة، وقال ابن معین: ثابت كذّاب. وأماحديث أبي عصمة المروزي قاضي مرو؛ فرواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي . قال أبو حاتم بن حبان: اسم أبي عصمة نوح الجامع، جمع كل شئ إلا الصدق. وأما حديث أُبَىّ؛ فرواه المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به، فقلت للشيخ: من حدَّثَك؟ قال: حدثني رجل بالمدائن، وهو حي، (فصرت)(١) إليه، فقلتُ: من حدثك؟ قال: شيخ بواسط، وهو حيّ، (فصرت)(٢) إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: ياشيخ: من حدَّثك؟ فقال: لم يحدثني أحد ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن. وقد أخطأ كل من أودع هذا الحديث تفسيره، فإن أبرز إسناده كالواحدي والثعلبي فعدده أبسط، إلاّ أنه لا يجوز السكوت عليه، وإن لم يبرزه وأورده بصيغة الجزم کالزمخشري فخطأه أفحش. وقوله: بحث باحث؛ هو المؤمل بن إسماعيل . (١) هكذا في خط، وفي ع: ((فسِرت)) بالسين المهملة. (٢) وقع في ع: ((فصرب)) بالموحدة. ٢٢٩ معرفة الموضوع وهو المختلق المصنوع وقوله: عن أبي بكر السمعاني، هو أبو بكر محمد بن منصور ، روي عنه أن بعض الكرامية جوز وضع الحديث فيما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، استدلوا بما في بعض طرق الحديث: ((من كذب علي متعمدا ليضل به الناس، فليتبوأ مقعده من النار)). وقيل: المراد: من كذب علىَّ فقال: إني ساحر أومجنون، وقال بعض المخذولين : إنما قال ((من كذب عليّ) ونحن نكذب له، ونقوي شرعه. نسأل الله السلامة من ذلك. وروى العقيلي بإسناده إلى محمد بن سعيد، كأنه المصلوب، قال: لا بأس إذا كان كلام حسن أن يصنع له إسنادًا» وحكى القرطبي عن بعض أهل الرأي: أن ما وافق القياس الجلي جاز أن يعزى إلى النبي ◌َ لّ. وروى ابن حبان في ((تاريخ الضعفاء)) أنّ رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمّن تأخذونه فإنَّا كنّا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا. قوله: وربما أخذ كلامًا لبعض الحكماء؛ أي أو بعض الزهاد أو الإسرائيليات كحديث: ((حُبّ الدنيا رأس كل خطيئة)) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((مكائد الشيطان)) فإنه ليس بحديث ولا أصل له من حديث النبي وَّ وإنما هو من كلام مالك بن دينار ساقه ابن أبي الدنيا بسنده إلى مالك أو من كلام عيسى بن مريم وَّ كما رواه عنه البيهقي في كتاب ((الزهد)) وجعله في ((شعب الإيمان)) من مراسيل الحسن وهي عندهم شبه الريح. وكالحديث الموضوع: ((المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)) فهذا من كلام بعض الأطباء، لا أصل له عن النبي وَطله. وروى عن الربيع بن خثيم قال: إن للحديث ضواً كضوء النهار تعرفه وظلمةً كظلمة الليل تنكره. وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب، وينفر منه قلبه في الغالب. قوله: أو ما يتنزل منزلة إقراره؛ أي كأَنْ يحدِّث بحديث عن شيخ ثم يُسأل عن مولده فيذكر تاريخًا تعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يُوجد ذلك الحديث إلا عنده فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده؛ ينزل منزلة إقراره