Indexed OCR Text

Pages 1-20

مؤلفات الإمام الكنوي
١
الزَّفْهُ
في
الجرح والتعديل
الإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي الكتوبي الهندي
وأمـ ١٢٦٤ وتوفي ١٣٠٤ هـ
رحمه الله تعالى
حَقّقُهُ وَخَرَجَ نُصُوصَهُ وَعَلَّقَ عَلَهُ
عبد الفتاح أبو غدة
مكتبة إبن تيمية
لطباعة ونشر الكتب السلفية

' --
حقوق الطبع محفوظة الناشر

٣
بِسْمِللهِ الرَّحْمنِ الرَّحْيَجِـ
الحمد لله الذي بعث لهداية خلقه رسلاً وأنياء وخصَّهم بمزيد
التعظيم والتبجيل . وَجَعَلٍ مِن أشرفهم وساداتهم وأكلهم ورؤسائهم
سيدنا محمداً المنعوتَ بغاية التكريم والتفضيل، وَجَعَل شريعته
من بين الشرائع السماوية موصوفةً باليسر والتسهيل . وَنَسخ بها
جميعَ الأديان والمِلَل، وأبطل بها شِرْكَ الأوثان والنحَل ، وأدامها
إلى يوم التهويل. فسبحانه من إلهِ جلّت قدرته، وعُظمت هيبته،
تعالى عما يصفه الظالمون به من التشبيه والتجسيم والتعطيل . وتنزًّ.
عن التجانس والنشاءه والتمثيل. ولله المثلُ الأعلى في السموات العُلى
والطبقات السفلى، ليس كمثله شيء في الأولى والأخرى في أوصاف
التكميل. أشهد أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ولا ضدَّ
له، ولا ندَّ له، ولا منا قض له، ولا معارض له يعارضه في التدبير
والتعميل . أحمده حمداً كثيراً على أن حفظ شريعة سيد أنيأه من
التغيير والتبديل . وَبَعث في أمتهُ فضلاء وُنقَّادا، وكُبَلاء
وُزُمَّادا ، اهتموا بحفظ آثار سيهم ، واقتدوا بأخبار شفيعهم،
. وتكلموا في مراتب الجرح والتعديل. وألهمهم كيفية رواية

الأحاديث وحملها ، والبحث عن وصلها وَفصْلِها ، وعن حسنها
وصحتها وضعفها وقوتها، وعن نقد أسانيدها بحسن التأصيل. فصارت
الأحاديث المُصْطَفيَّة والآثار الشرعيَّة منقَّةً ومصفَّاة من كل
مفسدة وتجهيل . وأشكره شكراً كبيراً على أن وَعَدَ على رأس
كل مائة من مئات هذه الأمة، بأن يبعث فيها منها من يجدّدُ
لها ديتها (١)، وتقيم لها طريقتها، ويحفظها من مكايد(٣) أصحاب
(١) يشير إلى الحديث الذي رواه أبو هريرة مرفوعاً: ((إن الله يبعث
لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لما دينها ». أخرجه أبو داود في
(سفته)) في أول كتاب الملاحم (١٠٩/٤) والحاكم في ((المستدرك)» في كتاب
الفتن (٥٢٣/٤) والبيهقي في كتاب ((المعرفة)). وهو حديث صحيح كما نص
عليه الحافظ العراقي والحافظ ابن حجر وغيرهما . قال العلقمي : معنى التجديد
إحياءُ ما اندرس من الكتاب والسنة، والأمرُ بمقتضاهما. وقال العلامة علي
القاري في «المرقاة شرح المشكاة)): (٢٤٨/١): ((ولا مك أن هذا التجديد أمر"
إضافي، لأن العلم كلّ سنةٍ في التنزل كما أن الجهل كلّ عامٍ في الترقي، وإنما
يحصل ترقي علماء زماننا بسبب تنزل العلم في أواننا !! وإلا فلا مناسبة بين
المتقدمين والمتأخرين علماً وعملًا وحلماً وفضلًا وتحقيقاً وتدقيقاً».
(٢) وقع في الأصلين: ( مكائد ) بالهمزة وهو غلط شائع ! صوابه:
( مكايد) بالياء لا غير، لأن الياء فيه من أصل الفعل، لا مزيدة كصحائف،
كما هو مقرر في موضعه من كتب الصرف والنحو . ويشبه هذا الخلط:
الغلط في لفظ (مشايخ) فيكاد يجمع في مطبوعات إخواننا علماء الهند على
كتابته بالهمزة، وهو غلط قاطع. ومن اللطائف ما قلته لبعض العلماء
في الهند جين زرتها: إذا قيل لي: لماذا جئت إلى الهند ؟ فالجواب: جئت
لأقول: لا تهزوا ( المشايخ) فإن ( همز ) المشابخ لا يجوز.

