Indexed OCR Text
Pages 1-20
وَ الدَّعـ الحَافِظ الإمَام ◌ِ النَّاسِمُ سُلِيمَان بْ أحْمَدِ الطَّبَافِي (٢٦٠ - ٢٦٠ ٥) دراسة وتحقيق وتجيج الدكتور محمد سعيد بن محمد حسن الجاري دَارُ الَشَرِ الإسْلامِيَّة الحدث ، وَهَ الدَّعـ ر للحَافِظ الإمَامِ أِالقَاسِمْ سُلِيمَانِ بْ أحْمَد الطّبْرَانِي (٢٦٠ - ٣٦٠ هـ) دراسة وتحقيق وتخريج الدكتور محمد سعيدبن محمد حسن التجاري أستاذ مساعد بجامعة أم القرى بمكة المكرّة كَلّة الدّعوة وأصول الدّين الَجَلُّ الأوّل دَارُ الَِّ الإسْلامِيَّة هذا الكتاب رسالة حصل بها الباحث على درجة الدكتوراه من كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وبتقدير ممتاز، ونوقشت في ٢٨ شعبان ١٤٠٥هـ. وأوصت لجنة المناقشة بطبع الكتاب. حقوق الطّبْع محفوظة الطّبْعَة الأولىَ ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م دَار البشائر الإسْلاميّة للطباعة والنشروالتوزيع بيروت-لبنان -ص.ب: ٥٩٥٥-١٤ تمهيد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أهل الحمد ووليه، والهادي إليه والمثيب به، أحمده بأرضی الحمد له وأزكاه لديه، على تظاهر آلائه وجميل بلائه، حمداً يكافي نعمه، ویوافي مننه، ويوجب مزيده، وأسأله أن يشغلَنا بذكره ويلهجنا بشكره، وينفعنا بحب القرآن واتباع الرسول عليه السلام وحسن القبول لما أردناه. ويصْرفنا عن سبل الجائرين إلى سواء السبيل، وينّر بالعلم قلوبنا، ويفتّح بالحكمة أسماعنا، ويستعمل بالطّاعة أبداننا، ويجعلنا ممن صمت ليسلم، وقال ليغنم، وكتب ليعلم، وعلم ليعمل، ونعوذ بالله من حيرة الجهل، وفتنة العلم وإفراط التعمق، وأن يشغلنا التكاثر بالعلم عن التفقه فيه، وأن يسلك بنا إليه في غير طريقه ويقحمنا فيه من غير بابه، فكم من طالب حظه العناء، وضارب في الأرض غنيمته الإِياب، يجوب البلاد، ويفني التلاد، ويقطع الرحم، ويضيع العيال صابراً على جفا الغربة، وطول العزبة، وخشونة المطعم، ورثاثة الهيئة، مبيته المساجد، ومصباحه القمر، وطعامه خضار، وهجوعه غرار، وهمه الجمع دون التفقه فيه، والطرق دون المتون، والغرائب دون السنن، والاستكثار من أسماء الرجال، حتى يعود كما بدأ لم يحل مما طلب إلا بأسفار حملها، ولم ينفعه علمها(١). (١) بهذه المقدمة البليغة افتتح ابن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٠هـ، كتابه غريب الحدیث. وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا، ومنشىء الأرضين والثرى، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى ورسوله المرتضى بعثه الله داعياً وإلى جنته هادياً. فصلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الأخيار، وبعد: فإن من أشدّ ما يعانيه الطلاب في الدراسات العليا الوقوف على موضوع الرسالة التي يكتب عنها، ففي أثناء دراسة الطالب بالكلية، يقصر اهتمامه على قراءة ملخصات ومذكرات، وإن