Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
الشهادتين فرجل من أهل القسطنطينية كان نصرانياً وأمرت أن يكون بدلاً عن المتوفى فأتى
فأسلم على يدي وهو الآن منهم.
فائدة: أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي يزيد البسطامي أنه قيل له: إنك من الأبدال
السبعة الذين هم أوتاد الأرض؟ فقال: أنا كل السبعة.
فائدة: أخرج الشيخ نصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة بسنده عن
أحمد بن حنبل قيل له: هل الله في الأرض أبدال؟ قال: نعم قيل: من هم؟ قال: إن لم
يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فما أعرف لله أبدالاً، وقال الحافظ محب الدين بن النجار
في تاريخ بغداد: أنشدنا محمد بن ناصر السلامي أنشدنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي
أنشدنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري لنفسه:
عاب قوم علم الحديث وقالوا هو علم طلابه جهال
دق عنهم فهم العلوم وقالوا
عدلوا عن محجة العلم لما
إنما الشرع يا أخيّ كتاب الله
ثم من بعده حديث رسول الله
وطريق الآثار تعرف بالنقل
همهم نقله ونفى الذي قد
لم ينوا فيه جاهدين ولم تقطعهم
وقضوا لذة الحياة اغتباطاً
ورضوه من كل شيء بديلا
ولقد جاءنا عن السيد الما
أحمد المنتمي إلى حنبل أكـ
إن أبدال أمة المصطفى أحمد
لا هوة به ولا إشكال
فاض يقضي إليه المآل
وللنقل فاعلمنه رجال
وضعته عصابة ضلال
عن طلابه الأشغال
بالذي حرروه منه وقالوا
فلعمري لنعم ذاك البدال
جد حلف العلياء فيهم مقال
ـرم به فيه مفخر وجمال
هم حين تذكر الأبدال
فائدة: قال سهل بن عبد الله: صارت الأبدال أبدالاً بأربعة: قلة الكلام، وقلة الطعام،
وقلة المنام، واعتزال الأنام، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن بشر بن الحارث أنه سئل عن
التوكل فقال: اضطراب بلا سكون رجل يضطرب بجوارحه وقلبه ساكن إلى الله تعالى لا إلى
عمله، وسكون بلا اضطراب رجل ساكن إلى الله تعالى بلا حركة وهذا عزيز وهو من
صفات الأبدال.
وأخرج عن معروف الكرخي قال: من قال في كل يوم عشر مرات: اللهم أصلح أمة
محمد، اللهم فرج عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، كتب من الأبدال، وأخرج عن
أبي عبد الله النباجي قال: إن أحببتم أن تكونوا أبدالاً فأحبوا ما شاء الله، ومن أحب ما شاء
الله لم ينزل به من مقادير الله شيء إلا أحبه.
٢٤٢
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
فائدة: في كتاب كفاية المعتقد لليافعي نفعنا الله تعالى به قيل: إنما سمي الأبدال أبدالاً
لأنهم إذا غابوا تبدل في مكانهم صور روحانية تخلفهم وبني على ذلك ما حكي عن الشيخ
مفرج الدماميلي أنه رآه بعض أصحابه يوم عرفة [بعرفة] ورآه آخر في مكانه من زاويته
بدماميل لم يفارقه في جميع ذلك اليوم، فلما رجع الحاج ذكر كل واحد منهما ذلك لصاحبه
وتنازعا في ذلك وحلف كل بالطلاق فاختصما إليه فأقرهما وأبقى كلاً منهما على الزوجية
فسئل عن الحكمة في عدم حنث الانثين مع كون صدق أحدهما يوجب حنث الآخر؟ فقال:
الولي إذا تحقق في ولايته مكن من التصور في صور عديدة وتظهر روحانيته في وقت واحد
في جهات متعددة، فالصورة التي ظهرت لمن رآها بعرفة حق، والصورة التي رآها الآخر في
مكانه في ذلك الوقت حق، وكل منهما صادق في يمينه، ولا يلزم من ذلك وجود شخص
في مكانين في وقت واحد لأن ذلك إثبات تعدد الصور الروحانية لا الجسمانية انتهى.
وقد قررت نظير ذلك في الروح بعد الموت في باب مقر الأرواح في كتاب البرزخ، قال
الشمس الداودي: قال مؤلفه شيخنا رضي الله عنه وأرضاه: ألفته يوم السبت ثامن محرم سنة
ثلاث وثمانين وثمانمائة أحسن الله ختامها بمحمد وآله أجمعين(١).
٧١ - تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فقد كثر السؤال عن رؤية أرباب
الأحوال للنبي و ﴿ في اليقظة وأن طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في
إنكار ذلك والتعجب منه وادعوا أنه مستحيل فألفت هذه الكراسة في ذلك وسميتها: تنوير
الحلك في إمكان رؤية النبي والملك: وتمسكت بالحديث الصحيح الوارد في ذلك. أخرج
البخاري، ومسلم، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((من
رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي)). وأخرج الطبراني مثله من حديث
مالك بن عبد الله الخثعمي، ومن حديث أبي بكرة، وأخرج الدارمي مثله من حديث أبي
قتادة [الأنصاري]، قال العلماء: اختلفوا في معنى قوله فسيراني في اليقظة فقيل معناه
فسيراني في القيامة، وتعقب بأنه لا فائدة في هذا التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة
من رآه منهم ومن لم يره، وقيل المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائباً عنه
فيكون مبشراً له أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته، وقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في
النوم فلا بد أن يراه في اليقظة - يعني بعيني رأسه - وقيل بعين في قلبه حكاهما القاضي أبو
بكر بن العربي. وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها
(١) أقول قد ابتلي هذا العلم بأناس عوام ينشرون الكتب الدينية بدون أن تصحح فلقد نشرت هذه الرسالة على
حدة قريباً مملوءة بالأغلاط مع ما فيها من السقطات إنا لله وإنا إليه راجعون.
٢٤٣
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
من البخاري: هذا الحديث يدل على أنه من رآه وَّر في النوم فسيراه في اليقظة، وهل هذا
على عمومه في حياته وبعد مماته أو هذا كان في حياته؟ وهل ذلك لكل من رآه مطلقاً أو
خاص بمن فيه الأهلية والاتباع لسنته عليه؟ اللفظ يعطي العموم ومن يدعي الخصوص فيه
بغير مخصص منه * فمتعسف قال: وقد وقع من بعض الناس عدم التصديق بعمومه
وقال: على ما أعطاه عقله وكيف يكون من قد مات يراه الحي في عالم الشاهد؟ قال: وفي
هذا القول من المحذور وجهان خطران: أحدهما: عدم التصديق لقول الصادق عليه السلام
الذي لا ينطق عن الهوى. والثاني: الجهل بقدرة القادر وتعجيزها كأنه لم يسمع في سورة
البقرة قصة البقرة وكيف قال الله تعالى: ﴿أَخْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاْ كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٧٣]
وقصة إبراهيم عليه السلام في الأربع من الطير. وقصة عزير فالذي جعل ضرب الميت
ببعض البقرة سبباً لحياته، وجعل دعاء إبراهيم سبباً لإحياء الطيور، وجعل تعجب عزير سبباً
لموته وموت حماره، ثم لإحيائها بعد مائة سنة قادر أن يجعل رؤيته و # في النوم سبباً
لرؤيته في اليقظة، وقد ذكر عن بعض الصحابة - أظنه ابن عباس رضي الله عنهما - أنه رأى
النبي ◌َّر في النوم فتذكر هذا الحديث وبقي يفكر فيه ثم دخل على بعض أزواج النبي -
أظنها ميمونة - فقص عليها قصته فقامت وأخرجت له مرآته ويّلتر قال رضي الله عنه: فنظرت
في المرآة فرأيت صورة النبي وَله ولم أر لنفسي صورة قال: وقد ذكر عن بعض السلف
والخلف وهلم جرا [عن جماعة] ممن كانوا رأوه ◌َّير في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا
الحديث فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها
ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص قال :
والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يصدق بكرامات الأولياء أو يكذب بها، فإن كان ممن يكذب
بها فقد سقط البحث معه فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان مصدقاً بها
فهذه من ذلك القبيل لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي،
والسفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك، انتهى كلام ابن أبي جمرة، وقوله: إن
ذلك عام وليس بخاص بمن فيه الأهلية والاتباع لسنته عليه السلام مراده وقوع الرؤية
الموعود بها في اليقظة على الرؤية في المنام ولو مرة واحدة تحقيقاً لوعده الشريف الذي لا
يخلف، وأكثر ما يقع ذلك للعامة قبيل الموت عند الاحتضار، فلا يخرج روحه من جسده
حتى يراه وفاء بوعده، وأما غيرهم فتحصل لهم الرؤية في طول حياتهم إما كثيراً وإما قليلاً
بحسب اجتهادهم ومحافظتهم على السنة - والإخلال بالسنة مانع كبير - أخرج مسلم في
صحيحه عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: قد كان يسلم علي حتى اكتويت فترك
ثم تركت الكي فعاد، وأخرج مسلم من وجه آخر عن مطرف قال: بعث إلي عمران بن
حصين في مرضه الذي توفي [فيه] فقال: إني محدثك فإن عشت فاكتم عني وإن مت
فحدث بها إن شئت أنه قد سلم عليّ، قال النووي في شرح مسلم: معنى الحديث الأول أن
عمران بن حصين كانت به بواسير فكان يصبر على ألمها وكانت الملائكة تسلم عليه واكتوى
٢٤٤
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
وانقطع سلامهم عليه ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه، قال وقوله في الحديث الثاني: فإن
عشت فاكتم عني أراد به الإخبار بالسلام عليه لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته لما فيه
من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت، وقال القرطبي في شرح مسلم: يعني أن الملائكة
كانت تسلم عليه إكراماً له واحترماً إلى أن اكتوى فتركت السلام عليه، ففيه إثبات كرامات
الأولياء انتهى .