التسويل. وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله، وصفيُه
وخليُله، ونجيهُ وحبيبُه، الذي جاءنا من عندٍ ربنا بالشريعة السهلة
البيضاء ، وهدانا إلى الطريقة الحسنة الغراء ، جزاه الله عنا خير
الجزاء ، في الابتداء والانتهاء، وأوصله إلى أعلى درجات التفضيل . اللهم
صلّ عليه صلاة(١) تامةً زاكية دائمة شاملة وعلى جميع أصحابه
وأتباعه صلاة تنجينا من كل تهويل، وتحفظنا من كل تشكيل.
(١) أفرد المؤلف الصلاة بالذكر ولم يصحبها بالسلام، وقد وقع ذلك
في فاتحة ((صحيح مسلم)) و((الرسالة)) للامام الشافعي (ص ١١ و١٧) و(التاريخ
الكبير)) البخاري في مواضع كثيرة، منها: (٨/١ و ١٠ ٠ ١١ و١٢ و ١٨ ١٩٥
و٦٨) وغيرها، وفي خطبة ((المهذب)) لأبي إسحاق الشيرازي، وخطبة (الروض)
لشرف الدين المقري الشافعي، وفي جميع كتاب ((تقييد العلم)» للخطيب
البغدادي الذي طبع بدمشق سنة ١٣٦٩، وجميع كتاب ((بلاغات النساء))
لابن طيفور، وفي كتاب ((المجنى)) لابن دريد، وكتاب ((المحبّر)) لابن
حبيب، وكتاب ((الأضداد)) الأنباري، وكتاب ((حذف من نسب قريش))
المؤرّج السدوسي المتوفى سنة ١٩٥، وكتاب ((المصون)) لأبي أحمد العسكري
وغيرها من الكتب .
وقد اختلف العلماء في جواز إفراد أحدهما عن الآخر اختلافاً طويل
الكلام ، والذي حط عليه كلام المحققين منهم أن الافراد خلاف الأولى، وانظر
الوقوف على أقوال العلماء في ذلك: ((مجلى الأسرار والحقائق فيما يتعلق بالصلاة
على خير الخلائق)، للعلامة الشيخ أحمد البغيني المغربي المتوفى سنة ١٣٤٨
(ص ٤٨ - ٥١) منه، و «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم)» العلامة شبير
أحمد العثماني الهندي المتوفى سنة ١٣٦٩ (١ /١١٠) رحمها الله تعالى .

وبعد : فيقول الراجي عفو ربه القوي، أبو الحسنات محمد
عبد الحي اللكنوي، تجاوزَ الله عن ذنبه الجلي والخفي، ابنُ مولانا
الحاج الحافظ محمد عبد الحليم ، أدخله الله دار النعيم:
هذه رسالة رشيقة، وأُعمالة أنيقة، اسمها يخبر عن رسمها
وفحواها يشعر بمعناها، أعني:
الزّمع والتيتكيل في الجرح والتعديل
بَعَتّي على تأليفها ما رأيت من كثير من علماء عصري،
وفضلاء دهري ، من ركوبهم على متن عمياء ، وخبطهم كخبط.
العشواء، تراه في بحث التعديل والجرح، من أصحاب القَرح، فهم
كالحُبارى في الصَّحارى ، والسكارى في الصَّحارى، وما ذلك إلا
لجهلهم بمسائل الجرح والتعديل ، وعدمٍ وصولهم إلى منازل الرفع
والتكميل، كم من فاضلٍ قدَ جَرَّح الأسانيد الصحيحة ، وكم من
كامل قد صحَّح الأسانيد الضعيفة ، يصححون الضعيف ويضعفون
القوي ، ولا يهتدون إلى الصراط السوي ، تراه قد ظنوا نقل الجرح
والتعديل من كتب نقاد الرجال. كه تهذيب الكمال) للحافظ المزي،
و((ميزان الاعتدال)) للذهبي، و(تهذيب الهذيب))، ((وتقريب التهذيب)»،
و((المغني))، و((كامل)) ابن عدي، و((لسان الميزان))، وغيرها من