طُلب منه كتابة بحث نقله حرفياً بالأخطاء المطبعية من كتاب، وصبَّ جُلَّ اهتمامه على غلاف البحث وكتابة عبارات الثناء والمديح ودفعه للمدرس. ثم ينتظم في الدراسات العليا وهو بعيد عن الكتب والمكتبات، ولا يدري حتى أسماء أهم المراجع في تخصصه، ثم لربما يأتي ويقلد غيره في اختيار عنوان الموضوع لرسالته، فيفاجأ برد موضوعه مرة أو مرتين أو أكثر لأنه لم يحط علماً ولا معرفةً بموضوعه المليء بالفجوات. وهذه صورة متكررة لأغلب الطلاب وفي أكثر الجامعات . وقد أكرمني الله بأستاذ صبرت على قسوته الشديدة فأضحت مرحمة لي من حيث أدري ولا أدري، فلازمته ملازمة طويلة، وقد تدرج بي لاقتحام أمهات الكتب والمراجع ودربني وأرشدني، وأحياناً كان يجبرني على بعض الاقتناصات من طريقته ومنهجه بتركيز فكري على عمل من أعماله، فعلمني وتعلمت منه. سألته مستشيراً في الكتابة عن عدة موضوعات منها ((كتاب الدعاء)) للطبراني فأشار عليَّ بأنَّ الكتاب لمؤلف مشهور بالحديث، والموضوع جيد، وتمنى أن يكون الكتاب كاملاً خالياً من النقص. وجرى هذا الكلام في الأيام التي كنت أستعد فيها لمناقشة رسالة الماجستير. وبعد شهر سافرت إلى إسطنبول وأهلي برفقتي ومكثت بها أكثر من خمسين يوماً، فاهتديت إلى مكتبة («سليم آغا)» بعد بحث عنها دام أياماً فإنَّ ضالتي بها. ٦ في منطقة أسكودار، دخلت أزقة في حي قديم به سوق لبيع الخضار والفواكه والسمك، وفي نهاية هذا السوق، وجدت بناء قديماً وليس بكبير محاطاً بسور كتبت على قطعة رخام تعلو الباب ((فيها كتب قيمة)). فوجئت بوجود قفل كبير علاه الصدأ محكم الإغلاق على الباب الخشبي الكبير. ولكني لمحت داخل السور أطفالاً يلعبون، ناديتهم، فأسرعوا بأبيهم، سألته عن السر في إغلاق المكتبة؟ ومتى تفتح؟ أخبرني بأنهم يسكنون في دار ملحقة بالمكتبة وهم خدم للمسجد وملحقاته. وموظف المكتبة في إجازته الرسمية ولا أحد ينوب عنه. أصابني ذهول، وسرح فكري، ترى هل تقر عيني برؤية ذلك الكتاب الذي جئت من أجله والمسجون بين تلك الجدران؟ تری کیف ومتى؟ ترى بأيِّ حبر سطرت صفحاته؟ وعلى أيٍّ ورق كتبت؟ وبأيّ خط كتبت؟ ولم أصحُ إلا على صَدَى صوت شيخي وهو يقرع أذني: هل الكتاب كامل يا محمد؟ لا يصلح الكتاب إلا إذا كان كاملاً. رجعت عابراً مضيق البسفور مخلفاً المكتبة في القسم الآسيوي إلى الأوروبي من إسطانبول. وترددت على المكتبة السليمانية لأكثر من عشرين يوماً أقلب فهارسها وأسجل أسماء كتب وملاحظات عنها، ولكن لم أحظ بما يشفي غَليلي وينسيني ذكر ((كتاب الدعاء)). كان موعد عودتنا إلى السعودية يوم الأربعاء بعد صلاة فجر يوم الثلاثاء، رأيت والدتي جالسةً على سجادتها رافعةً يديها إلى السماء تدعو، فتجددت الذكرى، فقلت يا أماه ادع الله بأن يسهل أمري، وخرجت من مكاني قاصداً المكتبة . الحمد لله، وجدت باب المكتبة مفتوحاً، سألت عن الكتاب، فتصفحته، سجلت ما أحتاج