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه من طريق مطرف بن عبد الله عن عمران بن
حصين قال: اعلم يا مطرف أنه كانت تسلم الملائكة عند رأسي وعند البيت وعند باب
الحجرة فلما اكتويت ذهب ذاك قال: فلما برأ كلمه قال: اعلم يا مطرف أنه عاد إلي الذي
كنت أكتم عليّ حتى أموت. فانظر كيف حجب عمران عن سماع تسليم الملائكة لكونه
اكتوى مع شدة الضرورة الداعية إلى ذلك لأن الكي خلاف السنة، قال البيهقي في شعب
الإيمان: لو كان النهي عن الكي على طريق التحريم لم يكتو عمران مع علمه بالنهي غير أنه
ركب المكروه ففارقه ملك كان يسلم عليه فحزن على ذلك وقال هذا القول، ثم قد روي أنه
عاد إليه قبل موته انتهى.
وقال ابن الأثير في النهاية : يعني أن الملائكة كانت تسلم عليه فلما اكتوى بسبب مرضه
تركوا السلام عليه لأن الكي يقدح في التوكل والتسليم إلى الله والصبر على ما يبتلى به العبد
وطلب الشفاء من عنده، وليس ذلك قادحاً في جواز الكي، ولكنه قادح في التوكيل وهي
درجة عالية وراء مباشرة الأسباب، وأخرج ابن سعد في الطبقات عن قتادة أن الملائكة كانت
تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى فتنحث عنه، وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن
يحيى بن سعيد القطان قال: ما قدم علينا البصرة من الصحابة أفضل من عمران بن حصين
أتت عليه ثلاثون سنة تسلم عليه الملائكة من جوانب بيته.
وأخرج الترمذي في تاريخه، وأبو نعيم، والبيهقي في دلائل النبوة عن غزالة قالت: كان
عمران بن حصين يأمرنا أن نكنس الدار ونسمع السلام عليكم السلام عليكم ولا نرى أحداً،
قال الترمذي: هذا تسليم الملائكة، وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتاب المنقذ
من الضلال: ثم إنني لما فرغت من العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية والقدر الذي
أذكره لينتفع به ابني علمت يقيناً أن الصوفيه هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرهم
وسيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع
عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئاً من
سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم
وسكناتهم في ظواهرهم وبواطنهم مقتبسة [من نور مشكاة النبوة] وليس وراء نور النبوة على
وجه الأرض نور يستضاء به - إلى أن قال: حتى أنهم وهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة
وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة
٢٤٥
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، هذا كلام الغزالي.
وقال تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتاب قانون التأويل:
ذهبت الصوفية إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارة النفس في تزكية القلب وقطع العلائق
وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاء والمال والخلطة بالجنس والإقبال على الله تعالى بالكلية
علماً دائماً وعملاً مستمراً كشفت له القلوب ورأى الملائكة وسمع أقوالهم واطلع على
أرواح الأنبياء وسمع كلامهم، ثم قال ابن العربي من عنده: ورؤية الأنبياء والملائكة وسماع
كلامهم ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة انتهى. [وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام
في القواعد الكبرى] وقال ابن الحاج في المدخل: رؤية النبي وَّر في اليقظة باب ضيق وقلّ
من يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالباً، مع أننا
لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله في ظواهرهم وبواطنهم، قال: وقد
أنكر بعض علماء الظاهر رؤية النبي # في اليقظة وعلل ذلك بأن قال: العين الفانية لا ترى
العين الباقية والنبي ◌َّر في دار البقاء والرائي في دار الفناء، وقد كان سيدي أبو محمد بن
أبي جمرة يحل هذا الإشكال ويرده بأن المؤمن إذا مات يرى الله وهو لا يموت والواحد
منهم يموت في كل يوم سبعين مرة انتهى.
وقال القاضي شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي في كتاب توثيق عرى الإيمان
قال البيهقي في كتاب الاعتقاد: الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند
ربهم كالشهداء، وقد رأى نبينا وّل و ليلة المعراج جماعة منهم وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا
معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه، وأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء،
قال البارزي: وقد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنهم رأوا النبي وَّر في
اليقظة حياً بعد وفاته، قال: وقد ذكر ذلك الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبو البيان نبأ ابن
محمد بن محفوظ الدمشقي في نظيمته انتهى، وقال الشيخ أكمل الدين البابرتي الحنفي في
شرح المشارق في حديث من رآني: الاجتماع بالشخصين يقظة ومناماً لحصول ما به
الاتحاد، وله خمسة أصول: كلية الاشتراك في الذات، أو في صفة فصاعداً، أو في حال
فصاعداً، أو في الأفعال، أو في المراتب، وكل ما يتعقل من المناسبة بين شيئين أو أشياء لا
يخرج عن هذه الخمسة، وبحسب قوته على ما به الاختلاف وضعفه يكثر الاجتماع ويقل،
وقد یقوی علی ضده فتقوی المحبة بحیث یکاد الشخصان لا يفترقان وقد یکون بالعكس،
ومن حصل الأصول الخمسة وثبتت المناسبة بينه وبين أرواح الكمل الماضين اجتمع بهم
متى شاء، وقال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في رسالته، والشيخ عفيف الدين
اليافعي في روض الرياحين: قال الشيخ الكبير قدوة الشيوخ العارفين وبركة أهل زمانه أبو
عبد الله القرشي: لما جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر، توجهت لأن أدعو فقيل لي لا تدع
فما يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء، فسافرت إلى الشام فلما وصلت إلى قريب ضريح
٢٤٦
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
الخليل عليه السلام تلقاني الخليل فقلت: يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل
مصر فدعا لهم ففرج الله عنهم، قال اليافعي: وقوله: تلقاني الخليل قول حق لا ينكره إلا
جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماء والأرض
وينظرون الأنبياء أحياءاً غير أموات، كما نظر النبي ◌ّ إلى موسى عليه السلام في الأرض
ونظره أيضاً هو وجماعة من الأنبياء في السموات وسمع منهم مخاطبات، وقد تقرر أن ما
جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي انتهى.
وقال الشيخ سراج الدين بن الملقن في طبقات الأولياء: قال الشيخ عبد القادر
الكيلاني: رأيت رسول الله وَّر قبل الظهر فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟ قلت: يا أبتاه أنا
رجل أعجمي كيف أتكلم على فصحاء بغداد؟ فقال: افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعاً وقال:
تكلم على الناس وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فصليت الظهر وجلست
وحضرني خلق كثير فارتج عليّ فرأيت علياً قائماً بإزائي في المجلس فقال لي: يا بني لم لا
تتكلم؟ قلت: يا أبتاه قد ارتج عليّ فقال: افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستاً فقلت: لم لا
تكملها سبعاً؟ قال: أدباً مع رسول الله وَ لقر ثم توارى عني فقلت: غواص الفكر يغوص في
بحر القلب على درر المعارف فيستخرجها إلى ساحل الصدر فينادي عليها ترجمان اللسان
فتشتري بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع، وقال أيضاً في ترجمة الشيخ
خليفة بن موسى النهر ملكي: كان كثير الرؤية لرسول الله وَ ﴿ يقظة ومناماً فكان يقال إن أكثر
أفعاله متلقاة منه بأمر منه إما يقظة وإما مناماً، ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة قال له في
إحداهن: يا خليفة لا تضجر مني كثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي، وقال الكمال
الأدفوي في الطالع السعيد في ترجمة الصفي أبي عبد الله محمد بن يحيى الأسواني نزيل
أخميم من أصحاب أبي يحيى بن شافع كان مشهوراً بالصلاح وله مكاشفات وكرامات كتب
عنه ابن دقيق العيد، وابن النعمان، والقطب العسقلاني وكان يذكر أنه يرى النبي ◌َّ
ويجتمع به.
وقال الشيخ عبد الغفار بن نوح القوصي في كتابه الوحيد من أصحاب الشيخ أبي يحيى
أبو عبد الله الأسواني المقيم بأخميم كان يخير أن يرى رسول الله وَ ﴿ في كل ساعة حتى لا
تكاد ساعة إلا ويخبر عنه، وقال في الوحيد أيضاً: كان للشيخ أبي العباس المرسي وصلة
بالنبي ◌َّ﴿ إذا سلم على النبي و ﴿ رد عليه السلام ويجاوبه إذا تحدث معه.
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في لطائف المنن قال رجل للشيخ أبي العباس
المرسي: يا سيدي صافحني بكفك هذه فإنك لقيت رجالاً وبلاداً فقال: والله ما صافحت
بكفي هذه إلا رسول الله وَ ر، قال: وقال الشيخ: لو حجب عني رسول الله وَ لقر طرفة عين
ما عددت نفسي من المسلمين. وقال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في رسالته،
والشيخ عبد الغفار في الوحيد حكى عن الشيخ أبي الحسن الوناني قال: أخبرني الشيخ أبو
٢٤٧
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
العباس الطنجي قال: وردت على سيدي أحمد بن الرفاعي فقال لي: ما أنا شيخك شيخك
عبد الرحيم بقنا فسافرت إلى قنا فدخلت على الشيخ عبد الرحيم فقال لي: عرفت
رسول الله ◌َ﴾؟ قلت: لا قال: رح إلى بيت المقدس [حتى تعرف رسول الله (َ{ [3] فحين
وضعت رجلي وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله وم طهر فرجعت
إلى الشيخ فقال لي: عرفت رسول الله وَر؟ قلت: نعم قال: الآن كملت طريقتك لم تكن
الأقطاب أقطاباً والأوتاد أوتاداً والأولياء أولياء إلا بمعرفته بيّ، وقال في الوحيد وممن رأيته
بمكة الشيخ عبد الله الدلاصي أخبرني أنه لم تصح له صلاة في عمره إلا صلاة واحدة قال:
وذلك أني كنت بالمسجد الحرام في صلاة الصبح فلما أحرم الإمام وأحرمت أخذتني أخذة
فرأيت رسول الله وسلم يصلي إماماً وخلفه العشرة فصليت معهم وكان ذلك في سنة ثلاث
وسبعين وستمائة فقرأ ◌َّ في الركعة الأولى سورة المدثر وفي الثانية عم يتساءلون فلما سلم
دعا بهذا الدعاء - اللهم اجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين لا طمعاً في برك ولا
رغبة فيما عندك لأن لك المنة علينا بإيجادنا قبل أن لم نكن فلك الحمد على ذلك لا إله إلا
أنت - فلما فرغ رسول الله وَّر سلم الإمام فعقلت تسليمه فسلمت.
وقال الشيخ،صفي الدين في رسالته: قال لي الشيخ أبو العباس الحرار: دخلت على
النبي ◌َ ◌ّ مرة فوجدته يكتب مناشير للأولياء بالولاية وكتب لأخي محمد منهم منشوراً قال:
وكان أخو الشيخ كبيراً في الولاية كان على وجهه نور لا يخفى على أحد أنه ولي فسألنا
الشيخ عن ذلك فقال: نفخ النبي ◌َّ# في وجهه فأثرت النفخة هذا النور.
قال الشيخ صفي الدين: ورأيت الشيخ الجليل الكبير أبا عبد الله القرطبي أجلّ أصحاب
الشيخ القرشي وكان أكثر إقامته بالمدينة النبوية وكان له بالنبي ◌َّة وصلة وأجوبة ورد للسلام
حمله رسول الله 98 رسالة للملك الكامل وتوجه بها إلى مصر وأداها وعاد إلى المدينة،
قال: وممن رأيت بمصر الشيخ أبا العباس العسقلاني أخص أصحاب الشيخ القرشي زاهد
مصر في وقته وكان أكثر أوقاته في آخر عمره بمكة يقال إنه دخل مرة على النبي وقّ فقال له
النبي ◌َّ ر: أخذ الله بيدك يا أحمد.
وحكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً فقال له الولي:
هذا الحديث باطل، فقال الفقيه: ومن أين لك هذا؟ فقال: هذا النبي وَلّ واقف على رأسك
يقول إني لم أقل هذا الحديث وكشف للفقيه فرآه، وفي كتاب المنح الإلهية في مناقب
السادة الوقائية لابن فارس قال: سمعت سيدي علياً رضي الله عنه يقول: كنت وأنا ابن
خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب فأتيته يوماً فرأيت النبي وَلّ يقظة
لا مناماً وعليه قميص أبيض قطن ثم رأيت القميص علي فقال لي: اقرأ فقرأت عليه سورة
والضحى وألم نشرح ثم غاب عني فلما أن بلغت إحدى وعشرين سنة أحرمت لصلاة الصبح
بالقرافة فرأيت النبي ◌ّ ر قبالة وجهي فعانقني وقال لي : - وأما بنعمة ربك فحدث - فأوتيت
لسانه من ذلك الوقت انتهى.
٢٤٨
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
وفي بعض المجاميع حج سيدي أحمد الرفاعي فلما وقف تجاه الحجرة الشريفة أنشد:
تقبل الأرض عني وهي نائبتي
في حالة البعد روحي كنت أرسلها
فأمدد يمينك كي تحظى بها شفتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت
فخرجت اليد الشريفة من القبر الشريف فقبّلها، وفي معجم الشيخ برهان الدين البقاعي
قال: حدثني الإمام أبو الفضل بن أبي الفضل النويري أن السيد نور الدين الأيجي والد
الشريف عفيف الدين لما ورد الروضة الشريفة وقال السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته سمع من كان بحضرته قائلاً من القبر يقول: وعليك السلام يا ولدي، وقال الحافظ
محب الدين بن النجار في تاريخه أخبرني أبو أحمد داود بن علي بن محمد بن هبة الله بن
المسلمة أنا أبو الفرح المبارك بن عبد الله بن محمد بن النقور قال: حكى شيخنا أبو نصر
عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد الصوفي الكرخي قال: حججت وزرت
النبي 8﴿ فبينا أنا جالس عند الحجرة إذ دخل الشيخ أبو بكر الديار بكري ووقف بإزاء وجه
النبي وَّ وقال: السلام عليك يا رسول الله فسمعت صوتاً من داخل الحجرة: وعليك
السلام يا أبا بكر وسمعه من حضر.