٧
·كتب أهل الشأن - أمراً يسيرا، وماتركوا في هذا الباب فِطِيراً
ونقيرا، مع جهلهم باصطلاحات أمة التعديل والجرح، وعدمٍ فرقهم
بين الجرح المبهم والجرح الغير (١) المبهم، وبين ما هو مقبول وبين
ما هو غير مقبول عند ◌َلة ألوية الشرع، وبُعْد مداركهم عن
إدراك مراتب الأئمة، من معدّلي الأمة، أوَ ما علموا أن الدخول
في هذه المسالك الصعبة، التي زلَّت فيها أقدامُ الكَمَلة، أمرٌ عظيم ،
لا يتيسر من كل حبرٍ كريم، فضلاً ممن يتصف بالسالك في أودية
الضلال، والخابط في ظلماء الليال ) !! أوَ ما فهموا أنّ لكل مقام مقال(٢)،
ولكل فن رجال (٢)، وأنَّ جرحَ من هو خال عنه في الواقع، وتعديل
من هو مجروح في الواقع ، أمر ذو خطر، لا يليق بالقيام به كل
بشر؟! فأردت أن أكتب في هذا الباب رسالة شافية ، وحجالة كافية ،
تشتمل على علالةٍ (٣) فوائد المتقدمين، وُسلالةٍ فرائدِ المتأخرين،
أذكر فيها مسائل متعلقةً بالجرح والتعديل ، ومناهلَ مربوطةً بأئمة
الجرح والتعديل ، لتكون مفيدة وهادية ، إلى الطريقة النقية الصافية ،
(١) هكذا جاء في الأصلين، وهو استعمال خاطئ ، وغلط شائع،
لما ◌ُجمع فيه من إدخال ((أل)) على ((غير)) مع الاضافة الى ما فيه ((أل))،
وصوابه أن يقال ( الجرح غير المبهم) .
(٢) كذا في الأصلين، وحقه أن يرسم بالألف. ولكن المؤلف
راعى فيه السجعات السابقة جرياً منه على لغة ربيعة إذ تجيز ذلك.
(٣) جاء في أحد الأصلين: ( غلالة) . وهو تحريف .

فدونك كتاباً ◌ُروي كلَّ غليل، وَيشفي كلِّ عليل،ُ يرشدك إلى
سواء الطريق، وُنجيك من كل حريق، وُيُعلّمك ما لم تكن تعلم،
وُيفهمك ما لم تكن تفهم ، وسنقول بعد الاطلاع على ما فيه من
كنوز الفوائد، وُدُرر الفرائد: هذا محر زاخر، كم ◌َرَك الأولُ
للآخِرِ (١). وأرجو من كل من ينتفع به أن يدعولي بحسن الخاتمة،
وخير الدنيا والآخرة، وأسأل الله تعالى أن يقبله مع سائر تصانيفي ويجعله
لوجهه الكريم، إِنه ذو الفضل العظيم، وأن يُحتّب أقلامي من الخطأ
وَالْخَطّل ، وأقدامي من السهو والزلل، وأن يحفظني من التوصيف
بمجدّد(٢) الأغلاط، ومحدّد الأشطاط، آمين يا رب العالمين.
وهذه الرسالة مرتبة على مقدمة مشتملة على الأمور المهمة
ومراصدَ عديدة (٢)، متضمنة على مقاصد سديدة .
(١) نعم لقد صدّق المؤلف هذا القول بتآليفه النافعة، وفي
طليعتها هذا الكتاب . وما أصدق كلمة الامام ابن مالك النحوي
في أول كتابه ((التسهيل)» إذ يقول: ((وإذا كانت العلوم منها
الحية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يُدخر لبعض المتأخرين،
ما تَسُر على كثير من المتقدمين ، نعوذ بالله من حد يسبد باب الانصاف ،
ويعد عن جميل الأوصاف»
(٢) يُلمّح المؤلف رحمه اله تعالى بعضْريّه: الشيخ صدِّيق حسن
خان، وقد سبقت الاشارة اليه في «التقدمة)).
(٣) هي أربعة مراسد