إليه من معلومات بعد تأكدي من أن الكتاب كامل، وكان لذلك اليوم أثر بالغ في نفسي يمتاز عن بقية جميع تلك الأيام. ٧ ... ذهبت إلى شيخي برفقة زميلي وأخي مطر أحمد الزهراني، لأقوم بواجب السلام عليه، وكنت يومئذٍ مغروراً بما اكتسبته في رحلتي تلك، فعرضت على شيخي أولاً أسماء الكتب التي سجلتها في مذكرة، وكلما أذكر له اسم كتاب وقبل أن أسمعه الملاحظات عن ذلك الكتاب، يقطع حديثه، ويذكر لنا حادثة معينة أو قصة عن ذلك الكتاب، وهل هو مطبوع أم لا؟ عجبت من أمر شيخي! وكنت أنظر إلى الأخ مطر وفي نظراتي له الشك مما يقوله أستاذنا، ومطر يبادلني نفس النظرات. قال شيخي: يا مطر خذ المفتاح - وقطع تلك النظرات المتبادلة - افتح الدولاب وفي أعلى الرف على جهة اليمين مفكرتان هاتهما، افتح المفكرة الحمراء، اقرأ! فقرأ مطر، وإذا بي أسمع أسماء كتبٍ وعليها ملاحظات وواصل مطر القراءة وهو مندهش، وكدت أفقد صوابي مما أسمع، فأغلب الكتب التي ذكرتها لشيخي قبل لحظات وجدته قد سطر عنها في مفكرته تلك، قلت له: يا شيخ لم تكلفنا هذا العناء الكثير، فلو أنك ذكرت لي أسماء هذه الكتب من قبل وما ينفعني منها لوفرت عليَّ تكاليف هذه الرحلة التي لم أعد منها بجزء مما هو موجود في مفكرتك. قال لي: (يا أغبى من نفسه) والله إني لفرح أن جعل الله في طلابي من يسافر إلى المكتبات للبحث عن المخطوطات، والله إنكم ستدركون قيمة عملكم هذا في المستقبل ونصحنا أطال الله بقاءه! وبعد مدة وجيزة وصلتني صورة المخطوطة فشمَّرت عن ساعدي، ونفضت ما هو عالق بيدي، وأظمأت نهاري، وطال سهادي، واحتزمت الجد في خدمة هذا الكتاب، وقدمت له بمقدمة موجزة جاءت في مبحثين وملحق. ■ المبحث الأول: ترجمة المصنف، واشتمل على: ١ - عصره وحياته . ٢ - شيوخه وتلاميذه. ٣ - آراء العلماء فيه . ٤ - مؤلفاته . ٨ ] المبحث الثاني: كتاب الدعاء، واشتمل على: ١ - المؤلفات التي سبقت كتاب الدعاء للطبراني. ٢ - وصف النسخة الخطية لكتاب الدعاء. ٣ - كاتب النسخة ووصف خطها. ٤ - مالك النسخة. ٥ - النسخة مقابلة على عدة نسخ منها نسخة بخط يد المؤلف. ٦ - ما اشتملت عليه الهوامش. ٧ - التصحيفات التي وقعت في هذه الصفحة. ٨ - سند هذه النسخة. ٩ - تراجم رواة النسخة. ١٠- سماعات النسخة . ١١- موضوع الكتاب ومنهج المؤلف. ١٢- مصادر الطبراني في كتاب الدعاء. ١٣- موقف ابن حجر من كتاب الدعاء. ١٤- منهجي في العمل وتحقيق الكتاب. ووضعت ملحقاً، فيه : تراجم رجال كتاب الدعاء للطبراني. وإني لمدين بالشكر والعرفان لكل من أمدّني في هذا البحث بمرجع أو نصيحة من أساتذتي وزملائي وأخصُّ منهم بالذكر، أستاذي فضيلة الدكتور أحمد محمد نور سيف. الذي اقتطع لي من وقت راحته وفي منزله أحياناً طيلة سنةٍ كاملة في غياب شيخي لقضاء إجازته العلمية. وكان حليماً ذا أناة، طويل الصمت، عميق الفكر، خير موجه ومرشد استفدت منه. أطال الله بقاءه ونفع ٩ به وكذا الأخ عبدالعزيز بن عبيدالله الرَّحماني المباركفوري الذي أفادني في المقابلة والتصحيح . وأشكر كل المخلصين من المسؤولين في جامعة أم القرى الذين قدموا الكثير مما نغبط عليه، وحقيقٌ، بما بذلوه من جهود مخلصة اغترفت - وغيري من زملائي - من منهل هذا الصرح العلمي الشامخ . فلكل هؤلاء أسأل الله تعالى أن يجزل لهم المثوبة. وأتقدم بتقبيل يد شيخي فضيلة الأستاذ السيد أحمد محمد صقر أطال الله بقاءه الذي عاملني معاملة الابن وكان رحيماً عطوفاً بي عند حاجتي للرحمة، وشديداً قاسياً لا يخشى لومة لائم حين الحاجة لها. والكلمات التي تُبين فضل شيخي الذي لازمته طويلاً انحبست الآن في ريشة قلمي فما استطعت تسطيرها وعندها تحشرج صوتي بالدعاء الخالص بأن يبلغه الله أقصى غاية كل مؤمن: اللهم اغفر له وارحمه وارزقه الجنة، آمين. ١٠ المبحث الأول ترجمة المصنّف وفيها ما يلي: ١ - عصره وحياته. ٢ - شيوخه وتلاميذه. ٣ - آراء العلماء فيه . ٤ - مؤلفاته. - ترجمة المصنف شرعت في البحث عن ترجمة الطبراني في المصادر المطبوعة والمخطوطة وكل أملي أن أظفر بترجمة حافلة له توقفنا على بعض نواحي حياته والمؤثرات فيه بقدر ما وقفنا على کثرة رواياته . ولكني فوجئت بعدم وجود ترجمة له في كتاب ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم الأصبهاني. وأبو نعيم هذا يعد من المكثرين في الرواية عنه ومن أكثر الملازمين له من تلامذته حتى أنه قال: وحضرت الصلاة على الطبراني(١). وإن شفع لصنيعه هذا أنه التزم بمنهج في كتابه الحلية والطبراني ليس من منهج كتابه، فلست أدري ما الذي يشفع له عندما اختزل ترجمة شيخه في كتابه ((ذكر أخبار أصبهان)) في ثلاثة أسطر فقط؟ ذكر فيها سنة مولده ووفاته وسنة دخوله أصبهان فقط(٢). وتلميذ آخر من تلامذته وهو أبو الشيخ عبدالله بن محمد بن جعفر بن حبان الأصبهاني، المتوفى سنة ٣٦٩هـ، وقد سمع من الطبراني أربعين ألف حديث(٣) وعرض عليه كتابه ((ثواب الأعمال)) فاستحسنه الطبراني(٤). هذا (١)، (٢) أخبار أصبهان (٣٣٥/١). (٣) انظر مقدمة طبقات المحدثين بأصبهان في فصل شيوخه، وانظر سير أعلام النبلاء (١٦ /١٢٢). (٤) سير أعلام النبلاء (١٦/٢٧٨). ١٣ التلميذ (الإِمام الحافظ الثقة رحمه الله) تجاوز عقوقه لشيخه عقوق زميله أبي نعيم إذ أسقط ترجمة الطبراني ولم يذكره في كتابه ((طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها))(١). وكذا أغفله الحافظ الخطيب البغدادي ولم يذكر ترجمة الطبراني في كتابه (تاريخ بغداد)). مع أنه دخل بغداد ومكث بها قرابة سنة. ولم يظفر الحافظ ابن عساكر في كتابه ((تاريخ دمشق)» بأخبار عنه، فاقتصر على ثلاثة أسطر عن حياته ومؤلفاته وبضعة أسطر في سرد بعض شيوخه وتلاميذه . وأقدم مصدر وقفت عليه في ذكر أخباره - بعد كتاب أبي نعيم - كتاب ((جزء فيه ذكر الطبراني وبعض مناقبه ومولده ووفاته وعدد تصانيفه)) للشيخ يحيى بن عبدالوهاب بن منده، المتوفى سنة ٥١١هـ، وجاء هذا الجزء في ٣٩ صفحة(٢) وما يتعلق بذكر الطبراني ومولده ووفاته ومناقبه لا يزيد عن صفحتين وعدد تصانيفه يقع في ورقتين، وملأ ابن منده بقية الصفحات برؤىً وأحاديث عضد بها بعض أقواله. وكل من جاء بعده لم يضف شيئاً يذكر إلى ما ورد في تلك الصفحتين واستوعبهما الحافظ الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء وتذكرة الحفاظ. ولعل في هذا وميضاً يوضح سبب بعض القصور الحاصل في ترجمة الإِمام الطبراني . (١) هذا الكتاب حققه الأخ عبدالغفور عبدالحق حسين ونال به درجة الماجستير من الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، سنة ١٤٠١ هـ، وقد تنبه الأخ المذكور وذكر تحت عنوان بعض الملاحظات على المؤلف وكتابه فقال: لا ينكر سعة علمه وغزارة حفظه ولكن يلاحظ عليه سوق الروايات الواهية .. ويؤخذ عليه أيضاً تركه عدد من مشاهير العلماء والأدباء مثل سلمان بن أبي عبدالله، وداود بن علي الظاهري، وعبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي، وسليمان بن أحمد اللخمي الطبراني صاحب المعاجم (١٢٤/١). (٢) وقد حققه فضيلة الشيخ حمدي السلفي وألحقه في الجزء (٢٥) من كتاب المعجم الكبير للطبراني . ١٤ - ١ - عصره وحياته في العصر العباسي الثاني انتقلت الدولة الإسلامية من المركزية إلى اللامركزية في نظام الحكم. ولم تعد الخلافة العباسية قادرة على أن توازن في حكمة ودقة بين القوة المركزية في بغداد وبين القوة اللامركزية في أقاليم الدولة نتيجة انتشار الإِسلام ومطالبة المسلمين الجدد بنصيب أوفر من الحقوق. وكان من نتيجة هذا أن شهد ذلك العصر قيام دول وإمارات مستقلة استقلالاً كاملاً أو استقلالاً جزئياً مع الاعتراف بسلطان الخلافة في الشرق والغرب، والخلفاء لا يجدون مفراً من الاعتراف بالأمر الواقع سواء رضوا أم كرهوا. فقد ظهر بنو بويه في العراق وفارس والري وهمدان وأصبهان (٣٣٤ - ٤٤٧ هـ) وكان لهم أثر كبير في سلب السلطة من الخلفاء العباسيين ومشاركتهم في شارات الخلافة حتى أصبح لهم ذكر في تاريخ العباسيين يعرف بـ (عصر بني بویه). (١) اعتمدت في هذا المبحث على المراجع الآتية: تاريخ الإِسلام العباسي، للدكتور حسن إبراهيم؛ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، للدكتور أحمد شلبي؛ تاريخ الحضارة الإِسلامية في الشرق، د.محمد جمال الدين؛ العالم الإسلامي في العهد العباسي، د. حسن أحمد، د. أحمد إبراهيم؛ في التاريخ العباسي والفاطمي، للدكتور أحمد مختار العبادي . ١٥ ومن الدول المستقلة التي ظهرت في ذلك العصر: ١ - في إيران وبلاد ما وراء النهر: ٢ - وفي الموصل ثم حلب : ٣ - وفي مصر والشام ٤ - وفي بلاد المغرب ومصر : ٥ - وفي تونس الحالية وغيرها : ٦ - وفي مراكش الحالية ٧ - وفي الأندلس الدولة الصفارية (٢٥٤ - ٢٩٠ هـ) والدولة السمانية (٢٦١ - ٣٨٩هـ) الدولة الحمدانية (٣١٣ - ٣٩٤هـ) الدولة الطولونية (٢٥٤ - ٢٩٢ هـ) : والدولة الإِخشيدية (٣٢٣ - ٣٥٨هـ) الدولة الفاطمية (٢٩٧ - ٥٦٧هـ) (١٨٤ - ٢٩٦ هـ) دولة الأغالبة (١٧٢ - ٣٧٥ هـ) دولة الأدارسة : (١٣٨ - ٤٢٢ هـ) الأمويون ولم تعد الخلافة قادرة على أن تكبت عناصر الموالي المتطلعة إلى القوة والنفوذ - كما فعلت في العصر العباسي الأول، حيث كبتت قوة الخراسانيين بقتل زعيمهم أبي مسلم، وكبتت جماح الفرس بنكبة البرامكة، ثم استعانت بالترك على الخراسانيين في عصر المعتصم - فقد تهاوت أسس القوة التي كانت في العصر العباسي الأول، وفقدت الخلافة الضعيفة نفوذها في بغداد نفسها بسيطرة الجند الترك على السلطة - حتى أن المؤرخين أطلقوا على تلك الفترة (عصر نفوذ الأتراك) - ثم البويهيين من بعدهم، كما فقدت نفوذها في الأقاليم لتصبح مجرد رمز تجتمع الدولة حوله. كما أن التحول الاقتصادي الذي أحدثه العصر العباسي الأول، قد أدى إلى أن تزداد الهوة اتساعاً بين الطبقات الغنية من كبار الملاك وكبار التجار ورجال الصناعة، وبين الطبقات الفقيرة التي نالت لوناً من التحرر في العصر العباسي الأول، ولكنها لم تظفر بما كانت تسعى إليه من الرخاء الاقتصادي والحياة الهنيئة الكريمة، ولم تتدخل الدولة وكان من واجبها أن تتدخل لكي لا يختل التوازن وتقع المأساة وكان في مكنتها أن تستخدم بيت المال في حماية حق العامة لكن بيت المال في ذاته قد ضعف لقلة الموارد التي تصل إليه، لذلك انتشرت الثورات، ١٦ كثورة الزنج التي شغلت الخلافة ما يقرب من أربعة عشر عاماً، ونشطت الدعوة الإِسماعيلية مستغلةً الأوضاع الاقتصادية السيئة في جذب العامة نحو دعوتها تمهيداً لظهور الفاطميين. وكان العالم الإسلامي في ذلك العهد أقوى بكثير مما كان عليه أيام بني أمية، وكان ذا حيوية وحضارة أثّرت أكبر الأثر في الشعوب المجاورة للعباسيين، فقد حملت هذه الدول المستقلة سواء في المشرق أو المغرب مسؤولية الدفاع عن العالم الإِسلامي كل في ناحيتها، ورفعت عن كاهل الخلافة عبء متطلبات هذا الدفاع مادياً وعسكرياً، ثم أنها مدَّت نفوذ العالم الإسلامي إلى أطراف جديدة ربما لم تكن الخلافة المركزية قادرة عليها، كما أنّها تصدّت لهجمات كبيرة على العالم الإسلامي وصمدت لها في قوة ودمّرتها وبذلك جعلت قلب العالم الإِسلامي يعيش في أمن. وانتشرت الثقافة الإِسلامية في هذا العصر انتشاراً يدعو إلى الإِعجاب بفضل تشجيع الخلفاء والسلاطين والأمراء، ورجال العلم والأدب، واتساع أفق الفكر الإسلامي، بارتحال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. ولا غرو، فقد كان من أثر قيام تلك الدول التي استقلت عن الخلافة العباسية أن نشطت الحركة الفكرية وراجت الثقافة، وزخر بلاط هذه الدول بالعلماء والشعراء والأدباء وغيرهم. ومن ثم نرى صدى هذه النهضة المباركة في بلاط كلٍ من السامانيين والبويهيين