بالوضع، لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عند الشيخ ولا يعرف إلا برواية هذا الذي حدَّث به. ٢٣٠ النوع الثاني والعشرون معرفة المقلوب هو نحو حديث مشهور عن ((سالم)) جُعلَ عن ((نافع)) ليصير بذلك غريبًا مَرْغُوبًا فیه. وكذلك ما رُوِّيناه أن ((البخاري)) رضي الله عنه قَدِم بغداد، فاجتمع قبلَ مجلسه قومٌ من أصحاب الحديث. وعمدُوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدهاَ وجعلوا مَتْنَ هذا الإسناد الإسناد آخر، وإسنادَ هذا المتن لمتن آخر، ثم حضروا مجلسَه، وألقوها عليه، فلما فرغوًا من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، التفت إليهم فردَّ كلَّ مَتْن إلى إسناده، وكلَّ إسناد إلى مَتْنه، فأذعنوا له بالفضل. ومن أمثلته، ويصلحُ مثالا للمعلَّل: مارويناه عن إسحاق بن عيسى الطبّاعِ، (حدثنا)(١) جرير بن حازم عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله وَالت: ((إذا أقيمت الصلاةُ فلا تقومُوا حتى تَروني)) قال إسحاق بن عيسى: فأتيتُ حمادَ بن زيد فسألته عن الحديث، فقال: وَهمَ أبو النضر، إنما كُنَّا جمِيعًا في مجلس ثابت البُناني، وحجاجُ بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاجٌ الصوَافُ عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول الله وَّم قال: «إذا أُقيمَت الصلاةُ فلاتَقوموا حتى تروني)) فظنّ أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابتٌ عن أنس - أبو النضر هو جرير بن حازم - انتهى. المقلوب قسمان؛ أحدهما: أن يكون الحديث مشهورًا براو فيجعل مكانه راو آخر في طبقته ليصير بذلك غريبًا، كحديث مشهور بسالم فيجعل مكانه نافع، أو مشهور بمالك فيجعل مكانه عُبيد الله بن عمر. (١) هكذا في خط، وفي ش: ((قال أخبرنا»، وفي ع: قال ((حدثنا)). ٢٣١ معرفة المقلوب = وممن كان يفعل ذلك من الوضّاعين: حماد بن عَمْرو النصيبي، وإسماعيل بن أبي حيّة اليسع، وبهلول بن عُبيد الكندي. مثاله: حديث رواه عَمْرو بن خالد الحراني عن حماد بن عَمْرو النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤهم بالسلام)) الحديث، فهذا حديث مقلوب، قلبه حماد بن عَمْرو، أحد المتروكين، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف بسهيلٍ بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، كما رواه مسلم من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد و عبد العزيز بن محمد الدراوردي كلهم عن سهيل . قال أبو جعفر العقيلي: لايحفظ هذا من حديث الأعمش، إنما هو من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، ولهذا كره أهل الحديث تتبّع الغرائب. القسم الثاني: أَنْ يُؤْخَذْ إسناد متنٍ فيُجْعَل على متنِ اخر أو عكسه، كقصَّةً البخاري؛ قال (أبو)(١) أحمد بن عدي: سمعت عدَّةً مشايخ يحكون لما قَدِمِ البخاري بغداد اجتمعَ أهلُ الحديث، وقلبُوا إسناد مائة حديث، وجعلوا كل عشرة مع رجلٍ، فسأله الأول عن أوَّل حديث فقال: لا أعرفه، إلى أن انتهت العشرة، ثم سأله الآخر كذلك، ثم الآخر، إلى آخر المائة، ومايزيد على قوله: لا أعرفه، فأما الحُذَّاق منهم فقالوا: فَهِمَ الرجل، ومَن لاحِذْق عنده قضى عليه بالعجز عن الجواب، فلمَّا فَرَغُوا التفتّ إلى الأول وقال: أما حديثك الأول فهو كذا وكذا، وحديثك الثاني فهو كذا، إلى أن ردّ متون الأحاديث كلها إلى (إسنادها و إسنادها)(٢) إلى متونها، فأقروا له و أَذْعَنُوا. وهل يجوز فعل ذلك؟ فيه نظرٌ بِحَسْبِ القَصْد إذا اختبرَهُ ليعلم هل يقبل (التَّلْقين)(٣) أم لا؟ ومن فعل ذلك أبان بن أبي عياش؛ فقال حرمي: بِئْسَ ماصنع. (١) من ترجمة ((ابن عدي رحمه الله))، وليس في خط. (٢) كذا في خط. (٣) في خط: (التعليق))، والصواب ما أثبته ٢٣٢ النوع الثانى والعشرون وحديث: ((إذا أُقيمت الصّلاةُ)) انقلبَ إسناده على جرير بن حازم، والحديث مشهورٌ ليحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي وَجّر، هكذا رواه الأئمة الخمسة من طُرُق عن يحيى، وهو عند مسلم والنسائي من رواية حجاج بن أبي عثمان الصَّواف عن يحيى وجريرٌ إِنَّما سمعه من الصَّواف فانقلبَ عليه. وقد بيَّن حماد بن زيد فيما رواه أبو داود في ((المراسيل)) عن أحمد بن صالح عن يحيى بن حسّان عن حماد بن زيد قال: كنتُ أنا وجرير عند ثابتِ البُناني فحدَّث حجاجُ بن أبي عثمان، فذكره، فظنَّ جريرٌ أنه إنما حدَّث به عن ثابتٍ عن أنس، كما قال الطباع. قال: فصل: قد وَفَيْنَا بما سبق الوعدُ بشرحه من الأنواع الضعيفة(١) فَلْنَبِّه الآن على أمور مهمة: أحدها: إذا رأيتَ حديثًا بإسناد ضعيف، فلك أن تقول: هذا ضعيف؛ وتعنى أنه بذلك الإسناد ضعيفٌ. وليس لكَ أن تقول: هذا ضعيف، وتعني به ضَعْفَ مَتْنِ الحديث، بناءً على مجَرد ضعف ذلك الإسناد؛ فقد يكون مرويًا بإسناد أخرِّ صحيح يَثْبتُ بمثله الحديثُ(٢) بل (يتوقف)(٣) جواز ذلك على حكم إمام من أئمة الحديث، بأنه لم يُرْوَ بإسناد يثبتُ به، أو بأنه حديثٌ ضعيف، أو نحوهذا، مفسِّراً وجهَ القدح فيه. فإن أطلقَ ولم يفسِّر، ففيه كلامٌ يأتي؛ فاعلم ذلك، فإنه مما يُغْلَطُ فیه. الثاني: يجوزُ عند أهل الحديث وغيرهم، التساهلُ في الأسانيد؛ ورواية ما سوَى (١) في ش وع: (( ... الضعيفة والحمد لله)). (٢) ومِن ثَمَّ لا تَسْتنكر ورود بعض الأحاديث المخرَّجة في الصحيحين أو أحدهما في بعض كتب ((العلل))، أو كلام بعض العلماء في بعض طرق متون الصحيحين، فقد تكلّم جماعة من الحفاظ في بعض طرق متون الصحيحين، وهي في الصحيحين من طرقٍ أخرى، فلا تهجم بالإنكار على أحد الطرفين حتى تعلم مواقع النزال - رعاك الله . (٣) هكذا في ش وع، وفي خط: ((يوقف)). ٢٣٣ = معرفة المقلوب الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها، فيما سوي صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما. وذلك كالمواعظ، والقصص، وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر مالا تعلّقَ له بالأحكام والعقائد. وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك: عبدُ الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبلَ. الثالث: إذا أردتَ روايةَ الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تَقُلْ فيه: قال رسول الله ◌َ ي كذا وكذا، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه وعليه قال ذلك، وإنما