المقدّمة
فيما يتعلق بحكم جرح الرواة وتعديلهم ، وما يجب فيه
من التثبت والتحري لقولهم وفعلهم ، وما ◌ُيُحذّر من
المبادرة إلى الجرح بلا ضرورة ، وما لا يجوز من
الجرح ونقله ، وما يجوز منه، ولنذكر ذلك في
إيقاظات عديدة (١) مشتملة على إيماضات سديدة .
إيقاظ ١٠-
ذكر النووي (٢) في ((رياض الصالحين)) والغزالي في
((إحياء علوم الدين (٥)) وغيرُهُما في غيرِهما أن غيبة الرجل حياً وميتاً
(١) اشتمل هذا الكتاب على (٢٥) إيقاظاً.
(٢) هو شارح ((صحيح مسلم)) شيخ الاسلام يحيى بن شرف محي الدين
النووي، نسبة الى قرية من قرى (دمشق، المتوفى سنة ٦٧٧ سبع وسبعين بعد
ستمائة. وقيل: سنة ٦٧٦ ست وسبعين. منه رحمه الله. قلت: وعليه الجمهور.
(٣) في باب ما يباح من الغيبة (ص ٥٣٨).
(٤) هو حجة الاسلام محمد بن محمد بن محمد الطومي مجدد المائة الخامسة
المتوفى سنة ٥٠٥ خمس وخمسائة . منه رحمه الله.
(٥) في كتاب آفات اللسان (٦٥/٩) من طبعة لجنة نشر الثقافة الاسلامية.

◌ُباح لغرضٍ شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهي ستة:
الاول: التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلم الى السلطان
والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه
(١)
فيقول : فلان ظلمني كذا .
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر وردّ العاصي إلى الصواب،
فيقول: لمن يرجو منه إزالة المنكر : فلان يفعل كذا فازجره .
الثالث: الاستفتاء ، فيقول للمفتي : ظلمني أبي بكذا، فما
سبيل الخلاص منه ؟
الرابع : تحذيرُ المؤمنين من الشر ونصيحتهم ، ومن هذا
الباب : المشاورةُ في مصاهرةٍ إنسان أو مشاركتهِ أو إيداعِهِ
أو معاملتِهِ أو غير ذلك. ومنه: جَرْحُ الشهود عند القاضي،
وَجَرْحُ رواة الحديث، وهو بائر بالاجماع، بل واجبٌ الحاجة
ومنه: ما إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسقٍ يأخذ عنه العلم
وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك فنصحه ببيان حاله بشرط أن يقصد
النصح، ولا يحمله على ذلك الحسدُ والاحتقار.
الخامس : أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته ، فيجوز ذكره
(١) في الأصلين: ( من مظلومه). وهو سهر قلم

١١
بما بجاهر به دون غيره من العيوب .
السارسى : التعريف، كأن يكون الرجل معروفاً بوصف يدل على
عيب، كالأعمش والأعرج والأسم والأعور والأحول وغيرها .
فهذه ستة أبواب (١)، ويُلحق بها غيرُها مما يناظرها ويشابها،
ودلائلها في كتب الحديث مشهورة ، وفي كتب الفن مسطورة .
إيقاظ - ٢-
لمَّا كان الجرح أمراً صعباً - فانَّ فيه حقَّ الله مع حق
الآدمي، وربما يُورِثُ مع قطع النظر عن الضرر في الآخرة ضرراً
في الدنيا، من المنافرة والمقت بين الناس، وإنما جوّز للضرورة
الشرعية - حكموا بأنه لا يجوز الجرحُ بما فوق الحاجة، ولا
الاكتفاء على نقل الجرح فقط فيمن وُجدَ فيه الجرح والتعديل
كلاهما من النقاد، ولاَ جرْحُ مَنْ لا يحتاج إلى جرحه، ومَنموا
من جرح العلماء الذين لا يحتاج اليهم في رواة الأحاديث بلاضرورة
شرعية . ولنذكر بعض عبارات العلماء الدالّة على ما ذكرنا :
(١) كذا في الأصلين، وعبارة النووي: ( سنة أسباب) وهي أوجه .
وقد ساق كلّ من الغزالي والنووي في كتابها أدلة إباحة الغيبة لهذه الأسباب،
وسبق في ((التقدمة)) ذكر أدلة الاباحة الجرح والتعديل بتوسع .