والحمدانيين في الشرق، وفي بلاط الطولونيين والأخشيديين والفاطميين في مصر، وفي بلاط الأمويين في الأندلس. وقد وصف الثعالبي البلاط الساماني في بخارى بقوله: كانت بخارى في الدولة السامانية، مثابة المجد، وكعبة الملك ومجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر(١) ... ووصف ابن خَلَّكان مكتبة نوح بن نصر الساماني بقوله: كانت عديمة (١) يتيمة الدهر (٩٥/٤). ١٧ المثل، وفيها من كل فن من الكتب المشهورة بأيدي الناس، وغيرها مما لا يوجد في سواها ولا سمع باسمه فضلاً عن معرفته(١). وأما سيف الدولة الحمداني فكان مقصد الوفود، وموسم الأدباء، وحلية الشعراء. ويقال إنه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر. وكذا لم يخلُ بلاط الطولونيين والأخشيديين والفاطميين في مصر من مآثر في الفكر والثقافة، وكان مسجد عمرو بن العاص وابن طولون والأزهر من أهمِّ مراكز الثقافة في تلك العهود. وقد أخذ المسلمون بحظ وافر من العلوم النقلية وتشمل علم التفسير، والقراءات والحديث، والفقه، والكلام، والنحو والبلاغة والأدب والبيان. ومن العلوم العقلية وتشمل: الفلسفة والهندسة وعلم النجوم، والموسيقى، والطب، والسحر، والكيمياء، والرياضيات، والتاريخ، والجغرافيا. ونبغ في كل علم وفن علماء كانوا أئمة أفذاذاً. منهم: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠هـ، وأبو القاسم الخرقي، من أئمة المذهب الحنبلي، المتوفى سنة ٣٣٤هـ. ومن أعلام علماء الحديث في ذلك العصر: الإِمام محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة ٢٥٦هـ؛ والإِمام مسلم بن حجاج النيسابوري، المتوفى سنة ٢٦١هـ؛ والإِمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، المتوفى سنة ٢٧٨هـ؛ والإِمام أبو داود السجستاني، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ؛ والإِمام أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي، المتوفى سنة ٣٠٣ هـ؛ والإِمام أبو عبدالله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه، المتوفى سنة ٢٧٥ هـ؛ وبقي بن مخلد بن يزيد القرطبي، المتوفى سنة ٢٧٦هـ؛ وأبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، المتوفى سنة ٢٧٧ هـ؛ وأبو بكر أحمد بن عمرو البزار، المتوفى سنة ٢٥٦هـ؛ وجعفر بن محمد الفريابي، المتوفى (١) وفيات الأعيان (١٥٢/١). ١٨ سنة ٣٠١ هـ؛ وأبو يعلى أحمد بن علي الموصلي، المتوفى سنة ٣٠٧هـ؛ وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، المتوفى سنة ٣٢٠هـ؛ وأبو عوانة يعقوب بن إسحق الاسفراييني، المتوفى سنة ٣١٦هـ؛ وأبو بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني، المتوفى سنة ٣١٦هـ؛ وأبو القاسم عبدالله بن محمد البغوي، المتوفى سنة ٣١٧هـ؛ وأبو جعفر محمد بن عمر العقيلي، المتوفى سنة ٣٢٢هـ؛ وأبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي، المتوفى