تقول فیه: رُوي عن رسول الله ﴿ ﴿ كذا وكذا، أو: بلغنا عنه كذا وكذا، أو: ورد عنه، أو: جاء عنه، أو: رَوَى بعضُهم؛ وما أشبه ذلك. وهذا الحكمُ فيما تَشكَّ في صحته وضعفه. وإنما تقول: قال رسول الله وَّة، فيما ظهر لك صحته بطريقه الذي أوضحناہ أولاً. انتھی قوله: وممّن نصَّ على التَّساهل: عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد، وكذلك: عبد الله بن المبارك، وغيرهم. وقد عَقَدَ ابنُ عديٍّ في مقدمة ((الكامل)) والخطيب في ((الكفاية)) بابًا لذلك، وعبد الرحمن هو ابن مهدي بن حسّان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري اللُّؤْلُؤىّ الحافظ. روى عن عُمر بن ذرّ، (وأبي خَلْدَةَ) (١) خالد بن دينار، وعكرمة بن عمار، شعبة، والسُّفْيَانَيْن، والحمَّدَيْن، ومالك وطبقتهم، من البصريين والكوفيين، والحجازيين. وعنه: ابن المبارك، وابن وهب، وهما أكبر منه، وأحمد، وابن معين، وابن راهويه، وابن المديني، (وابن أبي شيبة)(٢)، والفلاَّس، وخَلْق. قال ابن المديني: كان أعلم الناس . قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب حماد بن زيد. وهو إمام ثقة أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، كان ورده كل ليلة نصف ختمة، توفي بالبصرة في (١) في خط: ((وأبي خالد»، والصواب ما أثبتُّه. (٢) في خط: ((وابن أبي نسيبة))، والصواب ما أثبتُّه. ٢٣٤ النوع الثاني والعشرون جمادى الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكان ثقة کثیر الحدیث . وقال أحمد: إذا حدَّث عن رجل فهو حجة. ٢٣٥ النوع الثالث والعشرون معرفة صفة من تقبل روايته، (ومن ترد)(١) وما يتعلق بذلك من قدح وجرح وتوثيق وتعديل أجمع جماهيرُ أئمة (الفقه والحديث)(٢) على أنه يُشترط فيمن يُحتجّ بروايته أن يكون عَدلاً ضابطًا لماَ يرويه. وتفصيله: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلاً، سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظًا غير مغفَّل، حافظًا إِنْ حَدَّث من حفظه، ضابطًا لَكتابه إنْ حَدَّثَ (منه)(٣). وإنْ كان يُحدِّثُ بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكونَ عالما بما يحيل المعاني. ونوضح هذه الجملة بمسائل: إحداها: عدالةُ الراوي تارةً تثبتُ بتنصيص مُعدلين على عدالته، وتارةً تثبت بالاستفاضة؛ فمن اشتهرت عدالتُه بين أهل النقل (ونحوهم) (٤) من أهلِ العلم وشاع الثناء عليه بالثقة (والإمامة)(٥) استُغنيَ فيه بذلك عن بيِّنة شاهدة بعدالته تنصيصًا. وهذا هو الصحيحَ في مذهبٍ ((الشافعي)) وعليه الاعتماد فيّ فن أصول الفقه. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث ((أبو بكر الخطيبُ الحافظ)) ومثّل ذلك ((بمالك، (١) في ش وع: ((ومن تردُّ روايته)) .. (٢) في ش وع: ((الحديث والفقه)). (٣) في ش وع: ((من كتابه)). (٤) في ش وع: ((أونحوهم)). (٥) في ش وع: ((والأمانة)). ٢٣٦ النوع الثالث والعشرون == وشعبةَ، والسفیانین، والأوزاعي، واللیث، وابن المبارك، وو کیع، وأحمدَ ویحیی بن معين، وعليّ ابن المديني)) ومن جَرَى مجراهم في نباهة الذِّكْر واستقامة الأمر فلا يُسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يُسأل عن عدالة مَنْ خفيَ أمرُه على الطالبین. وتوسّع ((ابنُ عبد البر)) في هذا فقال: كلَّ حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمولٌ في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبيّن جرحُهُ، لقوله وَّ: ((يَحملُ هذا العلمَ من كلٍّ خلَف عَدولُه)). وفيما قاله اتِّساعٌ غير مرضِيٍّ. الثانية: يُعرَفُ كونُ الراوي ضابطًا، بأن تُعتَبر رواياتُه بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أو موافقةً لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرَفْنا حينئذ كونَه ضابطًا ثبتًا؛ وإن وجدناه کثیر المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه. الثالثة: التعديلُ مقبولٌ من غير ذكر سببه، على المذهب الصحيح المشهور، لأن أسبابه كثيرةٌ يصعب ذكرها، فإن (ذكرها)(١) يُحوجُ المُعَدِّل إلى أن يقولَ: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا؛ فيعدِّد جميعَ ما يفسّق بفعله أو بتركِه، وذلك شاقّ جدًا. وأما الجرحُ، فإنّه لا يُقبلُ إلا مُفَسَّرًا مبيَّنَ السبب، لأن الناسَ يختلفُون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدُهم الجرحِ بناءً على أمر اعتقده جرحًا وليس بجرحٍ في نفسِ الأمر، فلا بد من بيان سببِه ليُنظَرَ فيه: أهو جُرح أم لا؟ وهذا ظاهرٌ مقررٌ في الفقه وأصوله. وذكر (الخطيبُ الحافظُ)) أنه مذهب الأئمة من حُفَّاظ الحديث ونُقَّاده، مثل ((البخاري ومسلم)) وغيرهما. ولذلك احتجَّ ((البخاريّ) بجماعة سبق من غيره الجرحُ لهم كعكرمة مولى ابن عباس، وإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، (١) في ش وع: ((ذلك)). ٢٣٧ معرفة من تقبل روايته وعمرو بن مرزوق، وغيرهم. واحتجّ ((مسلم)) بسُوَيد ابن سعيد، وجماعة اشتهر الطعنُ فیھم. وهكذا فعل ((أبو داود السجستاني)؛ وذلك دالٌّ على أنهم ذهبوا إلى أنَّ الجرحَ لا يثبتُ إلا إذا فُسِّرَ سببه(١)، ومذاهبُ النقاد للرجال غامضة مختلفة. وعقَد «الخطيب)) بابًا في بعضِ أخبار من استُفُسِر في جرحه، فذكر ما لا يصلُح جارحًا. منها عن ((شعبة)) أنه قيل له: لمَ تركتَ حديثَ فلان؟ فقال: ((رأيته يركُضُ على بِرْذَوْن فتركتُ حديثه)). ومنها عن ((مسلم بن إبراهيم)) أنه سئل عن حديث (لصالح اَلُرِّي)(٢)، فقال: «ما (يُصنَعُ)(٣) بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمةً فامتخطً حماد)). قلت: ولقائل أن يقولَ: إنما يعتمدُ الناسُ في جرح الرُّواةِ وردِّ حديثهم، على الكتب التي صَنّفها أئمةُ الحديث في الجرح، أو في الجرح والتعديل. وقلَّما يتعرضُون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلانٌ ضعيف، وفلانٌ ليس بشيء، ونحو ذلك؛ أو: هذا حديثٌ ضعيف، وهذا حديثٌ غيرُ ثابت، ونحو ذلك. فاشتراطُ بيانِ السببِ يُفضِي إلى تعطيلِ ذلك، وسدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر. وجوابُه: أن ذلك وإنْ لم (نعتمده)(٤) في إثباتِ الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقَّفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناءً على أن ذلك أوقعَ عندنا (١) فيه نظر، ولذلك تراجع ابن الصلاح خطوة للوراء فقال: ((ومذاهب النُّقَّاد للرجال غامضة مختلفة)). وقد أخرج الشيخان لبعض مَن اعترفا بضعفه لكنهما انتخبا له ما حفظه، وأخرجا له لأغراض ومقاصد تظهر في حينها، وقد فصَّلْتُ ذلك في غير هذا الموضع بما يُغني عن الإعادة إن شاء الله تعالى. والله الموفق. (٢) هكذا في ((الكفاية)) (ص/ ١٨٥)، وفي ش وع: ((الصالح المرّي))، وفي خط: ((الصالح المزني)). (٣) هكذا في ش وع، وفي حاشية بعض نسخ ((المقدمة)): ((قال المؤلف: يُصنَع مقيد كذا في أصل موثوق به، عليه سماع الخطيب رحمه الله))، وفي نشرة ((الكفاية)) ((تصنع))، وفي خط (يصنع)) وعليها علامة ((معًا)) إشارة إلى الوجهين: ((التاء والياء)). (٤) هكذا في ش وع، وفي خط «يعتمده). ٢٣٨ النوع الثالث والعشرون == فيهم ريبةً (قوية)(١) يوجب مثلُها التوقُّفَ. ثم مَن انزاحِت عنه الريبة منهمٍ، ببحث عن حاله أوْجَبَ الثقة بعدالته، قبلنا حديثَه ولم نتوقّفْ، كالذين احتجّ بهم صاحّبا (الصحيحين) وغيرهما، ممن مسهم مثلُ هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فإنه مَخْلَصٌ حسن. الرابعة: اختلفوا في أنه: هل يثبت الجرح والتعديلُ بقول واحد، أو لابد من اثنين؟ فمنهم من قال: (لابد من اثنين)(٢) كما في الجرح والتعديل فيّ الشهادات؛ ومنهم من قال، وهو الصحيح الذي أختاره وغيره: إنه يثبت بواحد، لأن العددَ لم يُشترَطَ في قبول الخبر، فلم يُشترَطَ في جَرْحٍ راويه وتعديله، بخلافَ الشهادات. انتھی. (اعتُرض) على قوله: وخوارم المروءة، بأنه لم يشترط ذلك إلاَّ الشافعي وأصحابه . (ورُدّ) بأنَّ كلّ من اشترط العدالة شرط فيها المروءة، ولم يختلف قول مالك وأصحابه في اشتراط المروءة في العدالة . نعم يفترق الحال بين عدالة الشهادة فيشترط فيها: الحرية، وبين عدالة الرواية فلا يشترط ذلك فيها . قال الخطيب في ((الكفاية)): بلا خلاف، ولهذا، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: هذا مما يفترق الحال فيه بين الرواية والشهادة. ويفترقان أيضًا - على قول - في البلوغ، فشهادة الصّبي غير مقبولة عند أصحاب الشّافعي وجمهور العلماء. وأما خبره فاختلفَ التّصحيح فيه، فحكى النووي في ((شرح المهذّب)) عن الجمهور قبول خبر المميِّز فيما طريقه المشاهدة لا النقل، كالإفتاء، ورواية الأخبار، ونحوه . وكأنَّه تَبَعَ في ذلك ((المتولي)) فإنّه ذكر في استقبال القبلة أن الصّبي إذا أخبر بأنّه (١) هكذا في خط وع، وليس في ش. (٢) هكذا في خط، وفي ش وع: ((لا يثبت ذلك إلا باثنين)). = معرفة من تقبل روايته ٢٣٩ شاهد محْرابًا فإنّه يقبل، لكن الرَّافعي نقل في هذا الباب عن الأكثرين أنه لا يقبل، وتَبِعَهُ عليه النووي، وجعل الخلاف في المميّز، وقيّدهُ في التيمم بالمراهق. (قوله): فلا يُسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم؟ أي كما سُئل أحمد عن إسحاق ابن راهويه فقال: مثل إسحاق يُسأل عنه؟ وسُئل ابن معين عن أبي عبيد فقال: مثلي يُسأل عن أبي عُبيد؟ أبو عبيد يُسأل عن الناس. (قوله): وتوسّع ابن عبد البر، أي: ومَن تَبِعَهُ كأبي عبد الله بن المواق. والحديث الذي استدلّ به(١) ضعيف، رواه من طريق أبي جعفر العقيلي من رواية معان بن رفاعة السلامى عن إبراهيم بن عبد الرحمن (العذرى)(٢) قال: قال النبي وَالر: (((يحمل)(٣) هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف (الغالين)(٤)، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). أورده العقيلي في ((الضعفاء)) في ترجمة مَعان بن رفاعة، وقال: لا يُعرف إلا به. ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة ((الجرح والتعديل)) وابن عدي في مقدمة ((الكامل))، وهو مرسل أو معضل ضعيف، وإبراهيم الذي أرسله قال فيه ابن القَطَّان: لا نعرفه ألبتة في شيءٍ من العلم غير هذا. وفي كتاب ((العلل)) للخلاَّل أنَّ أحمد سُئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنَّه كلام موضوع، فقال: لا هو صحيح، فقيل له: ثَمَّن سَمِعْتَهُ؟ قال: مِن غير واحدٍ، قيل له: مَن نعم؟ قال: حدثني به مسكين إلاّ أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن، قال أحمد: ومعان لا بأس به، ووثقه ابن المديني أيضًا. قال ابن القطّان: وخَفِيَ على أحمد مِن أمرِه ما علمه غيره ثم ذكر تضعيفه عن (١) يعني ابن عبد البر، وراجع: ((التمهيد) لابن عبد البر (١ / ٢٨، ٥٨). (٢) هكذا في ((التمهيد))، وع، وغيرهما، وفي خط: ((العدوي)). (٣) هكذا في ((التمهيد))، وعٍ، وغيرهما، وفي خط: ((حمل)). (٤) هكذا في ((التمهيد))، وغيره، وفي خط: ((المغالين)). ٢٤٠ النوع الثالث والعشرون ابن معين (وابن أبي حاتم)(١) والسّعدي وابن عدي وابن حبان. مع أنّ هذا الحديث ورد مرفوعًا مسندًا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عَمْرو وعلي بن أبي طالب وابن عُمر وأبي أمامة وجابر بن سمرة، وكلها ضعيفة، فاستدلال ابن عبد البر به مردودٌ لوجهين : أحدهما: ضعفه وإرساله، والثاني: أنه إنما يصح الاستدلال به أَنْ لو كان خبرًا، ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة، فلم يَبْق له محمل إلّ الأمر فكأنّه أمر الثقات بحمل العلم. وقد حكي في (لام)(٢) يحمل الرفع على الخبر، والجزم على إرادة لام الأمر، فعلى تقدير كونه مرفوعًا فهو خبر أريد به الأمر. ويؤيِّد الأمر ما رواه أبو محمد ابن أبي حاتم في بعضِ طرقه: ((لِيَحْمِل هذا العلم)» بلام الأمر. ومما يُسْتَغْرَبُ في ضبط الحديث ما حكاهُ المصنِّف في ((فوائد رحلته)): أنه وجدَ بنيسابور في ((مناقب ابن كرام)) جمع محمد بن الهيصم قال فيه: سمعت الشيخ أبا جعفر محمد بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت أبا عمرو محمد بن أحمد التميمي يروي هذا الحديث بإسناده فيضُم الياء من قوله ((يُحمل)) على أنه فعل (ما)(٣) لم يسم فاعله، ويرفع الميم من ((العلمُ) ويقول: ((مِن كل خلف عَدُولة)) مفتوح العين واللام وبالتاء ومعناه: أن الخلف هو العدولة بمعنى أنه عادل، كما يقال شكور بمعنى (شاكرة)(٤)، ويكون الهاء للمبالغة كما يقال: رجل (ضروبة). والمعنى: أن العلم يُحمل على كل خلف كامل في عدالته. (١) هكذا في خط، وإنما نقل ابن أبي حاتم عن أبيه قوله في ((معان)) كما في ((الجرح)) (٨/ ٤٢٢). (٢) في خط: ((اللام)، والصواب ما أثبتُّه. (٣) هكذا في خط، وليست في ع. (٤) وفي ع: ((شاكر)).