١٢
قال السَّخاوي (١) في ( فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (٣).
لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل واحد. انتهى.
وقال الذهبي في ((ميزان الاعتدال(٤))): كذلك من تكلم
فيه من المتأخرين لا أُورِدُ منهم في هذا الكتاب إلا من قد تَبَّين
ضَعفُه واتضح أمره ، إذ العمدة في زمانا ليس على الرواة ، بل على
المحدثين والمفيدين والذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء
السامعين، ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره ، فالحدّ
(١) هو الحافظ محمد بن عبد الرحمن شمس الدين السخاوي، نسبة الى ستخا
من أعمال مصر، المتوفى سنة ٩٠٢ اثنتين وتسعمائة، لا سنة ٨٦٠ ستين بعد
ثمانمائة كما ذكره غير ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا في كتابه («إتحاف النبلاء)
وقد ذكرت ترجمته ونبذاً من أحواله في ((إبراز الغي)، وفي ((تذكرة
الراشد )) . منه رحمه شه
(٢): (ص ٤٨٢). ونقل السخاوي فيها عن العز بن عبد السلام أنه قال
في («قواعده)): «إنه لا يجوز الشاهد أن يجرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء.
بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة، فيقدر بقدرها، ووافقه عليه
القراني ، وهو ظاهر)).
(٣) هو شيخ الا سلام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى
سنة ٧٤٨ ثمان وأربعين بعد سبعمائة، لا سنة ٧٤٦ سنة وأربعين كما ذكره
غير ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا في ((إتحاف النبلاء)، وقد ذكرت ترجمته
في ((إبراز الفي الواقع في شفاء العي)). منه رحمه الله.
(٤) : (٤/١) .

١٣
الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأسُ سنة (١) ثلاثمائة. انتهى.
وقال السيوطي (٣) في رسالته ((الدوران الفَلَكي على ابن
الكَركي)) عند ذكر وجوه طعنه على معاصره السخاوي : الثالث
أنه ألف تاريخاً ملاء بغيبة المسلمين ، ورمي فيه علماء الدين
بأشياء أكثرُها مما يكذب فيه ويعين ، فألَّفت المقامة التي سميتها
((الكاوي في تاريخ السخاوي)) نزهت فيها أعراض الناس،
وهدمت ما بناه في تاريخه الى الأساس . انتهى.
وقال السيوطي أيضاً في رسالته («الكاوي في تاريخ السخاوي)»:
الغرض الآن بيانُ خطئه فيما قلبَ (٣) به الناس، وكشط ما ضمّنه
في تاريخه بالقياس ، فقد قامت الأدلة في الكتاب والسنة على تحريم
احتقار المسلمين، والتشديد في غِيبتهم بما هو صدق وحق ، فضلاً
عما يكذب فيه الجارح ويمين . فان قال : لابد من جرح الرواة
والنقلة، وذكر الفاسق والمجروح من الحملة، فالجواب :
(١) لفظ (سنة) غير موجود في الأصلين، وهو موجود في ((الميزان)).
(٢) هو جلال الدين عبد الرحمن السيوطي مجدد المائة التاسعة، المنوفى
سنة ٩١١ احدى عشرة بعد تسعمائة، وقد ذكرت ترجمته في التعليقات
السنية على ((الفوائد البهية)). منه رحمه الله.
(٣) في الأصلين: (سلب). وهو سهو قلم، إذ معنى (سلب): اختلس.
ولا يتقبل المقام هنا، أما ( ثلب ) فمعناه : لام وعاب ، وهو المناسب هنا .