سنة ٣٢٧هـ؛ وأبو عبدالله الحسين بن إسماعيل الضبي المحاملي، المتوفى سنة ٣٣٠هـ؛ وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، المتوفى سنة ٣٥٤هـ؛ وأبو محمد الحسن بن عبدالرحمن الرامهرمزي، المتوفى سنة ٣٦٠هـ. ومن النابغين في اللغة والأدب: علي بن حمزة الكسائي، المتوفى سنة ٢٨٣هـ؛ وأبو جعفر أحمد بن محمد المرادي المصري النحوي المعروف بالنحاس، المتوفى سنة ٣٣٧هـ؛ وابن دريد صاحب كتاب جمهرة اللغة، المتوفى سنة ٣٢١هـ؛ وأبو علي القالي البغدادي، المتوفى سنة ٣٥٦هـ؛ وأبو منصور الأزهري، المتوفى سنة ٣٧٠هـ؛ والصاحب إسماعيل بن عباد، المتوفى سنة ٣٨٥هـ؛ وإسماعيل بن حماد الجوهري، المتوفى سنة ٣٩٢هـ؛ وأبو علي الفارسي، المتوفى سنة ٣٧٧هـ؛ وأبو إسحق إبراهيم بن هلال الصابي، المتوفى سنة ٣٨٤هـ. ومن الشعراء: أبو عبادة الوليد البحتري، المتوفى سنة ٢٨٥هـ؛ وأبو الحسن بن العباس المعروف بابن الرومي، المتوفى سنة ٢٨٣ هـ؛ وأبو الطيب أحمد بن الحسين الكوفي المعروف بالمتنبي، المتوفى سنة ٣٥٤هـ. وفي الفلسفة : أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي، المتوفى سنة ٣٢٩هـ. وفي الطب: أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، المتوفى سنة ٣١١هـ؛ وأبو سعيد سنان بن ثابت بن قرة، المتوفى سنة ٣٣١هـ. ١٩ وفي علم الفلك : أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي؛ وأبو عبدالله محمد بن جابر البتاني الحراني، المتوفى سنة ٣١٩هـ. وفي الرياضيات: ثابت بن قرة الحراني، المتوفى سنة ٢٨٨هـ؛ وأبو الوفاء محمد بن محمد بن إسماعيل النيسابوري . وفي التاريخ : اليعقوبي، المتوفى سنة ٢٨٢ هـ؛ وأبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة، المتوفى سنة ٢٧٦هـ؛ وسعيد بن البطريق، المتوفى سنة ٣١٧هـ؛ والمسعودي، المتوفى سنة ٣٤٥هـ؛ وأبو بكر محمد بن يحيى الصولي، المتوفى سنة ٣٣٥هـ. وفي الجغرافيا: شمس الدين أبو عبدالله محمد المعروف بالبشاري، المتوفى سنة ٣٨٧هـ؛ وأبو إسحق الإِصطخري الفارسي . فمن خلال هذه النظرة العابرة كان وضع العالم الإسلامي في ذلك العصر لامركزية، وكان مؤلفاً من مجموعة أمم إسلامية لكل أمة ذاتيتها الخاصة وكانت الخلافة تجمع هذه الأمم وتمثل الرباط بينها في السياسة العامة وفي الدين وفي الحضارة والاقتصاد. ومهما يكن اختلاف وجهات نظر المؤرخين فيما بينهم بالنسبة للعالم الإِسلامي في ذلك العصر من ناحية القوة أو الضعف، فإنه لا خلاف أن الوطن الإِسلامي على الرغم من تعدد القوى السياسية فيه واختلافها وتصارعها، ظل وطناً إسلامياً لجميع المسلمين. وفي الوقت الذي تشعبت فيها الأحداث السياسية وبدا الخط السياسي متكسراً أو مستقيماً فإنَّ الخطَّ الحضاري فيه مضى صاعداً مستقيماً لا عوج فيه. وإن الأمة الإسلامية في هذا الوطن الإِسلامي المترامي الأطراف ظلت تنفعل ٢٠