وفي كتاب مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام للإمام شمس الدين محمد بن
موسى بن النعمان قال: سمعت يوسف بن علي الزناني يحكي عن امرأة هاشمية كانت
مجاورة بالمدينة وكان بعض الخدام يؤذيها قالت: فاستغثت بالنبي ◌َّ﴿ فسمعت قائلاً من
الروضة يقول: أما لك فيّ أسوة؟ فاصبري كما صبرت - أو نحو هذا - قالت فزال عني ما
كنت فيه ومات الخدام الثلاثة الذين كانوا يؤذونني، وقال ابن السمعاني في الدلائل: أخبرنا
أبو بكر هبة الله بن الفرج أخبرنا أبو القاسم يوسف بن محمد بن يوسف الخطيب أخبرنا أبو
القاسم عبد الرحمن بن عمر بن تميم المؤدب حدثنا علي بن إبراهيم بن علان أخبرنا علي
ابن محمد بن علي حدثنا أحمد بن الهيثم الطائي حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن کھیل
عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا
رسول الله صل فرمى بنفسه على قبر النبي ولله وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله
قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله فأوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك: ﴿وَلَوَّ أَنَّهُمْ إِذ
◌َظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُولَكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾
[النساء: ٦٤] وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك، ثم
رأيت في كتاب مزيل الشبهات في إثبات الكرامات للإمام عماد الدين إسماعيل بن هبة
الله بن باطيس ما نصه: ومن الدليل على إثبات الكرامات آثار منقولة عن الصحابة والتابعين
فمن بعدهم منهم الإمام أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال لعائشة رضي الله عنها: إنما هما
أخواك وأختاك قالت هذان أخواي محمد، وعبد الرحمن فمن أختاي وليس لي إلا أسماء؟
فقال: ذو بطن ابنة خارجة قد ألقى في روعي أنها جارية فولدت أم كلثوم. ومنهم عمر بن
٢٤٩
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
الخطاب رضي الله عنه في قصة سارية حيث نادى - وهو في الخطبة - يا سارية الجبل الجبل
فأسمع الله سارية كلامه وهو بنهاوند وقصته مع نيل مصر ومراسلته إياه وجريانه بعد
انقطاعه، ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه قال عبد الله بن سلام: ثم أتيت عثمان
لأسلم عليه - وهو محصور - فقال مرحباً بأخي رأيت رسول الله وَ لير في هذه الخوخة فقال:
يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم قال: عطشوك؟ قلت: نعم فأدلى لي دلواً فيه ماء فشربت
حتى رويت حتى أني لأجد برده بين ثديي وبين كتفي فقال: إن شئت نصرت عليهم وإن
شئت أفطرت عندنا فاخترت أن أفطر عنده فقتل ذلك اليوم انتهى.
وهذه القصة مشهورة عن عثمان - مخرجة في كتب الحديث بالإسناد - أخرجها
الحارث بن أبي أسامة في مسنده وغيره، وقد فهم المصنف منها أنها رؤية يقظة وإن يصلح
عدها في الكرامات لأن رؤية المنام يستوي فيها كل أحد، وليست من الخوارق المعدودة في
الكرامات ولا ينكرها من ينكر كرامات الأولياء، ومما ذكره ابن باطيس في هذا الكتاب قال:
ومنهم أبو الحسين محمد بن سمعون البغدادي الصوفي قال أبو طاهر محمد بن علي
العلان: حضرت أبا الحسين بن سمعون يوماً في مجلس الوعظ وهو جالس على كرسيه
يتكلم فكان أبو الفتح القواس جالساً إلى جنب الكرسي فغشيه النعاس ونام فأمسك أبو
الحسين ساعة عن الكلام حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه فقال له أبو الحسين: رأيت
النبي وَّر في نومك؟ قال: نعم قال أبو الحسين: لذلك أمسكت عن الكلام خوف أن تنزعج
وينقطع ما كنت فيه، فهذا يشعر بأن ابن سمعون رأى النبي وَلِّ يقظة لما حضر ورآه أبو
الفتح في نومه، وقال أبو بكر بن أبيض في جزئه: سمعت أبا الحسن بناناً الحمال الزاهد
يقول: حدثني بعض أصحابنا قال: كان بمكة رجل يعرف بابن ثابت قد خرج من مكة إلى
المدينة ستين سنة ليس إلا للسلام على رسول الله وَّر ويرجع فلما كان في بعض السنين
تخلف لشغل أو سبب فقال: بينا هو قاعد في الحجرة بين النائم واليقظان إذ رأى النبي ◌َّ
وهو يقول: يا ابن ثابت لم تزرنا فزرناك.
تنبيهات: الأول: أكثر ما تقع رؤية النبي ◌َّر في اليقظة بالقلب ثم يترقى إلى أن يرى
بالبصر، وقد تقدم الأمران في كلام القاضي أبي بكر بن العربي، لكن ليست الرؤية البصرية
كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض، وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية
وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره، وقد تقدم عن الشيخ عبد الله الدلاصي فلما
أحرم الإمام وأحرمت أخذتني أخذة فرأيت رسول الله # فأشار بقوله أخذه إلى هذه
الحالة .
الثاني: هل الرؤية لذات المصطفى ول# بجسمه وروحه أو لمثاله؟ الذين رأيتهم من
أرباب الأحوال يقولون بالثاني وبه صرح الغزالي فقال: ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل
مثالاً له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه قال: والآلة تارة تكون حقيقية
وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى
٢٥٠
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق، قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام فإن
ذاته منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من
نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقاً في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي: رأيت الله
في المنام لا يعني أني رأيت ذات الله كما تقول في حق غيره انتهى.
وفصل القاضي أبو بكر بن العربي فقال: رؤية النبي ◌َّر بصفته المعلومة إدراك على
الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال - وهذا الذي قاله في غاية الحسن - ولا يمتنع
رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه وذلك لأنه وَّ ر - وسائر الأنبياء - أحياء ردت إليهم
أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم بالخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي
والسفلي، وقد ألف البيهقي جزءاً في حياة الأنبياء، وقال في دلائل النبوة: الأنبياء أحياء عند
ربهم كالشهداء؛ وقال في كتاب الاعتقاد: الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم
أحياء عند ربهم كالشهداء، وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي: قال
المتكلمون المحققون من أصحابنا: أن نبينا وَل# حي بعد وفاته وأنه يبشر بطاعات أمته
ويحزن بمعاصي العصاة منهم، وأنه تبلغه صلاة من يصلي عليه من أمته، وقال: إن الأنبياء
لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئاً، وقد مات موسى في زمانه فأخبر نبينا وَ الر أنه رآه في
قبره مصلياً، وذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء الرابعة ورأى آدم وإبراهيم، وإذا
صح لنا هذا الأصل قلنا نبينا وَ ﴿ قد صار حياً بعد وفاته وهو على نبوته انتهى، وقال
القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة نقلاً عن شيخه: الموت ليس بعدم محض وإنما هو
انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون
فرحين مستبشرين وهذه صفة الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك
وأولى، وقد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه ويقر اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في
بيت المقدس وفي السماء ورأى موسى قائماً يصلي في قبره، وأخبر وَ لّ أنه يرد السلام على
كل من يسلم عليه إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو
راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياءاً وذلك كالحال في الملائكة
فإنهم موجودون أحياءاً ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله تعالى بكرامته انتهى.
وأخرج أبو يعلى في مسند، والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن أنس أن النبي وَّ قال:
((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي وَّ قال: ((إن الأنبياء
لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في
الصور)». وروى سفيان في الثوري الجامع قال: قال شيخ لنا عن سعيد بن المسيب قال: ما
مكث نبي في قبره أكثر من أربعين ليلة حتى يرفع.
قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله تعالى، وروى
عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن أبي المقدام عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبي
في الأرض أكثر من أربعين يوماً - وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز [الكوفي] شيخ صالح.
٢٥١
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
وأخرج ابن حبان في تاريخه، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية عن أنس قال:
قال رسول الله يلي: ((ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً)). وقال إمام
الحرمين في النهاية ثم الرافعي في الشرح: روي أن النبي وسير قال: أنا أكرم على ربي من أن
يتركني في قبري بعد ثلاث - زاد إمام الحرمين - وروي أكثر من يومين، وذكر أبو الحسن بن
الزاغوني الحنبلي في بعض كتبه حديثاً أن الله لا يترك نبياً في قبره أكثر من نصف يوم.