١٤
أولاً: أن كثيراً ممن جَرحهم لا رواية لهم ، فالواجب فيهم
- شرعاً - أن يسكت عن جرحهم ويهمله
وثانياً: أنّ الجرح إنما جوّزٍ في الصدر الأول حيث كان
الحديث يؤخذ من صدور الأحبار لا من بطون الأسفار، فاحتيج
اليه ضرورة الذب عن الآثار ، ومعرفة المقبول والمردود من
الأحاديث والأخبار، وأما الآن فالعمدةُ على الكتب المدونة. غاية.
ما في الباب: أنهم شرطوا لمن يُذكر الآن في سلسلة الإسناد ،
تَصُوَنَهُ " وثبوتَ سماعه بخط من يصلح عليه الاعتماد، فإذا احتيج
الآن إلى الكلام في ذلك اكتُفي بأن يقال: غيرُ مصونٍ أو مستور،
وبيان أن في سماعه نوعاً من التهور والزور، وأما مِثْلُ الأئمة
الأعلام ومشايخ الاسلام كالبُلْقني والقاباني والقَلْقَشَنْدي
والمُنَاوي ومن سلك في جوادم، فأي وجه للكلام فيهم، وذكرٍ
ما رمام الشعراء في أحاجيهم ؟! انتهى.
وقال السُّخاوي في ((فتح المغيت (٢))): ولذا تعقَّب ابنُ
دقيق العيد ابن السمعاني في ذكره بعض الشعراء والقدحِ فيه،
بقوله: إذا لم يضطر فيه إلى القدح فيه للرواية لم يجز. ونحوهُ
(١) في الأصلين: (وتصوينه). وهو سهو كما ترى.
(٢): ( ص ٤٨٢) .

١٥
قولُ ابن المرابط: قد دُوّنت الأخبار وما بقي للتجريح
بل انقطعت على رأس أربعمائة . انتهى.
وقال الذهبي في (ميزانه))(٧) في ترجمة ( أبان بن يزيد العطار):
قد أورده أيضاً العلامة ابن الجوزي في ((الضعفاء)) ولم تذكر فيه
أقوال من وثّقه، وهذا من عيوب كتابه: يسرد الجرح ويسكت
عن التوثيق . انتهى .
قلت: هذه النصوص لعلها لم تقرع صماخ أفاضل عصرنا وأمائل
دهرنا؛ فإن شيمتهم أنهم حين قصدم بان ضعف رواية نقلون من
كتب الجرح والتعديل الجرح دون التعديل ، فيوقعون العوام في
المَغْلَطة لظنهم أن هذا الراوي عارٍ عن تعديل الأجلَّة. والواجبُ
عليهم أن ينقلوا الجرح والتعديل كليها ثم يرحجوا - حسبما يلوح لهم
- أَحَدَهما. وَلَمَشْرِي تلك شيمة محرّمة وخَصلة مخرّمة.
ومن عاداتهم السيئة أيضاً: أنهم كلّما ألّفوا سِفراً في تراجم
الفضلاء ، ملأوه بما يستنكف عنه النبلاء ، فذكروا فيه المسايب
والمثالب في ترجمة من هو عنده من المجروحين المقبوحين ، وإن كان
جامعاً للمفاخر والمناقب. وهذا من أعظم المصائب ، تفسد به ظنون
العوام، وتسري به الأوهام في الأعلام .
(١) : (٩/١ ) .

١٦
ومن عاداتهم الخبيئة: أنهم كلما ناظروا أحداً من الأفاضل
في مسألة من المسائل ، توجهوا إلى جرحه بأفعاله الذاتية، وبحثوا عن
أعماله العرضية، وخلطوا ألف كذبات بصدق واحد ، وفتحوا
لسان الطعن عليه بحيث يتعجَّب منه كل ساجد ، وغرضهم منه
إسكاتُ مخاصهم بالسب والشّم ، والنجاةُ من تعقب مقابلهم بالتعدي
والظلم، بجعل المناظرة مشاعة ، والمباحثة مخاصمة . وقد نبهت على
قبح هذه العادات، بأوضح الحجج والبينات، في رسالتي «تذكرة
الراشد برد بصرة الناقد (١))).
إيقاظ - ٣-
يُشترط في الجارحِ والمعدّل: العلمُ والتقوى والورعُ والصدقُ
والتجنبُ عن التعصب ومعرفةُ أسباب الجرحِ والتزكية . ومن
ليس كذلك لا يقبل منه الجرح ولا التزكية.
قال التاج السبكي (٣): من لا يكون عالماً بأسبابهما - أي
(١) سبق الحديث عنها مستوفى في ((التقدمة)).
(٣) هو تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب السُّنْكي، نسبة إلى (سُبْك)
بالضم ، قرية بمصر، المتوفى سنة ٧٧١ إحدى وسبعين بعد سبعمائة ، وهو
ولد النقي علي السبكي، وقلميذ الذهبي . منه رحمه الله .

