Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ معرفة الصحيح من الحديث المتصدِّق صَدَقته)). قال(١): وهو حديث صحيح عنده: ((دَبِّر رجلٌ عبدًا ليس له مال غيره فباعه النبي ◌َ ◌ّ من نعيم بن النحام)). وقال في (كتاب الطلاق)) ((ويُذْكر عن علي بن أبي طالب وابن المسيب))؛ وذكر نحوًا من ثلاثة وعشرين تابعيًا؛ كذا قال، وفيها ما هو صحيح عنده، وفيها ما هو ضعيف. ثم استدلَّ(٢) على الضعف بشيءٍ ضعيفٍ بأنْ قال: قال البخاري في ((كتاب التوحيد)) إِثْر حديث أبي سعيد: ((الناس يُصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى)). قال: (٢) وقال الماجشون، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((فأكونُ أول من بُعث)). قال(٢): ورَدّ البخاري بنفسِه على نفسِه، فذكر في ((أحاديث الأنبياء)) حديث الماجشون هذا عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة، وكذا رواه مسلم والنسائي، ثم قال: قال أبو مسعود: إنَّما يُعْرَف عن الماجشون، عن ابن الفضل، عن الأعرج. انتهى. ويالله العجب! إذا كان الحديث صحيحًا عند البخاري، ورواه متّصلاً بأنْ جعلَ مكان ((أبي سلمة)): ((الأعرج))؛ فكيف يحكم بضعفه؟ وكيف يقول: ردَّ البخاري بنفسِه على نفسِه؟ إذ لا مانع من أن يكون الماجشون له سندان عن شيخه ابن الفضل، بأن يكون سَمِعَه منهما ثم رواه مرة عن أبي سلمة، ومرة عن الأعرج، ولا يُحكم على البخاري بالوهم والغلط بقول أبي مسعود الدمشقي، فشتّان ما بينهما، مع أنَّ المصنّف لم يَقُل إنّ صيغة التمريض لا تُسْتعمل (إلاَّ)(٣) في الضعيف، بل في كلامه أنها تُستعمل في الصحيح أيضًا، فاستعمال البخاري لها في موضع الصحيح ليس (١) يعني: المعترض على ابن الصلاح رحمه الله، وراجع: فتح الباري (٥/ ٨٧ - ط: الريان). (٢) المعترض. (٣) في خط: ((أبي)) والصواب ما أثبتّه. ١٠٢ النوع الأول == مخالفًا لكلام المصنِّف، فالبخاري حيث علّق ما هو صحيح يأتي بصيغة الجَزْم ولا يعدل عنها إلا لغرضٍ كاختصار بعض الحديث أو روايته بالمعنى كحديث ((أبي موسى)). وأما حديث ((ابن عباس)) فإنما لم يَجْزِم به البخاري في الأول لأن فيه: ((والرقية بفاتحة الكتاب))، وليست هذه اللفظة في الحديث المتصل لا من قوله ولا من فعله وَ له، ولهذا علقه في ((كتاب الإجارة)) وجزمَ به فقال: وقال ابن عباس عن النبي وَ لَّه: ((أحقُّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)). وأما حديث ((جابر)) فليس المراد به ((المدبّر)) بل المراد - والله أعلم - حديثه ((في الرجل الذي دخل المسجد والنبي وَّ يخطب فأمرهم فتصدَّقوا عليه، فجاء في الجمعة الثانية فأمر وَّ بالصدقة فتصدَّق المتصدّق عليه بأحد ثوبيه فردَّه عليه النبي (وَّ). وهو حديث ضعيف رواه الدارقطني، وهو الذي تأوَّل به الحنفي قصَّةُ سُليك الغطفاني؛ في أمره بتحية المسجد حين دخل حال الخطبة . وأما حديث علي فإنَّه لا اعتراض عليه فيه؛ لأنه إذا جمعَ بين ما صحّ وما لم يصح؛ أتى بصيغة التمريض، لأنها تُستعمل فيه وفي الصحيح أيضًا، وأما صيغة الجزم؛ فإنها لا تُستعمل في الضعيف. وأما قول الحافظ ((أبي الوائلي السِّجزِي)»: إنه لو حلف بالطّلاق أنّ جميع ما في (البخاري)) صحيح، مما روي عن النبي وَّل، وأنه قاله؛ أنه لا يحنث؛ قال الإمام وكذا ما في كتاب ((مسلم)) لا أحنثه لإجماع العلماء على صحتهما. قال المصنّف: ((بل لو حلف على حديث في غيرهما لم يحنث، وإن كان راويه فاسقًا))؛ قاله في القطعة التي عملها في شرح صحيح مسلم. وقال النووي في ((شرح مسلم)): إنه لا يحنث ظاهراً ولا يُستحب له التزام الحنث حتى (لا)(١) تستحب له الرجعة، (بخلاف ما إذا حلف على غير الصحيحين؛ فإنه تستحب له الرجعة)(٢). اعترض عليه أيضًا بقوله: لأن في بعضها ما ليس من ذلك قطعًا، أي: من الصحيح، قال: مثل قول البخاري («باب ما يُذْكر في (١) ليست في ع، ولم ترد في ((شرح مسلم)) أيضًا. (٢) هكذا في خط وع، وفي ((شرح مسلم)): ((كما لو حلف بمثل ذلك - في غير الصحيحين - فإنه لا نحنثه لكن تستحب له الرجعة احتياطاً ... )) وراجع ((شرح مسلم)). ١٠٣ معرفة الصحيح من الحديث الفخذ)): ((ويُروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ◌َّ: الفخذ عورة)) مع أنَّ حديث جرهد صحيح، ولا يَرِد على المصنِّف؛ لأنه لم يَنْفِ صحته مطلقًا؛ بل نفى كونه من شرط البخاري، مع أنَّ الحديث مضطرب الإسناد؛ فقيل: عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه عن جده، وقيل: عن زرعة عن جده ولم يذكر أباه، وقيل: عن أبيه عن النبي ◌َّ، وقيل غير ذلك، وأخرجه أبو داود وسكتَ عليه، والترمذي من طرقٍ وحسّنه، وقال البخاري: ((حديث أنس أَسْنَدَ وحدیث جرهد أحوط». قال: السابعة: وإذ انتهى الأمرُ في معرفة الصحيح إلى ما خرّجه الأئمةُ في (تصانيفهم)(١) الكافلة ببيان ذلك كما سبق ذكرهُ، فالحاجة ماسّةٌ إلى التنبيه على أقسامه باعتبار ذلك: فأولُها: صحيحٌ أخرجه البخاري ومسلم جميعًا. الثاني: صحيحٌ انفرد به البخاري(٢). الثالث: ما انفرد به مسلم (٣). الرابع: صحيحٌ على شرطِهما، ولم يُخرجاه. الخامس: صحیحٌ على شرط البخاري، لم يُخرجه. السادس: صحیحٌ على شرط مسلم، لم يخرجه. السابع: صحيحٌ عند غيرهما، وليس على شرط واحد منهما. هذه أمهاتُ أقسامه، وأعلاها الأولُ، وهو الذي يقول فيه أهلُ الحديث كثيراً: ((صحيحٌ متَّفَقٌ عليه)) يطلقون ذلك ويعنون به: ((اتفاق البخاري ومسلم))، لا اتفاق الأمة عليه. (١) هكذا في ش وع، وفي خط: (( .. تصانيفهم وهم)) - خطأ. (٢) زاد في ش وع: ((أي عن مسلم)). (٣) زاد في ش وع: ((أي عن البخاري))؛ وفيهما: ((صحيح انفرد ... )). ١٠٤ النوع الأول == لكن اتفاقَ الأمة عليه (لازمٌ)(١) وحاصل معه؛ (بالاتفاق)(٢) الأمة على تلقِّي ما اتَّفَقًا عليه بالقبول. وهذا القسم جميعُه مقطوعٌ بصحته، والعلم اليقيني النظريّ واقع به، (خلافًا لمن)(٣) نفى (ذلك وقال: لا يفيد إلا) (٤) الظن؛ وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ (لوجوب العمل) (٥) بالظن؛ والظنُّ قد يخطئ. (و)(٦) كنت أميلُ إلى هذا وأحسبه قويًا، ثم بان لي أن المذهبَ الذي اخترناه أولاً هو الصحيح؛ (لأن الأمة معصومةٌ)(٧) من الخطأ. ولهذا كان الإجماع و (المبني)(٨) على الاجتهاد حُجةً (مقطوعًا)(٩) بها. وأكثر إجماعات العلماء كذلك. وهذه نُكتةٌ نفيسةٌ نافعة (تفيد أن ما)(١٠) انفرد به ((البخاري أو مسلمٌ)) (يُقْطَعُ)(١١) بصحته لتلقي الأمة كلَّ واحد من كتابيهما بالقبول، على الوجه الذي فَصَّلْنَاهُ من حالهما فيما سبق، سوى أحرَف يسيرة (نبّه عليها الحافظ الدارقطني وغيره)(١٢). انتھی. (١) في ش، ع: (( .. لازم من ذلك .. ). (٢) في ش: ((باتفاق)). (٣) في ش، ع: ((خلافًا لقول من)). (٤) في ش ، ع: ((ذلك محتجًا بأنه لا يفيد في أصله إلا)). (٥) في ش، ع: ((لأنه يجب عليهم العمل)). (٦) في ش ، ع: ((وقد)). (٧) في ش، ع: ((لأن ظنّ من هو معصوم من الخطأ لا يخطىء، والأمة في إجماعها معصومة)). (٨) في ش، ع: ((الُمْتَنَى)). (٩) في خط ((مقطوع)). (١٠) في ش، ع: ((ومن فوائدها: القول بأن ما)). (١١) في ش ، ع: ((مندرج في قبيل ما يُقْطَعُ). (١٢) في ش وع: ((تكلّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم)). ١٠٥ معرفة الصحيح من الحديث اعترضَ بعضُهم بأن الأَوْلَى أن يقول: أصحها ما رواه الكتب الستة، فإن عني بذلك ما اتفق الستة على توثيق رواته فَمُسَلَّمٌ وإلاَّ فلا. وقوله: ((مقطوع بصحته))؛ سبقه إلى ذلك الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف. وعاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذا على المصنّف؛ لأن بعض المعتزلة يَرَوْن أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته؛ قال: وهو مذهب ردىء. وقال النواوي: خالفَ ابنَ الصلاح المحققون؛ فقالوا: يفيد الظنّ مَا لم يتواتر، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي ◌َ لّ. قال الثامنة: إذا ظهر بما قدمناه انحصارُ (معرفة)(١) الصحيح والحسَنِ، (في)(٢) مراجعة (الصحيحين، وغيرهما)(٣)؛ فسبيل من أراد العمل أو الاحتجاج بذلك، إذا كان ممن يسوغ له العملُ بالحديث أو الاحتجاج به لذي مذهب: أن يرجعَ إلى أصل قد قابله (هو أو ثقةٌ بأصول)(٤) صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة، ليحصلَ له بذلك - مع اشتهارَ هذه الكتب وبُعدها عن أن تُقصدَ بالتبديل والتحریف - الثقةُ بصحة ما اتفقتْ علیه تلك الأصول. انتهى. قال النووي: لا يُشترط التعدُّد والتنوُّع؛ بل لو قابلها بأصلِ معتمد محقَّق أجزأهُ. فائدة: قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه ((المدخل إلى معرفة المستدرك)): عدد من أخرج لهم البخاري في صحيحه، ولم يخرج لهم مسلم: أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخًا، وعدد من احتجّ بهم مسلم في صحيحه، ولم يحتج بهم البخاري ستمائة وخمسة وعشرون شيخًا . (١) في ش، ع: ((طريق معرفة)). (٢) في ش، ع: ((الآن في)). (٣) في ش، ع: ((الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة). (٤) في ش،ع: ((هو، أوثقة غيره بأصول)). وسقطت (هو) من ((متن المقدمة)) المطبوع مع ((التقييد)) للعراقي. ١٠٦ النوع الثاني معرفة الحسن من الحديث روينا عن «أبي سليمانَ الخَطَّابِي)) أنه (قال)(١): «الحسن، ما عُرفَ مخرجُهُ واشتهر رجاله، (وعليه)(٢) مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثرُ العلماء ويستعمله عامةُ الفقهاء)). وروينا عن ((أبي عيسى الترمذي)): (الحسنُ أن لا)(٣) يكون في إسناده من يتهم بالكذب (ولا یکون شاذًا)(٤) ویُروی من غیر وجه نحو ذلك)). وقال بعضُ (المتأخرين: الحديث الذي)(٥) فيه ضعفٌ قريب محتمل، هو الحديث الحسن، ويصلحُ للعمل به. وكل (هذا)(٦) مستبهم لا يشفي الغليلَ، وليس فيما ذكره ((الترمذي، والخطابي)) ما يفصل الحسنَ من الصحيح. وقد أمعنتُ النظر في ذلك والبحثَ، جامعًا بين أطراف (كلامهم، فتنقَّحَ لي)(٧) واتضح؛ أن الحسن قسمان: (١) في ش وع: ((قال بعد حكايته أن الحديث عند أهله ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي قدمنا ذكرها)). (٢) في ش وع: ((قال: وعليه)). (٣) في ش وع: (( .. رضي الله عنه، أنه يريد بالحسن: أن لا .. )). (٤) في ش وع: ((ولا يكون حديثًا شاذّا)). (٥) هكذا في ش وع، وفي خط ( .. المتأخرين: هو الذي .. ). (٦) في ش وع: ((ذلك)). (٧) في ش وع: (( .. كلامهم، ملاحظًا مواقع استعمالهم، فتنقَّحَ لي .. )). ١٠٧ = معرفة الحسن من الحديث أحدهما: (هو الذي)(١) * لا يخلو رجالٌ إسناده من مستور لم تحقق أهليتُه، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ فيما يرويه، (ومتهمًا بالكذب)(٢) في الحديث، (يتعمد الكذب)(٣) ولا سبب آخر مُّفْسّق؛ ويكون متنُ الحديث مع ذلك قد عُرفَ، بأنْ رُويَ مثلُه أو نحوُهُ من وجه آخَرَ أو أكثرَ، حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثلَه. أو (بما لهُ شاهدٌ)(٤) وهو ورودُ حديث آخر بنحوه (فيخرج)(٥) بذلك عن أن يكون شاذًا) أومنكرًاً.)(٦). وكلام ((الترمذي)) على هذا القسم يتنزَّل. القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة (ولم)(٧) يبلغ درجة رجال الصحيح، (لكونه يقصُر) (٨) عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال مَنْ يُعَدّ ما ينفرد به من حديثه منكراً، ويُعتبر في كل (هذا سلامة الحديث عن الشذوذ والإنكار والعلة)(٩). (وعلى هذا القسم) (١٠) الثاني يتنزل كلام ((الخطابي)). فهذا الذي (ذكرته)(١١) جامعٌ لما تفرق في كلا مَن بلغنا كلامُه في ذلك، (وكأن (١) في ش وع: ((الحديث الذي)). (٢) في ش وع: ((ولا هو متهم بالكذب)). (٣) في ش وع: ((أي لم يظهر منه تعمُّد الكذب في الحديث)). (٤) في ش وع: ((بماله من شاهد)). (٥) في ش وع: ((فخرج)). .(٦) في ش وع: ((ومنكرًا)). (٧) في ش وع: ((غير أنه لم)). (٨) هكذا في ش وع، وفي خط: ((لقصوره)). (٩) في ش وع: (( ... هذا، مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًا ومنكرًا سلامته من أن يكون مُعلّلاً)). (١٠) هكذا في ع، خط، وفي ش ((وعلى القسم)). (١١) هكذا في ع وخط، وفي ش: ((ذكرناه)). ------ ١٠٨ النوع الثاني = ((الترمذي، والخطابي)) ذكر كل واحد منهما أحد نوعي الحسن، واقتصر كلّ واحد منهما)(١) على ما رأى أنه يُشكل، مُعرضًا عما رأى أنه لا يشكل، أو أنه غفل عن البعض وذهل. هذا تأصيل ذلك، والله أعلم. انتهى. قوله: ((واشتهر رجاله)): هو المعروف، ولا عبرة بما وُجِدَ بخط أبي علي الجياني: ((ما عُرِفَ مخرجه واستقرَّ حاله)) بالسِّين المهملة والقاف والحاء المهملة دون راء في أوله. وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)): الحد ليس بمانع؛ لأنه يشمل الحسن والصحيح))، وردّهُ التبريزي بما ذكرَهَ بَعْدُ من أنَّ الصحيح بعضٌ من الحسن، ودخول الخاص تحت العام ضروري. وادّعى بعض المتأخرين اتّحاد حَدَّىْ ((الخطَّابي)) و((الترمذي))؛ فقول الخطابي: ((ما عُرِفَ مخرجه)) هو كقولِ الترمذي: ((ويُروى من غير وجه)) وقول الخطابي: ((اشتهر رجاله)) يعني: السلامة من الكذب؛ هو كقول الترمذي ((ولا يكون في إسناده مَن يُتَّهم بالكذب))، ولا حاجةً إلى ما زاده الترمذي مِن كونه لا يكون شاذًا، لأن الشَّاذ يُنافي عرفان المخرج، وخرجَ بقوله: ((عُرِفَ مخرجه)): المرسَل وخبر المدلِّس لا ما أراده مَن زعمَ اتّحاد الحدِّيْن. واعترضَ ابن كثير على المصنّف قوله: ((روينا عن الترمذي أن الحسن هو الذي لا يكون في إسناده. إلى آخره))؛ فإنْ كان الترمذي نصَّ عليه ففي أيِّ كتابٍ، وإنْ فَهِمَهُ من اصطلاحه في ((جامعه)) فليسَ بصحيحٍ؛ فإنه يقول في كثيرٍ من الأحاديث: ((حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)) انتهى. وجوابه: أنَّ الترمذي نصَّ على ذلك في آخر ((جامعه)) في آخر ((العِلَل)) من رواية عبد الجبار بن محمد الجرّاحي عن المحبوبي، ثم اتَّصَلَتْ عنه بالسماع، (١) في ش وع: ((وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن، وذكر الخطّبي النوع الآخر مقتصراً كلُّ واحدٍ منهما)) . ١ ١٠٩ معرفة الحسن من الحديث = وليست في رواية كثيرٍ من المغاربة ونصّه: ((وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن إنما أَرَدْنا به حسن إسناده عندنا، كلُّ حديث يُرْوى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، (ويُرْوى من وجه غير ذاك)(١)" فهو عندنا حدیث حسن)). فلا يُنْقَل عن الترمذي الحديث الحسن بذلك مطلقًا في الاصطلاح العام. - وأراد بقوله: ((قال بعض المتأخِّرين: هو الذي فيه ضعيف)): أبا الفرج ابن الجوزي قاله في كتابه(٢): ((الموضوعات)) و((العِلَلِ المتناهية)). قال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)): وهذا ضابطٌ لا يتميّز به القدر المحتمل من غيره، وإذا اضطرب لم يحصُل به التعريف المميِّز للحقيقة. تنبيه: أنكر بعضهم قول المصنِّف: ((أمعنتُ النظر في ذلك))، وكذلك قول الفقهاء في (التيمم)) ((أمعن في الطّلب))؛ [بأن](٣) ((أمعن)) لَيْست عَربية. ورُدَّ بما حكاهُ الأزهريُّ في ((تهذيب اللغة)) عن الليث بن المظفر: ((أمْعَنَ الفرس وغيره إذا تباعَدَ في عَدْوه))، وكذا قال الجوهري في ((الصحاح))، وأمعنَ الماء إذا أجرَهُ، وأَمْعَنَ إذا أكثر، وهو من الأضداد، قال أبو عمرو: والمعن: الكثير، والمعن: القليل، والمعن: الطويل، والمعن: القصير، والمعن: الإقرار بالحقِّ، والمعن : الجحود والكفر بالنعم. وأورد بعض المتأخرين على القسم الأول: المنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور، وروي مثله أو نحوه من وجه آخر، ويَرِد على الثاني المرسل الذي اشتهر رواته بما ذكر، قال: فالأحسن أن يُقال: الحسن ما في إسناده المتصل مستورٌ له به شاهد، أو مشهور قاصرٌ عن درجة الإتقان وخلا من العلة والشذوذ. نَعَمْ يَرِد على ((الترمذي)) حيثُ اشترطَ في الحسن أن يُرْوى من غير وجه نحوه، (١) هكذا في خط، وفي ع: ((ويروى من غير وجه نحو ذاك)) وهذا الذي في ((علل الترمذي)) في آخر ((السنن)) (٥/ ٧١١ - ط: دار الحديث). (٢) كذا (٢) في خط: ((إن)). والصواب ما أثبته. ١١٠ النوع الثاني = مع أنَّه حسَّنَ أحاديث لا تُرْوى إلاَّ من وجه واحد كحديث إسرائيل عن يوسف عن أبي بردة عن أبيه عن عائشة قالت: ((كان رسول الله وَّه إذ خرج من الخلاء قال: غُفرانك))، فإنه قال فيه: ((حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة)). وأجاب عنه ((أبو الفتح اليعمري))؛ بأن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه هو الذي راويه في درجة المستور ومَن لم تثبت عدالته، وغايته: أن الترمذي عرَّف بنوعٍ منه لا كل أنواعه . قال: (ويوضحه تنبيهات)(١) وتفريعات: ء. أحدها: الحسَنُ يتقاصَرُ عن الصحيح؛ (لأن شرط الصحيح أن)(٢) يكون جميع رواته قد ثبتت عدالتُهم وضبطُهم وإتقانُهم، إما (بالنقل أو الاستفاضة، كما سيأتي)(٣) وذلك غير (مشروط) (٤) في الحسن، فإنه يُكتَفى (فيه بمجيئه من وجوه)(٥) وغير ذلك (مما تقدم)(٦). وإذا اسْتَبْعَدَ (ذلك شافعيّ) (٧) ذكرنا له نصَّ ((الشافعي)) رضي الله عنه في مراسيل التابعين: أنه يقبل منها ((المرسل الذي جاء نحوه مسنَدًا (أو وافقه)(٨) مرسَلٌ آخرُ، أرسله مَن أخذ العلم (من)(٩) غيرِ رجالِ التابعي الأول)) في كلامٍ له ذكر فيه وجوهًا من الاستدلال على صحة مخرج المرسل، بمجيئه من وجه آخر. ء (١) هكذا في خط و ش، وفي ع: ((ونوضحه بتنبيهات ... )). (٢) في ش وع: ((في أن الصحيح من شرطه أن)). (٣) في ش وع: (( ... بالنقل الصريح أو بطريق الاستفاضة على ما سنبينه إن شاء الله تعالى)). (٤) في ش وع: ((مشترط)). (٥) في ش وع: ((فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه)). (٦) في ش وع: ((مما تقدم شرحه)) .. (٧) في ش وع: (( .. ذلك من الفقهاء الشافعية مستبعد)). (٨) في ش وع: ((وكذلك لو وافقه)). (٩) في ش وع: ((عن)) بالمهملة في أوله بدلاً من الميم. ١١١ معرفة الحسن من الحديث وذكرنا له أيضًا ما حكاه الإمامُ ((أبو المظفر السمعاني)) وغيره عن بعض أصحاب الشافعي من أنه: تُقبَلُ روايةُ المستور (لا شهادته)(١). (وله)(٢) وجهٌ متَّجه، كيف وأنَّا لم نكتف في الحديث الحسن بمجرد رواية (المستور)(٣). انتھی. اعتُرضَ عليه؛ بأن هذه الشروط لا توجد إلاَّ في (النّزر) (٤) اليسير من رواة الصحيح. وجوابه: أن طرق العدالة كثيرة متفاوتة بالضبط والإتقان، فلا يُشتَرَط أعلاها کمالك وشعبة، بل المراد: أن لا یکون مغفلاً کثیر الغلط؛ بأن یوافق حديثه حدیث أهل الضبط والإتقان غالبًا. وقوله ((بمجيئه من وجوه)؛ ليس شرطًا، بل لو جاء من وجهين كفى. وقوله: ((ذكرنا له نصَّ الشافعي))؛ أهمل منه أن الشافعي لا يقبل المرسل إلاَّ من أكابر (الصحابة)(٥)، وغير ذلك من الشروط، كما نبّه عليه النووي في ((شرح الوسيط)) المسمَّى ((بالتنقيح)) - ولم يكمله - بقوله: وأما الحديث المرسل فليس بحجة عندنا إلا أنَّ الشافعيّ قال بجواز الاحتجاج بمرسل الكبار من التابعين بشرط أن يعتضد بأحد أمورٍ أربعة . وعبارة الشافعي في (( الرسالة)): (١) في ش وع: ((وإن لم تقبل شهادةُ المستور)). وفي حاشية خط: ((وقد اكتفى بالمستور في عقد النكاح مع اعتبار العدالة في شاهديه وهو يؤكد ما نقله)) وقارن ذلك ((بمحاسن الاصطلاح)» (١٧٨ - مع المقدمة). (٢) في ش وع: ((ولذلك)). (٣) في ش وع: (( ... المستور على ما سبق آنفًا، والله أعلم)). (٤) في ع: ((النذر)) بالذال المعجمة أخت الدال، والصواب بالزاي المعجمة أخت الرّاء .. (٥) هكذا في خط، وفي ع: ((التابعين)) وهو الصواب، ويظهر أنها من الناسخ، والله أعلم. ١١٢ النوع الثاني = ((والمنقطع مختلف، فمن شاهدَ أصحاب رسول الله وَّل من التابعين فحدَّثَ حديثًا منقطعًا عن النبي ◌ِِّ اعتُبر عليه بأمور منها: - أن ينظر إلى ما أرسلَ من الحديث، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله وَّله، بمثل معنى ما روى؛ كانت هذه دلالة على صحة (من قبل)(١) عنه وحفظه، فإن انفردَ بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده؛ قُبِلَ ما ينفرد به من ذلك. ويُعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن (قبل العلم)(٢) من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وُجد ذلك؛ كانت دلالة تقوّي له مرسله، وهي أضعف من الأولى. - فإن لم يوجد ذلك نُظِرَ إلى بعض ما يُروى عن بعض أصحاب النبيِ وَّه قولاً له، فإن وُجد من يوافق ما روي عن رسول الله وَّ؛ كانت في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلاَّ عن أصل يصح إن شاء الله تعالى. - وكذلك إن وُجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما رَوى عن النبيِ لَّه. - ثم يُعْتَبَرُ عليه بأن يكون إذا سمَّى من روى عنه لم يُسمِّ مجهولاً ولا مرغوبًا عن الرواية عنه فيُستَدلُّ بذلك على صحته فيما روى عنه، ويكون إذا شارك أحدًا من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه وُجد حديثه أنقص؛ كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه، حتى لا یسع أحدًا قبول مرسله. قال: وإذا وُجدَت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله. ثم قال: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم واحدًا يقبل مرسله لأمورٍ: أحدها: أنهم أشدّ تجوّزًا فيمن يَرْوون عنه، والآخر: أنه وُجِدَ عليهم الدلائل (١) هكذا في خط، وفي ع: ((ما قيل)). والذي في خط هو الموافق لما في ((الرسالة)) و ((الكفاية)) للخطيب و (شرح العلل)) لابن رجب. (٢) هكذا في خط وع، وفي ((الرسالة)) و((شرح العلل)): (قبل عنه العلم)، وفي ((الكفاية)): ((قبل العلم عنه)) . ١١٣ = معرفة الحسن من الحديث فيما أرسلوا بضعف مخرجه، والآخر: كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه))؛ هذه عبارة الشافعي رحمه الله في ((الرسالة)). قال الثاني: لعل الباحث الفَهمَ يقول: إنَّا نجد أحاديثَ محكومًا بضعفها مع كونها قد رُويتْ بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: ((الأذنان من الرأس)) ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثَّالَه من نوّع الحسن؛ لأن (بعضه يعضد)(١) بعضًا، كما قلتم في نوع (الحسن؟)(٢). (وجوابه)(٣) أنه ليس كلٍ (ضعف) (٤) في الحدیث یزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يُزيله ذلك، بأن يكون ضعفُه ناشئًا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر، عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفُه من حيث الإرسال، زال بنحو ذلك، كما في المرسَل الذي يُرسلُه إمامٌ حافظ، إذ فيه ضعفٌ قليل، يزول بروايته من (وجوه أُخر)(٥). ومن ذلك ضعفٌ لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، وتقاعُد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متّهمًا بالكذب أو کون الحدیث شاذًا. وهذه جملةٌ تفاصيلُها تُدرَك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة. انتهى. اعترض عليه، بأنَّ حديث ((الأذنان)) أخرجه ابن حبان في صحيحه فكيف جعله (١) في ش وع: ((بعض ذلك عضد)). (٢) في ش وع: ((الحسن على ما سبق آنفًا؟)). (٣) في ش وع: ((وجواب ذلك)). (٤) هكذا في ش وع، وفي خط ((ضعيف)) - خطأ. (٥) في ش وع: ((وجه آخر)). ١١٤ النوع الثاني = ضعيفًا؟ وجوابه(١): أنه أخرجه من رواية شهر بن حَوْشب عن أبي أمامة، وشهُرُ ضعَّفَهُ الجمهور، ومع هذا فهو موقوف على أبي أمامة، فهو من قوله كما نَبَّه عليه أبو داود (عقب)(٢) تخريجه له، وكذلك الترمذي قالا: قال حماد بن زيد: لا أدري أهو من قول النبي وَّل أم أبي أمامة، وقال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة، وقال الترمذي: حديث ليس إسناده بذاك القائم. وروي من حديث جماعة من الصحابة، جمعهم ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) وضعفها كلها . قال: الثالث: إذا كان راوي الحديث متأخراً عن درجة أهل الحفظ والإتقان، غير أنه من المشهورين بالصدق (والسَّتْر)(٣) ورُويَ مع ذلك (من غير) (٤) وجه، فقد اجتمعت له القوةُ من الجهتين، وذلكَ يُرَقِّي حديثه من درجة الحسَنِ إلى درجة الصحيح. مثالُه: حديثُ محمد بن عمروٍ، عن أبي سلمةَ عن أبي هريرة أن رسولَ الله وَالد قال: ((لولا أن أشُق على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كلِّ صلاة)) فمحمد بن عمرو (١) في حاشية خط: (واعترض غيره بأنه صحّ من رواية عبد الله بن زيد التي خرجها ابن ماجه، عن سويد بن سعيد - وهو ممن خرج له مسلم، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة - وهو متفق عليه، عن شعبة عن حبيب بن زيد - وقد وثقه جماعة، عن عباد بن تميم - وهو متفق عليه، عن عبد الله بن زيد، ولذلك صحَّحه ابن حبان. وجوابه: أن التمثيل وقع بطرق متعدِّدة لم يصح شيء منها، وأما حديث ابن عباس: ((الأذنان من الرأس)) فقد رواه الدارقطني مع كثير من الطرق السابقة، وقال: كلها ضعيفة، ولم يروه من حديث عبد الله بن زيد، لكن قال ابن القطان: حديث ابن عباس الذي فيه: ((الأذنان من الرأس))؛ إما صحيح أو حسن)). (٢) هكذا في ع، وفي خط: ((وعقب)) - خطأ. (٣) هكذا في ش وخط، وفي ع: ((والترو)) - خطأ. (٤) في ش: ((حديثه من غير))، وفي ع: ((حديثه من)). ١١٥ معرفة الحسن من الحديث = ابن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان، حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحدیثُه من هذه الجهة حَسَنٌ، فلما انضم إلى ذلك كونه رُوي من أوجُهُ أُخَرَ، زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه وانجبر به ذلك النقصُ اليسيرُ، فصحّ هذا الإسنادُ والتحقَ بدرجة الصحيح. انتهى. وقد أخذ المصنّف هذ الكلام من الترمذيِّ، وقال: إنَّما صحَّ حديث أبي هريرة؛ لأنه قد رُوي من غير وجهِ، وأراد بذلك: مُتابعة شيخ محمد بن عَمْرو، وهو: أبو سلمة؛ فقد تابَعَهُ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وسعيد المقبريّ، وأبوه: أبو سعيد، وعطاء مولى أم حبيبة، وحميد بن عبد الرحمن، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وهو متفق عليه من طريق الأعرج، والمتابعة قد يُراد بها: متابعة الشيخ، وقد يُراد بها: شيخ الشيخ. قال: الرابع: ((كتابُ أبي عيسى الترمذي))، أصلٌ في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نَوّه باسمه وأكثر من ذكره في («جامعه» ويوجدَ في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله، كأحمد بن حنبلَ، والبخاري، وغيرهما. وتختلف النسخُ من ((كتاب الترمذي)) في قوله: ((هذا حديثٌ حسَنٌ) أو: ((هذا حديث حَسَنٌ صحيح)) ونخو ذلك. فينبغي أن تصحُّحَ أصلَك به بجماعة أصول وتعتمد على ما اتفقتْ عليه. ونَصَّ ((الدار قطني)) في ((سُنَّنَه)) على كثير من ذلك. ومن مظانِّه ((سنن أبي داود السجستاني)) روينا عنه أنه قال: ((ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه)). وروينا عنه أيضًا ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصحّ ما عرفه (فيه)(١)، وقال: «ما كان في كتابي من حديث فيه وَهَنٌ شديدٌ فقد بینته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضُها أصح من بعضً)). قلتُ: فعلى هذا، ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا، وليس في واحد من (١) في ش وع: ((في ذلك الباب)). ١١٦ النوع الثاني = الصحيحين، ولا نصّ على صحته أحدٌ ممنْ يُميِّزُ بينَ الصحيح والحسن؛ عرفناه بأنه من الحسَن عند ((أبي داود)) وقد يكون في ذلك ما ليس بحسَن عند غيره، ولا مندرجٍ فيما حققنا ضبطَ الحسَن به على ما سبق، إذْ حَكَى ((أبو عبد الله ابنُ منده الحافظ)) أنه سمع ((محمد بنَ سعد (البَاوَرْدِي)(١) بمصر)) يقول: ((كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي؛ أن يخرج عن كل من لم يُجمع على تركه)). قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني، يأخذ مأخذَه ويُخرَّج الإسناد الضعيف، إذا لم يجدْ في الباب غيره، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال)). انتهى. اعترض عليه؛ بأنّ غير الترمذيّ قد أكثر ذكر الحسن أيضًا؛ كيعقوب بن شيبة في ((مسنده))، وأبي علي الطوسي شيخ أبي حاتم؛ فيقولان: حسن صحيح. وجوابه: أنَّ الترمذيَّ أول من أكثر من ذلك لأنهما صنَّفًا كتابَيْهما بعد الترمذيّ، وكأنّ أبا علي خرَّجَ كتابه على كتاب الترمذيّ، وشاركه في كثيرٍ من شيوخه. وقد وقعَ التعبير بالحسن في كلام الشافعي رضي الله عنه، فقال في ((كتاب اختلاف الحديث)) قال ابن عمر: لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا .. الحديث؛ حديث ابن عمر مسند حسن الإسناد. صَلى الله وقال فيه أيضًا: وسمعتُ من يروى بإسناد حسنٍ أن أبا بكرة ذكر للنبي وَسَّلم أنه ركع دون الصَّف ... الحديث. واعترض على قوله ومن مظانه سنن أبي داود؛ فقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رُشَيْد: لا يلزم أن يُستفاد من كون الحديث لم ينصّ عليه أبو داود بضعف؛ ولا نصَّ عليه غيره بصحة أن يكون عند أبي داود حسنًا، إذ قد یکون عنده صحیحًا، وإن لم يكن عند غيره كذلك. واستحسنَ هذا الاعتراض أبو الفتح اليعمري في ((شرح الترمذيّ)) وليس بصحيح؛ لأنَّ رتبة الصحيح أعلى من الحسن، فليس لنا أن نُقدِم على التصحيح إلا بمستند، (١) من ش: ((البَاوَرْدي)) بتقديم الواو على الراء المهملة، وكتب عليها في إحدى النسخ للمقدمة: ((مدينة بخراسان)»، وفي خط، ع: ((البارودي)» بتقديم الراء. ١١٧ معرفة الحسن من الحديث وهو قد قال: إذا لم ينبِّه على ضعفه فإنه يكون صالحًا، أي للاحتجاج به(١)، ولا سيما إن كان أبو داود يرى أن بين الضعيف والصحيح مرتبة الحسن، وإلاّ فالاحتياط أن يقال: هو صالح، كما قال ابن الموَّاق. وتعقّب اليعمريّ ابنَ الصلاح بأمر آخر فقال: لم يرسم أبو داود شيئًا بالحسن، وعمله بذلك شبيه بعمل مسلم؛ أنه اجتنب الضعيف الواهي، وأتى بالقسم الأول والثاني، وكلاهما موجود في كتابه، فهلاً ألزم أبو عمرو مسلمًا ما ألزم أبا داود؛ لأنَّ معنى كلامهما واحد؟ . وقول أبي داود: ((وما يشبهه))،؛ يعني: في الصحة، ((وما يقاربه)) يعني: فيها أيضًا؛ فهو نحو قول مسلم: ليس كل الصحيح تجده عند مالك وشعبة وسفيان فاحتاج أن ينزل إلى مثل حديث ليث بن أبي سُلَيْم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق، وإن تفاوتوا في الحفظ والإتقان. وفي قول أبي داود: ((إنَّ بعضها أصح من بعض))؛ إشارة إلى القدر المشترك بينهما في الصحة . والجواب: أنَّ مسلمًا شرط الصحيح، بل الصحيح المجمع عليه، فليس لنا أن نحكم على حديث في كتابه بأنه حسن عنده لا عُرِفَ من قصور الحسن عن الصحيح، وأبو داود لم يشرط ذلك فافترقا. واعترضَ الحافظ ابن كثير فقال: إنَّ الروايات لسنن أبي داود كثيرة(٢)، ويوجد في بعضها ما ليس في الأخرى، ولأبي عُبيد الآجُرِّيّ عنه (أسوله)(٣) في ((الجرح والتعديل))، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في ((سننه)) (فقوله)(٤): ((ما (١) وسيأتي بيان قول أبي داود بأمثلته إن شاء الله ذلك ويسّره في ((شرح رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) يسّر الله اتمامه . (٢) قال ابن رشيد في ((ملءُ العيبة)) (٥/ ٢٤١): ((ورواية اللؤلؤى هي أصحّ الرّوايات، وهي آخر ما أملى أبو داود، وعليه مات رحمه الله، ذكر ذلك الوزير أبو بكر محمد بن هشام المصحفي في برنامجه)). (٣) في ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير، وع: ((أسئلة)). (٤) هكذا في كتاب ابن كثير، وفي ع: ((فقول ابن الصلاح: ما سكتَ عليه في سننه فقط أو مطلقًا ... )) ووقع في خط ((بقوله)) - خطأ . ١١٨ النوع الثاني = سَكَتَ عنه فهو حسن))؛ ما سَكَتَ عنه في سننه فقط أو مطلقًا؟ هذا مما ينبغي التنبيه عليه، والتفطّن له. وجوابه: أنَّ ذلك خاصٌ بما في السُّنَن، فإنَّ المصنّف قال: إنَّ من مظانِّ الحسن سُنن أبي داود، وأبو داود نفسه قال: ذكرتُ في كتابي هذا الصحيح ... إلى آخره، فكيف يحسن الاستفسار مع النصِّ على التخصيص بالسّنَن. قال: الخامس: ما صار إليه صاحب ((المصابيح)) من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: (صحَاح وحِسَان)(١) مُريدًا بالصحاح: ما ورد في أحد الصحيحين أو فيهما، وبالحسان: (ما في أبي داودَ)(٢) والترمذي وأشباههما في تصانيفِهم؛ فهذا اصطلاح لا يُعرف، وليس، الحسن عند أهل الحديث عبارةً عن ذلك، وهذه الكتُب تشتمل على حَسَنِ وغير (حسَنٍ)(٣). انتهى. وأجاب بعضهم عن صاحب ((المصابيح)) - وهو البغويّ - بأنَّه يُبَيِّن في (المصابيح)) عقب كل حديث كونه صحيحًا أو حسنًا أو غريبًا، فلا يَرِد عليه شيءٌ. ورُدَّ بأنّهُ لا يُبَيِّن الصحيح من الحسن فيما أورده من السُّنن، وإنما يسكت عليها، وإنما يُبَيِّن الغريب غالبًا، وقد يُبَيِّن الضعيف، كما قال في خطبة كتابه: وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرتُ إليه، وإنما (سَكَتَ عَنْ) (٤) تمييز الصحيح من الحسن في كتابي السُّنن لاشتراكهما في الاحتجاج بهما. قال: السادس: كُتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة - التي هي: الصحیحان، وسنن أبي داود وسنن النسائي، وجامع الترمذي - وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى (ما يُذكر فيها)(٥) مُطلقًا: كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند (١) في ش وع: ((الصحاح والحسان)). (٢) كذا في خط، وفي ش وع: ((ما أورده أبو داود)). (٣) في ش وع: ((حسن كما سبق بيانه)). (٤) الضبط من خط. (٥) في ش وع: ((ما یورَد فيها)). ١١٩ معرفة الحسن من الحديث = إسحاق بن راهويه، ومسند عبد بن حميد، ومسند الدارمي، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند البزار أبي بكر؛ وأشباهها. فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كلِّ صحابيٌّ ما رَوَوه من حديثه، غیر متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًا به؛ فلهذا تأخرتْ مرتبتُها - وإن جَلَّت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب. انتھی. اعتُرضَ عليه: كونه عدَّ مسند الدارمي في جملة هذه المسانيد مما أفْرِدَ فيه حديث كل صحابي وحده، وليس كذلك، وإنما هو مرتّب على الأبواب كالكتب الخمسة. وسُمِّي بالمسند كما سمّ البخاري بالمسند الجامع الصحيح، وإن كان مرتبًا على الأبواب لكون أحاديثه مسندة، إلاَّ أن مسند الدارمي كثير الأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة. واعترض أيضًا: بصحة بعض هذه المسانيد، فإن أحمد بن حنبل شرط في مسنده ألا يخرج إلاَّ حديثًا صحيحًا عنده؛ قاله أبو موسى المديني. وبأن إسحاق ابن راهويه يخرج أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي، ذكره عنه أبو زرعة الرازي . وبأن مسند الدارمي أطلق عليه اسم الصحيح غير واحد من الحفاظ، وبأن مسند البزّر بَيّنَ فيه الصحيح وغيره. وجوابه: أنَّا لا نُسلِّم أن أحمد اشترط الصحة في كتابه، والذي رواه أبو موسى بسنده إليه أنه سُئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند وإلاَّ فليس بحجة، وهذا ليس صريحًا في أن جميع ما فيه حجة، بل فيه: أن ما ليس في كتابه ليس بحجة، ويَرِد عليه حديث أم زَرْعٍ، وغيره من الأحاديث الصحيحة المخرّجة في الصحيح وليست في مسنده، (بل فيه المحقق الضعيف)(١) وفيه (١) هكذا في خط، وفي ع: «وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق، بل فيه أحاديث موضوعة، وقد جمعتها في جزء، وقد ضعف الإمام أحمد نفسه أحاديث فيه، فمن ذلك حديث عائشة مرفوعًا: ((رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا)) وفي إسناده ....... )). ١٢٠ النوع الثاني = الموضوع ما نبّه عليه الإمام أحمد نفسه وابن الجوزي وغيرهما، وقد جمعها الحافظ زين الدين العراقي، ثم في جُزْءٍ منها حديث عائشة مرفوعًا: ((رأيتُ عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوًا))، في إسناده عمارة بن زاذان، قال الإمام أحمد هذا حديث كذب منكر وعمارة يروى أحاديث مناكير، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات مما في ((المسند)). وحديث عمر رضي الله عنه قال: ((وُلِدَ لأخي أم سلمة زوج النبيِ وَلّ غلام، فسمّوه الوليد، فقال النبي ◌َّ: ((سميتموه باسم فراعينكم، ليكونَنَّ في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشر على هذه الأمة من فرعون لقومه)). ذكره ابن حبان في ((تاريخ الضعفاء)) في ترجمة إسماعيل بن عيَّاش، وقال: هذا خبر باطل. وذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) في موضعين. وحديث أنس قال قال رسول الله وَلَهُ: ((ما من مُعَمّر يُعَمَّر في الإسلام أربعين سنة إلا صرفَ الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين لَيَّنَ الله عليه الحساب، فإذا بلغَ ستِّين؛ رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين؛ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، وسُمِّي أسير الله في أرضه، وشفع لأهل بيته)) رواه أحمد مرفوعًا، ورواه موقوفًا على أنس، وعلّة (طريقة الرفع)(١): يوسف بن أبي ذرَّةً. قال ابن حبان يروى المناكير التي لا أصل لها ولا يحل الاحتجاج به بحال، وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) من طريق الرفع والوقف. وحديث عسقلان: روى بسنده إلى أنس قال: قال رسول الله وَظله: ((عسقلان (١) كذا في خط، وقد تحرّف اسم ((يوسف بن أبي ذُرَّ)) في مسند أحمد إلى: ((يوسف بن أبي بردة))، والصواب ((ابن أبي ذرَّة)) كما في ترجمة يوسف وهو مترجم في ((المجروحين)) لابن حبان و ((الميزان)) و((اللسان))، وكذلك في ((الإكمال)) للحسيني، وغير ذلك.