وقال الإمام بدر الدين بن الصاحب في تذكرته - فصل - في حياته وَ ل بعد موته في
البرزخ وقد دل على ذلك تصريح الشارع وإيماؤه ومن القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ بُرْزَقُونَ ([19َ)﴾ [آل عمران: ١٦٩] فهذه الحالة وهي
الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد الأمة من الشهداء وحالهم أعلى وأفضل ممن لم
تكن له هذه الرتبة لا سيما في البرزخ، ولا تكون رتبة أحد من الأمة أعلى من رتبة النبي وَل
بل إنما حصل لهم هذه الرتبة بتزكيته وتبعيته، وأيضاً فإنما استحقوا هذه الرتبة بالشهادة
والشهادة حاصلة للنبي و﴿ على أتم الوجوه - وقال عليه السلام: ((مررت على موسى ليلة
أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)» وهذا صريح في إثبات الحياة
لموسى فإنه وصفه بالصلاة وأنه كان قائماً، ومثل هذا لا يوصف به الروح وإنما وصف به
الجسد، وفي تخصيصه بالقبر دليل على هذا، فإنه لو كان من أوصاف الروح لم يحتج
لتخصيصه بالقبر، فإن أحداً لم يقل أن أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد وأرواح
الشهداء أو المؤمنين في الجنة .
وفي حديث ابن عباس: ((سرنا مع رسول الله وَ الو بين مكة والمدينة فمررنا بواد فقال:
أي واد هذا؟ فقالوا: وادي الأزرق، فقال: كأني أنظر إلى موسى واضعاً أصبعيه في أذنيه له
جؤار إلى الله بالتلبية ماراً بهذا الوادي ثم سرنا حتى أتينا على ثنية قال: كأني أنظر إلى يونس
على ناقة حمراء عليه جبة صوف ماراً بهذا الوادي ملبياً)). سئل هنا كيف ذكر حجهم
وتلبيتهم وهم أموات وهم في الأخرى وليست دار عمل؟ وأجيب بأن الشهداء أحياء عند
ربهم يرزقون فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا بما استطاعوا، وأنهم وإن كانوا في
الأخرى فإنهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها واعتقبتها الأخرى التي
هي دار الجزاء انقطع العمل - هذا لفظ القاضي عياض - فإذا كان القاضي عياض يقول إنهم
يحجون بأجسادهم ويفارقون قبورهم فكيف يستنكر مفارقة النبي ◌َّ لقبره؟ فإن النبي ◌َله
إذا كان حاجاً وإذا كان مصلياً فجسده في السماء وليس مدفوناً في القبر انتهى.
فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي و # حي بجسده وروحه، وأنه
يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل
وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء
بأجسادهم، فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها
لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال.
٢٥٢
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
: الثالث: سئل بعضهم كيف يراه الراؤون المتعددون في أقطار متباعدة؟ فأنشدهم:
كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وفي مناقب الشيخ تاج الدين بن عطاء الله عن بعض تلامذته قال: حججت فلما كنت
في الطواف رأيت الشيخ تاج الدين في الطواف فنويت أن أسلم عليه إذا فرغ من طوافه، فلما
فرغ من الطواف جئت فلم أره ثم رأيته في عرفة كذلك وفي سائر المشاهد كذلك، فلما
رجعت إلى القاهرة سألت عن الشيخ فقيل لي طيب فقلت: هل سافر؟ قالوا: لا، فجئت
إلى الشيخ وسلمت عليه فقال لي: من رأيت؟ فقلت يا سيدي رأيتك فقال: يا فلان الرجل
الكبير يملأ الكون لو دعى القطب من حجر لأجاب فإذا كان القطب يملأ الكون فسيد
المرسلين و # من باب أولى، وقد تقدم عن الشيخ أبي العباس الطنجي أنه قال: وإذا
بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله اَله.
الرابع: قال قائل: يلزم على هذا أن تثبت الصحبة لمن رآه. والجواب: أن ذلك ليس
بلازم، أما إن قلنا بأن المرئي المثال فواضح لأن الصحبة إنما تثبت برؤية ذاته الشريفة جسداً
وروحاً. وإن قلنا المرئي الذات فشرط الصحبة أن يراه وهو في عالم الملك وهذه رؤية وهو
في عالم الملكوت، وهذه الرؤية لا تثبت صحبته، ويؤيد ذلك أن الأحاديث وردت بأن
جميع أمته عرضوا عليه فرآهم ورأوه ولم تثبت الصحبة للجميع لأنها رؤية في عالم
الملكوت فلا تفيد صحبته .
خاتمة: أخرج أحمد في مسنده، والخرائطي في مكارم الأخلاق من طريق أبي العالية
عن رجل من الأنصار قال: ((خرجت من أهلي أريد النبي ◌َّر فإذا به قائم ورجل معه مقبل
عليه فظننت أن لهما حاجة قال الأنصاري: لقد قام رسول الله وَّر حتى جعلت أرثي له من
طول القيام فلما انصرف قلت يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرئي لك
من طول القيام قال: ولقد رأيته؟ قلت: نعم قال: أتدري من هو؟ قلت: لا قال: ذاك
جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ثم نقال: أما إنك لو سلمت رد عليك
السلام)، وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن تميم بن سلمة قال: بينا أنا عند
النبي ◌َّ إذ انصرف من عنده رجل فنظرت إليه مولياً معتماً بعمامة قد أرسلها من ورائه
قلت: يا رسول الله من هذا؟ قال: هذا جبريل.
وأخرج أحمد، والطبراني، والبيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان قال: ((مررت
على رسول الله وَ ل﴿ ومعه جبريل فسلمت عليه ومررت فلما رجعنا وانصرف النبي ◌َّر قال:
هل رأيت الذي كان معي؟ قلت: نعم قال: فإنه جبريل وقد رد عليك السلام)).
وأخرج ابن سعد عن حارثه قال: رأيت جبريل من الدهر مرتين، وأخرج أحمد،
والبيهقي عن ابن عباس قلت: كنت مع أبي عند رسول الله ولو وعنده رجل يناجيه فكان
كالمعرض عن أبي فخرجنا فقال لي أبي: يا بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني؟
قلت: يا أبت إنه كان عنده رجل يناجيه فرجع فقال يا رسول الله قلت لعبد الله كذا وكذا
٢٥٣
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
فقال إنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد؟ قال: وهل رأيته يا عبد الله؟ قلت:
نعم قال: ذاك جبريل هو الذي يشغلني عنك.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: رأيت جبريل مرتين، وأخرج البيهقي عن ابن
عباس قال: ((عاد رسول الله وَل ◌َو رجلاً من الأنصار فلما دنا من منزله سمعه يتكلم في
الداخل فلما دخل لم ير أحداً فقال رسول الله وَ الر: من كنت تكلم؟ قال: يا رسول الله
دخل علي داخل ما رأيت رجلاً قط بعدك أكرم مجلساً ولا أحسن حديثاً منه قال: ذاك
جبريل وإن منكم لرجالاً لو أن أحدهم يقسم على الله لأبره)). وأخرج أبو بكر بن أبي داود
في كتاب المصاحف عن أبي جعفر قال: كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي وَله.
وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن حذيفة بن اليمان: ((أنه أتى
النبي ◌َّ﴿ فقال له: بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلماً يقول: اللهم لك الحمد كله ولك
الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره أهل أن تحمد إنك على
كل شيء قدير اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي واعصمني فيما بقي من عمري
وارزقني عملاً زاكياً ترضى به عني فقال النبي ◌َطار: ((ذاك ملك أتاك يعلمك تحميد ربك)).
وأخرج محمد بن نصر عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلماً يقول: اللهم
لك الحمد كله قال: فذكر الحدیث نحوه.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الذكر عن أنس بن مالك قال: ((قال أبي بن كعب:
لأدخلن المسجد فلأصلين ولأحمدن الله بمحامد لم يحمده بها أحد، فلما صلى وجلس
ليحمد الله ويثني عليه إذا هو بصوت عال من خلف يقول: اللهم لك الحمد كله ولك الملك
كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره لك الحمد إنك على كل شيء
قدير [اللهم] اغفر لي ما مضى من ذنوبي واعصمني فيما بقي من عمري وارزقني أعمالاً
زاكية ترضى بها عني وتب عليّ، فأتى رسول الله وَل﴿ فقص عليه فقال: ذاك جبريل)).
وأخرج الطبراني، والبيهقي عن محمد بن مسلمة قال: ((مررت على رسول الله الفول
واضعاً خده على خد رجل فلم أسلم ثم رجعت فقال لي: ما منعك أن تسلم؟ قلت:
يا رسول الله رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئاً ما فعلته بأحد من الناس فكرهت أقطع عليك
حديثك فمن كان يا رسول الله؟ قال: جبريل)). وأخرج الحاكم عن عائشة قالت: ((رأيت
جبريل واقفاً في حجرتي هذه - ورسول الله وَّ* يناجيه - فقلت يا رسول الله من هذا؟ قال:
بمن شبهته قلت بدحية قال: لقد رأيت جبريل)). وأخرج البيهقي عن حذيفة قال: ((صلى بنا
رسول الله ◌َ ﴿ ثم خرج فتبعته فإذا عارض قد عرض له فقال لي: يا حذيفة هل رأيت
العارض الذي عرض لي؟ قلت: نعم قال: ذاك ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبلها
استأذن ربه فسلم علي وبشرني بالحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة
سيدة نساء أهل الجنة)).
وأخرج أحمد، والبخاري تعليقاً، ومسلم، والنسائي، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في
٢٥٤
قـ
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
دلائل النبوة عن أسيد بن حضير أنه بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده
إذ جالت الفرس فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت فسكت فسكنت فرفع رأسه إلى السماء فإذا
هي بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح حدث
رسول الله ** بذلك فقال: تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت تنظر الناس
إليها لا تتوارى منهم. وأخرج الواقدي وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت
يوم بدر رجلين عن يمين النبي ◌َّ# أحدهما وعن يساره أحدهما يقاتلان أشد القتال ثم ثلثهما
ثالث من خلفه ثم ربعهما رابع أمامه .
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده، وابن جرير في تفسيره، وأبو نعيم، والبيهقي
كلاهما في دلائل النبوة عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه أنه قال بعد ما عمي: لو كنت
معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا
أتماری .
وأخرج البيهقي عن أبي بردة بن نيار قال: ((جئت يوم بدر بثلاثة رؤوس فوضعتهن بين
يدي النبي ◌َّ فقلت يا رسول الله أما رأسان فقتلتهما وأما الثالث فإني رأيت رجلاً أبيض
طويلاً ضربه فأخذت رأسه فقال رسول الله وَالخير: ((ذاك فلان من الملائكة)).
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: كان الملك يتصور في صورة من تعرفون من الناس
يثبتونهم فيقول إني دنوت منهم فسمعتهم يقولون لو حملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشيء فذلك
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُؤْحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِي مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
وأخرج أحمد، وابن سعد، وابن جرير، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: ((كان
الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو وكان أبو اليسر رجلاً جموعاً وكان العباس رجلاً
جسيماً فقال رسول الله وَ﴾: يا أبا اليسر كيف أسرت العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد
أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا فقال رسول الله وصله: لقد
أعانك عليه ملك كريم)). وأخرج ابن سعد، والبيهقي عن عمار بن أبي عمار: ((أن
حمزة بن عبد المطلب قال: يا رسول الله أرني جبريل في صورته قال: اقعد فقعد فنزل
جبريل على خشبة كانت في الكعبة فقال النبي ◌َّر: ارفع طرفك [فانظر فرفع طرفه] فرأى
قدميه مثل الزبرجد الأخضر)). وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، والطبراني في
الأوسط عن ابن عمر قال: ((بينا أنا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه
سلسلة فناداني يا عبد الله اسقني وخرج رجل من تلك الحفرة في يده سوط فناداني
يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر ثم ضربه بالسوط حتى عاد إلى حفرته، فأتيت النبي وَله
فأخبرته فقال لي: أوَ قد رأيته؟ قلت: نعم قال: ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم
القيامة)) .
محل الاستدلال رؤيته الرجل الذي خرج عقبه وضربه بالسوط فإنه الملك الموكل
بتعذيبه، وأخرج ابن أبي الدنيا، والطبراني، وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن
٢٥٥
الفتاوى المتعلقة بالتصوّف
العرباض بن سارية الصحابي رضي الله عنه أنه كان يحب أن يقبض فكان يدعو اللهم كبرت
سني ووهن عظمي فاقبضني إليك قال: فبينما أنا يوماً في مسجد دمشق وأنا أصلي وأدعو أن
أقبض إذا أنا بفتى شاب من أجمل الرجال وعليه رواح أخضر فقال: ما هذا الذي تدعو به؟
قلت: وكيف أدعو؟ قال: قل اللهم حسن العمل وبلغ الأجل قلت: من أنت يرحمك الله؟
قال: أنا رتاييل الذي يسل الحزن من صدور المؤمنين ثم التفت فلم أر أحداً، وأخرج ابن
عساكر في تاريخه عن سعيد بن سنان قال: أتيت بيت المقدس أريد الصلاة فدخلت
المسجد فبينما أنا على ذلك إذ سمعت حفيفاً له جناحان قد أقبل وهو يقول: سبحان الدائم
القائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الملك القدوس، سبحان رب الملائكة والروح،
سبحان الله وبحمده، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى، ثم أقبل حفيف يتلوه يقول مثل
ذلك، ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد فإذا بعضهم قريب مني
فقال: آدمي؟ قلت: نعم قال لا روع عليك هذه الملائكة.
تذنيب: ومما يمكن أن يدخل هنا ما أخرجه أبو داود من طريق أبي عمير بن أنس عن
عمومة له من الأنصار أن عبد الله بن زيد قال: يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني
آت فأراني الأذان، وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، وفي كتاب
الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين أن عبد الله بن زيد قال: لولا اتهامي لنفسي لقلت إني لم
أكن نائماً، وفي سنن أبي داود من طريق ابن أبي ليلى: ((جاء رجل من الأنصار فقال
يا رسول الله رأيت رجلاً كأن عليه ثوبين أخضرين فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا
أنه يقول قد قامت الصلاة ولولا أن يقول الناس لقلت إني كنت يقظاناً غير نائم، فقال
رسول الله وَلهو: ((لقد أراك الله خيراً)).
قال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود قوله: إني لبين نائم ويقظان
مشكل لأن الحال لا يخلو عن نوم أو يقظة فكان مراده أن نومه كان خفيفاً قريباً من اليقظة
فصار كأنه درجة متوسطة بين النوم واليقظة. قلت: أظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي
تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ويسمعون ما يسمعون والصحابة رضي
الله عنهم هم رؤوس أرباب الأحوال، وقد ورد في عدة أحاديث أن أبا بكر، وعمر، وبلالاً
رأوا مثل ما رآى عبد الله بن زيد، وذكر إمام الحرمين في النهاية والغزالي في البسيط أن
بضعة عشر من الصحابة كلهم قد رأى مثل ذلك، وفي الحديث [أن] الذي نادى بالأذان
فسمعه عمر، وبلال - جبريل - أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ويشبه هذا ما
أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن محمد بن المنكدر قال: ((دخل رسول الله وَّر على أبي
بكر فرآه ثقيلاً فخرج من عنده فدخل على عائشة ليخبرها بوجع أبي بكر إذ دخل أبو بكر
يستأذن فدخل فجعل النبي * يتعجب لما عجل الله له من العافية فقال ما هو إلا أن
خرجت من عندي فغفوت فأتاني جبريل عليه السلام فسعطني سعطة فقمت وقد برأت فلعل
هذه غفوة حال لا غفوة نوم)).
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
مسألة: قول ابن المصنف: حد النحو في الاصطلاح عبارة عن العلم بأحكام مستطنبة
من استقراء كلام العرب أعني أحكام الكلم في ذواتها وما يعرض لها بالتركيب، هل قوله
وما يعرض لها بأو أو بالواو وما معنى ذلك؟.
الجواب: هو بالواو قصد بذلك حد النحو على مصطلح أبيه الشامل للإعراب
والتصريف معاً، فأحكام الكلّم في ذواتها هو المبحوث عنه في التصريف، وما يعرض لها
بالتركيب هو المبحوث عنه في الإعراب ويطلق النحو إطلاقاً آخر على ما يرادف الإعراب
ويقابل التصريف وله حد غير ما ذكر.
مسألة: في قوله وَله: ((من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والجنة حق
والنار حق)) هل الجنة بالرفع أو النصب؟.
الجواب: هو بالنصب لا يجوز غيره لأنه الذي يستقيم به المعنى، ولا ينافي هذا قول
النحاة يجوز الرفع بعد استكمال الخبر لأنه حيث جاز أن يكون مستأنفاً والاستئناف هنا يخل
بالمعنى إذ يصير المراد الإخبار بأن الجنة حق وليس مراداً، وإنما المراد إدخاله في المشهود
به فتعين النصب .
مسألة: ما إعراب قوله وَلاتر: ((حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وقرة عيني في
الصلاة)»؟ .
الجواب: ليس في الحديث لفظ ثلاث، وأما إعرابه: ((فحبب)) فعل مبني للمفعول
والظرفان بعده متعلقان به. ((والطيب)) مرفوع به نائباً عن الفاعل. ((والنساء)) معطوف عليه.
وأما بقية الحديث فلفظ: ((وجعل قرة عيني في الصلاة)): ((فقرة)) مفعول جعل الأول أقيم
مقام فاعله لما بني للمفعول والجار والمجرور مفعوله الثاني، ومن زاد في الحديث لفظه
ثلاث فقد وهموه لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا فالمخصوص بحبه من أمر الدنيا اثنان
النساء والطيب - وهما بالنسبة إليه دين لا دنيا - ولهذا قال: من دنياكم ولم يقل من دنياي
ولا من الدنيا، فأشار بهذه الإضافة إلى أنهما من دنيا الناس لأنهم يقصدونهما للاستلذاذ
وحظوظ النفس وهو وَطلقة منزه عن ذلك، إنما حبب إليه النساء لينقلن عنه محاسنه ومعجزاته
الباطنة وأحكام الشريعة التي لا يطلع عليها الرجال غالباً وللقيام بأودهن وليتشرف أصحابه
بمصاهرته وغير ذلك من الفوائد الدينية، وحبب إليه الطيب لملاقاته الملائكة وهم يحبونه
ويكرهون الريح الخبيثة ، ولهذا امتنع من أكل الثوم ونحوه لأجل أن جبريل يأتيه، وقد ورد
٢٥٦
٢٥٧
الفتاوى النحوية وما ضُمْ إليها
في الملائكة أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولكن يجدون الريح.
مسألة: قوله وَلّ الجارية التي دعته لحاجتها: ((اجلسي في أي سكك المدينة شئت
أجلس إليك)) هل أجلس بالجزم أم بالرفع أم بالوجهين؟ .
الجواب: المعروف في هذا وأمثاله الجزم وبه ورد القرآن قال تعالى: ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] والأشهر في توجيهه أنه جواب شرط محذوف.
مسألة: قول الخزرجية :
إذا استكمل الإجزاء بيت كحشوه عروض وضرب ثم أو خولفت وفا
علام رفع قوله عروض وضرب؟.
الجواب: عروض مبتدأ وضرب عطف عليه والجار والمجرور - وهو كحشوه - الخبر
وتقديمه هو الذي سوغ الابتداء بالنكرة والتقدير كالحشو في الاستكمال العروض والضرب.
مسألة: في قوله ( 18 فيما رواه البخاري: ((لو كان ذاك وأنا حي فأستغفر لك)) هل لفظ
فأستغفر بالنصب أو بالرفع؟ .
الجواب: هو بالنصب بتقدير أن بعد الفاء في جواب لو وهي للتمني لا للشرط على حد
قوله تعالى: ﴿فَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٍ فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٦)﴾ [الشعراء: ١٠٢] ولا يصح كون ((لو)) في
الحديث للشرط لوجوه: أحدها: أن هذا إخبار عن مستقبل ((لو)) إنما تقع شرطاً في المضي
وإذا وقع المضارع بعدها أول بالمضي. الثاني: أن لو الشرطية لا يقع جوابها مضارعاً بل
ماضي اللفظ والمعنى. الثالث: أن جواب الشرط إذا كان مضارعاً لا يجوز اقترانه بالفاء
بالإجماع فعلم بذلك كله أن لو هنا للتمني لا للشرط .
مسألة: في إعراب تركيب وقع في بعض الكتب نصه ولا يمكن الوارث أخذها؛ هل
الوارث مرفوع على الفاعلية وأخذها بالنصب على المفعولية أو بالعكس؟ .
الجواب: الوارث هو المفعول المنصوب وأخذها هو الفاعل المرفوع لا يجوز غير
ذلك، ومن عكس فهو عارض من علم العربية بالكلية وذلك مأخوذ من قاعدة قررها أهل
النحو واتفقوا عليها منهم الزجاجي في الجمل، وابن هشام في المغني فقالا: إذا اشتبه
عليك الفاعل من المفعول فرد الاسم إلى الضمير، فما رجع إلى ضمير المتكلم المرفوع فهو
الفاعل، وما رجع إلى ضميره المنصوب فهو المفعول، وقال ابن هشام: تقول أمكن
المسافر السفر بنصب المسافر لأنك تقول أمكنني السفر ولا تقول أمكنت السفر انتهى،
وكذلك التركيب المسؤول عنه لو رجعت الوارث إلى الضمير لقلت في التكلم ولا يمكنني
أخذها وفي الخطاب ولا يمكنك أخذها وفي الغيبة ولا يمكنه أخذها، فالضمائر كلها
منصوبة وأخذها هو الفاعل، وكذا الوارث الواقع موقعه، ومن ظن أن الوارث هو الفاعل
لكونه من ذوي العقل دون الأخذ فهو في غاية الوهم، كيف والإمكان وعدمه إنما هو متعلق
بالأخذ لا بالوارث، ومن نظائر ذلك قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَانُهُ﴾ [الحديد:
٢٥٨
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
٢٠] وقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في آيات أخرى ترى الفاعل فيها
غير أولي العقل.
مسألة: فيمن سمع إنساناً ينشد قول العلامة ناصح الدين الأرجاني:
حكى انقلاب لياليه بأهليه
هذا الزمان على ما فيه من كدر
خيال قوم تمشوا في نواحيه
غدير ماء تراءى في أسافله
والرجل ينظر مرفوعاً أعاليه
فالرأس ينظر منكوساً أسافله
فأعرب الرأس مبتدأ وينظر المبني لما لم يسم فاعله خبر والضمير المستتر فيه العائد إلى
الرأس معمول لينظر ومنكوساً حال منه، وأسافل منصوب على الظرف والضمير المتصل به
عائد إلى الغدير، وتقدير الكلام ينظر الرأس حال كونه منكوساً أسافل الغدير والظرف متعلق
بينظر وكذا النصف الثاني فيكون تقديره ينظر الرجل حال كونه مرفوعاً في أعالي الغدير،
فيكون الشاعر قد شبه رأس الإنسان برأس الإنسان والرجل بالأسافل، والغدير في حال تمثل
الإشكال فيه منقلبة بالزمان في انقلابه بأهله ومراتب العلو والسفل الواقع في الحسن
بمشاهدة الإشكال المنتكسة في الغدير الموهومة أنها سطوح وقيعان الغدير مراتب الدنيا
ومناصبها ويكون سكن ياء أعاليه للضرورة، فهل هذا الإعراب صحيح مستقيم أو فاسد
باطل؟ أوله وجه ما في الجملة أو ما قاله من رد على هذا المعرب هو الصواب، وهو أن
أسافل مرفوع على أنه معمول لينظر أعني أنه النائب عن الفاعل، والمراد به أعني الأسافل
الأرجل والضمير المتصل به عائد إلى الرأس، والمراد بالرأس هنا الإنسان من باب إطلاق
الجزء وإرادة الكل، وأن هذا مثل قولهم فلان رأس بني فلان، وعندي خمسون رأساً من
الإبل، ومنكوساً حال من الرأس فيكون تقدير الكلام ينظر أسافل الإنسان حال كون الإنسان
منكوساً فهل هذا الإعراب صحيح؟ وما اعتبره من مجاز الرأس معتبر علاقته بينه وقرينته
الصارفة عن اللفظ المستعمل عما وضع له في التخاطب صالحة أو لا لأنه لا اعتبار لكون
الإنسان شريفاً أو وضيعاً بالنسبة إلى تمثل خياله في الغدير، وإنما الاعتبار في إنكاس الرأس
المشبهة بصاحب الفضل والكمال والشرف المعتبر عند أهل النظر والعقل وارتفاع الرجل
المشبه بأراذل الناس وسقاطهم، وعلى تقدير صحة كل ذلك هل يتمشى ذلك له في النصف
الثاني من البيت؟ وهل قول القائل إن إطلاق الرأس على الإنسان في مثل هذا الموضع أعني
حيث لا علاقة ولا قرينة لم يستعمله أحد من العرب ولا من غيرهم من المولدين وأرباب
البلاغة والفصاحة مثل أن يقال رأيت رأساً ويريد شخصاً من الإنسان من غير حصول قرينة
تدل على ذلك وإن مثل ذلك غير فصيح بل غير جائز، وإن قيل بجوازه فهو مستهجن غير
مألوف صحيح؟ وهل يكون قول القائل في جواز ذلك صرح الأصوليون بعدم اشتراط
الوضع في المجاز سفسطة وهذياناً؟.
٢٥٩
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
الجواب: الإعراب الأول هو الصواب، والثاني الذي قاله الراد خطأ بالكلية لا وجه له
ولو أعربه على وجه آخر فقال إن النائب عن الفاعل ضمير ينظر وأسافله مرفوع بالوصف
قبله على أنه نائب فاعل اسم المفعول على حد زيد يصبح مضروباً غلامه وكذا المصراع
الثاني لكان له وجه في الجملة ومع إمكان هذا الوجه فالأول هو الصواب، ولهذا الوجه
قادح خفي.
وأما الوجه الذي قاله الراد فلا وجه له البتة وهو خطأ صراح والقدح فيه أظهر من أن ينبه
عليه، وكيف يصح ما ذكره من المعنى وهو أن التقدير ينظر أسافل الإنسان حال كون
الإنسان منكوساً وهو ينظر بجملة أسافله وأعاليه معاً؟ وأيضاً فلا يتم له التشبيه الذي عقد
البيت لأجله، وأيضاً فالنكس قلب الأعلى أسفل لا عكسه الذي قرره هذا الراد وهو قلب
الأسفل أعلى فذاك يسمى رفعاً لا نكساً، فلهذا عبر الشاعر في الرأس بمنكوس وفي الرجل
بمرفوع، ولو كان ما قرره هذا الراد - كانت العبارة - فالإنسان أو فالرأس أي الإنسان ينظر
مرفوعة أسافله، وأيضاً فجعل منكوساً حالاً من الرأس يقدح فيه بأمرين: كونه من المبتدأ
وأكثر النحاة على منعه، وكونه يشعر بأن الإنسان إذا قام على الغدير يكون له حالتان: حالة
يكون فيها منكوساً وحالة لا يكون فيها كذلك، وليس الأمر كذلك بل لا يكون إلا منكوساً،
والأصل في الحال الانتقال، فإذا جعل حالاً من ضمير ينظر خلا من هذا القادح واستعمال
الرأس هنا بمعنى الإنسان لا يمكن تصحيحه، أما أولاً فلفساد المعنى المراد من التشبيه الذي
ساق الشاعر الكلام لأجله، وأما ثانياً فلأن مقابلته بالرجل تأبى ذلك - هذا هو المعول عليه
هنا في إبطال ذلك - وأما عدم القرينة والتنظير برأيت رأساً فلا مدخل له هنا، وأما قول
القائل في جواب ذلك: صرح الأصوليون بعدم اشتراط الوضع في المجاز فكلام غير واقع
موقعه ولا له تعلق بالمقصود - وهذا البيت لا تؤخذ معرفته من علم الأصول بل من علم
البلاغة وتوابعه - وكذلك البيان والبديع والإنشاء والترسل ونقد الشعر:
وللعلوم رجال يعرفون بها وللدواوين كتاب وحساب
مسألة: ما الفرق بين المثيل والشبيه والنظير؟.
الجواب: المثيل أخص الثلاثة، والشبيه أعم من المثيل وأخص من النظير، والنظير أعم
من الشبيه، وبيان ذلك أن المماثلة تستلزم المشابهة وزيادة، والمشابهة لا تستلزم المماثلة
فلا يلزم أن يكون شبه الشيء مماثلاً له، والنظير قد لا يكون مشابهاً، وحاصل هذا الفرق أن
المماثلة تقتضي المساواة من كل وجه، والمشابهة تقتضي الاشتراك في أكثر الوجوه لا كلها،
والمناظرة تكفي في بعض الوجوه ولو وجهاً واحداً، يقال هذا نظير هذا في كذا وإن خالفه
في سائر جهاته، ويؤيد هذا الذي قلته من المنقول ما نقله الشيخ سعد الدين في شرح العقائد
عن الأشعرية أن المماثلة عندهم إنما تثبت بالاشتراك في جميع الأوصاف حتى لو اختلفا في
وصف واحد انتفت المماثلة، وأما اللغويون فإنهم جعلوا المثيل والشبيه والنظير بمعنى
واحد.
٢٦٠
الفتاوى النحوية وما ضُمّ إليها
مسألة: قول الداعي: اللهم أرنا وجه نبينا وأوردنا حوضه هل صوابه وأوردنا أو أردنا
وهل بينهما فرق من جهة المادة والنقل والمعنى؟ .
الجواب: الصواب أوردنا من الورود والماضي أورد ومضارعه يورد وأما أردنا فهو من
الإرادة ولا معنى له هنا.
مسألة: في قوله وَالر: ((أوَ مخرجيّ هم)) كيف عطف وهو إنشاء على قول ورقة إذ
يخرجك قومك وهو خبر وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز، وأيضاً فهو عطف جملة على
جملة والمتكلم مختلف؟ .
الجواب: القول بأن عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز هو رأي أهل البيان والأصح عند
أهل العربية جوازه، وأهل البيان يقدرون في مثل ذلك جملة بين الهمزة والواو وهي
المعطوف عليها فالتركيب سائغ على رأي أهل الفنين، أما المجوزون لعطف الإنشاء على
الخبر فواضح. وأما المانعون فعلى التقدير المذكور أقول: ويصح أن تكون جملة الاستفهام
معطوفة على جملة التمني في قوله: ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك بل هذا هو الظاهر
فيكون المعطوف عليه أول الجملة لا ذيلها الذي هو ظرف متعلق بها، والتمني إنشاء فهو
من عطف الإنشاء على الإنشاء، وأما العطف على جملة في كلام الغير فسائغ معروف في
القرآن والكلام الفصيح قال تعالى: ﴿وَإِذِ أَبَْلَّ إِرَهِعَمَ رَبُُّ بِكَلِمَتٍ فَأَتَّمَّهُنَّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
إِمَامَّا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
مسألة: قال الشاعر:
ومستودع عندي حديثاً يخاف من إذاعته في الناس أن ينفد العمر
هل يجوز أن يقدر فيه إلى لأن المعنى ينحل إلى أن المودع يخاف إذاعة سره في الناس
ما دام حياً إلى حين نفاد عمره أو يمتنع تقدير إلى، وقول الآخر:
ومودع سره عندي ويحذر أن أبديه مني إلى أن ينفد العمر
هل دخول إلى في هذا البيت ممتنع؟ وإذا لم يمتنع فهل يجوز أن يكون هذا البيت
شاهداً على تقدير إلى في البيت الأول؟ .
الجواب: البيت الأول وإن أمكن أن يقدر فيه إلى على بعد لكن الأظهر أن لا تقدر
فيه لأن أن ينفد في محل مفعول يخاف، فمتى قدر فيه إلى لزم كونه يخاف بلا مفعول
فيصير المعنى ركيكاً، ولأن تقدير إلى التي هي لانتهاء الغاية لا تكون إلا بعد تقدم من
التي هي لابتداء الغاية والبيت خال منها فيكون تقديرها من حيث اللفظ ركيكاً، فلما
اجتمع في تقديرها ركاكة اللفظ والمعنى وجب العدول عنه. وأما البيت الثاني فمفعول
يحذر موجود وهو أن وصلتها وابتداء الغاية موجود وهو متى فجاز أن يقابل بإلى وكل
بيت له معنى يخصه أوجب ذلك، ثم تذكرت قاعدة في العربية تقتضي أن البيت الأول لا
يجوز تقدير إلى فيه بوجه من الوجوه وذلك أن النحاة نصوا على أنّ إن وأن المصدريتين