١٧
الجرح والتعديل - لا يقبلان منه لا باطلاقٍ ولا بتقييد(١) . انتهى.
وقال البدر بن جمّاعة (٢): من لا يكون عالماً بالأسباب لا
يُقبل منه جرح ولا تعديل لا بالاطلاق ولا بالتقييد. انتهى.
وقال الحافظ(٢) ابن حجر في شرح( نخبته))(٤): إن صَدَر الجرحُ
من غير مارف بأسبابه لم يُعتَبر به . انتهى. وقال أيضاً (٥): تُقبل
التزكية من عارف بأسبابها لا مِن غير عارف ، وينبغي أن لا يُقبل
الجرحُ إِلا مِن عدلٍ متيقظ . انتهى.
وقال الذهبي في ترجمة (أبي بكر الصديق) من كتابه «تذكرة
الحفاظ(٦))): حقٌ على المحدّث: أن يتورع فيما يؤدّيهِ، وأن يسأل
(١) نحو هذا المعنى في ((جمع الجوامع)، السبكي (١١٢/٢) بشرح المحلي.
(٢) هو القاضي محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة أبو عبد الله بدر الدين
الحموي الدمشقي المصري ، له ((مختصر في أصول الحديث)) فرغ منه سنة ٦٨٧
وله غير ذلك، وكانت وفاته سنة ٧٣٣، كذا في ((طبقات الشافعية)) لابن شهبة
الدمشقي . منه رحمه اله .
(٣) هو الشيخ أحمد بن علي المصري مؤلف ((فتح الباري)) و ((تقريب
التهذيب)، و(تهذيب التهذيب)، و ((لسان الميزان)) وغيرها، المتوفى سنة
٨٥٢، لا سنة ٨٥٨ كما ذكره غير ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا في كتابه
((أحمد العلوم)). منه نور الله ضريحه بالنور الأزهر الى قيام المحشر.
(٤): (ص ١٣٧) من ((لقط الدور بشرح متن نخبة الفكر)).
(٥) : ( ص ١٣٥ ) .
(٦): (٤/١) من الطبعة الثالثة .

١٨
أهل المعرفة والورع ليمينوه على إيضاح مروياته ، ولا سبيل إلى
أن يصير العارف - الذي يزكِي نَقَلة الأخبار ويجرحهم -
جِهْبِذاً (١) إِلا بادمانِ الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة
المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدينِ المتين
والانصاف، والتردد إلى العلماء والاتقان، وإِلا تفعل :
فَدَعْ عنكَ الكتابةَ لستَ منها
ولو سَوَّدتَ وجهك بالمِداد
فان آنستَ من نفسك فهماً وصدقاً وديناً وورعاً، وإلا فلا
تفعل(٢) ، وإِن غلب عليكَ الهوى والعصبيةُ لرأيٍ وَلمذهب، فبالله
لا تَشْعب، وإِن عرفت أنك مخلّط مخبّط مهمِلٌ لحدود الله فأرحنا
منك . انتهى .
وفي ((فواتح الرَّحُوت (٣) شرح مسلم(٤) الثبوت)): لا بد
المزكي أن يكون عدلاً عارفاً بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون
(١) أي نقاداً خبيراً
(٢) الذي في ((تذكرة الحفاظ)) من الطبعة الثالثة المطبوعة سنة ١٣٧٥
المقابلة بنسخة الحرم المكي: ( فلا تَنَعَنَّ).
(٣) لبحر العلوم مولانا عبد العلي بن ملاً نظام الدين اللكنوي المتوفى
سنة ١٢٢٥ خمس وعشرين بعد الألف والمثتين . منه رحمه الله.
(٤) : (٢ /١٥٤) .

١٩
منصفاً ناعماً، لا أن يكون متعصباً وُمُعجَبًا بنفسه؛ فانه لا اعتداد
بقول المتعصب، كما قدَح الدار قطنيُّ في الامام الهُمام أبي حنيفة
رضي الله عنه بأنه ضيف في الحديث . وأيُّ شناعة فوق هذا ؟!
فانه إِمامُ ورِعٌ تقيّ نقيّ خائفٌ من الله، وله كرامات شهيرة ،
فبأيّ شيءٍ تطرّق إِليه الضعف؟ !.
فتارة يقولون: إِنه كان مشتغلاً بالفقه. انظر بالانصاف أي*
قبحٍ فيما قالوا؟ ! بل الفقيهُ أولى بأن يؤخذ الحديث منه(١).
ومارة يقولون: إنه لمُ بَلاق أمّ الحديث إِما أَخَذ ما أَخَذ
من حَمَّد . وهذا أيضاً باطل ، فانه رَوى عن كثير من الأئمة
كالامام محمد الباقر والأعمش وغيرهما. مع أن حمَّاداً كان وماء
للعلم، فالأخذُ منه أغناه عن الأخذ عن غيره. وهذا أيضاً آيةٌ على
وَرَعه وكمالِ نقواه وعلمه ، فانه لم يكثر الاساتذةَ لثلا تكثر
٢
الحقوقُ فيخاف عجزه عن إِيفائها .
وتارة يقولون: إِنه كان من أصحاب القياس والرأى(٢)
(١) انظر مصداق هذا في الباب الذي عقده الامام ابن أبي حاتم الرازي
في كتابه («الجرح والتعديل)): (١ /٢٤ - ٢٧).
(٢) قال شيخنا الامام محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى: «وردت في
الرأي آثار تذمه، وآثار تمدحه، والمذموم: هو الرأي عن هوى، =.

٢٠
= والممدوح هو استنباط حكم النازلة من النص، على طريقة فقهاء الصحابة
والتابعين وتابعيهم، برد النظير إلى نظيره في الكتاب والسنة. وقد خرّج
الخطيبُ غالب تلك الآثار في ((الفقيه والمتفقه)) وكذا ابن عبد البر في ((جامع
بيان العلم)، مع بيان مواردتلك الآثار. والقولُ المحتم في ذلك: إن فقهاء الصحابة
والتابعين وتابعيهم جتروًا على القول بالرأي بالمعنى الذي سبق، أعني استنباط
حكم النازلة من النص، وهذا من الاجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها ...
فالرأي بهذا المعنى وصفٌ مادح يوصف به كل فقيه، ينىُ عن دقةٍ الفهم
وكمالِ الغوص، ولذلك تجد ابن قتيبة يذكر في كتاب ((المعارف)، الفقهاء
بعنوان ( أصحاب الرأي ) ويَعُدُّ فيهم الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك"
ابن أنس رضي الله عنهم. وكذلك تجد الحافظ محمد بن الحارث الحُشْتِي يذكر
أصحاب مالك في كتاب ((قضاة قرطبة)) باسم أصحاب الرأي، وهكذا
يفعل أيضاً الحافظ أبو الوليد الفرضي في كتاب ((تاريخ علماء الأندلس)).
وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي في شرحه على ((الموطأ)): (٣٠٠/٧) والحافظ
ابن عبد البر أيضاً - حتى إنه حينها شرح كتاب الموطأسماء: ((الاستذكار
لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار -
وبهذا يتبين أنه تنزيل الآخر الواردة (في ذم الرأي عن هوى) في فقه
الفقهاء وفي ردهم النوازل - التي لا تنتهي الى انتهاء تاريخ البشر - إلى المنصوص
في كتاب الله وسنة رسوله: إنما هو هوىّ بشعٌ تنبذه حجَجُ الشرع. وأما
تخصيص الحنفية بهذا الاسم فلا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط،
فالفقهُ حيثما كان يصحبه الرأي، سواء كان في المدينة أو في العراق. وطوائف
الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد بما لاح لهم من الدليل ، وهم
متفقون في الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يقتصرون على
واحد منها ... قال سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في شرح (مختصر
الروضة)) في أصول الحنابلة: واعلم أن أصحاب الرأي تجسب الآضافة هم كل
من تصرّف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميعَ علماء الاسلام، لأن كل
واحدٍ من المجتهدين لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق=